تسجيل الدخول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا هو المجلس الخامس من القراءة والتعليق على كتاب المدخل إلى علم الحديث للشيخ طارق بن عوض الله حفظه الله. وقد وصلنا بحمد الله إلى صفحة 60، المقبول من الآحاد وأنواعه.

أريد أن أنبه على أن الطالبات في هذه الحقيبة الدراسية الخاصة بعلوم الحديث يمكنهن أن يبدأوا في الاستماع إلى شرح الكتاب الكبير، وهو كتاب شرح منظومة لغة المحدث من الآن. يعني يمكن بعد هذه المقدمات أن تبدأي بال، عندنا شرحان لهذا الكتاب، الشرح الأول كان شرحا قديما، والشرح الثاني شرحا نظريا تطبيقيا، فممكن الأخت المشرفة تعمل لكن نسخة صوتية مراعاة لباقة النت عند كثير منكن، أو تستمع إلى الشرح التطبيقي الذي استعملت فيه السبورة، وأرجو أنها من الآن يمكن أن تكون جاهزة للاستماع إلى هذا الدرس.

فلا أدري لماذا لم تدخل الطالبات إلى الآن؟ آه نعم، دخلنا ولله الحمد. طيب، وصلنا إلى المقبول من الآحاد وأنواعه. نقرا أولا، قال الشيخ حفظه الله: تكلمنا عن أخبار الآحاد وقلنا إن منها ما هو مقبول ومنها ما هو مردود بحسب حال الراوي والرواية. فأخبار الآحاد التي اجتمعت فيها شرائط الصحة والقبول هي رواية مقبوله يجب العمل بها، والتي اختل منها شرط، والتي اختل فيها شرط منها، فإنها حينئذ تكون من الأخبار المردوده التي لا يعمل بها ولا يعتمد عليها ولا يحتج بها.

يعني ساقرا الفقره كامله ثم أعلق عليها إن شاء الله. قال: فانها حينئذ من الأخبار المردوده التي لا يعمل بها ولا يعتمد عليها ولا يحتج بها. وعليه، فما هي شرائط القبول وما هي الشرائط التي اشترط أهل العلم في الحديث، التي اشترطها أهل العلم في الحديث حتى يكون مقبولا محتجا به معتمدا عليه؟ هذا ما سنتناوله بإذن الله تبارك وتعالى في هذا المبحث. قال الشيخ، طبعا الشيخ هنا يبين أن أخبار الآحاد التي يعني ليست متواترة، لابد أن تتوفر فيها شروط حتى تقبل تلك الرواية وحتى يعمل بها.

قال الشرط الأول: أن يكون الإسناد متصلا. طبعا هي شروط خمسة، ذكر الشيخ هنا، قال: قال علماء الحديث رحمهم الله: اشترطوا لقبول الحديث خمسة شروط. هذه الشروط الخمسة هي، الشرط الأول: أن يكون الإسناد متصلا، بمعنى أن يكون كل راو من رواة هذا الإسناد قد تحمل هذه الرواية عن شيخه الذي فوقه في الإسناد بطريق من طرق التحمل المعتبرة، سواء كان بالمشافحة، أي بالسماع، أو بالعرض، أي بالقراءة على الشيخ، أو بغير ذلك مما ذكره اهل العلم من طرق التحمل، بشرط أن تكون هذه الطريقة، بشرط أن تكون هذه الطريقة من الطرق التي يعتمد عليها وليست من الطرق التي لا يحكم باتصالها.

يعني احنا لو عندنا إسناد مثلا عند الإمام البخاري رحمه الله، فالامام البخاري يروي هذا الإسناد عن القعنبي، والقعنبي رواه عن مالك، ومالك رواه عن نافع، ونافع رواه عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمر رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فنحن نريد أن يكون كل راوي من هؤلاء تلقى الرواية عمن روى عنه بطريقة يحكم لها بالاتصال، فيكون البخاري سمع من القعنبي، والقعنبي اخذ الحديث عن مالك، ومالك اخذه عن نافع، ونافع اخذه عن ابن عمر، وابن عمر هو صحابي، فلا شك أنه اخذ رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم.

فهذا هو الشرط الأول، وهو اتصال الإسناد. احنا سبق أن ذكرنا أن الإسناد يكون فيه الرواة ويكون فيه كذلك صيغ الأداء، يعني الصيغة التي يستعملها الراوي بينه وبين من روى عنه مثل كلمة حدثنا، أخبرنا، عن، قال. فالعلماء اشترطوا حتى تكون الرواية مقبولة، لابد أن يكون الراوي تلقى هذه الرواية عمن يروي عنها، وهذا التلقي له طرق، يمكن أن يكون بالقراءة بالسماع من الشيخ، يعني الشيخ يقول حدثنا فلان عن فلان والطالب يسمع، ويمكن أن يكون ذلك بالعرض على الشيخ، يعني يأتي طالب من طلاب الشيخ فيقرا، يقرا الحديث على الشيخ والشيخ يقر, يعني يستمع إليه ويقره، كما يقول مثلا بعض طلبة الإمام مالك: قرات على مالك عن ابن عمر عن نافع، وهكذا.

فهذه الطريقة الثانية، وثم طرق أخرى مثل الإجابة ومثل الوجادة، وسبق الكلام، أو سياتي الكلام عنها إن شاء الله، ولكن في طرق أو في كتب أوسع من هذا الكتاب. إذا الشرط الأول هو اتصال الإسناد، ومعناه أن يكون كل راو تلقى الرواية عمن روى عنه بطريقة من طرق التحمل المعتبرة.

طيب، الشرط الثاني: أن يكون كل راوي من رواة هذا الإسناد أو هذه الرواية عدلا في نفسه. يعني الرواية هي نفس الإسناد، يعني هو هنا يقصد بالرواية الإسناد مافيش فرق. قال: والعدل هو من يجتنب كبائر الذنوب ويتقي في غالب أحواله الصغائر، وليس من شرط العدل ألا تقع منهم المعصية، بل قد تقع منه المعصية ولكنه سرعان ما يتوب ويؤوب ويعود إلى ربه، وإلا فليس هناك أحد معصوم من الخطا.

قال: هذا بخلاف الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما سياتي بيانه في مباحث الجرح والتعديل إن شاء الله تبارك وتعالى، فان الذي عرف بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو في حديث واحد، ساقط العدالة، حتى وإن تاب ورجع عن هذه المعصية، فان توبته بينه وبين ربه عز وجل، أما حديثه فلا يحتج به أبدا.

يعني الشرط الثاني نلاحظ أنه شرط في الراوي نفسه، وهو أن يكون الراوي عدلا. ما معنى عدل؟ يعني أن يكون رجلا عنده تقوى، وأهم صفة نريدها منه هي الصدق، الصدق في الرواية، يعني ألا يتعمد كذبا، وأن يكون يتحرى الصدق ويهتم برواية الرواية كما تحملها، فهذا أهم شرط في العدالة. طبعا مع في مع مع القيام بحق الإسلام وحقوق العباد والناس، في التقوى درجات وفي العدالة درجات، لكن أهم ما يلاحظه العلماء في العدالة هو الصدق، لماذا؟ لأن هذا الراوي يروي رواية ونحن نريد أن نتاكد أنه يروي الرواية كما تحملها وأنه لا يتعمد كذبا.

فهذا هو الشرط الثاني، وذكر هنا أن الراوي إذا عرف أنه يكذب بالحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا طبعا اختلف فيه، وعدد من العلماء يكفره ويحكم بقتله، وعدد من العلماء يرى أنه يمكن أن يتوب ويعني ولكن توبته بينه وبين الله ولا تقبل روايته إذا عرف أنه يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الشرط الثالث: أن يكون الرواة ضابطين، أي متقنين متثبتين لأحاديث بالضبط، معنا الحفظ، والحفظ معناه أن الراوي يروي الرواية كما تحملها، إذا جاءته الرواية مرسلة يرويها مرسلة، إذا جاءته موقوفة على صحابي يجعلها موقوفة، إذا جاءته مثلا عن عبد الله بن عمر يجعله عن عبد الله بن عمر، لا يجعله عن عبد الله بن عمرو، وهكذا. يعني خلاصه الضبط هو الحفظ والاتقان، أن يروي الراوي الرواية كما تحملها تماما.

والضبط، هو ذكر أن الضبط نوعان: ضبط صدر وضبط كتاب. ضبط الصدري أن يكون، يعني أنا الآن أقرأ، وضبط الصدري أن يكون الراوي قد حفظ مروياته في صدره وحفظه لها واستمر هذا الضبط معه لحين ما يحدث بهذا الحديث من حفظه فيؤديه إلى غيره. وضبط الكتاب هو أن يكون الكتاب محفوظا لديه وأن يكون مقابلا مصححا مراجعا على أصله، وأن يحتفظ به إلى أيضا لحين ما يحدث به، إذ يسمع غيره من الكتاب وليس من حفظه.

فمن كان حفظه حفظ كتاب لا صدر، فلا بد وأن يحدث من الكتاب. ومن كان حفظه حفظ صدر لا كتاب، فلا بد وأن يحدث من صدره. أما من جمع بين الضبط، كان يكون ضبطه ضبط صدر وضبط كتاب، كتابه مصحح مقابل وهو أيضا يحفظ ما فيه، فله أن يحدث من كتابه وله أن يحدث من حفظه، وإن كان تحديثه من كتابه أولى، لأنه أبعد عن الخطا والنسيان.

كما جاء عن الإمام علي بن المديني رحمه الله أنه قال: أمرني سيدي أحمد بن حنبل ألا أحدث إلا من كتاب. هذا مع أنه كان ممن يحفظ كتبه، ولكن هذا زيادة في الاتقان والتحري والتثبت. طيب، الآن شرط الضبط، ما معنى الضبط؟ ما اتفقنا أن الراوي فيه شروط حتى تقبل روايته، الشرط الأول هو أن يكون عدلا، يعني أن يكون صادقا تقيا لا يتعمد كذبا ويتحرى في هذا الصدق ويطلب أسبابه. والضبط معناه الحفظ والإتقان، معناه أن هذا الراوي مثلا حينما حضر مجلس السماع لشيخ فإنه حفظ ما ألقاه عليه الشيخ وضبطه وبدا يراجع في هذا الحفظ إلى أن حدث بهذا الحديث، لأن الراوي ما عمل الراوي؟ عمل الراوي هو التحمل والأداء، يتحمل من شيخ ويؤدي إلى تلميذ، فنحن نريد منه أن يؤدي الرواية لتلميذه كما تحملها من شيخه، وهذا يقتضي مراجعة وتثبت ويقابل حفظه بحفظ غيره ومذاكرة يتذاكر مع غيره الحديث.

فبعض الرواة كان لا يحفظ في صدره ولكنه كان يعتمد على كتابه، فنحن نريد من هذا الراوي أن يكون ضبطه ضبط كتاب، يعني أن يكون ضابطا لكتابه، يحفظ كتابه من التلف ويحفظه من التحريف، من أن يدخل فيه أحد ما ليس فيه، فهذا هو ضبط الكتاب، وكل من عرف بأن ضبطه ضبط كتاب وليس ضبط صدر، فلا بد أن يحدث من كتابه.

بعض الرواة كانوا ثقات إذا حدثوا من كتبهم، لكن العلماء لا يقبلون من رواياتهم ما يحدثونه من حفظهم، يقولون لأنه إذا حدث من حفظه يخطئ. ومن الرواة من يحدث من حفظه من صدره، يعني هو متقن لا يحتاج أن يحدث من كتاب، وكان عدد من اهل العلم مع حفظهم وضبطهم في صدورهم إلا أنهم مع ذلك يحبون أن يحدثوا من كتاب.

فمن هؤلاء الإمام أحمد بن حنبل، وكذلك علي بن المديني رحمه الله، مع أنه شيخ الإمام أحمد، إلا أنه كان يوقر ويجله ويقول: أمرني سيدي أحمد بن حنبل ألا أحدث إلا من كتاب. وهذا مزيد في الاحتياط، لأن الاحتياط في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يبلغ أعلى درجة، ولأن الغرض هو أن تؤدى الرواية كما تحملها الراوي، فاذا كان يعينه على ذلك أن يحدث من كتابه أو من صحيفته، فهذا هو الأولى.

قال الشرط الرابع: أن يكون الحديث سالما من الشذوذ، وهذا الشرط متعلق بالرواية لا بالراوي، أي أن تكون الرواية نفسها سالمة من التفرد الذي لا يحتمل، بمعنى أن تكون مخالفة للأحاديث الصحيحة الثابته المفروغ من صحتها، وألا يكون هذا الراوي الذي تفرد بها ليس أهلا للتفرد بمثل هذه الرواية، فان كان تفرده مما لا يحتمل، فانه والحالة هذه يكون تفرده من قبيل الشاذ الذي لا يحتمله الأئمة ولا يعتبرون به.

طيب، ما هو الشذوذ؟ الشذوذ هو التفرد المذموم، معناها أن هذا الراوي جاء برواية، هذه الرواية لم يتابع عليها، يعني لم يتابعه عليها أحد. طيب، هل معنى ذلك أن الراوي إذا انفرد لابد أن ترد روايته؟ لا، لا يلزم، لماذا؟ لأن الراوي يمكن أن يكون أهلا للتفرد، الراوي ثقة ثبت مشهور بالعدالة والإتقان والضبط، فهو لما تحمل الرواية عن شيخه ضبطها والعلماء وجدوا أنه دائما كلما اشترك مع الرواة تكون روايته موافقه لرواياته، فبالتالي اطمان لهذا الراوي، فاذا انفرد هذا الراوي برواية، العلماء يقبلون روايته ويقولون هذا الراوي وإن كان تفرد، لكننا نحتمل هذا التفرد، لماذا؟ لأننا جربنا عليه أنه كلما اشترك مع غيره من الرواة كانت روايته موافقه لروايته، فبالتالي هو راوي ثقة وضابط فسنقدم.

ترد به الرواية؟ يعني ليس سببا موجبا ترد به الرواية، ولكنه مظنة للشك في الراوي. فاذا كان الراوي دائما كلما اشترك وافق الثقات، فاننا نقبل تفرده، لكن إذا كان هذا الراوي لا يكاد يوافقهم ويخالفهم كثيرا ويخطئ، فهذا الذي نخاف من تفرده ونقول إن تفرده لا يحتمل، فيكون والحالة هذه يكون حديثه شاذا.

وكذلك الشذوذ يطلقه عدد من اهل العلم على المخالفة، أي أن يكون الراوي خالف من هم أوثق منه في الرواية، فتكون هذه قرينة على خطئه، وهناك تفاصيل أخرى في مبحث الشذوذ تجدينها إن شاء الله يعني بشيء من البسط والأمثلة في شرح الكتاب الكبير، اللي هو شرح منظومة لغة المحدث.

الشرط الخامس: أن يكون الحديث نفسه سالما من العلة. والعلة هي أسباب خفيه غامضة تعتري الرواية التي هي من حيث الظاهر صحيحه، فيترجم الناقد أن هذه الرواية خطا وأنها تسرب إليها نوع من الخطا أو شيء من الخطا، ويدرك ذلك الإمام بتفرد، ويدرك ذلك الإمام بتفرد الراوي كما سبق بيانه في الشاذ، أو بمخالفته لغيره، كان يتبين له، كان يتبين له أن هذا الراوي الذي روى الحديث لم يوافق على ما رواه بل خالفه أو غيره ممن هم أوثق منه، أو ممن هو أتقن منه، أو ممن هو أكثر منه عددا وأولى بالحفظ منه، فحينئذ يحكم بخطا ذلك الراوي الذي خالف الجماعة أو خالف الأشهر أو خالف الأتقن والأحفاظ، ويحكم على حديثه بأنه حديث معلول.

يعني العلة هي سبب يجعلنا نضاعف تلك الرواية أو نرد تلك، يجعلنا نرد تلك الرواية أو نضعف هذه الرواية، والسبب في ذلك أننا وجدنا مخالفة لهذا الراوي. طيب، يعني الشذوذ أيضا هو نوع من العلة، فلماذا

يخصه العلماء مع أنهم لو قالوا: ألا يكون الحديث معلولاً لكفى، لكن بعض العلماء يفرق بين الشذوذ والعليله هما ترد به الرواية.

لكن ما الفرق؟ يقولون: إن الشذوذ هو تفرد الراوي الذي لا يحتمل تفرده، فإذا انفرد الراوي ولم يتابعه غيره من الثقات فإننا نخاف من روايته إذا كان هذا الراوي من شأنه أنه يخطئ، فنقول تفرده لا يحتمل.

وبعضهم يسمي خطأه هذا شاذاً وبعضهم يسميه منكراً، ولفظ المنكر أشر، أما العلة فجعلها العلماء هي الخطأ الذي اكتشف بسبب مخالفة الراوي لمن هم أولى منه بالحفظ أو أكثر منه عددا.

يبقى الشذوذ هو نوع من العلة، يعني الشذوذ هو تفرد الراوي الذي لا يحتمل تفرده، وقد يكون مع تفرده خالف الثقات فيكون الحديث شاذاً ومعللاً في ذات الوقت تماماً.

وبعضهم يقول لا، إذا تفرد الراوي ولا يحتمل تفرده فهذا نسميه شاذاً أو منكراً، لكن إذا عرفنا خطأه عن طريق مخالفته لثقة فحينئذ نسمي خطأه علة.

وكلاهما بنفس المعنى، يعني هو مجرد اختلاف في اللفظ فقط.

يبقى إذا نحن عندنا حالتان لرد رواية الراوي: الحالة الأولى أن ينفرد الراوي، يعني لا يروي هذا الحديث غير هذا الراوي، هو فقط اللي رواه، ولكن وليس أهلاً للتفرد، فبالتالي نحن لن نقبل تفرده، نقول له: أنت لست أهلاً للتفرد، أنت ما ينفعش أبداً تنفرد بالرواية دي أين كان الثقات وأنت تنفرد بهذه الرواية؟ فحينئذ أرد الرواية، ممكن بقى بعض العلماء يسميها شاذة ويسميها منكرة، يعني مجرد اختلاف في اللفظ.

أما الحالة الثانية: أن يكتشف خطأ الراوي عن طريق مخالفته للثقلين اشتركوا معه في تلك الرواية، فحينئذ نكون اكتشفنا خطأه بسبب المخالفة، وهو لا يقوى على أن يخالف هؤلاء الثقات، فبالتالي نحن نرد هذه الرواية.

قال الشيخ حفظه الله: والأئمة رحمهم الله يعتمدون في ذلك على قرائن لا حصر لها، القرائن اللي هي الشواهد يعني ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل لهم نظر ثاقب ورأي راجح وفقه في هذا الباب، ولا يدركه إلا أمثلهم رحمهم الله.

ونحن نلاحظ من خلال هذه الشرائط الخمسة التي ذكرها أئمة الحديث رحمهم الله للحديث المقبول، نلاحظ أن بعضها يتعلق بالراوي والبعض الآخر يتعلق بالرواية.

فالشرط الأول وهو اتصال الإسناد يتعلق بالراوي نفسه من حيث العلاقة بينه وبين شيخه، بأن يكون قد تلقى الحديث عن شيخه بإحدى الطرق المعتمده في تحمل الأحاديث.

والشرطان الثاني والثالث، وهما أن يكون الراوي عدلاً ضابطاً، أيضاً متعلقان بالراوي، أي أن يكون الراوي نفسه عدلاً وأن يكون أيضاً ضابطاً.

والشرط الرابع والخامس، وهما أن يكون الحديث نفسه سالماً من الشذوذ سالماً من العلة، هذان الشرطان متعلقان بالرواية نفسها، لكن من الممكن أن نردهما إلى الراوي أيضاً، أي أن السلامة من الشذوذ والعلة معناه أن يكون هذا الراوي لم يخطئ في هذا الحديث بعينه، وإن كان هو في الجملة ممن عرف بالتثبت والحفظ والإتقان، يعني يقصد يقول: إننا لن نكتفي بمجرد الحكم العام على الراوي، لماذا؟ لأن الراوي يمكن أن يكون ثقة ثبتاً عموماً، لكنه في هذه الرواية بعينها أخطأ، فنحن نريد منه أن يكون ضابطاً في تلك الرواية بعينها، وألا يكون ثبت له فيها خطا.

قال: ذلك أن أئمة الحديث رحمهم الله يعرفون أن الراوي مهما كان متثبتاً، مهما كان ثقلاً، مهما كان حافظاً، فهو ليس معصوماً من الخطا، وهو لا يسلم من أن يعتريه خطأ في بعض الأوقات، فلهذا اشترط الأئمة في الحديث أن يكون سليماً من الشذوذ والعلة لاحتمال أن يكون هذا الحديث معين من الأخطاء القليلة التي أخطأ فيها ذلك الراوي الثقة.

قال الإمام يحيى بن معين: الإمام يحيى بن معين عليه رحمه الله من أكبر أئمة الجرح والتعديل وائمة علل الحديث وكان قريناً للإلام أحمد بن حنبل عليهما رحمه الله قال يحيى بن معين: لست أعجب ممن يخطئ، إنما أعجب ممن لا يخطئ.

يعني لا يتعجب أبداً من أن الإنسان يخطئ أو يكثر خطأه، بل العجب أن يوجد انسان لا يخطئ، وهذا لا يكون أبداً.

قال الشيخ: وذلك أن الخطأ صفة لازمة للإنسان مهما كان من أهل التثبت ومهما كان من أهل الإتقان، وليس يعصم من الخطأ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حتى يعني هذه العبارة أيضاً ليست صحيحة، النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر الله تبارك وتعالى أنه عصمه من الخطأ، وإنما الله سبحانه وتعالى عصمه من الناس، عصمه من أن يقتل وعصمه من أن يضله أحد صلى الله عليه وسلم، ويمكن أن يصدر من رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر يصوبه الله تبارك وتعالى ويبين له وجه الحق فيه، كما قال مثلاً: عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ، وقال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ، وقال: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ، وقال: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ، وقال: عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى.

والنبي صلى الله عليه وسلم مثلاً في أمر تأبير النخل ذكر أمراً لما فعله الناس، خرج النخل شيصاً يعني لم يكن اقتراحاً صحيحاً، ففكرة أنه يقول: ليس أحد يعصم من الخطأ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه ليست دقيقة، والصواب أن الأنبياء لا يقرون على خطأ، يعني يمكن أن يصدر من نبي من الأنبياء نبي كريم من الأنبياء يصدر عنه اجتهاد في أمر ما، والله تبارك وتعالى ينهاه عنه أو يبين له وجه الصواب، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر لعبد الله بن أبي بن سلول والله تبارك وتعالى نهاه، وأراد أن يصلي على قبره والله تبارك وتعالى انزل قوله: وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، فهذا وارد.

كما أن إبراهيم عليه السلام استغفر لأبيه، والله تبارك وتعالى بين أن ذلك كان عن موعده وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، فالشاهد أن النبي من الأنبياء الكرام يمكن أن يصدر منه شيء يستغفر الله تبارك وتعالى منه، كما حصل من نوح عليه السلام: قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ، وكذلك يونس عليه السلام قال: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، والله سبحانه وتعالى قال: وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ، وكذلك ذكر عن سليمان: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ.

يعني آيات تأتي في مواضع يذكر فيها أن النبي الكريم من هؤلاء يمكن أن يصدر عنه أمر يستغفر الله تبارك وتعالى منه، لكن هؤلاء الأنبياء الله تبارك وتعالى لا يقرهم على أمر صدر منهم يحتاجون فيه إلى بيان وتعليم، بل الله سبحانه وتعالى يعلمهم عليهم الصلاة والسلام.

أقصد أقول: إن هي العبارة هذه ما كان يحتاج إليها الشيخ حفظه الله، معروف أن ليس هناك أحد في الدنيا لا يخطئ، كل انسان يخطئ، يمكن أن يصدر عنه الخطأ.

طيب، قال: فلما كان هناك احتمال وإن كان ضعيفاً أن يكون الراوي الثقة أخطأ في الحديث، اشترط الأئمة رحمهم الله في الحديث أن يكون سالماً من الشذوذ، سالماً من العلة، ليطمئنوا إلى أن هذا الحديث الذي بين أيديهم ليس مما أخطأ فيه ذلك الراوي الثقة.

فإذا تبين لهم أنه أخطأ وأن هذا الحديث من القليل النادر الذي أخطأ فيه، حينئذ ردوا الحديث وجعلوه من قسم المردود وحكموا بشذوذه أو بكونه معلولاً، ولم يغتروا بحال الراوي، وهذا تنبيه مهم.

وهو أن كون الراوي ثقة، أنت مثلاً إذا وجدت في كتب التراجم، المقصود بكتب التراجم التي تذكر الرواة وتذكر مثلاً أسماءهم وتذكر أحكام العلماء فيهم، مثل كتاب تهذيب الكمال وتهذيب التهذيب وتقريب التهذيب وكتاب ميزان الاعتدال وغيرها من الكتب، يمكن أن يأتي مثلاً ذكر للراوي بأن هذا الراوي ثقة ثبت حافظ أو أن هذا الراوي ضعيف أو نحو ذلك، فهو الشيخ يقول: لا تغتر بالحكم العام على الراوي، لأن الراوي قد يكون في الحكم العام ثقة ثبتاً، لكنه في الحديث المعين يكون قد أخطأ.

زي مثلاً أنت طالبة في الجامعة وتقديرك العام جيد جداً، لكنك مثلاً في ماده الإنجليزي جايبه مقبول، ربما في مادة أخرى تكون امتياز، فالحكم العام شيء والحكم الخاص شيء آخر، فالشيخ هنا ينبه على هذا المعنى أن الراوي قد يكون ثقة ثبتاً، لكنه في رواية بعينها أخطأ.

قال: ولم يغتروا بحال الراوي ولم يقولوا إنه ثقة أو حافظ أو متقن متثبت، فإن هذا إنما ينفع الراوي في العموم، يعني في الحكم العام، لكن حيث يتبين خطأه في حديث معين، فإن الحكم العام المتعلق بحفظه وإتقانه وتثبته لا ينفعه، يقال حينئذ إنه حقاً ثقة وإنه فعلا حافظ متقن، إلا أن هذا الحديث بعينه مما أخطأ فيه، وهو يستثنى من أحاديث التي أصاب فيها وأتى بها على الجادة والاستقامة.

يبدأ بقى الشيخ يدخل في الألفاظ التي يعبر بها عن صحة الحديث، الألفاظ التي يعبر بها عن كون الرواية مقبولة.

قال الشيخ: الحديث الصحيح، قال: هذا الحديث الذي تحققت فيه الشروط الخمسة يسمى عند علماء الحديث بالحديث الصحيح.

فحديث الصحيح عندهم هو الحديث الذي تحققت فيه هذه الشرائط الخمسة: أن يكون إسناده متصلاً بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه أي إلى أن ينتهي الإسناد إلى من انتهى إليه، وأن يكون سالماً من الشذوذ سالماً من العلة.

وهنا ينبغي أن يتنبه إلى أمر، وهو أن هذه الصحة عند المحدثين قد تكون صحة مطلقة وقد تكون صحة نسبية، بمعنى أن قول المحدثين هذا حديث صحيح، إن قصدوا أنه صحيح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو حينئذ فهم حينئذ يقصدون أن هذه الشرائط قد تحققت في الإسناد كله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لكن أحياناً يقولون: هذا حديث صحيح، ويقصدون صحة نسبية، أي أنه صحيح إلى راوي معين من الإسناد بصرف النظر عن حال الإسناد فوقه.

أنا سأشرح لك هذه الفكره، تصوري مثلاً أن شخصاً قال لك: قالت النصارى المسيح ابن الله، هل هذا الكلام حق أم باطل؟ فانت تقولين: ماذا تقصد بحق أو باطل؟ هل تقصد هل هذا الكلام ثبت عن النصارى؟ نعم، هو حق، قالت النصارى ذلك، لكن هل هذا الكلام في أصله حق أم باطل؟ لا، هو لا شك من أعظم الباطل.

يبقى احنا عندنا هنا حكمان: الحكم الأول هو نسبة هذا القول إلى النصارى، هل فعلاً النصارى قالوا المسيح ابن الله؟ نعم، إذاً هذا حديث صحيح، بمعنى أن إسناد هذا الكلام إلى النصارى ثبت، فبالتالي هذا حديث صحيح.

لكن إذا اتينا لنحكم على هذا الكلام سنعلم أنه من أعظم الباطل.

فالشيخ هنا حفظه الله يريد أن يقول: يمكن أن بعض علماء الحديث يطلق على رواية بأنها صحيحة، لا يقصد أنها ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن يقصد أنها هي الرواية المحفوظة للحديث.

كيف مثلاً؟ عندنا بعض الرواة، طبعا لو في سبورة كان يبقى الموضوع سهل بالنسبة لك، لكن أنت إن شاء الله تتصورين هذا، وضع الرواية تصوري مثلاً أننا عندنا رواية يرويها قتادة مثلاً، قتادة هو أحد الرواة الذين تدور عليهم الأسانيد، وهو راوي يكثر ذكره في كتب السنن، أنه عالم كبير حافظ متقن، وكان عنده تلاميذ كثيرون تحملوا رواياته ورووه، أحياناً كانوا يختلفون عليه.

فتصوري مثلاً أننا عندنا هذا الحديث يرويه قتادة، وروى عنه راويان، روى مثلاً عنه شعبة بن الحجاج، وروى عنه سعيد بن أبي عروبة، يبقى احنا هنكتب قتادة ونطلع منه سهمين، السهم الأول هو شعبة والسهم الثاني هو سعيد بن أبي عروبة.

شعبة روى الحديث عن قتادة عن انس عن النبي صلى الله عليه وسلم، بينما سعيد لما روى هذا الحديث عن قتادة رواه عن قتادة عن انس من قول له، يعني موقوف على انس، ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

يبقى هنا حصل خلاف، يعني حصل خلاف هنا في الرواية، فمثلا لما ياتي العالم يترجح لديه أن قول شعبة هو الصواب، فيقول: والصحيح هو قول شعبة، أو أحياناً يرجح قول سعيد فيقول: وحديث سعيد هو المحفوظ، يعني هو الرواية الصواب عن قتادة.

فإذاً، العلماء قد يطلقون كلمة الصحة أو الحفظ في الرواية بمعنى أنها الوجه الصحيح لهذه الرواية لما يكون حصل فيها خلاف.

فهو شيخنا ذكر لك مثالاً، قال مثلاً: حديث يرويه الناس عن الإمام الزهري، فنجد بعض الأئمة يقولون: هذا الحديث صحيح عن الزهري، لا يقصدون بهذا الحكم أن الحديث صحيح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما يقصدون أن شرائط الصحة قد تحققت في الحديث في هذا الحديث من الإسناد الذي دون الزهري حتى إليه، إلى أن انتهى إلى أن انتهى الكلام إلى الزهري.

أما الإسناد فوق الزهري فقد لا يكون صحيحاً، قد يكون مرسلا، يعني الزهري رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فبلا شك أن الحديث هنا فقد شرط الاتصال لأن الزهري ليس صحابياً.

واضح؟ قال الشيخ: أما الإسناد الذي فوق الزهري فقد لا يكون صحيحاً، قد يكون مرسلاً، وقد يكون

منقطعاً، وقد يكون قد اشتمل على علة أو على موجب لرد الخبر؛ يعني فيه سبب يجعلنا لا نقبل هذا الخبر. وإنما مراد الأئمة ها هنا أن الصحة ها هنا متعلقة بهذا الذي نسب الصحة إليه، وليس بالضرورة أن يكون الحديث صحيحاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قد يكون صحيحاً ولكن هذا ليس ضرورياً وليس لازماً؛ يعني كما قلت لك هي الصحة النسبية. الصحة النسبية معناها أن هذا الكلام صح عن فلان، تمام.

لكن لما نأتي ننظر بقى في هذا الكلام، ربما يكون هذا الكلام خطأ، ربما تكون الرواية فوق فلان هذا منقطعة. يعني أضرب لك مثلاً، لو أن الرواية مثلاً هنا هنا رواها الزهري، جاءت عنه من طرق كثيرة فثبت عندنا فعلاً أن الزهري قال روى رواية عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فنقول: هذه الرواية ثبتت عن الزهري؛ يعني فعلاً الزهري حدث أصحابه عن عمر رضي الله عنه. لكن هل الزهري أصلاً سمع من عمر؟ لا، الزهري لم يسمع من عمر. فإذاً هذه الرواية وإن صحت عن الزهري، لكن هذه الرواية انقطعت؛ لأن الزهري لم يسمع من عمر.

فثبت عن الزهري أنه قال عن عمر، لكن هو لم يسمع من عمر، فبالتالي يمكن أن نحكم على الرواية بأنها صحيحة من جهة، وأنها غير صحيحة من جهة أخرى. هي صحيحة عن الزهري؛ يعني هو قال هذا الكلام فعلاً، لكن هل الرواية فوق الزهري متصلة؟ لا، ليست متصلة. إذاً هي صحيحة عن الزهري، لكنها رواية ليست ثابتة عن عمر رضي الله عنه، لماذا؟ لأنها فيها انقطاع عندنا بين الزهري وبين عمر رضي الله عنه.

الأمثلة كثيرة جداً ستجدينها بإذن الله في الكتاب الكبير؛ لأن هذا الكتاب هو مجرد يعني إيه تذكرة أو مجرد مدخل كما سماه الشيخ. قال: ونجد في كتب علل الحديث أئمة الحديث رحمهم الله يذكرون روايات ويبينون ما بينها من اختلاف في الإسناد أو في المتن، ثم يحكمون على بعض هذه الأسانيد المختلفة بأنه الأصح أو بأنه أصح أو بأنه أولى بالصحة. لا يقصدون من هذا إلا الصحة النسبية؛ يعني أنه صح عن هذا العالم.

كان يكون الحديث مثلاً رواه الإام الزهري واختلف عليه. ما معنى اختلف عليه؟ يعني أن الزهري لما رواه أصحابه، أصحاب الزهري اختلفوا عليه؛ يعني لم يتفقوا. بعضهم مثلاً روى الرواية عن الزهري عن أنس، وبعضهم روى الرواية عن سعيد عن الزهري عن سعيد بن المسيب مرسلة، يعني عن سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسعيد بن المسيب هو تابعي فلم يلقَ النبي صلى الله عليه وسلم فروايته مرسلة. وبعضهم يرويها مثلاً عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس. فهذا اختلاف حصل، اختلاف هنا. وبعض العلماء يقولون الصواب مثلاً رواية الزهري عن سعيد بن المسيب مرسلة، هي صحيحة.

مع أن لو إحنا طبقنا شروط الصحة على هذه الرواية سنجد أنها مرسلة، فكيف يقول العلماء أنها صحيحة مع أنها مرسلة؟ يقصدون أن هذا هو الوجه الصواب عن الزهري، هذا هو الوجه الصواب المحفوظ. لكن لما نأتي نطبق شروط القبول فيما بعد الزهري سنجد أن الرواية فيها انقطاع؛ لأن سعيد بن المسيب لم يلقَ النبي صلى الله عليه وسلم فروايته عنه مرسلة، يعني منقطعة.

طيب، الشيخ هنا ضرب مثالاً، قال: كان يكون الحديث مثلاً رواه الزهري الإمام الزهري واختلف عليه، فرواه بعضهم عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والبعض الآخر رواه عن الزهري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلاً من غير أن يذكر وسائط بين الزهري ورسول الله صلى الله عليه وسلم. فحديث إذا نظرنا إليه باسناده الأول يكون صحيحاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا نظرنا إليه باسناده الآخر لا يكون صحيحاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فياتي العلماء بعد أن يذكروا هذا الخلاف، فإذا ترجح لديهم أن الصواب في الرواية أنها مرسلة، وأن الذي وصل الحديث بذكر سعيد بن المسيب وأبي هريرة بين الزهري ورسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أخطأ في ذلك، وأن الصواب أن الزهري إنما روى الحديث مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا موصولاً. فيقولون: الصحيح قول من قال عن الزهري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي مرسلة، أو الصحيح المرسل. لا يقصدون بذلك أن المرسل صحيح، يعني مش قصدهم أن الحديث المرسل صحيح؛ لا، لأن الحديث المرسل منقطع تماماً.

لا يقصدون بذلك أن المرسل صحيح، وإنما يقصدون الصحة النسبية، أي إذا نظرنا في الحديث عن الزهري، فالذي يصح عن الزهري هو أنه حدث بالحديث مرسلاً ولم يحدث بالحديث موصولاً كما ادعى ذلك من ادعاه عن الزهري. فهذه صحة نسبية ينبغي أن نتفطن لها، وهي تكثر في كلام أئمة العلل في كتب علل الحديث، وفي كلامهم في علل الحديث. من ذلك الشيخ هنا هيبيكرّ يذكر بقا مثال، وهذا المثال إن شاء الله سيوضح لك هذه الفكرة.

ولكن خلينا نراجع الفكرة مرة أخرى؛ دلوقتي إحنا عندنا كلمة الصحيح معناه هنا الرواية المحفوظة. تصوري مثلاً أن شخصاً قال: قالت النصارى الله لا إله إلا هو الحي القيوم، هل هذا الكلام حق أم باطل؟ هذا الكلام حق من جهة وباطل من جهة. حق من جهة أن كلمة لا إله إلا الله هي الحق، هي أعظم حق، لكن هل فعلاً النصارى قالوا ذلك؟ لا، لم يقولوا ذلك. إذاً هذه الرواية خطأ، لماذا؟ لأنه نسب إلى النصارى ما لم يقولوه، حتى لو كان الذي نسبه هذا صحيحاً في نفسه، هذا أمر آخر لا يهمنا.

يبقى إذاً الصواب هو قول من قال: قالت النصارى المسيح ابن الله، هذا قولهم، لكن لو واحد نسب إلى النصارى أنهم يقولون الله لا إله إلا هو الحي القيوم هذا يكون خطأ. فيبقى إذاً الحكم هنا في نسبة القول، فلما تأتي رواية مثلاً يرويها الراوي، ويكون هذه الرواية أخطأ فيها الراوي، حتى لو كانت هذه الرواية متصلة، نقول له لا، أنت أخطأت؛ لأن الزهري الصواب عنه أنه لم يذكر لا سعيد بن المسيب ولا أبا هريرة، وإنما هو رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم. فهذه الرواية المحفوظة عن الزهري.

ثم لما نأتي نطبق شروط القبول، سنجد أن هذا الحديث فيه سبب لرد الرواية، وهو أن هذا الحديث منقطع. الشيخ ذكر هنا مثالاً، طبعا ستجدين هذه الأمثله تتوسع في الكتاب الكبير. قال الشيخ: من ذلك حديث رواه الإمام الترمذي، اللي هو عنده كتاب الجامع، اللي هو كتاب جامع الترمذي، اللي هو من الكتب الستة. قال: حديث رواه الإمام الترمذي رحمه الله رواه من طريق ابن عيينة، اللي هو سفيان بن عيينه يعني، عن الزهري عن أبي سلمه. أبو سلمه اللي هو ابن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عن عبد الرحمن بن عوف ورحمة الله. أبا سلمه عن أبي سلمه قال: اشتكى أبو الرداد الليثي فعاده عبد الرحمن بن عوف. فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله: أنا الله وأنا الرحمن، خلقت الرحم إلى آخر الحديث.

فهكذا روى سفيان بن عيينه الحديث عن الزهري بهذا الإسناد. وخالفه معمر بن راشد، معمر بن راشد أيضاً من الرواة الثقات، لكن هنعرف أن هو في هذه الرواية أخطأ، وسنكتشف الخطأ الآن إن شاء الله. قال: وخالفه معمر بن راشد فرواه عن الزهري أنه قال: حدثني أبو سلمه أن الرداد الليثي أخبره عن عبد الرحمن بن عوف الحديث.

قال الترمذي عقب ذلك بعد أن ذكر الخلاف بين معمر وسفيان، سفيان بن عيينه في هذا الحديث الذي يرويان عن الزهري قال: حديث سفيان عن الزهري حديث صحيح. ومعمر كذا يقول؟ قال محمد بن إسماعيل البخاري: حديث معمر خطأ. أنا سأشرح لك هذه الفكرة؛ سفيان بن عيينه روى هذه الرواية عن الزهري، وأيضاً معمر روى تلك الرواية عن الزهري. ما الفرق بينهما؟

الفرق أن الزهري لما روى الرواية جعل أبا سلمه يحدث عن موقف. يبقى الفرق بين الروايتين أن الرواية الأولى سفيان بن عيينه لما حدث بهذه الرواية رواها عن الزهري، قال: حدثني عن أبي سلمه قال: اشتكى أبو الرداد الليثي، قال: فعاده عبد الرحمن بن عوف؛ يعني أبو سلمه رحمه الله هو لم يشهد هذا الموقف، لم يشهده، فحكى هذا الموقف.

لكن في الرواية الثانية معمر بن راشد لما روى الرواية عن الزهري، قال: حدثني أبو سلمه أن الرداد الليثي أخبره. يبقى الفرق بين الروايتين أن في الرواية الأولى أبو سلمه يحكي الحدث كأنه حضره كأنه شاهده، أما في الرواية الثانية فكأن أبا سلمه تلقى هذه الرواية عن أبي الرداد الليثي.

فالإمام الترمذي لما حكم بأن الرواية الأولى رواية سفيان بن عيينه هي الصواب، لا يقصد أن الحديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، لماذا؟ لأن هذا الحديث فيه انقطاع؛ يعني الرواية رواية مرسلة. فالشيخ يريد أن يقول إن كلمة صحيح عند العلماء لا يقصدون منها الصحة المطلقة، أو أن هذا الحديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يقصد أن هذه هي الرواية المحفوظة عن الزهري.

نكمل كلام الشيخ في صفحة سبعة وستين، قال: فواضح جداً أن الإام الترمذي رحمه الله لا يعني أن هذا الحديث صحيح بالنسبة إلى نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو صحيح عنده بالنسبة إلى نسبته للزهري فقط. يعني هو يريد أن يقول إن هذه الصحة النسبية، وذلك لأن أبا سلمه بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه؛ يعني أبو سلمه بن عبد الرحمن بن عوف لم يسمع من عبد الرحمن بن عوف، فلا شك أنه لم يشهد هذه الواقعة أصلاً، فتكون الرواية مرسلة.

قال: كما قال ذلك غير واحد. فرواية ابن عيينه أي عن الزهري عن أبي سلمه بن عبد الرحمن قال: اشتكى أبو الرداد الليثي فعاده عبد الرحمن، هذه الرواية منقطعة؛ لأن أبا سلمه بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه. أما رواية معمر فهي عن أبي سلمه أن الرداد الليثيه أخبره عن عبد الرحمن، فجعل واسطة بين أبي سلمه وأبيه.

الحديث من رواية معمر متصل، بينما هو من حديث ابن عيينه منقطع. فكيف وصف الإمام الترمذي حديث ابن عيينه بأنه صحيح وهو منقطع، ولم يصف حديث معمر بأنه صحيح مع أنه متصل؟

والجواب أن الإمام لا ينظر ولا يعنيه ما فوق الزهري من الإسناد، إنما يعنيه ماذا قال الزهري في الرواية؟ هل قال كما قال ابن عيينه عن أبي سلمه اشتكى أبو الرداد الليثي فعاده عبد الرحمن، أم قال كما قال معمر عن أبي سلمه أن الرداد الليثيه -ويقصد الرداد هنا لعله يقصد ابن أبي الرداد- قال: إن الرداد الليثي أخبره عن عبد الرحمن؟

الذي ترجح لدى الترمذي ولدى البخاري، لأن الترمذي نقل تصحيح البخاري أن الحديث حديث سفيان بن عيينه وأنه عن الزهري هكذا، وأن هذا الحديث وأن هذا هو الصحيح عن الزهري. وإذا ثبت أن حديث ابن عيينه هو الصحيح عن الزهري وأن معمرا أخطأ، فيرجع الحديث منقطعا فلا يحتج به.

ولكن عدم الاحتجاج به، قال: ولكن عدم الاحتجاج به إنما هو بسبب ما فوق الزهري في الإسناد؛ لأن الإسناد فوق الزهري منقطع، ولكن قوله صحيح إنما يقصد صحته عن الزهري وليس صحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهو سيذكر مثالاً آخر، سنذكر هذا المثال أيضاً. نعم، نذكر هذا المثال ونقف هنا إن شاء الله. قال رحمه الله: قال رحمه الله من ذلك أيضاً أن الإمام يحيى بن معين سئل عن حديث أبي الصلت الهروي عن أبي معاويه، الحديث المعروف حديث: مدينة العلم وعلي بابها. فقال الإمام ابن معين: هو صحيح.

فياترى هل يقصد بقوله هو صحيح أي صحيح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو صحيح إلى أبي معاويه، بمعنى أن أبا الصلت الهروي رواه عن أبي معاويه، والحديث حديث أبي معاويه، فيكون المخطئ عند ابن معين في الحديث أبو معاويه وليس أبا الصلت؟ يعني يريد أن يقول: الحديث هذا ثبت عن أبي معاويه، لكن هو بعد ذلك لا يثبت، هي صحة نسبية.

قال: فإن كان يقصد المعنى الأول، أي صحة الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس أحد من الرواه قد أخطأ فيه عنده. أما إن كان يقصد أنه صحيح إلى أبي معاويه وأنه هو المخطئ فيه، فيكون حينئذ يكون ذلك متضمناً تبرئة ابن معين لأبي الصلت الهروي من عهدة الحديث؛ يعني يبين أن أبا الصلت أصاب فيه، لكن الخطا هو من أبي معاويه، وترجع العهدة إلى أبي معاويه.

الأمر كما ترون محتمل، ولكن الإام الخطيب البغدادي صرح بأحد الاحتمالين، فقال: أراد ابن معين أنه صحيح من حديث أبي معاويه وليس باطلاً، إذ قد رواه غير واحد عنهم؛ أي أن الحديث عند ابن معين حديث أبي معاويه، وأن أبا الصلت لم يخطئ في نسبة الحديث إلى أبي معاويه، ولم يقصد ابن معين بقوله ولم يقصد ابن معين بقوله هو صحيح أنه صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الذي قاله الإام الخطيب البغدادي كلام صحيح، ويتاكد بأن ابن محرز حكى في كتابه عن ابن

معين أنه قال: هو من حديث أبي معاوية، أخبرنا أخبرني ابن نمير قال: حدث به أبو معاوية قديماً ثم كف عنه، وكان أبو الصلت رجلاً موسراً يطلب هذه الأحاديث ويكرم المشايخ، وكانوا يحدثونه به.

إذا أفادت هذه الحكاية عن ابن معين يحيى بن معين أن أبا معاوية حدث بهذا الحديث في يوم من الأيام، وأن أبا الصلت الهروي كان يجالس أبا معاوية، وأن أبا معاوية كان يؤثره بهذه الأحاديث، وأن أبا معاوية كان قد أخطأ في هذا الحديث قديماً، ثم بعد ذلك امتنع عن روايته فلم يكن يحدث به بعد.

فهذا يفيد أن الحديث إنما يصح عن أبي معاوية فقط، بمعنى أنه قد رواه أبو معاوية في يوم من الأيام، لكن لما ثبت أنه عنه وكف عن التحديث به دل ذلك على أنه لا يصح عما فوقه فضلا عن أن يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد جاء عن ابن معين ما يدل على ذلك، وأن الحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حكاه عنه ابن الجنيد في سؤالات قال: ابن الجنيد سمعت يحيى بن معين وسئل عن عمر بن إسماعيل بن مجالد بن سعيد فقال: كذاب، يحدث أيضاً بحديث أبي معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنا مدينة العلم وعلي بابها وهذا حديث كذب ليس له أصل.

ومن ذلك يعني مثال آخر، ومن ذلك أيضاً أنهم يطلقون اسم الصحيح على ما يصح من جهة المعنى وإن لم يصح من جهة الرواية، فيقولون صحيح أي صحيح المعنى، وهذا موجود وإن كان نادراً، لكن ينبغي أن يتنبه له حتى نستطيع أن نتفهم كلام كلام الأئمة رحمهم الله في كل موضع وفي كل مناسبة.

ومن ذلك ما حكاه الترمذي في العلل الكبير عن الإمام البخاري أنه قال في حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ماء البحر: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ، قال البخاري: هو حديث صحيح.

تعقبه الإمام ابن عبد البر في التمهيد قائلاً: لا أدري ما هذا من البخاري رحمه الله، لو كان عنده صحيحاً لأخرجه في مصنفه الصحيح عنده ولم يفعل، لأنه لا يعول في الصحيح إلا على الإسناد، وهذا الحديث لا يحتج أهل الحديث بمثل إسناده.

فأنتم ترون أن الحديث فانتم ترون أن الحديث عند الإمام ابن عبد البر ليس صحيحاً من جهة الإسناد أي من جهة الرواية، ثم قال بعد ذلك ما يدل على أن معنى الحديث عنده صحيح، يعني أن الماء أن البحر طهور ماؤه وحل ميتته هذا معنى صحيح، لكنه من جهة الإسناد لا يثبت.

قال ابن عبد البر رحمه الله: وهو عندي صحيح لأن العلماء تلقوه بالقبول بالقبول له والعمل والعمل به ولا يخالف في جملته أحد من الفقهاء، وإنما الخلاف في بعض معانيه، وهذا يدل على أن لفظ الصحيح قد يثقون وهذا هو الشاهد من كل هذه الأمثلة.

وهذا يدل على أن لفظ الصحيح قد يطلقونه على جهة المعنى لا الرواية، وإذا قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير وهو كتاب يعنى بأحاديث الفقه قال معلقاً على هذا الكلام على كلام ابن عبد البر رده ابن عبد البر من حيث الإسناد وقبله من حيث المعنى.

ونستفيد من هذا أنه ليس كل ما يصح من جهة المعنى لابد أبداً أن يكون صحيحاً من جهة الرواية، فقد يكون الحديث صحيح المعنى ولكنه ليس صحيح الرواية ولا ثابتاً عما نسب إليه، بل قد يكون ضعيفاً فليس كل ما يصح عن أهل العلم من جهة المعنى يلزم أن يكون صحيحاً من جهة الرواية.

والله أعلم، نكتفي على هذا المقدار والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.