الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مع المجلس السادس من قراءتنا لكتاب المدخل إلى علم الحديث، وهو كتاب جيد للمبتدئ الذي يريد أن يدخل في هذا العلم.
وهو العلم الذي تهتم فيه الطابعة بتعلم مصطلح الحديث؛ ما هي المصطلحات المستعملة في علوم الحديث؟ وما دلالات هذه المصطلحات؟ وما هي فروع علم الحديث؟ فعلم الحديث هو مقدمة مهمة لمن تريد أن تدرس سنة النبي صلى الله عليه وسلم، الأحاديث والآثار، وتريد أن تتعامل مع كتب السنن والآثار، كموطأ مالك، وكتب محمد بن الحسن الشيباني، وكتب الشافعي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والدارمي، وأحمد، وإسحاق، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. فمقدمة مهمة للدخول إلى هذه الكتب والانتفاع منها أن تمر الطالبة الكريمة على كتب مصطلح الحديث، وكذلك كتب الرجال، وكتب علل الحديث. وقليل من النساء من تصبر على هذا العلم؛ لأنه يحتاج جهداً، يحتاج دراسة، يحتاج صبراً. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون فيكُن الخير والجلد والصبر في طلب هذا العلم حتى يعني يكون نشره على يديكن إن شاء الله تبارك وتعالى.
وصلنا إلى صفحة اثنتين وسبعين، الحديث الحسن. قال المصنف حفظه الله الشيخ طارق عوض الله حفظه الله قال: الحديث الحسن. قال: ننتقل إلى نوع آخر من أنواع الحديث المقبول، ألا وهو الحديث الحسن، وسوف يكون حديثنا عن هذا النوع من الحديث في فصلين؛ الأول معنى قول المحدثين حديث حسن، وطبعا الثاني هيتكلم فيه عن هل الحديث الحسن مقبول، يعني الاحتجاج بالحديث الحسن.
قبل أن ندخل في هذا الموضوع، اريد أن أذكرك بما اخذناه في أول درس، وهو أن المصطلحات المستعملة في أي علم تختلف دلالاتها من علم لآخر. علوم الحديث من أكثر العلوم التي يستعمل فيها مصطلحات وتختلف دلالات هذه المصطلحات، فهم يستعملون مصطلحات للحكم على الراوي، أو الحكم على الرواية، أو تسمية الكتاب. فقد يطلقون على الراوي مثلاً: ثقة، أو حجة، أو ضعيف، أو منكر الحديث، أو متروك الحديث، أو مدلس. وقد يطلقون على الرواية أنها: صحيح، ضعيف، خطأ، منكر، مقلوب، شاذ، موضوع، حسن، حجة. وقد يطلقون على الكتاب أنه: الجامع، أو السنن، أو المسند، أو المستدرك، أو المستخرج، أو الألزام. فهناك مصطلحات مستعملة في هذا العلم، وطالبة العلم التي تدرس علوم الحديث لابد أن تعرف هذا المصطلح، تعرف المصطلحات وتعرف هل لها دلالة واحدة أو لها أكثر من دلالة.
قال الشيخ: الفصل الأول معنى قول المحدثين حديث حسن. قال: الحديث الحسن من الأحاديث التي كثر كلام أهل العلم عليهم رحمة الله في بيان معناه وإيضاح مصطلحه. فكلمة حسن عند علماء الحديث تطلق على معاني متعددة، جماعها يعني ما هو المعنى الجامع لكل ما يقصده العلماء؟ أن كل ما يستحسن في الرواية لشيء ما، سواء كان هذا الشيء له علاقة بثبوت الحديث أو ليس له علاقة، فإنهم يطلقون عليه وصف الحسن، أو الحسن أي أن هذا الحديث قد وجدت فيه صفة تدعو إلى استحسانه بصرف النظر عن كون هذه الصفة لها تأثير في ثبوت الحديث وليست ما.
معنى هذا الكلام؟ معنى هذا الكلام أن العلماء إذا استحسنوا أي شيء في الرواية، فإنهم يمكن أن يسموا هذه الرواية أنها حديث حسن. قد يستحسنون هذه الرواية لكونها صحيحة، قد يستحسنونها مثلاً لأنها من رواية بعض الأقران عن بعض. يعني مثلاً احنا نعرف الأقران هم الرواة الذين اشتركوا في الرواية عن المشايخ وهم في سن واحد أو في طبقة واحدة، فإذا روى بعضهم عن الآخر فهذا معنى يستحسن له الحديث، حتى لو لم يكن الحديث في نهاية الأمر ثابتاً. قد يطلقون الحسن على الحديث المتوسط في القبول، قد يطلقون الحديث الحسن على الحديث الذي معناه جميل وحسن لكنه لا يثبت من جهة الرواية حتى لو كان الحديث موضوعاً.
فالمهم أن لفظ الحسن عند العلماء المتقدمين، هذه أهم نقطة بقا تفهمينها، لفظ الحسن عند العلماء المتقدمين لا يستلزم الصحة، بل يمكن أن يطلقوا الحسن على الحديث المنكر، أو يطلقون الحسن على الحديث الضعيف، أو حتى على الحديث الموضوع. فلا بد أن تتدبري هذا الاطلاق من العلماء، وأن تعرفي أن العلماء حيث أطلقوا كلمة الحسن، أقصد المتقدمين لا أقصد المتاخرين. وطبعا الفرق بين المتقدمين المتاخرين يعني ممكن تجعلين من أول القرن من أول القرن الرابع يعني إلى عصرنا هذا فهم المتاخرون، أو تحديدا مثلا القرن الثامن اللي هو كتاب الحافظ ابن حجر كتاب نخبة الفكر، فهذا الكتاب هو الذي وقبله حتى كتاب ابن الصلاح، كان هؤلاء العلماء المتاخرون يطلقون الحسن ويريدون به الحديث المتوسط في القبول. أما العلماء المتقدمون فكان عندهم مصطلح الحسن يطلق على أكثر من دلالة هو حتى لو كانت حديثه ضعيفة لكن معناه حسن.
طيب، قال الشيخ حفظه الله: فقد وجدنا أئمة الحديث يستحسنون الحديث لكونه صحيحاً ثابتاً عم من انتهى الخبر إليه. وبطبيعه الحال فإن الحديث الصحيح حديث حسن بهذا المفهوم، أي قد وجد فيه معنى يدعو إلى استحسانه وهو كونه ثابتاً صحيحاً حجة. ولهذا وجدنا بعض أهل العلم أطلق اسم الحسن على ما هو صحيح مما قدجه البخاري ومسلم ومما قد تلقته الأمة بالقبول والتصحيح له. ووجد ذلك في استعمال الإمام الشافعي والإمام أحمد وغيرهما من أهل العلم رحمهم الله جميعاً.
ووجدنا الأئمة يستعملون اسم الحسن على كل ما هو داخل في نطاق الحجه، يعني هذه درجة أقل، يعني العلماء يطلقون الحسن أولاً على أصح الأحاديث، وقد يطلقونه على ما يدخل في جملة القبول الذي هو الحديث المتوسط، يعني حتى لو كان في أقل الدرجات وإن لم يكن في أعلى درجات القبول، فقد هو الحديث الذي يتفرد به الراوي الصدوق والذي هو من أدنى درجات الثقات حيث يكون حديثه سالماً من الشذوذ والعلة، يعني ليس فيه خطأ من الراوي ولم يخالف الراوي فيه غيره، وصفوه أيضاً بالحسن على أساس أنه حديث صالح للحجه، حديث يصلح لأن يحتج به وأن تبنى عليه الأحكام، وهذا ما يسميه المتاخرون بالحسن لذاته.
بل صرح بعض أهل العلم بأن مثل هذه الأحاديث التي وصفت بكونها حساناً ولم يكن رواتها في أعلى درجات القبول قد وجد في الصحيحين أمثلة لها، أي أن يكون بعض الرواة ممن يصدق عليهم أن ما تفرد به يصير حسناً قد وجد من هذا أحاديث في الصحيحين. أي يمكن أن نجد في البخاري ومسلم أحاديث متوسطة القبول، بمعنى أن الراوي الذي انفرد بها راوي أو الراوي الذي رواها الذي رواها عموماً هو من جملة الثقات، لكنه ليس في أعلى درجات الثقة.
فإذا الحديث الحسن يطلق على أصح الأحاديث، أو يطلق حتى على الأحاديث المتوسطة، أو أقل الأحاديث التي تدخل في مصاف الحجة. قال: ولا شك أن ما خرجها ما خرجها، ولا شك أنه ما خرجها البخاري ومسلم في الصحيحين إلا لأنه قد ترجح لديهما أن هذه الأحاديث قد حفظها هؤلاء الرواة، يعني الراوي وإن كان متكلماً في حفظه يعني متوسط القبول مثلاً أو حتى فيه ضعف، لكنه ليس معنى ذلك أنه أخطأ في كل الروايات، فالبخاري ومسلم يمكن أن يخرجا لراوي متكلم في حفظه، لكنهما ينتقيان أصح ما عنده.
قال: لكن لما ترجح لديهم أنهم أنهم حفظوها وأنها سالمة من الشذوذ والعلة، استجازوا أن يدخلوها في كتاب الصحيح على أساس أن الحسن نوع من انواع الصحيح. وأطلق أيضاً الحسن على الحديث الضعيف الذي انضمت إليه قرينة أو انضمت إليه رواية أو أكثر فارتقى بها إلى مصاف الحجة، وهذا المتاخرون بالحسن لغيره، وهو الذي وجد في كلام الإمام الترمذي عليه رحمة الله حيث عرف الحسن الذي استعمله في كتابه الجامع.
يبقى الإطلاق الثالث للفظ الحسن هو الحديث الذي فيه ضعف لكنه انضم معه روايات أخرى فصار حسناً لغيره، يعني صار حسناً بمجموع الروايات. يبقى إذا الإطلاق الأول أنه يطلق على أصح الأحاديث، ويطلق كذلك على الأحاديث المتوسطة، ويطلق كذلك على الحديث الذي فيه ضعف لكن جاءت روايات أخرى تقويه.
قال: وإنما وصف الائمة هذا الحديث بالحسن أو بالحسن الاثنين ينفعوا لأنه مستحسن فيه معنى ما، وهو أنه حديث صالح للحجة، قد وجد فيه معنى يدعو العلماء إلى الاحتجاج به وأقامه الأحكام عليه. فهذا معنى يستحسن الحديث من أجله، وهو معنى راجع إلى قبول الحديث وإلى كونه داخلاً في مصاف الحجة ومصار الحديث مقبولاً. وأيضاً هنا بقا هيتبدا يتكلم عن استعمال الأئمة للفظ الحديث الحسن مع أنهم لا يقصدون أنه مقبول وإنما يقصدون معنى آخر ربما العكس تماماً.
قال أيضاً: وجد استعمال المحدثين لكلمه الحسن في عكس ذلك تماماً، فقد استعملوا الحسن على الغريب والمنكر. يعني الحديث الغريب الذي أغرب به راوي يعني انفرد به، وهو لا يقبل تفرده، يعني الراوي عندنا ممكن ينفرد بالحديث والعلماء لا يقبلون تفرده، يقولون أنت لست ثقة حتى نقبل ما تنفرد به. وقد يستعملون الحديث يستعملون أفضل الحسن هنا من باب التحذير من هذا الحديث أو أنه يستحسن لكونه يحذر، واضح؟
طيب، قال رحمه الله: قال حفظه الله: بل على الموضوع من الأحاديث. يعني ممكن يستعملون لفظ الحسن على الغريب الحديث الذي انفرد به راوي أو المنكر الذي انفرد به راوي أخطأ فيه أو حتى على الحديث الموضوع المكذوب. قال: وذلك أيضاً، وذلك راجع أيضاً إلى أمر استحسنوه في الحديث وإن لم يكن راجعاً إلى قبوله، بل هو راجع إلى رده وعدم الاعتداد به. فالمعنى الذي استحاحسنوه في الغرائب والمناكير هو أن علماء الحديث، ركزي بقى هنا، يعني إزاي علماء الحديث يسمون حديثاً منكراً أو ضعيفاً بأنه حديث حسن؟ الشيخ هنا يفسر لك.
قال: فالمعنى الذي استحسنوه في الغرائب والمناكير هو أن علماء الحديث عليه رحمة الله أيضاً عامة رواه الحديث كانوا إذا سمعوا الحديث الغريب الذي لا يجدونه عند سائر الرواة، كانوا يستحسنون سماعه لما فيه من غرابه ربما ينتفع بها عامة رواه الحديث وينتفع بها خاصة أئمة الحديث. كيف ذلك؟
الحديث الغريب الذي انفرض به الراوي لماذا كان العلماء يستحسنون سماعه؟ لان هذا الحديث فيه فائدة، وهو التعرف على أن هذا الحديث غريب وأن هذا الحديث منكر. علماء الحديث يهتمون بسماعه لماذا؟ لأنهم سيحذرون من رويه وسيكشفون خطاه. فكما أن علماء الحديث اهتموا بالعلم بالحديث الصحيح ليعملوا به وليبثوه في الناس، فكذلك اهتموا بالأحاديث الغرائب أو المنكرة حتى يحذروا منها الناس، واضح؟
قال: فأما عامة رواه الحديث، فإنما كانوا يستحسنون مثل هذه الأحاديث ليتندروا وليغربوا بها على أقرانهم، وهذا معروف. فقد كان عامة رواه الحديث يستحسنون سماع الغرائب من الأحاديث لهذه العلة، فكان الواحد منهم إذا ما طرق سمعه حديث غريب سرع إلى رواه واخراجه حتى يظهر للناس أنه عنده ما ليس عندهم. طبعا هو يقصد هنا يقصد هنا الحديث، يعني يقصد هنا رواه الحديث الذين ليسوا نقاد، ليسوا أئمة، فربما الواحد منهم يفرح بالحديث الغريب، أما العلماء الكبار فلا يفرحون بهذا الحديث إلا ليبينوا ضعفه وليحذروا منه، واضح؟
ده الفرق بين العالم الامام وبين مجرد الراوي؛ الراوي يريد أن يغرب على أقرانه يعني أن هو أتى بشيء غريب، لكن العلماء الكبار لا يغترون بهذا الغريب ولا يهتمون به إلا ليحذر منها. كما جاء في مقدمة مسلم أن بعض الرواة كان جاء في مقدمة مسلم خلاص هو ذكر هنا أنا كنت ساشرحها لكن الشيخ ذكرها، قال: كما جاء في مقدمة مسلم وكذلك جاء في العلل الذي هو في آخر الجامع الجامع اللي هو سنن الترمذي يعني هو اسمه الصحيح الجامع، قال الذي هو في آخر الجامع للإمام الترمذي أن الإمام أيوب السختياني، أيوب السختياني من كبار أئمة علم الحديث في البصرة وكان رواه الحديث يرحلون إليه ويهتمون بروايته.
قال الشيخ: افتقد رجلاً من أصحابه، يعني في راجل من أصحاب يعني من تلاميذ أيوب السختياني كان يحضر درسه وفجأة لم يعد يحضر الدرس، فسأل عنه فقيل له إنه جالس هذا الرجل، يعني عمرو بن عبيد المعتزلي، كان رجل يعني من كبار المبتدعة في الاعتزال. الاعتزال اللي هم المعتزلة الذين كانوا خالفوا أهل السنة في مسائل؛ منها في حكم مرتكب الكبيرة وفي مسألة القدر ثم في مسألة الصفات وهكذا.
فهذا الرجل ترك مجلس أيوب السختياني وهو إمام أهل البصرة وهو الذي حفظ علم الحسن البصري ومحمد بن سيرين، ومع ذلك تركه هذا الرجل وذهب يسمع من عمرو بن عبيد المعتزلي. ثم دارت الأيام فإذا بالامام أيوب السختياني يرى هذا الرجل مرة من المرات في الطريق فناداه وقال له: لعلك جالست هذا الرجل يعني عمرو بن عبيد؟ فقال: إنه يجيئنا بأحاديث غرائب، يعني هو بيقول لنا كلام احنا ما بنسمعوش عندكم. فقال له أيوب السختياني: إنما نفرق أو نخاف من هذه الغرائب. عايز يقول له: انت المفروض الغرائب الأحاديث المنكرة التي لم تسمعها إلا عنده وهو رجل ليس معروفاً بالحديث، بل هو رجل زائغ وكان يطعن في السنة وكان يبتدع في دين الله في مسائل كثيرة، كان المفروض أبداً أن تكون هذه الغراب سبباً لأن تنفر منه لا لأن تقترب منه، سبحان الله.
قال الشيخ: فانظر إلى هذا العمى من رواه الحديث إنما السماع من عمرو بن عبيد المبتدع الكذاب على السماع من أيوب.
السختياني الإمام الثقة الحافظ، وذلك لما وجد عند هذا المبتدع من أحاديث الغرائب، وهو كغيره كان مولعاً بسماع الغرائب من الأحاديث، فهكذا كان موقف هذا الأعمى؛ كان يقبل على سماع الغرائب من الأحاديث ليغرب بها على أقرانه وليتندر بها على أقرانه.
وأيضاً نجد خواص الأئمة كانوا يقبلون على سماع الغرائب، ولكن كان لهم قصد آخر، كانوا يقبلون على سماع الغرائب حتى يعرفوها ويعتبروها، ما معنى يعتبروها؟ يعني يكشفون عنها، يكشفون عنها ويبينون زيفها ويحذرون الناس منها ويقدحوا في رواتها؛ لأن الراوي إذا أكثر من رواية الغرائب فإن الحكم سينتقل من روايته إلى إليه هو نفسه، فنقول هو يكثر من الغرائب إذا هو راوي منكر الحديث.
قال الشيخ: فإن الأئمة عليهم رحمة الله كانوا يسمعون الأحاديث الصحيحة والأحاديث الغريبة والأحاديث المنكرة من كل أحد، حتى يتمكنوا بعد ذلك من دراسة هذه الروايات ومعرفة سقيمها ومعرفة الرواة الذين رووها، فيتبين لهم أن هذا الراوي ممن يغرب كثيراً أو ممن يروي المناكير، فيكون ذلك دليلاً لهم إذا ما سئلوا عن حال الراوي، فيقولون مثلاً إنه يكثر الغرائب، أو يكثر الأغراب، أو يغرب كثيراً، أو إنه منكر الحديث، أو أحاديثه مناكير، أو يروي المناكير، يعني المناكير يعني الأحاديث المنكرة التي لا يتابعها عليها الثقات، هو انفرد بالرواية فنقدح فيه.
ساضرب لك مثلاً، في عندنا حديث مشهور جداً، اللي هو: كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ. هذا الحديث انفرد به راوي اسمه علي بن مسعدة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. علي بن مسعدة هذا راوي ضعيف جداً، لا يمكن أبداً أن ينفرد بحديث عن قتادة؛ لأن قتادة هذا له أصحاب ثقات اعتنوا بجمع حديثه، فكيف ينفرد هذا الراوي الضعيف جداً بما لم يتابعه عليه هؤلاء الثقات، اللي هم أصحاب قتادة زي شعبة وسعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي وهمام بن يحيى، دول رواه اهتموا بأحاديث قتادة، فكيف تأتي هذه الرواية لا يرويها واحد من هؤلاء وينفرد بها ذلك الراوي الضعيف؟ فهذا التفرد لا يقبله العلماء ويسمونه منكراً، يعني هذه رواية منكرة لا يمكن أن تقبل من هذا الراوي لأنه لا يتحمل هذا التفرد، واضح؟
طيب، فيبقى ده معنى يروي المناكير، يعني يروي روايات ينفرد بها لا يتابعه عليها الثقة، فإذا كثرت فيه فالعلماء لا يقبلون روايته ويقولون هو منكر الحديث أو متروك.
طيب قال: أو يروي المناكير بحسب ما تبين لهم، فتكون هذه مادة لهم يعتمدون عليها في الكلام في الرواة بالجرح والتعديل، وكذلك ليحذروا الناس من مثل هذه الأحاديث الغرائب والمناكير ومن رواتها.
طيب، سيحكي قصة هنا جميلة جداً، قال: دخل الإمام أحمد بن حنبل عليه رحمة الله على يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين هم من أئمة الرواية والجرح والتعديل وعلل الحديث، يعني نقد الرواه والروايات، يحكمون على الرواة والروايات، هم الاثنين كانوا راحوا صنعاء.
فالامام أحمد دخل على يحيى بن معين ووجد معه نسخة أو كتاب يكتب منه، فقال له: يا أبا زكريا -أبو زكريا دي كنية يحيى بن معين، فالامام أحمد بيناديه بكنيته- قال: ما هذا الذي بين يديك؟ إيه اللي في إيدك ده؟ قال: هذه صحيفة معمر عن أبان بن أبي عياش عن أنس.
طبعاً معمر هو ثقة، لكن أبان راوي متروك، أبان بن أبي عياش راوي متروك الحديث ضعيف جداً، ويروي أحاديث منكرة عن أنس بن مالك رضي الله عنه، فالامام أحمد قال ليحيى بن معين: تكتب صحيفة أبان وتعلم أنها موضوعة؟! وتعجب منه الإمام، يعني أنت مهتم أنك تكتب صحيفة أبان بن أبي عياش عن أنس مع أنك عارف إنها أحاديث ضعيفة جداً لا يحتج بها؟
فقال له: نعم يا أبا عبد الله -يعني يحيى بن معين يقول للإمام أحمد- نعم يا أبا عبد الله، ليكون.. يتك الإمام أحمد قال: اكتب صحيفة أبان -يعني صحيفة أبان بن أبي عياش عن أنس- واعلم أنها موضوعة. طيب ليه بتعمل كده؟ قال: حتى لا يجيء كذاب فيرويها عن معمر عن ثابت عن أنس.
ثابت هو ثابت البناني، أوثق الرواة عن أنس بن مالك، وهو إمام عابد ثقة ثبت، كان الإمام أنس رضي الله عنه -اللي هو الصحابي الكريم- يحب ألا يروي الحديث إلا بوجود ثابت، وثابت هذا كان من العباد وكان من الثقات.
فالإمام يحيى بن معين ماذا فعل؟ حفظ هذه الروايات التي يرويها معمر عن أبان عن أنس، عشان ما يجيش واحد كذاب يروي هذه الأحاديث عن معمر عن ثابت البناني عن أنس، ساعتها بقى يحيى بن معين يقول له: أنت كذاب؛ لأن الأحاديث دي معروفة بأنها أحاديث أبان وليست أحاديث ثابت.
يبقى إذاً العلماء النقاد كما كانوا يهتمون بحفظ الأحاديث الصحيحة لبثها ونشرها والثناء على رواتها، كانوا كذلك يميزون الأحاديث الضعيفة والباطلة والموضوعة حتى لا يأتي آت فيبدل الإسناد ويركب لها إسناداً صحيحاً.
قال الشيخ حفظه الله: انظر إلى فقه هذا الإمام كيف أنه يكتب الأحاديث الغرائب والأحاديث المختلقة الموضوعة حتى يعرفها ويعتبروها. كلمة يعتبروها، يعني أنه يحذر الناس منها، فإذا ما حاول أحد الكذابين أن يقلب إسنادها لكي يجعله إسناداً صحيحاً، إذا بهذا الإمام يعرف مصدر هذه الأحاديث ومخرجها، ويتبين له من ذلك صدق الصادق وكذب الكاذب.
يعني كما مثلاً في هذه الأيام لما يأتي أحد المتخصصين مثلاً في نقد النصرانية أو اليهودية أو الرافضة أو غير ذلك من المذاهب أو الأديان الباطلة، ويحذر الناس منها، فهو يستمع إلى من يروجون لهذا لهذه الأديان أو هذه المذاهب الباطلة ليعرفهم وليمميزهم وليحذر الناس منهم.
أطيب، قال: فاذا ما حاول أحد الكذابين أن يقلب إسنادها لكي يجعلها إسناداً صحيحاً، إذا بهذا الإمام يعرف مصدر هذه الأحاديث ومخرجها، ويتبين له من ذلك صدق الصدق وكذب الكذب.
ومن ذلك قول وكيع: قلت لشعبه -وكيع بن الجراح هو تلميذ لشعبه بن الحجاج- فهو وكيع بيسأل شعبة: مالك تركت فلاناً وفلاناً ورويت عن جابر الجعفي؟ يعني إزاي تروي عن جابر الجعفي مع أنه رجل صاحب بدعة وهو ضعيف في الحديث؟ قال: روى أشياء لم نصبر عنها، يعني لم يصبر على السكوت عنها ورأى أنه لابد من بيانها وتحذير الناس منها.
يبقى إذاً العالم الناقد قد يسمع الرواية لا ليحتج بها ولكن ليحذر منها وليعرفها وليحذر من صاحبها أيضاً.
قال محمد بن رافع: رايت أحمد بن حنبل في مجلس يزيد بن هارون ومعه كتاب زهير عن جابر، اللي هو جابر الجعفي يعني. يعني محمد بن رافع رأى أحمد بن حنبل في مجلس يزيد بن هارون، هما الاثنين كانوا تلاميذ عند يزيد بن هارون. فمحمد بن رافع بيبص وجد الإمام أحمد معه كتاب رواية زهير عن جابر، اللي هو جابر الجعفي اللي هو المبتدع كان رافضياً، وكان ضعيفاً في الحديث، فهو وجد الإمام أحمد يكتب هذا فقال: أبا عبد الله، تنهوننا عن حديث جابر وتكتبونه؟ مش أنتم حذرتمونا من أحاديث جابر الجعفي، ليه بقى بتكتبوها؟ قال: أنا أعرفه. يعني أنت مش ناقد فخلاص أنت خد الأحاديث عن الثقات، إنما أنا أنا من النقاد لازم أعرف الرواة الضعفاء عشان أحذر من رواياتهم.
كما أن الله سبحانه وتعالى في القرآن ذكر لنا مثلاً: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِم يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ. وكما سبيل المؤمنين؛ فإنه بين سبيل المجرمين، وكذلك نَفصِّلُ الآياتِ وَلْتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ. فالعلماء كذلك كانوا يعرفون هذه البدع وهذه المنكرات حتى يحذروا منها.
قال الشيخ: ولذا قال الإمام ابن حبان في كتاب المجروحين -الإمام ابن حبان اللي هو أبو حاتم ابن حبان البستي له كتاب الثقات وله كتاب الصحيح اللي هو صحيح ابن حبان وله كتاب المجروحين، يعني الرواة الذين جرحوا يعني تكلم فيهم أو ضعفوا- قال ابن حبان رحمه الله: وأما شعبة وغيره من شيوخنا فإنهم رأوا عنده، أي عند جابر الجعفي، أشياء لم يصبروا عنها وكتبوها ليعرفوها، فربما ذكر أحدهم عنه الشيء بعد الشيء على جهة التعجب، فتداوله الناس بينهم على جهة التعجب، يعني على جهة الإنكار، يعني يذكر هذه الأحاديث لينكرها لا أنه يتعجب منها يعني يعجب بها، لا، التعجب هنا يعني الإنكار.
قال الشيخ: ولاجل هذا لما وردت مثل هذه العبارات في كلام بعض السلف، الإمام الخطيب البغدادي عليه رحمة الله بنحو هذا قال: فلقد روي عن الإمام إبراهيم النخعي عليه رحمة الله أنه قال: كانوا يكرهون إذا اجتمعوا أن يخرج الرجل أحسن حديثه، أو قال أحسن ما عنده.
قال الشيخ معقباً على هذا: أنتم إذا ما سمعتم هذه الكلمة تستعجبون كيف يكرهون أن يروي الراوي الأحاديث الحسان التي هي أحسن ما عنده؟ لابد وأنه أراد بالحسن هاهنا معنى غير راجع إلى قبول الحديث، معنى راجعاً إلى رده وعدم الاعتداد به. ولذا علق على ذلك الإمام الخطيب البغدادي -الخطيب البغدادي اللي هو أحمد بن علي بن ثابت، له كتب نفيسة جداً في علوم الحديث، أهمها كتابان: كتاب الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، وكتاب الكفاية في أصول علم الرواية، وهي من الكتب التي اعتمد عليها ابن الصلاح في مقدمة ابن الصلاح، مقدمته اللي هي معرفة أنواع علم الحديث.
طيب الخطيب البغدادي ماذا قال في كتابه أخلاق الراوي وآداب السامع؟ قال: عن إبراهيم، اللي هو إبراهيم النخعي، إبراهيم بن يزيد النخعي اللي هو تتلمذ على تلامذة عبد الله بن مسعود الصحابي الكريم رضي الله عنه، قال: عن إبراهيم بالاحسن الغريب، يعني يقصد أنهم كانوا يكرهون إذا اجتمعوا أن يخرج الرجل أحسن ما عنده، يعني الأحاديث الغريبة المنكرة؛ لأن الغريب غير المألوف يستحسن أكثر من المشهور المعروف، وأصحاب الحديث يعبرون عن المناكير بهذه العبارة، يعني أحياناً يعبرون عن الحديث المنكر بأنه حسن.
قال الشيخ طارق: فقد صرح الإمام الخطيب البغدادي عليه رحمة الله أن أصحاب الحديث يعبرون عن المناكير بعبارة الحسن، وأن ذلك راجع إلى أنهم يستحسنون سماع الغرائب والمناكير أكثر من استحسانهم لسماع المشهور. طبعاً هو مش للدرجة دي، يعني أظن أن الشيخ هنا ربما يكون يعني بالغ قليلاً في اهتمام المحدثين بهذا، هذه الغرائب لم تكن كذلك في الواقع، يعني هي كان نعم كان بعض الرواه يحبون أن يستمعوا إلى هذه الغرائب، لكنها لم تكن منتشرة، بالعكس، الذي كانوا يهتمون به هو الأحاديث المشهورة المتداولة على الألسنة.
المهم الشيخ قال: علة هذا أن المشهور كل الناس يعرفونه، فهمتهم في سماعه تكون ضعيفة، بخلاف الغريب الذي لا يعرف إلا القريب، فإن الدوافع مجتمعة على سماعه وروايته لما اشتمل عليه من معنى يستحسن به، وهو كونه غريباً يدعوه إلى سماعه وروايته لما ذكره آنفاً.
يعني أرى والله أعلم أن هذه الرواية تحتاج يعني دقة أكثر من ذلك، وأرى أن هذا لم يكن شائعاً عند عامة الرواة، بل كان عند قليل جداً هم الذين كانوا يحبون أن يتندروا بهذه الغرائب لجهلهم، أو لأنهم يريدون التشبع بما لا يستحق التشبع به، والصواب هو ال... والصواب هو أن عامة الرواة أو أغلب الرواة كانوا يحبون الأحاديث المشهورة المتداولة حتى تقبل عنهم.
أطيب، قال: والإمام أحمد عليه رحمة الله أشار إلى هذا المعنى فيما رواه عنه الإمام الخطيب البغدادي في كتاب الكفاية، حيث قال: إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا حديث غريب أو فائدة، فاعلم أنه حديث خطأ أو غلط من المحدث، أو حديث ليس له ليس له إسناد، أو دخل حديث في حديث، ولو كان قد روى شعبة وسفيان. وإذا سمعتهم يقولون: هذا حديث لا شيء، فاعلم أنه صحيح. قوله: لا شيء، لا يقصد به المعنى المصطلح عليه عند المحدثين في قولهم في بعض الرواة أو بعض الروايات: هذا لا شيء أو ليس بشيء، لا يقصد هذا المعنى، وإنما يشير إلى المعنى الذي أشار إليه الخطيب البغدادي عليه رحمة الله، من أن المحدثين إذا ألقي عليهم حديث هم يعرفونه، حديث مشهور متداول، فإنهم يزهدون في سماعهم ولا توجد لهم همة في ذلك، بخلاف من إذا عرض عليهم حديث غريب حديث غير معروف ولا مشهور، فإنهم يقبلون على سماعه لما اجتمع عليه من غرابة، فإن هذا معنى قد وجد في الرواية جعلهم يستحسنون سماعها وروايتها.
خلاصه ما يريد أن يقوله الشيخ طارق حفظه الله يريد أن يقول أن إطلاق لفظ الحسن على الحديث الغريب أو المنكر كان موجوداً عند بعض... طيب كيف يستحسنون رواية منكرة؟ يعني الحسن هنا بمعنى أنهم يريدون أن يميزوه، إذا كانوا نقاداً ويريدون أن يغربوا به على أقرانهم، إذا كانوا رواة من عامة الرواة، يعني يقول له: أنا عندي رواية ليست عندك، لكن هذا أمر لا يفتخر به أصلاً.
طيب قال: ثم إن الإمام الخطيب البغدادي عليه رحمة الله بعد أن قال ما قال ذكر مثالاً من كلام أهل العلم يوضح هذا الأمر ويبينه، فروى عن أمية بن خالد أنه قال: قيل لشعبة بن الحجاج: مالك لا تروي عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي وهو حسن الحديث؟ فقال الإمام شعبة: من حسنها فررت.
يعني هذا يبين هذا يبين ما ذكرته، وهو أن العلماء كانوا ينفرون، يعني إذا كانوا نقاداً، ينفرون من الغرائب لا أنهم يستحبونها، إنما الذين كانوا يستحبون الغرائب هم الرواة، يعني اللي هم ليس عندهم روايات يفخرون بها من الروايات المشهورة، أما الثقات الحفاظ فإنهم إذا سمعوا تلك الروايات يسمعونها ليحذروا منها.
طيب الشيخ
بيقول: ليس من شك أن الأحاديث الحسنة من حيث الاصطلاح مقبولة يعني عند المتأخرين؛ يعني اللي هو مصطلح الحسن بمعنى الحديث المقبول الحجة، لا يمكن أن يفر منها شعبة، فعرفنا أنه ما قصد من الحسن هاهنا إلا الغرائب والمناكير. قال: وهذه الكلمة المروية عن الإمام إبراهيم النخعي قد ساقها الإمام أبو داود في رسالته إلى أهل مكة بلفظ: كانوا يكرهون الغريب من الحديث. الإمام أبو داود السجستاني كان أهل مكة طلبوا منه أن يبعث لهم رسالة يشرح فيها طريقته في تصنيفه في كتاب السنن، وكتاب سنن أبي داود من أجل ما كتب في الإسلام، وجمع فيه أهم الأحاديث التي يحتج بها الفقهاء والتي تدور في كتب الأحكام، وهو من أنفس الكتب.
فالإمام أبو داود أجابهم فأرسل إلى أهل مكة رسالة يشرح فيها في كتاب السنن، طيب. قال أبو داود: كانوا يكرهون الغريب من الحديث، فإن كان قوله: كانوا يكرهون الغريب من الحديث، هو نفس لفظ النخعي -اللي هو إبراهيم النخعي يعني- فهذا أفضل ما يفسر به كلام الإمام؛ فانه إذا عبر عن معنى ما، واستعمل في بيان هذا المعنى ألفاظاً، مرة في موضع قال لفظاً، ومره قال لفظاً آخر؛ فإن اللفظ المجمل يشرح ويعرف معناه باللفظ الآخر المبين، فيكون الإمام النخعي حيث قال في موضع: يكرهون أن يخرج الرجل أحسن ما عنده، أي الغريب، كما جاء عنه في الرواية الأخرى. وإن كان قوله: الغريب، هو من تصرف أبي داود، فهذا يدل على أن الإمام أبا داود عليه رحمة الله يفهم أن الحسن والغريب بمعنى واحد يعني في هذا السياق، وحسبك بذلك فهماً.
خلاصة ما يريد الشيخ أن يقوله أن لفظ الحسن من التي لها استعمالات متعددة عند المحدثين، ويجب على طالب العلم قبل أن تفهم من المصطلح دلالة معينة أن تأكد أن العالم أراد بها تلك الدلالة، وألا تقيس كلام المتقدم على كلام المتأخر؛ لأن المتأخرين صار عندهم لفظ الحسن معروف، هو الحديث المقبول؛ أما سواء كان في أعلى درجات القبول أو كان متوسطاً، أما المتقدمون فقد كانوا يطلقونه على الضعيف، وعلى المنكر، وعلى الغريب أيضاً، وعلى الحجة.
طيب، قال: وكذلك الإمام الرامهزي، الإمام الرامهزي له كتاب نفيس جداً، ومن أوائل ما صنف في مصطلح الحديث هو كتاب (المحدث الفاصل بين الراوي والواعي)، وهو كتاب مهم كان يبين فيه منزلة أهل الحديث في عنايتهم بالإسناد والمتن، وغير ذلك من الأمور التي تدخل في علوم الحديث. قال: وكذلك الإمام الرامهزي ذكر مقولة النخعي لفظ: أحسن ما عنده، في كتاب (المحدث الفاصل) في باب (من كره أن يروي أحسن ما عنده)، فقد صدر الباب بهذا العنوان، ثم قال: ثم ساق كلمة النخعي هذه مع كلمات أخرى مأثورة عن السلف، مأثورة عن السلف الصالح عليهم رحمة الله، كلها تدل على ذم رواية المناكير والغرائب، واستحباب رواية الأحاديث المشهورة المعروفة، وهذا يدل على هذه الفكرة، وهو أن الرواة الذين كانوا يقبلون على الغرائب هم قلة، وهم ليسوا رواة يعني من كبار الرواة، إنما الرواة الكبار يحبون الأحاديث المشهورة المتداولة الصحيحة ويفترون بها؛ لأنها ستؤخذ عنهم، أما الأحاديث الغرائب فهي منكرة.
قال: فهذا يدل على أن الرامهزي فهم من كلمة إبراهيم النخعي أنه يقصد بالحسن هاهنا الغريب والمنكر، لا الحسن الاصطلاحي الذي هو من قسم المقبول. قال الشيخ حفظه الله: والأمثلة على هذا كثيرة موجودة في كتب أهل العلم، فينبغي لطالب العلم أن يتفهم هذا، وأن يعرف أن علماء الحديث عليهم رحمة الله يطلقون الحسن على إرادة الغرائب والمناكير، واما إطلاقهم للحسن على الأحاديث الموضوعة المكذوبة فهو أيضاً راجع إلى معنى استحسنوه في الحديث، وإن كان هذا المعنى قد يوجد أحياناً في الأحاديث الصحيحة وأحياناً في الأحاديث الضعيفة، بل وفي الموضوعة أيضاً، إلا أنهم حيث وصفوا الحديث بالحسن وأرادوا هذا المعنى لم يقصدوا الحكم على الحديث.
فلما وجدناهم أطلقوا الحسن على الأحاديث الموضوعة التي اشتملت على هذا المعنى الحسن، عرفنا أنهم حيث أطلقوا الحسن على مثل هذه الأحاديث وأرادوا مثل هذا المعنى لم يكونوا قاصدين للحكم على الحديث بأنه صحيح -يعني لو عرفنا أنهم قالوا حسن مثلاً على حسن العبارة أو على أنه منكر أو غريب، فلا شك أنهم لا يصححون الرواية، وإنما بالعكس هم يؤكدون أنها ضعيفة أو موضوعة أو منكرة-.
قال: لم يكونوا قاصدين للحكم على الحديث بأنه صحيح أو بأنه ضعيف، بل هذا معنى لا صلة له بصحته أو بضعفه، وهذا المعنى هو أن يكون الحسن الذي أرادوه من الرواية راجعاً إلى شيء لطيف اشتمل عليه الإسناد، أو معنى رائق مليح اشتمل عليه المتن، وهذا المعنى الحسن أو الألفاظ الجيدة التي قد توجد في المتون ليست بالضرورة تكون الأحاديث التي اشتملت عليها صحيحة، كما أنه ليست بالضرورة أن تكون ضعيفة، بل قد توجد الألفاظ الحسنة والعبارات الرائقة في الروايات الصحيحة وأيضاً في الروايات الضعيفة. فالإمام حيث يصف الحديث بالحسن ويقصد به حسن المعنى أو حسن اللفظ، فإن هذا المعنى الذي استحسن الحديث من أجله لا علاقة له بثبوت الحديث أو ضعفه، وإنما نعرف صحة الحديث من ضعفه بأدلة أخرى راجعه إلى النظر في الرواية والنظر في رواتها.
قال الشيخ: وكذلك قد يستحسنون الإسناد لاشتماله على لطيفة من لطائف الإسناد، كان يكون مشتملاً على رواية الأقران بعضهم عن بعض، رواية الأقران، يعني مثلاً شعبة وسفيان الثوري هم أقران، لا يروي أحدهما عن الآخر إلا نادراً، فاذا جاء إسناد فيه شعبة عن الثوري أو الثوري عن شعبة، فقد يسمون ذلك حسناً؛ (فيه شيء جميل)، أو مثلاً رواية الاكابر عن الأصاغر، مثلاً صالح بن كيسان أكبر من الزهري سناً فيروي عنه، أو مثلاً في رواية حديث الجساسة الذي رواه مسلم، النبي صلى الله عليه وسلم روى الرواية عن تميم بن أوس الداري، فتميم هو صحابي والنبي صلى الله عليه وسلم أكبر منه وأجل منه، فبعض الناس يعني يستحسنون هذا، أن واحد كبير يروي عن أصغر منه، أو والد يروي عن ابنه فيسمونه حسناً، فهذا لا يرجع إلى صحة الرواية، (يعني ليس بالضرورة أن تكون الرواية صحيحة).
قال: أو يكون من المدبج، والمدبج هو أن يروي أحد القرينين كل عن الآخر، (حتى في منظومة البيقونية يقول صاحبها: وما روى كل قرين عن أخيه، مدبج فاعرفه حقاً وانتخِ)؛ يعني اهتم به لأنه نوع نادر أن واحد قرين يروي عن قرينه والقرين الآخر يروي عنه، مثلاً شعبة وسفيان الثوري؛ شعبة يروي عن سفيان وسفيان يروي عن شعبة، فبيسموها المدبج، كما هو معروف في كتب الحديث، فهذه المعاني كلها معاني يستحسن الحديث من أجلها وليست متعلقه بصحه الحديث أو ضعفه.
قال: فمثال ما وصفه أهل العلم بأنه حسن وأرادوا به حسن المعنى أو حسن الألفاظ الذي اشتمل عليه المتن، ما رواه الإمام ابن عبد البر، ابن عبد البر رحمه الله هو إمام من الأئمه المتأخرين نسبياً، هو في القرن الرابع، له كتب من أهمها كتاب (التمهيد) و(الاستذكار) وكلاهما على الموطأ، فيه شرح لأسانيد الموطأ ومتون الموطأ، يعني كتابان لا يستغنى عنهما في دراسة الموطأ، وله كذلك كتاب (جامع بيان العلم وفضله)، المهم فهو ذكر حديثاً هنا، وهو حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه بإسناد ضعيف جداً، حديث ضعيف جداً، يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تعلموا القرآن فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، حديث طويل معروف، اشتمل على معاني حسنة وعلى ألفاظ رائقة جزلة جيدة، فاذا بالإمام ابن عبد البر عليه رحمه الله يعلق على هذا الحديث قائلاً: هذا حديث حسن جداً، ولكن ليس له إسناد قوي. يبقى قال الشيخ: الناظر في كلمة ابن عبد البر توهم أنها كلمة متعارضة متناقضة، إذ كيف يصفه بأنه حديث حسن جداً ثم يقول: ليس له إسناد قوي!
ولكن قد بين ذلك الإمام العراقي، العراقي أيضاً من أئمه الحديث، طبعا المتأخرين، هو شيخ الحافظ ابن حجر عليه رحمه الله، وله كتب منها (ألفية العراق)، وله كذلك (التقييد والإيضاح على مقدمة ابن الصلاح)، يعني هو من أئمة الحديث المتأخرين، قال: ولكن قد بين ذلك الإمام العراقي عليه رحمه الله حيث قَدَّ ابن عبد البر بالحسن، حسن اللفظ قطعا، فانه من رواية موسى بن محمد البلقوي عن عبد الرحيم بن زيد العمي، والبلقوي هذا كذاب، كذبه أبو زرعة، أبو زرعة الرازي وأبو حاتم الرازي -يعني من أئمة أهل الري، مش الرأي، الري، يعني الرازي بالنسبة للري في خراسان- كلاهما إمام في العلل والجرح والتعديل، فهو يعني كلاهما كذب هذا الراوي، ونسبه ابن حبان والعقيلي، العقيلي أيضاً له كتاب (الضعفاء)، إلى وضع الحديث، فهؤلاء الأربعة أبو زرعة وأبو حاتم وابن حبان والعقيلي كذبوا هذا الرجل وحكموا عليه بأنه كذاب.
قال: والظاهر أن هذا الحديث مما صنعت يداه، وعبد الرحيم بن زيد العمي هو متروك الحديث أيضاً. قال الشيخ طارق: فعرفنا من ذلك أنه ما قصد بقوله حسن جداً إلا حسن اللفظ وحسن المعنى الذي اشتمل عليه ذلك المتن، وإن كان الحديث ضعيفاً من حيث إسناده، وإنما استحسن الإمام من الحديث فقط لفظه ومعناه، وقد كثر ذلك في استعمال ابن عبد البر وغيره من أهل العلم حتى إنه في كتاب (التمهيد) له ذكر حديثاً يرويه بعض الضعفاء عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولفظ: من قال في يوم مئة مرة لا إله إلا الله الحق المبين، حديث طويل، ثم قال ابن عبد البر: هذا الحديث لا يرويه عن مالك من يوثق به، وهو لا يعرف من حديثه -وهو منكر- ثم قال: وهو حسن، ترجى بركته إن شاء الله تعالى، فنحن نفهم أنه إنما أراد بالحسن هنا حسن اللفظ فقط دون حسن الرواية الذي يكون راجعاً إلى ثبوتها.
ومن ذلك أن الإمام الذهبي عليه رحمه الله ساق في كتاب (سير أعلام النبلاء) -الإمام الذهبي من الأئمة المتأخرين ومن تلامذة ابن تيمية عليه رحمه الله، من الطبقة التي بعده، يعني في القرن الثامن والتاسع، وهو طبعا له كتب كثيرة جداً في الجرح والتعديل ومن مثل (ميزان الاعتدال) وكذلك كتاب (سير أعلام النبلاء) في التراجم وهو كتاب مهم جداً يراجع في تراجم الرواة- قال: ساق في كتاب (سير أعلام النبلاء) في ترجمة عباس الدوري عن الأصم أنه قال: لم أرَ في مشايخي أحسن حديثاً منه، فبين الإمام الذهبي مراده من قوله احسن فقال: يحتمل أنه أراد بحسن الحديث الاتقان، أو أنه يتبع المتون المليحة فيرويها، أو أنه أراد علو الإسناد، أو نظافة الإسناد وتَرْكَ روايه الشاذ والمنكر ونحو ذلك، فهذه أمور تقتضي المحدث إذا يقال: ما أحسن حديثه. فقوله: يحتمل أنه أراد بحسن الحديث الاتقان، هذا أمر وارد، أو أنه يتبع المتون المليحة فيرويها، وهذا أيضاً أمر وارد -يعني الشيخ يريد أن يستشهد أن لفظ الحسن لا يلزم أن يكون المراد منه صحة الحديث، بل قد يكون أن المعنى حسن أو الإسناد عالي، وهكذا-.
قال: هذا وهذا أيضاً أمر وارد، أو أنه أراد علو الإسناد؛ فلا شك أن الإسناد العالي احسن من الإسناد النازل، أو نظافة الإسناد؛ لا شك أن الإسناد إذا كان نظيفاً من الرواة الضعفاء فهذا معنى يستحسن الحديث من أجله، وتَرْكَ رواية الشاذ والمنكر، وهذا مما لا شك فيه لأن الحديث الصحيح حديث حسن، قال: والمنسوخ (يعني يترك رواية الحديث المنسوخ)، فالحديث المنسوخ بطبيعة الحال حديث قد وجد فيه معنى يجعله الراوي لا يقبل على سماعه ولا يستحسن سماعه، بخلاف ما إذا كان الحديث محكماً غير منسوخ، فهذه كلها معان يستحسن الحديث من أجلها.
قال: فهذه أمور تقتضي المحدث إذا لزمها أن يقال: ما أحسن حديثه. الشيخ بقى يعقب: إذا عرفنا من ذلك أن الحسن ليس دائماً راجعاً إلى ثبوت الحديث، بل أحياناً يكون راجعاً إلى ثبوت الحديث وأحياناً أخرى لا يكون كذلك، ومثال الأحاديث التي استحسنها لمعنى راجع للإسناد بغض النظر عن كون هذا المعنى عالقاً بالثبوت أو لا، ما وجد في استعمالهم أنهم يطلقون على الحديث الذي هو من رواية الأقران أنه حسن، ولو كان الحديث قد اشتمل على كذابين ومتروكين. روى الإمام أبو يعلي الخليلي -أبو يعلى الخليلي من الأئمة أيضاً المتأخرين، له كتاب مهم وهو كتاب (الإرشاد)- روى حديثاً من طريق آدم بن أبي إياس عن محمد بن كثير المصيصي عن ابن المبارك عن شعبة، رواه بهذا الإسناد ثم قال الإمام أبو يعلى: حسن جداً من رواية الأقران آدم عن محمد -يعني آدم يروي عن محمد بن كثير المصيصي وكلاهما قرينان- ومحمد آدم عن محمد وهما قرينان، ومحمد بن... وثقوا ابن المبارك في شيوخ الشام، بل أدرك من لم يدرك ابن المبارك. فتبين من سياق كلامه أن قوله: حسن جداً، ليس حكماً منه.
على الحديث بأنه حديث مقبول، بل هذا راجع إلى أنه استحسن رواية الأقران الواقعة في الرواية، وكذا الحديث المدبج، فإن التدبيج معنى يستحسن الحديث من أجله.
قلنا إن التدبيج عندنا قرينان، زي مثلا ما يكون عندنا طالبة من كنا، كل طالبة من منهما تروي عن الأخرى، مثلا تكون واحدة من كنا حضرت درس والأخرى لم تحضر، والأخرى حضرت درس والأولى لم تحضره، فكل واحدة منهم تعلم أختها ما تعلمته فأختها تروي عنها، فيبقى ده اسمه المدبج، أن كل قرين يروي عن قرينه.
قال: روى أبو يعلى الخليلي أيضاً عن يونس بن محمد عن حماد بن زيد عن سفيان الثوري عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن وعلته عن ابن عباس حديثاً مرفوعاً، ثم قال أبو يعلى: لم يروي عن حماد غير يونس، وهو ثقة من كبار شيوخ بغداد، وهو حسن في من المدبج اللي هو يعني كله قرين يروي عن إيه؟ عن أخيه.
سفيان، حماد روى عن سفيان، وقال هنا كذلك: لم يروي عن حماد غير يونس، وهو ثقة من كبار الشيوخ بغداد.
قال: فنستخلص من هذا، دي الخلاصة بقى دي مهمة جداً، الخلاصة دي، فنستخلص من هذا أن مصطلح الحسن عند أئمة الحديث عليهم رحمة الله، إنما هو مصطلح يطلقونه على كل ما يستحق في الحديث لشيء ما، سواء كان هذا الذي استحسن حسن الحديث من أجله له علاقة أو له تأثير في قبول الحديث أو رده، أو ليس له علاقة بذلك.
فعلى طالب العلم أن يكون فاهماً لهذا ومدركاً له، وأن يححسن فهم كلام أهل العلم عليهم رحمة الله، حتى يمكنه ذلك من أن يفهم كلام أهل العلم على وجهه، فلا يعمد إلى موضع أطلقوا فيه الحسن وأرادوا به الغريب أو المنكر أو الموضوع، فإذا به يعتبر ذلك تصحيحاً منهم للحديث وتثبيتاً له، أو يفعل العكس فيعمد إلى بعض المواضع التي أطلقوا فيها الحسن وأرادوا أنه صحيح أو أرادوا أنه داخل في نطاق الحجة، فإذا به يفهم من هذا الموضع أنهم أرادوا الغرابة والنكاره، فلا بد من معرفة مناهج المحدثين واصطلاحاتهم، حتى يفهم كلامهم على وجهه، ولا يساء فهم كلامهم، ولا ينسب إليهم ما لم يقصدوه من الأقوال أو الأحكام.
نقف هنا إن شاء الله، في المرة القادمة ناخذ الاحتجاج بالحديث الحسن، وغالباً سيكون في الأسبوع القادم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق