تسجيل الدخول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه محمد وعلى آله وصحبه وسلم. فهذا هو الدرس الثاني من دروس علوم الحديث، من كتاب المرتقى إلى علم الحديث، للشيخ أبي معاذ طارق بن عوض الله حفظه الله، وقد وصلنا بحمد الله تبارك وتعالى إلى مبادئ علم الحديث صفحة 22.

قبل أن ندخل، نذكر بأن هذا الكتاب هو توطئة لكتاب شرح منظومة لغة المحدث، فيحسن بطالبة العلم بعد الانتهاء من هذا الكتاب أن تدخل في الكتاب الآخر؛ لأن الكتاب الآخر -أو اللي هو الكتاب الثاني- تناول نفس هذه الموضوعات ولكن بشكل أوسع، مع كثرة الأمثلة والشرح والبيان والتفريع.

قال الشيخ حفظه الله: مبادئ علم الحديث؛ قال: أما حد علم الحديث، فقد عرفه الإمام ابن جماعة رحمه الله بقوله: علم الحديث هو علم بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن. بينما عرفه الحافظ ابن حجر العسقلاني بقوله: أولى التعاريف لعلم الحديث معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى معرفة حال الراوي والمروي. وهذان التعريفان صحيحان جيدان، ليس بينهما اختلاف سوى في اللفظ، وإلا فمعناهما واحد؛ فإنه من المعروف أن السند عند علماء الحديث يشمل الراوي والمروي، فالراوي جزء من أجزاء الإسناد، والمروي يشمل السند والمتن أيضًا؛ لأن الراوي ليس يروي متنًا فحسب، بل يروي متنًا ويروي أيضًا نفس الإسناد الذي تحمل به ذلك.

فصار الإسناد جزءًا من رواية الراوي أو من مروي الراوي، وعلى هذا فقول الإمام ابن جماعة: يعرف بها أحوال السند، هو كمثل قول الحافظ ابن حجر رحمه الله: يعرف حال الراوي والمروي؛ فالسند والمتن مثل الراوي والمروي، لأن السند كما ذكرنا يدخل فيه الراوي، والمتن لا شك أنه يدخل في المروي، وكذلك الإسناد.

طبعًا في هذه المقدمة الشيخ حفظه الله يريد أن يبين علم الحديث فيمَ يتكلم؛ يعني علوم القرآن تتكلم عن القرآن الكريم، تتكلم عن نزول القرآن وعن نقل القرآن وعن كل علم يخص كتاب الله تبارك وتعالى، علم الحديث في ماذا يتكلم المحدثون أو طالب الحديث؟ يتكلم إما في الإسناد وإما في المتن، وإما في الراوي وإما في الرواية. فمثلًا نحن إذا نظرنا في الكتب التي دونت الأحاديث والآثار؛ مثل موطأ مالك، الأم للشافعي، ومصنف عبد الرزاق، ومصنف ابن أبي شيبة، ومسند أحمد، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، ومثل هذه الكتب إذا نظرنا فيها فسنجد فيها أن المؤلف يبدأ بذكر إسناد منه إلى صاحب المتن؛ إما أن يكون المتن انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإما أن يكون انتهى إلى صحابي، وإما أن يكون انتهى إلى تابعي.

ففهم الحديث مبني على تلك الرواية؛ فإما أن يكون الكلام فيه عن الراوي، أو أن يكون الكلام فيه عن المروي. الشيخ هنا يريد أن يقول إن الراوي نفس الراوي يروي كذلك إسنادًا؛ فمثلًا لو عندنا حديث يرويه البخاري مثلًا عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا؛ مثلًا: بني الإسلام على خمس، فالراوي يروي رواية، هذه الرواية فيها إسناد قبل المتن. فمثلًا إسماعيل بن أبي أويس في هذا الإسناد تبدأ روايته من أول قوله: قرأت مثلًا، قرئ على مالك وأنا أسمع، أو حدثنا مالك مثلًا، فهو كما يروي المتن فكذلك يروي الإسناد.

فخلاصة هذا التعريف في سطر واحد: أنه العلم الذي يهتم أو يدرس الإسناد والمتن، أو الراوي والمروي؛ لأننا مهم جدًّا أننا نتعلم اختصار الكتب، وهذا الكتاب من أيسر الكتب التي تختصر؛ يعني يمكن أن نختصر كلمة علم الحديث في سطر واحد، وهو: العلم الذي يعتني أو يدرس أحوال الراوي والمروي، أو السند والمتن.

قال الشيخ: أما موضوع علم الحديث فهو بناء على ما سبق بيانه من تعريفه، من تعريف السند والمتن أو الراوي والمروي؛ فعلى تعريف الإمام ابن جماعة لعلم الحديث يكون موضوع علم الحديث السند والمتن، وعلى تعريف الحافظ ابن حجر رحمه الله يكون موضوع علم الحديث الراوي والمروي، أو ممكن يكون العكس؛ يعني عادي، ممكن يأتي بعدها خبرها، لكن هو الأقرب أنه أراد موضوعه، يكون موضوعه -لأنه هو المتحدث عنه- يكون موضوع علم الحديث، وقد سبق أنهما يتفقان ولا يختلفان.

قال: أما المقصود من تعلم هذا العلم ودراسة هذا العلم وتحصيل هذا العلم، فهو معرفة المقبول من الأخبار فيعمل به، ومعرفة المردود فلا يعمل به. ولا شك أن هذه الغاية ليست هي الغاية المقصودة من كل علم شرعي وهي الغاية الأخروية، وإنما هي الغاية التي تدرك في مبادئ العلوم، والتي تكون الغاية الأخروية أثرها أو هي من لوازمها. الشيخ هنا يريد أن يتكلم عن: ما هي خاصة علم الحديث؟ بمعنى أن هذا العلم ماذا يؤدي بطالب العلم؟ أراد أن يبرز أن غاية هذا العلم في نهاية الأمر أن نتعرف على صحيح الأخبار من ضعيفها.

يعني مثلًا نحن وجدنا إسنادًا في موطأ مالك، إسنادًا ومتنًا، أو وجدنا حديثًا في مصنف ابن أبي شيبة، وجدنا حديثًا مثلًا في كتاب سنن أبي داود؛ فعلم الحديث هو العلم الذي يمكننا بإذن الله تبارك وتعالى لمعرفة صحيح الأخبار من ضعيفها، يعني أن نكون مؤهلين أن نحكم على الإسناد والمتن، أن نعرف هل هذا الخبر خبر مقبول صحيح أم ضعيف. ثم لفت الشيخ النظر إلى أن هذه الغاية المراد منها ثمرة هذا العلم، وإلا فالغاية من طلب العلم أو طلب أي علم -علم أصول الفقه، علم علوم القرآن، أي علم- هي إرضاء الله تبارك وتعالى وتحصيل الثواب؛ هذا شيء وهذا شيء آخر، لأن تحصيل الثواب هو غاية عامة في كل عمل صالح: في الصلاة، في الصيام، في الزكاة، في الحج، في العمرة.

أما الغاية الخاصة بمعنى الأثر، يعني ما الذي يعطيك إياه هذا العلم؛ مثلًا علم أصول الفقه هو العلم الذي يعلم به الأدلة المحتج بها في أبواب علوم الشريعة، فمثلًا العلم بلسان العرب أو علم النحو يعرف به قواعد الإعراب، فما هي خاصة علم الحديث؟ خاصة علم الحديث هي معرفة صحيح الأخبار من ضعيفها، هذا في نهاية الأمر. فالشيخ يقول: لكن هذه الغاية ليس المراد منها الأثر الأخروي بمعنى الثواب، وإنما يقصد الأثر الخاص من كل علم.

قال الشيخ حفظه الله: وأما واضع هذا العلم فهم علماء الحديث من سلفنا الصالح وأئمتنا الأفذاذ الجهابذة عليهم رحمة الله. في مقدمة كتبتها خاصة بنشأة علوم الحديث، تقريبًا 50 صفحة، تحدثت فيها عن نشأة علوم الحديث بشكل ميسر، يعني أظن أنها تكون شرحًا لهذا الأمر، وهو أن تتعلم الطالبة كيف تطورت علوم الحديث وكيف نشأت علوم الحديث؛ سواء ما يخص مصطلح الحديث، أو ما يخص علم الرجال، أو علم علل الحديث، أو مصنفات السنة، أو تدوين كتب السنن والآثار وهكذا.

قال الشيخ: وأما حكمه؛ قال: فهو فرض كفاية، إذا قام به من يكفي الأمة أمره فإنه حينئذ يسقط الإثم عن بقية الأمة، وإلا أثم الجميع كل بقدر طاقته ووسعه. حكمه يعني حكم تعلمه؛ هل يجب أن يتعلم هذا العلم كل مسلم؟ فالجواب: لا، وإنما يجب أن يكون في المسلمين من يتعلمه.

قال: أما نسبة هذا العلم الشريف إلى بقية العلوم فهو نسبة الأصل إلى الفرع؛ فعلم الحديث يعتبر من علوم الأصول التي يبنى أو ينبني عليها غيرها من العلوم، وإن شئت قلت: بمنزلة الحدقة من العين، فكما أن الحدقة هي طريق نظر العين، فكذلك علم الحديث هو السبيل إلى النظر في باقي العلوم الشرعية. خذ مثلًا علم الفقه، لا يصح النظر فيه إلا بعد التحقق من صحة النصوص التي يقوم عليها الفقه، وذلك إنما يكون عن طريق علم الحديث الذي وظيفة المشتغل به تحقيق النصوص وتحرير ما يثبت منها وما لا يثبت، حتى يكون الاستنباط الفقهي القائم عليها قائمًا على أصل صحيح معتمد.

قال: ولله در الإمام أبي يعلى الخليلي رحمه الله حيث قال: لما كانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأقاويل الصحابة الذين شاهدوا الوحي والتنزيل ركنين لشرائع الإسلام، والمرجع بعد الكتاب في الأحكام، وكان الوصول إليهما وصحة مولدهما من النقلة والرواة، وكان المرقاة في معرفتها وهو الإسناد، وما قاله الشافعي رضي الله عنه: مثل الذي يطلب العلم بلا إسناد مثل حاطب ليل لعل فيها أفعى تلدغه وهو لا يدري؛ وجب أن تكثر -وجب هو جواب الكلام، يعني هو بعض أهل العلم كان يؤخر الخبر، فهو جواب لما، يعني هو قال: لما كانت سنة النبي، جوابها:- وجب أن تكثر عناية المتفقه وطالب السنن بأحوال الذين شاهدوا الوحي واتفاقاتهم واختلافاتهم، في معرفة أحوال الناقلين والبحث عن علاتهم وجرحهم.

قال الشيخ طارق: وهذا يدل على أهمية علم الحديث بالنسبة لكل مشتغل بأي علم من العلوم الشرعية. ويقول الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: علم الحديث أكثر العلوم دخولًا في العلوم الشرعية، والمراد بالعلوم الشرعية التفسير والحديث والفقه، وإنما صار أكثر -المفروض أكثرَ، لا، إنما صار أكثرُ يعني يريد العناية يعني- قال: وإنما صار أكثر لاحتياج كل من العلوم الثلاثة إليه؛ فأما الحديث فظاهر، وأما التفسير فإن أولى من فسر به كلام الله تعالى ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتاج الناظر في ذلك إلى معرفة ما ثبت وما لم يثبت، وأما الفقه فلاحتياج الفقيه إلى الاستدلال بما ثبت من الحديث دون ما لم يثبت، ولا يتبين ذلك إلا بعلم الحديث.

طبعًا حتى تفهمي هذا الأمر لا بد أن تعلمي أن كل العلوم ترجع إلى فرعين رئيسيين، كل علوم الإسلام بلا استثناء: إما الرواية وإما تفسير تلك الرواية وما يؤخذ منها. يعني الإسلام، الله تبارك وتعالى أرسل نبيه تبارك وتعالى بالهدى ودين الحق وأنزل معه الكتاب، هذا الكتاب هو الوحي، بيان هذا الوحي، بيان هذا القرآن هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال الله عز وجل: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، فبيان النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن هو أعلى العلم وهو أصل العلم.

طيب، هذه الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها أمران: فيها جهة الرواية، جهة النقل والتحقق من ثبوت تلك الرواية، والجهة الثانية تفسير تلك الرواية. فكل علوم الإسلام ترجع إلى هذين الفرعين: إما الرواية وإما تفسير تلك الرواية. ولفظ التفسير هو اللفظ الشائع عند العلماء المتقدمين، ثم لما جاء الطحاوي رحمه الله أطلق عليه لفظ الشرح، وإلا فمن هم قبل الطحاوي -الطحاوي من المتأخرين ممن بعد القرن الثالث- أما الذين كانوا قبل الطحاوي لم يكونوا يستعملون كلمة الشرح، كانوا يستعملون كلمة التفسير؛ مالك مثلًا، ومحمد بن الحسن الشيباني، وكذلك الشافعي، كل هؤلاء يستعملون لفظ الشرح الذي نستعمله الآن نحن بلفظ التفسير.

فالشيخ هنا يريد أن يبرز أهمية دراسة علوم الحديث، أنها تخص جانب الرواية والتحقق من ثبوت تلك الرواية، لكن أقول كذلك إن علماء الحديث المتقدمين كانوا يعتنون جدًّا بتفسير تلك الرواية، بمعنى أنهم لم يكن علمهم قاصرًا فقط في مجرد التحقق من ثبوت الرواية، وإنما كانوا يعتنون كذلك بشرح الرواية أو بتفسيرها، ثانيًا بما يستنبط منها، كما هو موجود في موطأ مالك، وكتب محمد بن الحسن الشيباني، وكتب الشافعي. يمكن بعد ذلك أن يكون أغلب الكتب اعتمدت على مجرد الرواية، وإن كان مجرد تبويب العالم أنه يذكر ترجمة أو بابًا ثم يذكر تحته الأحاديث يدل على فهم الحديث وعلى تصنيف الحديث تحت الباب اللائق به، وأحيانًا يستنبط منه، وكذلك البخاري رحمه الله يعتني جدًّا بتفسير الحديث وما يستنبط منه وما يمكن أن يوظف في العلوم الشرعية؛ فالخلاصة أن علم الحديث يدخل في علوم الإسلام، يدخل في علوم القرآن ويدخل كذلك في الفقه واستنباط الأحكام.

طيب، قال الشيخ: السند وأنواعه. طبعًا قبل أن ندخل في السند وأنواعه، الشيخ ذكر أن المشتغل بعلوم الحديث إما أنه يدرس إسنادًا وإما أنه يدرس متنًا، فوجب أن يبين ما معنى الإسناد وما معنى المتن. قال الشيخ حفظه الله: السند كما عرفه الإمام ابن جماعة هو حكاية طريق المتن، وقال الحافظ: هو الإخبار عن طريق المتن، كلاهما بمعنى واحد. والسند والإسناد عند المحدثين سواء، خلافًا لمن زعم أن الإسناد عندهم يختلف عن السند. يعني الشيخ يريد أن يقول إن كلمة الإسناد عند المحدثين هي نفسها كلمة السند، وكذلك يستعملون كلمة الطريق وكلمة الوجه، كل هذا بمعنى واحد يعبرون به عما يذكره المصنف منه إلى صاحب الإسناد.

مثلًا الترمذي يقول: حدثنا محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا؛ فهذا هو الإسناد، يعني هو الطريق الذي أوصلنا إلى المتن. قال: ويطلقون أيضًا على الإسناد الطريق، يقولون: هذا الحديث روي من طريق فلان أو طريق كذا أو عدة طرق، يقصدون من طريق هاهنا الإسناد، وأحيانًا يعبرون عن الإسناد بقولهم: الوجه، يقولون: هذا الحديث روي من عدة أوجه، أي من عدة أسانيد.

أنا يمكن أن تتذكري أننا ذكرنا قاعدة عامة في علوم الحديث، أن المعنى الواحد يعبر عنه بأكثر من لفظ، فهذا المعنى الذي هو الرواة من المصنف إلى صاحب الكلام، هذا ماذا نسميه؟ بعض العلماء يسميه إسنادًا، وبعضهم يسميه سندًا، وبعضهم يسميه طريقًا، وبعضهم يسميه وجهًا، فهذا اختلاف في اللفظ والمعنى واحد. قال: كل هذه عبارات يقصد بها معنى واحد. أما التعريف الشائع بين طلبة العلم من أن السند هو سلسلة الرجال الموصلة إلى المتن، فهذا التعريف وإن كان مشتهرًا بين طلبة العلم المعاصرين إلا أنه غير دقيق وترد عليه اعتراضات متعددة؛ فأولًا: نحن نعلم أن الإسناد يشتمل على جزأين: الجزء الأول: الرجال، والثاني: أدوات الأداء، كمثل قول الراوي: حدثنا، أو أخبرنا، أو عن، أو قال، ونحو ذلك، فكل ذلك من الإسناد؛ فما من إسناد إلا ويشتمل على رجال -اللي هم الرواة يعني- ويشتمل أيضًا على أدوات الأداء.

يقصد الشيخ أدوات الأداء: يعني حدثنا، سمعت، أخبرنا، قال لي، اللي هي الصلة بين الراوي ومن روى عنه؛ فقد يستعمل كلمة سمعت، أو أخبرنا، أو أنبأنا، أو حدثنا، أو قال، أو عن، كل هذا يسمى صيغ الأداء أو أدوات الأداء. قال الشيخ: ويشتمل أيضًا على أدوات الأداء، وهذا التعريف الذي هو سلسلة الرجال الموصلة إلى المتن لا يشمل الجزء الثاني وهو أدوات الأداء. الشيخ يريد أن يقول إن يعني بعض طلبة العلم يقولون الإسناد هو سلسلة الرواة الموصلة إلى المتن، فالشيخ عنده اعتراض؛ يعني أنا في رأيي أن هذا الأمر يسير جدًّا، يعني ما كان يحتاج اعتراضًا، لكن الشيخ أراد أن ينبه فقط على أن الإسناد لا يكون فيه الرواة فقط، وإنما يكون فيه كذلك الصلة بين الراوي ومن روى عنه، اللي هي سماها الشيخ أدوات الأداء أو صيغ الأداء، اللي هو الرابط يعني.

مثلًا لو الإمام مسلم قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال قتيبة: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر؛ فكلمة عن وحدثنا وأخبرنا هذه اسمها أدوات أداء، فالشيخ فقط يريد أن يلفت النظر أن السند ليس فيه فقط الرواة، وإنما فيه كذلك أدوات الأداء، وهي الصلة بين الراوي ومن روى عنه.

قال الشيخ: ولعل قائلًا يقول: إن وصف الإسناد بسلسلة يتضمن الأداة؛ لأنها هي التي تربط كل راوٍ بمن فوقه، كما أن السلسلة ترتبط حلقاتها بعضها ببعض، وهذا الكلام منتقد أيضًا؛ لأن وصف الإسناد بسلسلة يتضمن شيئًا آخر ألا وهو الاتصال؛ لأن السلسلة من شأنها أن تكون متصلة، ولو أن الحلقات لم تكن متصلة لم يصلح أن توصف بكونها سلسلة، ولا بد لوصفها بسلسلة أن تكون متصلة، وإن كان الأمر كذلك فإن من المعروف أن الأسانيد ليست كلها متصلة، بل من الأسانيد ما هو متصل ومنها ما هو غير متصل، كما نعرف وسيأتي بيانه وتفصيل القول فيه إن شاء الله تبارك وتعالى في مبحث السقط من الإسناد ومعرفة أنواع السقط من الإسناد؛ فإذا كان كذلك فإن وصف الإسناد بأنه سلسلة لا يشمل هذا النوع من الأسانيد التي هي ليست متصلة.

ماذا يريد أن يقول الشيخ؟ يريد الشيخ أن يقول: بعض الناس سيعترض على كلامه فيقول: مجرد قولنا في تعريف الإسناد إنه سلسلة الرواة الموصلة، فوصفنا بكلمة سلسلة يدل ضمنيًّا على وجود صلة أو أداة بين الراوي ومن روى عنه، فلا حاجة لنا -يعني كأن القائل يقول للشيخ- لا حاجة لنا أن نغير هذا التعريف إلى تعريفك اللي هو الطريق الموصلة أو حكاية طريق المتن. يقول: لا، هذا ليس صحيحًا، لماذا؟ لأن كلمة السلسلة تقتضي أن كل إسناد يجب أن يكون متصلًا، وهذا ليس هو الواقع؛ الواقع أن بعض الأسانيد ليست متصلة، يكون فيها انقطاع بين الراوي ومن روى عنه، فلو أننا قلنا إن تعريف الإسناد هو سلسلة الرواة الموصلة إلى المتن، هذا يوهم أن كل إسناد يجب أن يكون متصلًا، والواقع أن بعض الأسانيد متصلة وبعض الأسانيد منقطعة.

طبعًا يعني خلاصة هذا الكلام في سطر واحد: أن الإسناد يحتوي على رواة وأدوات تربط أولئك الرواة، بس. فبعض العلماء عبر عن تعريف، أو عمومًا يعني بعض طلبة العلم كان يقول إن تعريف الإسناد هو سلسلة الرواة الموصلة إلى المتن، فبعضهم رأى أن كلمة سلسلة هذه ليست -يعني لا تدل على الصلة أو الأداة بين الراوي ومن روى عنه- فلذلك الأفضل أن نقول: حكاية طريق المتن، يعني كيف بلغنا ذلك المتن، مع اعتبار أن كل إسناد لا بد أن يكون فيه رواة ولا بد أن يكون فيه أدوات أداء، اللي هي الصلة بين الراوي ومن روى عنه.

يعني هذا تنبيه بسيط، يعني أقصد أقول إن تعقيب الشيخ هنا له وجهة، لكن كذلك من قال إن الإسناد هو سلسلة الرواة الموصلة إلى المتن وهو يقصد كذلك ما بينهما من الصلات أو من الأدوات فتعريفه أيضًا يمشي، لكن تعريف الشيخ أقرب، اللي هو ذكره عن ابن جماعة: حكاية طريق المتن، يعني باختصار كيف بلغنا هذا المتن.

طيب، قال الشيخ حفظه الله: فهذا التعريف منتقد سواء قلنا إن وصفه بكونه سلسلة من الرجال موصلة للمتن لا يشمل أدوات الأداء، أو قلنا إنه يشملها على أساس أن وصف الإسناد بسلسلة إنما يختص بنوع من الأسانيد -يقصد الأسانيد المتصلة اللي هي كل راوٍ منها تلقى الرواية عمن روى عنه، لأننا عندنا أسانيد منقطعة، ممكن يكون الراوي روى عمن لم يسمع منه فيكون الإسناد منقطعًا- فالشيخ يقول: فهذا التعريف منتقد سواء قلنا إن وصفه بكونه سلسلة من الرجال موصلة للمتن لا يشمل أدوات الأداء، أو قلنا على أساس أن وصف الإسناد بسلسلة إنما يختص بنوع من الأسانيد وليس بكل أنواع الأسانيد؛ لأن من الأسانيد ما ليس بمتصل، والسلسلة -يعني لفظ السلسلة- لا بد وأن تكون متصلة، وعليه لا يكون هذا التعريف جامعًا، ومن شروط التعريف أن يكون جامعًا مانعًا.

طبعًا كل هذه الحدود المنطقية، اللي هو الحد، يعني هؤلاء كثير من العلماء يسير على الحد الأرسطي، يعني الحد الذي وضعه أرسطو، وانتقل ذلك من المنطق إلى علم الكلام، وشاع عند المتأخرين فكرة الحدود والتعريفات، أن لازم نحدد، لازم التعريف يكون جامعًا مانعًا مختصرًا؛ فبدأ يحصل ردود ومناقشات في هذا الأمر كثير منها لا حاجة لنا فيه، بمعنى أنهم أطالوا الكلام جدًّا في هذا الأمر مع أن التعريف المراد منه تقريب المعنى؛ فلو مثلًا واحد قال إن الإسناد هو سلسلة الرواة الموصلة إلى المتن، هذا تعريف جيد لا مشكلة، تمام؟ لكن سيأتي بعضهم يتعقبه يقول: لا، كلمة الرواة لا تقتضي أن يكون بينهما صلة، وبذلك لم تذكر الأداة بين الراوي ومن روى عنه، فلذلك قالوا: نحن نقول هو حكاية طريق المتن، والأمر فيها سهل ليس صعبًا يعني، ولا يترتب عليه كبير عمل.

قال: ثانيًا: وهي أن هذا التعريف يتضمن أن الوسائط إنما تكون من قبل الرجال أو الرواة، بينما نحن نعلم أن هناك من الأسانيد ما تكون الوسائط فيها أو في بعض طبقاتها من غير الرجال، كما هو الحال فيما تحمله الراوي عن طريق الوجادة؛ والوجادة: أن يجد الرجل أو الراوي كتابًا لشيخه فيأخذه ويرويه، فهو إنما يروي هذا الكتاب ولا يروي عن شيخه مباشرة، فهناك واسطة بينه وبين شيخه ألا وهي الكتاب؛ ولهذا نجد مثل هؤلاء الرواة حينما يروون هذه الأحاديث على الوجه الصواب يقول واحد منهم: وجدت في كتاب فلان كذا وكذا، ولا يقول: حدثني فلان بكذا؛ فإنه إن روى الحديث عنه مباشرة كان في ذلك نوع تدليس، تدليس الإيهام، يعني يوهم أنه تلقى الحديث مباشرة عن الشيخ وإنما أخذه عن كتابه.

قال الشيخ: والعلماء رحمهم الله لهم تفاصيل في هذه الصور من الروايات، ولهذا نجد علماء الحديث يعبرون عن مثل هذه الروايات حيث يحكون هذا الإسناد يقولون: هذا الحديث رواه فلان عن كتاب فلان عن فلان، وهذا يدل على أن الكتاب قد يكون واسطة في بعض الأسانيد أو في بعض طبقات الأسانيد، بينما هذا التعريف يجعل الرجال واسطة في الأسانيد مهما كانت، وهذا أيضًا مما ينتقد به على هذا التعريف للإسناد.

الذي أراه -والله أعلم- أن الشيخ أطال في هذه النقطة وهي لا تحتمل هذه الإطالة، بمعنى أن التعريف ما هو التعريف؟ التعريف هو تقريب الأمر إلى المتلقي؛ فأنا مثلًا لما واحد يقول لي: ما معنى الإسناد؟ فأقول له: الإسناد هم الرواة الذين يوصلونني إلى المتن، خلاص تم هذا التعريف، يعني هذا هو المراد، أن الإسناد هم الرجال الذين أوصلوني إلى هذا المتن. يعني مثلًا لما يقول حديث: إنما الأعمال بالنيات، فيقول: ما إسناده؟ فأقول: إسناده مثلًا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فخلاص هذا هو الطريق الذي أوصلني إلى هذا المتن اللي هو: إنما الأعمال بالنيات.

لكن الشيخ لكونه سار هنا على فكرة الحدود والتعريفات، بدأ هنا ينتقد هذا التعريف بأنه يوهم أن الإسناد ليس فيه إلا الرواة، بينما الإسناد فيه صيغ الأداء؛ فلذلك الشيخ أحب التعريف الآخر وهو حكاية طريق المتن، والأمر بينهما سهل. لكن خليني أشرح برضه النقطة الأخيرة: هو الشيخ يقول إن أحيانًا تكون الواسطة بين الراوي ومن روى عنه كتابًا، مثلًا راوٍ من الرواة وجد كتابًا فقال: وجدت كتابًا لفلان، فالشيخ يريد أن يقول: إذًا الواسطة بين الراوي ومن روى عنه ليس راويًا آخر، ليس رجلًا، وإنما هو كتاب. أنا في رأيي أن هذا ما كان يحتاج تنبيهًا، لماذا؟ لأن هذا أمر نادر أصلًا، الوجادة أمر نادر في واقع الرواية، يعني واقع الروايات التي دونت الأحاديث بناء عليها من موطأ مالك مثلًا إلى المجتبى للنسائي وحتى بعد ذلك، مسألة الوجادة هذه قليلة جدًّا، فالتعريفات يراعى فيها الأعم الأغلب.

فالخلاصة: إما أن تعبري عن الإسناد بأنه حكاية طريق المتن، يعني كيف بلغنا هذا المتن ويتضمن ذلك الرواة وصيغ الأداء أو أدوات الأداء، أو تقولي: هو سلسلة الرواة الموصلة للمتن، لا بأس عندي في ذلك، لا أرى فرقًا بينهما يعني إلا على الحدود والتعريفات التي تقف مع التعريف بهذه الطريقة.

طيب، الآن بعدما عرفنا ما هو الإسناد نريد أن نعرف ما هي أنواع الأسانيد. بالمناسبة، هذا الكتاب أسهل كتاب تعملي فيه خارطة، خريطة؛ يعني من أوله كذا مثلًا تقولين: هذا الكتاب بدأ أولًا بالكلام عن المصطلحات وأن المصطلحات تختلف من علم لآخر، تمام؟ وتطلعي سهمًا ثانيًا من تحت كلمة المصطلحات: وتختلف المصطلحات في العلم نفسه، تمام كذا؟ وبعد كذا تضربي مثالًا، ثم تنتقلي إلى مثلًا أهمية علوم الحديث وتذكري تحتها أنه أكثر العلوم دخولًا في علوم الإسلام، وبعد ذلك تعريف الإسناد، وبعد ذلك أنواع الأسانيد تطلعي منها أسهمًا مثلًا: الإسناد المسلسل، وهكذا. المهم أن هذا الكتاب ميسر جدًّا، ممكن خريطة هذا الكتاب كلها تأتي في نصف صفحة، والخريطة مهمة جدًّا لأنها تجعلك تستحضري دائمًا خارطة الكتاب أو خلاصة الموضوعات التي تكلم عنها الكتاب.

أما عن أنواع الأسانيد فهي تتنوع عند علماء الحديث إلى أنواع؛ فمنها الأسانيد المسلسلة، ومنها الأسانيد العالية، ومنها الأسانيد النازلة؛ يبقى كذا هنطلع ثلاثة أسهم من الأسانيد. قال: ونجد في كتب علوم الحديث للمسلسل بابًا مستقلًّا يبين الأئمة فيه معنى التسلسل، وأنواع التسلسل، وفوائد التسلسل، وكذلك الشأن في العلو والنزول، ونحن نلخص ما ذكره أئمتنا رحمهم الله في هذه الأبواب حتى يكون طالب العلم على بصيرة بما قد قاله أئمة هذا الشأن.

سنبدأ أولًا في لفظ مشهور وهو الحديث المسلسل، نريد أن نعرف ما معنى كلمة مسلسل هنا، وما معنى وصف إسناد ما بأنه مسلسل؟ قال الشيخ: الإسناد المسلسل هو الإسناد الذي توارد رجاله واحدًا فواحدًا على حالة واحدة أو صفة واحدة، سواء كانت الصفة للرواة أو للإسناد، وسواء كان ما وقع منه في الإسناد في صيغ الأداء أو متعلقًا بزمن الرواية أو بالمكان، وسواء كانت أحوال الرواة أو أوصافهم أقوالًا أو أفعالًا أو هما معًا.

خليني أشرح لك ما معنى كلمة الإسناد المسلسل: نحن عندنا، تصوري كذا مثلًا لو نحن عندنا رواية موجودة عند أبي داود السجستاني اللي هو في كتاب السنن، فهو عنده رواة أوصلوه إلى المتن، وليكن مثلًا الرواة: القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنه؛ فهؤلاء الرواة إذا كان عندهم صفة واحدة اشتركوا فيها من أول الإسناد إلى آخره، مثلًا كأن يكون كل الرواة مصريين، أو كأن يكون كل راوٍ حدث الآخر عند الكعبة، أو يكون كل راوٍ وهو يحدث حدث بهذا الحديث في زمن ما مثلًا في يوم العيد، فيقول: حدثني فلان يوم العيد، والآخر يقول: حدثني فلان عند الكعبة، حدثني فلان المصري، تمام؟ فإذا توارد رواة الحديث على صفة واحدة أو حال واحدة، فيسمي العلماء هذا الإسناد المسلسل.

وطبعًا هذه التسمية متأخرة؛ لأن العلماء المتقدمين لم يكونوا يعنون قط بهذه المسائل التي اعتنى بها كثير من المتأخرين، لماذا؟ لأن كون الراوي مصريًّا أو كون الراوي حجازيًّا أو كون الراوي حدث يوم العيد أو حدث عند الكعبة، هذه أمور لا أثر لها في الرواية، لكن المتأخرين لكونهم فرعوا أبوابًا كثيرة في العلم فكثروا الأصناف؛ فإن هذا البحث ليس له إلا فائدة واحدة سيأتي التنبيه عليها إن شاء الله، أما مجرد كون الراوي مصريًّا أو شاميًّا أو كوفيًّا، أو أنه حدث مثلًا وهو آخذ بلحيته، أو حدث عند الكعبة، هذا لا أثر له في الرواية إلا فيما سيأتي ذكره إن شاء الله.

قال الشيخ حفظه الله: إذًا التسلسل أن يشترك... طبعًا وهذه فائدة مهمة جدًّا لك كطالبة علم: أن تفرقي بين المسائل الكبرى التي لها أثر في العلم وبين المسائل التي هي أشبه باللطائف، ولا ينبغي قط أن تعتني الطالبة باللطائف

التي هي المسائل اليسيرة التي هي نادراً ما تأتي أو التي هي يعني يسمونها ثم أنفسهم يسمونها لطائف العلم، يعني شيء كده ما لوش أثر في الرواية أو لا وجود له أو لا يترتب عليه كبير عمل، لا ينبغي أن تهتمي بهذه المسائل على حساب المسائل الكبرى التي هي في صلب العلم؛ لا بد أن تنزلي المسألة منزلتها من العلم. قال الشيخ حفظه الله: إذا التسلسل أن يشترك الرواة في كل طبقة من طبقات الإسناد، الطبقة معناها إيه؟ الطبقة يشتركون في وصف أو في قول أو في فعل، نجد هذا الوصف أو هذا القول أو هذا الفعل يتكرر في كل طبقة من طبقات الإسناد. فمثال التسلسل بألفاظ الأداء أن يتكرر في كل طبقة من طبقات الإسناد لفظ واحد من ألفاظ الأداء، كأن يقول كل راوٍ حيث يروي الحديث عن شيخه: حدثنا فلان، حدثنا فلان، حدثنا فلان، فهذا تسلسل حيث تكررت هذه الصيغة في كل طبقة من طبقات الإسناد.

ومثال التسلسل بأوصاف الرواة أن يكون الحديث مسلسلاً برواية المحمدين، يعني كل راوٍ اسمه محمد. أنتِ ترين أنه لا فائدة في ذلك، أن الراوي يكون اسمه محمد، يكون اسمه خالد، يكون اسمه علي، ليس لها أي أثر في الرواية. لذلك هذه العلوم لا يمكن أن تجديها عند المتقدمين قط، تمام. هذه العلوم تكثر عند المتأخرين الذين أكثروا من التسريع في العلوم وتكثير الأقسام والأنواع، إنما هذا كون الراوي شامياً أو اسمه محمد أو اسمه خالد أو اسمه علي ما لها أي أثر في الرواية، تمام. قال طبعاً الشيخ يعني جزاه الله خيراً ذكر لك هذا القسم حتى تعلمي أن هذا يذكر في كتب الحديث، تمام، لكن مع ذلك لا يلزم أن كل ما ذكر في كتب الحديث المتأخرة يكون مهماً في واقع الرواية، بالعكس كثير منهم اهتم بأمور فرعية وترك التفصيل في أمور هي من أصول هذا العلم.

قال الشيخ حفظه الله: ومثاله التسلسل بأوصاف الرواية كأن يكون الحديث مسلسلاً برواية المحمدين؛ محمد عن محمد عن محمد، هكذا في كل طبقات الإسناد، أو يكون من رواية الفقهاء بعضهم عن بعض، كأن يكون في كل طبقة من طبقات الإسناد الراوي أحد الفقهاء أو أحد الحفاظ، فتجد حديثاً بالأئمة الحفاظ أو بالأئمة الفقهاء هكذا في كل طبقة من طبقات الإسناد. يعني الشيخ يريد أن يقول ممكن يكون عندنا حديث كل راوٍ من رواة الحديث فقهاء، طبعاً هذا أمر نادر جداً جداً لا يكاد يوجد أصلاً أن يكون كل راوٍ من رواة الإسناد من أول المؤلف إلى النبي صلى الله عليه وسلم يكون الراوي فقيهاً، تمام. أما أن يكون الراوي حافظاً فهذا موجود كثير، لكن لا يحتاج أن نجعله نوعاً من الأنواع، لا، كل راوٍ فيه ثقة وخلاص.

قال وكذلك أن يكون الحديث أن يكون كل راوٍ إنما يرويه عن رجل من أهل بلده، هكذا يتسلسل الحديث راوياً عن راوٍ، ويكون كل الرواة من أهل بلد معينة؛ مثلاً مصري يرويه عن مصري عن مصري، وبصري يرويه عن بصري عن بصري، وكوفي يرويه عن كوفي عن كوفي، وحجازي يرويه عن حجازي عن حجازي، وهكذا. فهذا أيضاً من صور التسلسل في الأسانيد، أنتِ طبعاً ترين أن هذا لا أثر له، أن يكون الرواة كلهم مدنيين أو كلهم مصريين، ما أثر ذلك؟ الأثر فقط في شيء واحد، إذا كان الراوي ثقة حافظاً يؤدي الرواية كما تحمل، وهذا الذي يهمنا في الرواية من الآخر؛ لا بد أن تعلمي أن الراوي نحتاج منه أن يؤدي الرواية كما تحملها، أما الصفات الأخرى، كأن يكون كبيراً في السن أو صغيراً، أو يكون مثلاً مصرياً أو شامياً أو حجازياً، أو كان يكون حدث بالعراق، أو حدث وهو يأخذ لحيته، أو حدث يوم العيد، كل هذه صفات أجنبية عن القبول، أجنبية يعني ما لهاش أثر.

قالوا ومثال التسلسل بالقول أن يتكرر عن كل راوٍ حيث يروي الحديث عن شيخه، كأن يقول الراوي مثلاً: دخلنا على فلان فأطعمنا تمراً وحدثنا بالحديث الفلاني، ثم يقول الراوي عنه: دخلنا على فلان فأطعمنا تمراً وحدثنا بالحديث الفلاني، ثم يقول الراوي عنه: دخلنا على فلان فأطعمنا تمراً وحدثنا بالحديث الفلاني، وهكذا يتكرر القول في كل طبقة من طبقات الإسناد. نعم، فهذا هو التسلسل، والتسلسل قد يكون ثابتاً وقد لا يكون ثابتاً، يعني هو حتى فسره، أعني بالثبوت في التسلسل لا ثبوت أصل الحديث، فقد يكون الحديث صحيحاً لا غبار على ذلك، ولكن هذا التسلسل الذي صاحب ذلك الحديث قد لا يكون صحيحاً، بل الأغلب ألا يكون صحيحاً أصلاً. يعني الإمام الذهبي وغيره من العلماء نبه على أن عامة الأحاديث التي يقال إنها مسلسلة هي لا تثبت، لا يثبت فيها التسلسل؛ بمعنى أن بعضهم يقول حدثني فلان يوم العيد، أو حدثني فلان وهو آخذ بلحيته، أو حدثنا مثلاً فلان في يوم كذا، ويكون هذا التسلسل لا يثبت، لكنها مجرد كما قلت لك مجرد لطائف، يعني لا أثر لها في الرواية ولا في صحة الرواية.

طيب قال الشيخ: بل الأغلب ألا يكون صحيحاً، فهناك من الأحاديث التي رويت بالتسلسل التسلسل فيها مصطنع غير صحيح، إنما الصحيح الحديث نفسه؛ يعني يكون أصل الحديث صحيحاً، لكن هذا التسلسل أو هذه الصفة لا تثبت، أما التسلسل الذي صاحبه فهو ليس صحيحاً، وإنما هو مما ركبه وأخطأ فيه بعض الرواة فروى الحديث مسلسلاً وليس هو مسلسلاً، مع أن أصل الحديث صحيح، لكن هذا التسلسل لا فائدة منه أو لا أثر له في الرواية. قال: والتسلسل قد يقع في كل طبقة من طبقات الإسناد، وقد يقع في بعض الإسناد أو معظمه. طبعاً ما معنى كلمة الإسناد عشان تكوني فهمتِ هذا الأمر؟ إحنا عندنا الإسناد يبدأ من المؤلف الذي صنف الكتاب، مثلاً النسائي، أبو داود، البخاري، الترمذي، الدارقطني، الطبراني، هؤلاء مصنفون؛ فيبدأ الإسناد من أول ما يقول هذا المصنف: حدثنا كذا أو أخبرنا كذا، يبدأ من هنا الإسناد إلى من انتهى إليه الإسناد، سواء كان النبي صلى الله عليه وسلم أو كان صحابياً أو كان تابعياً، فهذا الإسناد فقد يكون التسلسل من بداية الإسناد إلى نهايته، وقد يكون التسلسل في بعض الطبقات. يعني عموماً خلاصة ما أريد أن أقوله لك أن بحث التسلسل هذا مجرد تقرئينه، لكن لن تجدي له أثراً في واقع الرواية، ولن تجدي أحداً من الأئمة الكبار اهتم به أو عول عليه في مسألة النظر في الرواية أو في صحتها.

قال: ومن الأحاديث التي وقع التسلسل فيها في بعض الإسناد دون الكل حديث المسلسل بالأولية، يعني أن هذا الحديث أول ما حدثني فلان؛ مثلاً كل راوٍ يقول هذا الحديث أول حديث سمعته من فلان، قال: وهذا الحديث هو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ. أسف لأن ده هيكون جواب الطلب، جواب الطلب عندما يكون مجزوماً يرحموا يرحمكم، طيب. قال: فإنه حديث قد انتهى فيه التسلسل إلى سفيان بن عيينة، أي أن التسلسل كان من عند ابن عيينة إلى من دونه، أما فوق ابن عيينة في الإسناد فلم يكن هناك تسلسل، عمرو بن دينار يرويه عن أبي قابوس من دون تسلسل، وأبو قابوس يروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص من دون تسلسل، وعبد الله بن عمرو بن العاص روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً من دون تسلسل، وإنما التسلسل جاء من دون سفيان بن عيينة.

وكان التسلسل في هذا الحديث بقول الراوي: هذا أول حديث سمعته من فلان، ولذلك سمي المسلسل بالأولية، يعني قصد الشيخ أن كل راوٍ في الإسناد قبل سفيان بن عيينة يقول: هذا أول حديث سمعته من فلان، ويأتي اللي بعده ويقول: وهذا أول حديث سمعته من فلان، يعني مثلاً حدثني فلان بكذا وهو أول حديث سمعته منه، ويأتي الراوي اللي بعده ويقول: حدثني فلان بكذا وهو أول حديث سمعته منه، طيب. وكان التسلسل في هذا الحديث بقول الراوي: هذا أول حديث سمعته من فلان، ولذلك المسلسل بالأولية، وهناك بعض الروايات قد روت هذا الحديث بالتسلسل إلى منتهاه من أول الإسناد إلى آخر الإسناد؛ يعني ذكر التسلسل في كل طبقات الإسناد وهذا خطأ، إنما التسلسل هذا الحديث ينتهي إلى سفيان بن عيينة. خلاص، هذه خلاصة الحديث المسلسل، معناه أن يتوارد الرواة من أولهم إلى آخرهم على صفة، أو يتوارد جزء من الإسناد على صفة أو على حال، وذكرت لك أن العلماء الأولين لم يكونوا يعتنون بقط؛ لن تجدي ذكراً لهذا التسلسل نهائياً، وإنما هذا عند المتأخرين.

ومن ناحية الرواية لا أثر له إلا أنه أحياناً يثبت ضبط الراوي، أن الرجل مثلاً يكون حدثني فلان يوم العيد أو حدثني فلان في كذا، يبين أنه يذكر اليوم الذي حدث فيه والمكان الذي حدث فيه، لكن هذا أيضاً لا يدخل فيه وصف التسلسل، وإنما يدخل في وصف ضبط الراوي. طبعاً التوسع في هذا الأمر ذكرته في الشرح، شرح الكتاب الكبير الذي هو شرح منظومة غرامي صحيح، ولكن هذا الكتاب موجز فلذلك لا أتوسع فيه. قال الشيخ حفظه الله: العالي والنازل، يعني هذا هو النوع الثاني من الأسانيد، الذي هو الإسناد العالي والإسناد النازل، نقرأ بعدين نعلق إن شاء الله. قال الشيخ حفظه الله: يقسم العلماء العلو إلى قسمين: القسم الأول علو صفة، والقسم الثاني علو مسافة، وهذان القسمان كل منهما ينقسم أيضاً؛ فعلو الصفة ينقسم إلى قسمين، وعلو المسافة ينقسم إلى ثلاثة أقسام، وعلى هذا تكون أقسام العلو خمسة، ويكون النزول بعكس العلو؛ يعني كما أن العلو خمسة أقسام فكذلك النزول فهو تابع له، فهو إذاً خمسة أقسام أيضاً. فإما قسمة علو الصفة، طيب خلونا أشرح لك هذا الأمر عشان تكون القراءة هي بمثابة شرح لهذه المقدمة.

العلو معناه أن هذا الإسناد فيه صفة تجعله عالياً يعني تجعله مميزاً، طيب، هذا العلو قد يكون علو صفة، يعني صفة في الراوي جعلته أعلى من غيره، تمام، كان يكون أكثر حفظاً أو مثلاً تقدمت وفاته، وسنعرف أن هذا ليس له أثر أيضاً أن هو تتقدم وفاته أو تتأخر وفاته. القسم الثاني بقى الذي هو علو المسافة؛ المسافة أن تقل الوسائط بين الراوي وبين النبي صلى الله عليه وسلم، تمام؛ فمثلاً البخاري لما يروي حديثاً عن مكي بن إبراهيم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع عن النبي صلى الله عليه وسلم، هؤلاء ثلاثة رواة، فهذا إسناد عالٍ جداً، معناها أن البخاري علا في هذا الحديث لأنه بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة رواة فقط، هذا إسناد عالٍ جداً بالنسبة لزمن البخاري، تمام. فالعلو كان يحبه العلماء ويفضلونه؛ لماذا؟ لأن قلة الوسائط هي شرف، يعني الإنسان يقرب من النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك هي بعيدة عن احتمال الخطأ، فإن كان أهم ما في الإسناد هو صفة الرواة أن يكونوا ثقات أثبات.

قال: العلو، علو الصفة، القسم الأول العلو بتقدم وفاة الراوي، وذلك بأن يتقدم موت الشيخ الذي في أحد الإسنادين على موت الشيخ الذي في السند الآخر، فيكون الأول أعلى وإن كان متساويين في العدد؛ يعني لو أننا بصدد النظر في إسنادين الشيخ فيه قد تقدم موته والآخر قد تأخر موته، إن الذي تقدم موته يكون أعلى إسناداً من الذي تأخر موته. يقول الإمام الحاكم رحمه الله: الأصل في ذلك أن النزول عن شيخ تقدم موته واشتهر فضله أجلُّ وأعلى من النزول عن شيخ تأخر موته وعرف بالصدق، وكان الشيخ بيعقب وكان ذلك لأن الغالب أن الشيخ المتقدم يكون أكبر من الشيخ الآخر، وهو حينئذ أعلى وأعلم وأعرف بالعلم من الآخر الذي تأخر. طبعاً هذا يعني إيه؟ هذا لا أثر له في الرواية، بمعنى أن العلو ليس في مجرد كبر السن ولا تقدم الوفاة، وإنما العلو في شيء واحد فقط: في الحفظ والضبط والصدق، أما كونه...

القسم الثاني العلو بتقدم السماع من الشيخ، كان يكون الشيخ قد روى عنه راويان أحدهما سمع منه قديماً والآخر سمع منه آخراً (يعني متأخراً)، فحينئذ من سمع قديماً يكون أرجح ممن سمع آخراً، ويتاكد ذلك في حق من اختلط في آخر عمره أو خرف، فمن سمع من الشيخ قديماً أرجح وأصح ممن سمع... يا ريت المشرفة الكريمة تضع تنبيهاً على القناة العامة بأن درس تفسير القرآن سيكون إن شاء الله الساعة 6:10، عشان الناس ما تقلقش أن أنا تأخرت على الدرس الآخر. قال: القسم الثاني خلاص قلنا له، قال: والآخر آخراً، فحينئذ من سمع قديماً يكون أرجح ممن سمع.

ويتاكد ذلك في حق من اختلط في آخر العمر؛ فمن سمع من الشيخ قديماً أرجح وأصح ممن سمع أخيراً، وذلك لأن الشيخ الذي اختلط في آخر عمره من سمع منه في آخر عمره يكون قد سمع بعد اختلاطه وليس في حال الصحة والسلامة والحفظ والإتقان. يعني الشيخ يريد أن يقول إن العلو قد يعلو الراوي على قرينه من الرواة بأن يكون تقدم سماعه من الشيخ، بخلاف أن الراوي الآخر تأخر سماعه. طيب ما فائدة ذلك؟ فائدة ذلك أن الشيخ لما يحدث في صغر سنه أو في شبابه يكون في كامل حفظه وقوته في الأداء، بينما من تأخر سماعه قد يكون سمع من الشيخ في وقت اختلاطه. إذاً، الراوي كلما تقدم سماعه من الشيخ في الغالب تكون روايته أقوى، طبعاً في الغالب.

تمام، هذا إذا كان الراوي اختلط يعني إذا كان الشيخ تغير حفظه لما كبرت سنه، أما إذا كان الشيخ هو كما هو لم يتغير حفظه فلا. المهم قال: وربما يكون العكس صحيحاً وذلك في حق من كان يحدث قديماً من حفظ فيخطئ ثم صار بعده لا يحدث إلا من كتاب. بعض رواة كانت هذه حاله في أول انشغال برواية الحديث كان يحدث من حفظه فتكون الأخطاء، ثم صار بعد ذلك بعد أن بين له العلماء ذلك وحذروا من التحديث من حفظ حتى لا يخطئ، صار بعد ذلك لا يحدث إلا من كتاب، فصار حديث متأخر أصح من حديث المتقدم. وقع ذلك لابن يحيى في قصة معروفة في ترجمته من كتب الرجال. يعني المعروف أن الراوي بيتغير حفظه لما تكبر سنه، فيكون من روى عنهم متأخراً روايته أضعف ممن سمع منه قديماً لما كان حافظاً، لكن ابن يحيى العوضي هذا الراوي كان في شبابه يحدث من حفظه، لكن بعد ذلك أصابه مرض، فروح بيته وحدث من كتبه يعني اتعالج في بيته، روح البيت عشان يتعالج. فأثناء هذه الفترة صار يحدث من كتبه فصار العكس، من سمع منه قديماً أصح ممن سمع منه في شبابه أو في أول روايته.

قال: أما العلو بالمسافة فهو ثلاثة أقسام. طبعاً إحنا قلنا بالمسافة اللي هو قلة الوسائط بين الراوي وبين النبي صلى الله عليه وسلم المصنف يعني اللي هو المصنف زي البخاري، ومالك، مثلاً الشافعي، هؤلاء رواة قلة الوسائط بين الراوي وبين من روى عنه، يعني إذا كان طبعاً النبي صلى الله عليه وسلم أو كان أحد المشهورين في أثناء الإسناد مثلاً مثل الزهري وغير هؤلاء.

قال القسم الأول وهو أعظمها وأجلها: القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح قوي نظيف من الضعف، بخلاف ما إذا كان مع الضعف. يعني يريد أن يقول إن قلة الوسائط تكون علواً بشرط أن يكون الإسناد صحيحاً. قال يعني لو أنا بصدد إسنادين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بحيث ما أحدهما أقل في عدد الوسائط بين الراوي ورسول الله صلى الله عليه وسلم من الآخر، فالذي قلت الوسائط فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون أعلى من الذي كثرت فيه الوسائط. يعني مثلاً أضرب لك مثالاً عشان تفهمي هذا الأمر: لما يأتي مثلاً البخاري رحمه الله يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الإسناد الذي سأحكيه لك، قال البخاري مثلاً حدثنا قتيبة بن سعيد تمام، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر، يبقى كده بين البخاري والنبي صلى الله عليه وسلم أربعة رواة اللي هم قتيبة وسفيان وعمرو وجابر، لكن أحياناً البخاري يكون بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة رواة فقط، مثلاً يقول البخاري: حدثنا مكي بن إبراهيم عن يزيد بن أبي عبيدة عن سلمة بن الأكوع عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون هذا الإسناد أعلى من هذا الإسناد، لكن طبعاً المهم أن يكون الإسناد صحيحاً.

بصرف النظر عن عدد الوسائط بين الزهري ورسول الله صلى الله عليه وسلم، سأضرب لك مثالاً على هذا، صوري مثلاً البخاري يريد أن يصل إلى سفيان الثوري أو إلى شعبة تمام، فهو ممكن يصل إلى سفيان الثوري مباشرة، بينه وبينه راوٍ فقط وهو مثلاً قبيصة، فيقول البخاري: حدثنا قبيصة عن الثوري، إذاً بينه وبين الثوري واحد فقط، لكن ممكن لا يتيسر له ذلك العلو، فيكون بينه وبين الثوري اثنان مثلاً، أبو داود الطيالسي مثلاً عن وكيع عن الثوري، فيكون بينه وبين الثوري راويان، فالأول أعلى من الثاني، ولكن بشرط أن يكون الإسناد صحيحاً.

طيب قال القسم الثالث: العلو بالنسبة إلى كتاب ما، الكتب المعتمدة المشهورة كالكتب الستة والمسند ونحو ذلك، وصورته أن تأتي إلى حديث مثلاً رواه البخاري، فترويه بإسنادك إلى شيخ البخاري أو شيخ شيخه، ويكون رجال إسنادك في الحديث أقل عدداً مما لو رويته من طريق البخاري نفسه. خليني أشرح هذا باختصار، يعني مثلاً نتصور أن البيهقي يريد أن يروي حديثاً ونفس هذا الحديث موجود في البخاري، فلو أن البيهقي رواه من نفس طريق البخاري ستكون الوسائط كثيرة، فيحاول البيهقي أن يصل إلى شيخ البخاري من غير طريق البخاري، يعني يأتي برواية لمثل وكيع قرين للبخاري شاركه في الرواية عن شيخه، فيبقى ده اسمه علو بالنسبة لكتاب. طبعاً هذا العلو لا فائدة منه، لماذا؟ لأن الحديث الأصلي موجود في الكتاب العالي، فلو البيهقي مثلاً أو الحاكم أو مثلاً الطبراني أو أي واحد من هؤلاء أراد أن يروي رواية وهي موجودة أصلاً في البخاري أو أبي داود أو غيرهما، فخلاص الحديث الأصلي موجود، فالوسائط من البيهقي إلى صاحب الكتاب أو حتى شيخه لا تعنينا كثيراً. طبعاً لها فائدة أخرى أنها بتكثر روايات الحديث وتكثر الطرق، ماذا يسمى الاستخراج يعني بنعرف أن الحديث له طرق كثيرة تمام، لكن ما دام الحديث الأصلي موجوداً عندنا في الكتاب فهو يغني عن هذا الأمر إلا في بعض الحالات تكون فيها فوائد. طبعاً هذا الأمر كان يعتني به مثلاً الذهبي وابن حجر وابن عبد البر وهؤلاء الذين جاؤوا، طبعاً المتقدم يعني في القرن الرابع لكن أنا قصدت أن هؤلاء بالنسبة للكتب الكبيرة اللي هي المتقدمة كانوا يهتمون بأن تقل الوسائط إلى كتاب ويختارون طريقاً غير طريق الكتاب.

قال: خلاص يعني لو أنك بصدد رواية حديث وبين يديك طريقان أحدهما من طريق البخاري في صحيحه والآخر من طريق أخرى تصل إلى شيخ البخاري أو إلى شيخ شيخ البخاري، فأنت إن رويته من طريق غير طريق البخاري إلى شيخ البخاري أو إلى شيخ شيخ البخاري، كانت الوسائط في إسنادك أقل من الوسائط التي بينك وبين البخاري في صحيحه فيما إذا رويته من طريق البخاري، فأنت حينئذ تكون قد علوت في الحديث عن البخاري. يعني لا يقصد أنك أنت أعلى من البخاري، لا، يقصد أنك أحرزت علواً ما لأنك لو أتيت بالحديث وفي إسناده البخاري كانت ستكون الوسائط كبيرة. أنا طبعاً لا أريد أن أدخلك في هذه التفاصيل خصوصاً أن هذا لا أثر له في الرواية، لو كان له أثر كنت توسعت معك أكثر من ذلك. خلاصته أن يأتي واحد من المتأخرين يحاول أن يصل إلى الحديث في البخاري من غير طريق البخاري؛ لأنه لو وصل من طريق البخاري سيكون بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً عشرة، لكنه يحاول أن يأتي بإسناد عالٍ فيصبح بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم تسعة فقط.

طيب قال وهذا علو نسبي وليس علواً مطلقاً، يعني نسبي لأنه بالنسبة لكتاب. أما النزول فكما قلنا هو العلو، فكلما وجد إسناد عالٍ فلا بد أن يقابله إسناد نازل، والله أعلم. فبنقف هنا بارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.