السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. فهذا لقاء خاص بدورات تأهيل المصلحات للمسار الخاص، واخترت أن يكون لنا في كل علم من العلوم نأخذ كتابًا موجزًا كمدخل لهذا العلم، ولأن كنا قد أخذنا كتاب المقدمات الأساسية في علوم القرآن وهو مدخل لعلوم القرآن، فاخترت أن يكون الكتاب الذي أسير فيه معكن هو كتاب موجز كمدخل لعلم الحديث. وعلم الحديث هو العلم المتعلق بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة والتابعين.
وعلوم الحديث كثيرة؛ منها العلوم المتعلقة بمصطلح الحديث، تتعلم الطالبة فيها ما هي المصطلحات المستعملة في العلم في الحكم على الراوي، أو الحكم على الرواية، أو تسمية الكتاب؛ فمثلًا تعرف معنى الصحيح، والحسن، والضعيف، والمنكر، والشاذ، ومعرفة الأسماء أو الألقاب التي تطلق على الرواة بأنه ثقة، أو ضعيف، أو منكر الحديث، أو أنه صدوق، أو أنه يدلس. هذه المصطلحات نتعلمها فيما... في الفرع الذي يسمى بمصطلح الحديث، وهذا له كتب كثيرة جدًّا؛ منها الكتب التي سبقت مقدمة ابن الصلاح، أو الكتب التي جاءت بعد مقدمة ابن الصلاح، وإن شاء الله سيكون لنا توسع في هذا الأمر فيما بعد.
الفرع الثاني من علوم الحديث هو ما يتعلق بعلم الرجال أو الجرح والتعديل، يعني الحكم على الرواة: ما هي قواعد الحكم على الراوي؟ وما هي الألفاظ المستعملة في الحكم على الراوي، يعني جرحًا وتعديلًا؟ وكذلك ما هي مناهج النقاد، يعني العلماء الذين يحكمون على الرواة؟ وكذلك ما هي كتب الجرح والتعديل التي نعرف من خلالها الحكم على الرواة؟ أيضًا العلم الثالث هو علم علل الحديث، وهو نقد الروايات، يعني الحكم على الروايات أو على الأحاديث، نعرف فيها قواعد هذا العلم، ونعرف من هم أئمة هذا العلم، وما هي الكتب التي تضمنت كلام النقاد أو علماء علل الحديث.
الفرع الرابع وهو يتضمن فروعًا كثيرة يجمعها العلم بالمصنفات التي دونت فيها الأحاديث والآثار، يعني ما هي الكتب التي جمعت حديث النبي صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة والتابعين؟ يدخل في ذلك مثلًا كتب الجوامع، وكتب السنن، والآثار، والمسانيد، والكتب المسماة بالمعاجم، والأجزاء الحديثية، وكتب الزوائد، والمستدركات، والمستخرجات؛ يعني هذه الكتب هي الكتب التي جمعت الأحاديث والآثار، مثل كتاب الموطأ، وكتب محمد بن الحسن الشيباني، وكتب الشافعي كالأم والرسالة، وكذلك كتب عبد الرزاق، وكتب ابن أبي شيبة، وكتب أحمد بن حنبل، وكتب إسحاق بن راهويه، وكتب البخاري، وكتب الدارمي، وكتب مسلم، وهذه الكتب التي جمعت الأحاديث والآثار بإسناد يبدأ من المؤلف إلى صاحب الرواية.
أيضًا يدخل هنا علم التخريج، يعني كيف تجمعين طرق الرواية أو طرق الحديث؟ كيف تجمعين عندك متن معين، مثلًا: بني الإسلام على خمس، تريدين أن تجمعي كل الروايات التي جاء بها هذه... هذا اسم علم تخريج الحديث، يعني استخراج طرق الحديث من كتب الحديث وكتب السنن والآثار. عندنا كذلك فقه الحديث، وهي الكتب التي شرحت كتب السنة، مثل مثلًا التمهيد والاستذكار لابن عبد البر، وكذلك مثلًا شرح ابن رجب الحنبلي للبخاري، وشرح ابن حجر للبخاري، وشرح النووي لمسلم، وهكذا؛ فكل هذه العلوم تندرج تحت علم الحديث.
المدخل إلى علم الحديث هو أن نتعرف على أهم المصطلحات والمسائل التي يتكلم عنها هذا العلم. اخترت لكن كتابًا موجزًا هو لشيخ يعني تعلمت منه كثيرًا وأفدت منه كثيرًا في هذا العلم، وكررت شرح كتبه، وهو من المهتمين جدًّا بهذا العلم نظريًّا وعمليًّا، هو الشيخ أبو معاذ طارق بن عوض الله، أحد علماء الحديث، وهو مصري. سأقرأ معكم هذا الكتاب، هو المدخل في... أو المدخل إلى علم الحديث، وهو كتاب موجز جدًّا، يمكن بعده أن تطالعن شرحي لكتاب لغة المحدث اللي هو الكتاب الكبير من هذا الكتاب.
لا أريد أن أطيل في المقدمات، لهذا الدرس سيكون ساعة واحدة أسبوعيًّا إن شاء الله، وأرجو أننا ننهي هذا الكتاب مثلًا في يعني خمسة مجالس على أكثر تقدير بإذن الله. سأقرأ الكتاب كلمة كلمة، والموضع الذي أرى أنه يحتاج بيانًا سأعلق عليه إن شاء الله، ونسأل الله سبحانه وتعالى الهدى والسداد، وأن يجعلنا من المتعلمين لهدي رسوله صلى الله عليه وسلم الناشرين له. ولذلك أريد منك أن تجعلي من نيتك في تعلم هذا الكتاب أن تبثيه بين النساء؛ لابد أن تكون المرأة عندها شيء من علم الدين ولو حتى كان مدخلًا. أنا أقصد المرأة عمومًا اللي هي ليست متفرغة للعلم، وإنما هي مسلمة تريد أن تتعلم شيئًا عن الدين، فلابد أن تتعلم من كل باب من أبواب العلوم تأخذ فيه كتابًا موجزًا. وإن شاء الله سيكون عندنا بعد هذا الكتاب كتاب موجز في علم أصول الفقه إن شاء الله، ونسأل الله سبحانه وتعالى الهدى والسداد.
قال الشيخ حفظه الله، نحن في صفحة خمسة: بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا.
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وبعد: فهذا كتاب أحرص فيه إن شاء الله تعالى على أن أقدم الحديث لطلبة العلم المبتدئين ميسرًا بقدر الإمكان، وذلك ليكون مدخلًا لهم إلى هذا العلم، حتى يتمكن الطالب المبتدئ من تفهم هذا العلم والتفقه فيه، ومعرفة غوامضه ودقائقه؛ معلوم أن هذا العلم علم غامض دقيق، قل من يتكلم فيه، وقل من يحسنه ويتقنه، فنسأل الله تعالى أن يعيننا على تيسيره وتقديمه لطالب العلم غضًّا طريًّا سهلًا ميسرًا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وأصل هذا الكتاب محاضرات كنت قد ألقيتها على بعض طلبة العلم حرصًا على حفظ هذه المادة، تم تسجيلها ثم تفريغها كتابة من أشرطة التسجيل، ثم رأيت أنه من المهم قراءتها بتمهل من أجل إخراجها على الوجه الأمثل، مع تنسيقها وتبويبها وعمل عناوين لها جانبية تعين الطالب على الاستفادة منها، وقد فعلت ذلك بحمد الله تعالى، ودعاني ذلك إلى زيادة بعض الفوائد وحذف بعض المواضع التي لا تصلح للكتاب؛ فمعلوم أن الإلقاء يختلف عن الكتابة. وقد اخترت لها هذا الاسم وهو المدخل إلى علم الحديث، والله أسأل أن يتقبل هذا العمل، وأن يجعله ذخرًا لي يوم لقائه، وأن ينفع به كل من وقف عليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وإن مما ينبغي على طالب العلم ابتداء من قبل أن يخوض في هذا العلم ومن قبل أن يشتغل بمباحثه، ينبغي عليه أن يكون على فهم وعلى دراية وتصور جيد لبعض القضايا الكلية المتعلقة بهذا العلم، وهذه القضايا الكلية نستطيع أن نلخصها في هذه الفصول.
يعني الآن الشيخ سيذكر مقدمات، هذه المقدمات هي مداخل لهذا العلم. المقدمة الأولى تخص المصطلح؛ يعني ما معنى المصطلح؟ يعني - أنا أشرح الآن لا أقرأ الكتاب - معنى المصطلح باختصار: أنك كطالبة علم حينما تقرئين مثلًا قولًا لأحد علماء الحديث: إن هذا الحديث منكر، أو حديث شاذ، أو أن هذا الراوي يدلس، أو أن هذا الراوي صدوق، أو أن هذا الراوي له مناكير، يعني له أحاديث منكرة، أو أن هذا الكتاب مستدرك، أو أن هذا الكتاب مستخرج، أو أن هذا الحديث معلول، هذه المصطلحات ما دلالاتها؟ وما الأحكام المترتبة عليها؟ فهو الآن سيتكلم عن هذا الفصل.
المصطلح ومعناه: إن المصطلح كما هو معروف هو اتفاق طائفة ما على شيء ما، فكل طائفة اتفقت وتعارفت فيما بينها على أمر ما فقد اصطلحوا عليه. قال: ولا مشاحة في الاصطلاح، أي لا ينبغي لأحد أن يعيب على أحد اختياره لاصطلاح ما لشيء ما؛ لأن الاصطلاحات ما هي إلا أسماء أو رموز أو علامات على مسميات معينة. يعني أنا أحاول أن أصور لك الفكرة: مثلًا إحنا عندنا الاعتذار، بعض الناس مثلًا إذا أراد أن يعتذر فيقول: آسف، في بعض الدول الأخرى ممكن يقول أي كلمة تقوم مقام كلمة آسف، مثلًا أي كلمة ولا أي حاجة؛ فالمهم أن هذا المصطلح هو يعبر عن معنى، هذا المعنى قد يكون واحدًا ولكن يختلف الاصطلاح الذي يعبر به عن هذا المعنى، وقد يكون العكس: قد يكون المصطلح واحدًا ويعبر به عن أكثر من معنى.
يعني مثلًا إحنا عندنا كلمة مسند، كلمة مسند يمكن أن تطلق على الحديث الذي اتصل إسناده من أوله إلى آخره، يعني أن كل راوٍ منه تلقى هذا الحديث عمن روى عنه وسمعه منه، فده يبقى اسمه مسند. وأيضًا كلمة المسند قد تطلق على الكتاب الذي رويت فيه الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فالمصطلح واحد ولكن المعاني متعددة. العكس: قد يكون المعنى واحدًا والاصطلاحات متعددة، مثلًا أنا أريد أن أعبر أن الراوي هذا تقبل روايته، فممكن بعض العلماء يسميه ثقة، بعضهم الآخر يسميه حجة، بعضهم الآخر يقول عليه ثبت؛ فكل هذه الألفاظ تعبر عن معنى واحد. إذًا قد يتحد المعنى ويختلف اللفظ المعبر به عن المعنى، وقد يتفق اللفظ ويختلف المعنى الذي يراد به هذا اللفظ.
طيب، قال الشيخ: وبطبيعة الحال فإن الأسماء قد تتعدد للمسمى الواحد، فقد يسمى الشيء الواحد بأسماء مختلفة وأسماء متعددة، فالاصطلاحات أو الأسماء وإن تعددت فإن المسمى لا يتعدد، فهذا مفهوم قول العلماء: لا مشاحة في الاصطلاح. يعني لا ينبغي أن إحنا يعني نضيق في هذا الأمر؛ إذا سمى بعض أهل العلم الراوي الكذاب أنه كذاب وبعضهم سماه وضاع، فهذا لا مشاحة فيه؛ لأن كليهما أراد أن يعبر على أنه يختلق الكذب أو يتعمد الكذب. مثلًا أراد أن يعبر على شدة ضعف الرواية فبعضهم قال: هي منكرة، وبعضهم قال: هي باطلة؛ فلا بأس بذلك، لأن كل واحد منهما عبر بلفظ رآه كافيًا في الدلالة على المعنى، فهذا معنى قوله: لا مشاحة في الاصطلاح.
قال: ولهذا نجد في العلوم كلها أن أهل كل علم إنما يعبرون عن المعاني التي يقصدونها في هذا العلم بألفاظ معينة، هذه الألفاظ نفسها قد تكون مستعملة ومتداولة في بعض العلوم الأخرى، ولكن دلالتها في هذا العلم تختلف عن دلالتها في العلوم الأخرى، وإن كان اللفظ مشتركًا. قال: فمثلًا إذا تطرقنا لمصطلح الخبر، هذا مصطلح، هذا رمز، هذا اسم يطلق على إرادة معنى ما، فهذا لفظ الخبر يستعمل مثلًا في علم الحديث وهو يراد به في علم الحديث معنى ما، ويستعمل أيضًا في علم النحو وهو يراد به في علم النحو معنى آخر غير المعنى الذي يقصد به في علم الحديث، وهو أيضًا يستعمل في علم البلاغة وهو يراد به في علم البلاغة معنى آخر غير المعنى الذي يقصد به في علم النحو أو في علم الحديث.
ومن هنا نجد أنفسنا إزاء لفظ واحد، إزاء كلمة واحدة، إزاء اسم واحد، ولكن معناه يختلف باختلاف العلم الذي يطلق فيه، فالخبر معناه في الحديث يختلف عن معناه في علم النحو، وهو أيضًا يختلف عن معناه في علم البلاغة. إذًا المصطلحات هي عبارة عن ألفاظ يقصد بها معانٍ معينة في علوم معينة، أو عند قوم معينين تعارفوا على هذا المعنى وعلى هذا المصطلح في علمهم، إذًا قول العلماء: لكل علم اصطلاح، لا يقصدون أن لكل علم ألفاظه التي يختص بها، وإنما يقصدون أن لكل علم المعاني الخاصة التي تختص به لهذه الألفاظ أو لهذه المصطلحات التي قد تكون مشتركة في أكثر من علم.
يعني الشيخ في خلاصة ما يريد أن يقول: إن دلالات الألفاظ تختلف من علم لآخر، فمثلًا لفظ الخبر في علم الحديث معناه كل ما روي بإسناد، فيدخل في ذلك الأحاديث والآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة. لكن نفس هذا المصطلح مثلًا في علم النحو يدل على المبتدأ والخبر، اللي هو الذي يتمم، مثلًا: محمد نشيط، نشيط هنا خبر؛ فلفظ الخبر هنا بخلاف لفظ الخبر هنا، بخلاف لفظ الخبر في علم البلاغة، يفرقون بين الخبر والإنشاء: الخبر هو الذي يحتمل الصدق والكذب، والإنشاء هو الذي يدخل فيه النداء والأمر والنهي وغير ذلك. فخلاصتها يقول لك: إذا درست علمًا من العلوم فلابد أن تعلمي المصطلحات المستعملة وتعلمي دلالات هذه المصطلحات حتى لا يختلط عليك الأمر.
طيب، قال: وإذا كانت الألفاظ تختلف معانيها من علم إلى علم، فهي أيضًا قد تختلف معانيها في العلم الواحد أحيانًا، فقد يطلق اللفظ الواحد في العلم الواحد فيراد به أحيانًا معنى ويراد به أحيانًا أخرى معنى آخر. هذه أدق من التي قبلها، يعني في العلم الواحد يمكن أن يستعمل اللفظ لأكثر من معنى، كما ذكرت لك أن مصطلحًا من المصطلحات مثلًا، مثل المسند أو المرسل؛ لفظ المرسل قد يطلق على كل انقطاع في الرواية، وقد يطلق على رواية التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك لفظ الثقة: لفظ الثقة قد يراد به من جمع العدالة والضبط، وقد يراد به فقط من كان عدلًا، يعني صادقًا أمينًا وإن لم يكن ضابطًا، وقد يطلق فقط على من حضر مجلس السماع، يعني مجرد أنه حضر الدرس يقولون: هو ثقة، يعني في ادعائه أنه حضر الدرس.
إذًا اللفظ الواحد يختلف من علم إلى علم، وقد يختلف اللفظ الواحد داخل العلم الواحد فيكون له أكثر من دلالة، بل إن العالم قد يطلق مصطلحًا والعالم الآخر يخالفه في إطلاق هذا المصطلح فيريد به معنى غير الذي أراده الآخر. قال: وهذا راجع إلى طبيعة المصطلح نفسه، فهو لفظ يحمل معنى ما، فهذا اللفظ قد يكون صالحًا لأن يحمل أكثر من معنى، وإذا كان الأمر كذلك فليس بمستنكر أن يكون هذا اللفظ الواحد مستعملًا في أكثر من معنى عند أهل العلم الواحد، وهذا موجود بكثرة في المصطلحات الحديثية، فنجد في المصطلحات الحديثية اللفظ الواحد الذي يطلق أحيانًا فيراد به معنى، وأحيانًا أخرى يراد به معنى آخر.
فمثل مصطلح الثقة، فهو يطلقه المحدثون أحيانًا على إرادة أن هذا الراوي الذي وصفوه بذلك الوصف قد تحقق فيه شرطان: الشرط الأول أنه عدل دَيّن، لا يتعمد كذبًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا على غيره من الناس، وهذا معنى العدالة. الشرط الثاني أنه ضابط متقن متثبت لما يرويه، فالراوي إذا جمع بين هذين الوصفين، العدالة والضبط، أطلقوا عليه اسم الثقة؛ فالثقة عندهم هو الذي جمع بين العدالة والضبط. فهذا المعنى موجود متداول بين أهل العلم، ولكنه ليس هو المعنى الوحيد لكلمة ثقة، فقد يطلقون مصطلح الثقة ويريدون به العدالة فحسب، أي أن هذا الراوي هو ممن تحقق فيه شرط العدالة، أي عدم تعمد الكذب، مع بقية أوصاف العدالة، فهذا الرجل العدل هو ممن يصدق عليه اسم الثقة في استعمال بعض أهل العلم لكلمة الثقة، وإن لم يكن من أهل الضبط والتثبت والإتقان.
يعني إيه؟ هذه دلالة أنقص من الدلالة الأولى. بل من أهل العلم من المتأخرين من استعمل مصطلح الثقة على من صح سماعه وحضوره لمجلس السماع، وإن لم يكن عدلًا ولا ضابطًا، وإنما قصدوا بقولهم ثقة أي هو ثقة في ادعائه أنه حضر مجلس السماع، وإن لم يكن ممن يحفظ الحديث، بل قد يكون مع ذلك أيضًا ممن لم يسلم من قوادح العدالة. وتارة يكون... رجع مرة أخرى للكلام عن المصطلحات: وتارة يكون هذا الاختلاف راجعًا إلى اختلاف الأئمة، فبعض الأئمة قد يطلق مصطلحًا ما ويريد به معنى ما يختص به بخلاف غيره من أئمة العلم، فهذا نستطيع أن نتفهمه بمعرفة منهج هذا الإمام، أو بمعرفتنا باصطلاحه.
يعني يريد أن يقول: إن بعض العلماء مثلًا في علم الحديث أو في غيره يكون له اصطلاح خاص؛ فمثلًا الترمذي رحمه الله في كتابه الجامع يطلق مصطلح الحسن أو يقول على بعض الأحاديث: يقول هذا حديث حسن، أو حديث حسن صحيح، أو حديث حسن صحيح غريب، فله دلالة خاصة في هذا المصطلح. مثلًا البخاري أحيانًا يسأل عن راوٍ فيقول: فيه نظر، وابن معين يسأل أحيانًا عن الراوي فيقول: لا بأس به، الدارقطني مثلًا يسأل عن راوٍ فيقول: هو لين؛ فلابد أن نتعلم المصطلحات، وأن نتعلم دلالات تلك المصطلحات عند العلماء، ونعلم أن المصطلح قد تختلف دلالاته من عالم لآخر.
وقد يكون الاختلاف في دلالة المصطلح راجعًا إلى الزمان أو المكان، كأن يكون أهل بلد معينين يستعملون المصطلح على إرادة معنى ما بخلاف غيرهم من أهل البلدان الأخرى، أو أهل زمان معينين يستعملون مصطلحًا ما على إرادة معنى ما بخلاف غيرهم من أهل الأزمان الأخرى. طبعًا كل هذا له أمثلة لمن يريد أن يتوسع فيها، يراجع كتاب شرح لغة المحدث. قال: وهذا يدعونا إلى معرفة المعاني المختلفة للمصطلح الواحد باختلاف قائليها، أو باختلاف أماكنهم، أو باختلاف أزمانهم، ينبغي على طالب العلم أن يدرك ذلك، وأن يعرفه، وأن يتفهمه، حتى لا يسيء فهم كلام أهل العلم، وحتى لا يفهم مصطلحًا قد أطلقه الإمام على معنى يختص به بمقتضى اختيار غيره من الأئمة لدلالة هذا المصطلح.
فليس من المعقول أن نفهم مصطلح الثقة مثلًا إذا ما أطلقه إمام على إرادة أن الراوي عدل فقط، وليس من المعقول أن نفهمه على إرادة المعنى العام وهو أنه يقصد منه إثبات العدالة والضبط معًا، إن هذا يجرنا إلى نسبة أشياء لم تصح إلى الأئمة، وإلى سوء فهم كلام الأئمة عليهم رحمة الله. ما خلاصة هذا الفصل؟ خلاصة هذا الفصل أن لكل علم اصطلاحه الخاص، ويجب على طالبة العلم أن تتعلم المصطلحات المستعملة في علم العربية، أو في علم الحديث، أو في علم الأصول، أو في علم الفقه. وأحيانًا تكون المصطلحات مختصة مثلًا بمذهب معين، مذهب فقهي معين، وأحيانًا تكون المصطلحات خاصة بعالم معين، يكون له دلالاته الخاصة.
أيضًا تختلف دلالات المصطلح في العلم الواحد، يعني يمكن العالم يستعمل لفظًا ويريد به معنى بخلاف المعنى الآخر لهذا المصطلح الذي يريده به عالم آخر؛ فخلاصة هذا: ضرورة معرفة المصطلحات في كل علم، ومعرفة دلالات هذا المصطلح، وهل تختلف دلالات المصطلح من عالم لآخر أم لا؟ طيب، إذًا نحن عندنا أمران: أن يكون هناك معنى له أكثر من مصطلح، أو مصطلح يعبر به عن أكثر من معنى، واضح كيف؟ مثلًا إحنا عندنا الكلام عن كون هذا الراوي ضعيفًا في الحديث، يعني نريد أن نثبت هذا المعنى، طيب كيف نعبر عنه؟ بعض العلماء يقول: هو ضعيف، بعضهم يقول: سيئ الحفظ، بعضهم يقول: ليس بالقوي، بعضهم يقول: منكر الحديث؛ المهم أن الألفاظ وإن اختلفت فإن المعنى واحد.
والعكس: يمكن أن يكون عندنا لفظ واحد لكن تختلف المعاني لهذا اللفظ، فمثلًا مصطلح الحسن: هو مصطلح واحد لكن بعضهم يطلقه على الحديث الصحيح، بعضهم يطلقه على الحديث المتوسط في القبول، وبعضهم يطلقه على الحديث المنكر الذي لفظه حسن، وبعضهم يطلقه على رواية بعض الأقران عن بعض لكونه أمرًا يستحسن في الرواية؛ إذًا اللفظ واحد والمعاني مختلفة، أو المعنى واحد والألفاظ مختلفة. قال: الفصل الثاني، وهو من جملة المقدمات: طرفا المصطلح. أي مصطلح من المصطلحات الحديثية إنما يتناوله العلماء من جهتين: الجهة الأولى: معناه الاصطلاحي، والجهة الثانية: الأحكام المترتبة على هذا المصطلح.
نحن عرفنا ابتداء أن هناك من المصطلحات ما يطلق ويراد به أكثر من معنى، يراد به تارة معنى، وتارة أخرى معنى آخر، وتارة ثالثة معنى ثالثًا، بالضرورة فإن هذا يترتب عليه اختلاف الحكم على الحديث الذي أطلق عليه ذلك المصطلح، أو الراوي الذي أطلق عليه هذا المصطلح. يعني عامة ما نتكلم فيه... يعني لابد أن تفهمي أن عامة ما يتكلم فيه العلماء إما مصطلح أطلق على الراوي، أو على الرواية، أو على الكتاب؛ يعني مثلًا عندنا الراوي: ثقة، ضعيف، مدلس، يخطئ، وضاع، كذاب، هذه أوصاف. طيب الرواية: رواية خطأ، أو باطل، أو منكرة، أو غير محفوظة، أو مدلسة، أو مرسلة، تمام؟ طيب الكتاب: ممكن يسموا الكتاب مسند، أو جامع، أو مستدرك، أو مستخرج، فهذه المصطلحات أنت تحتاجين أن تتعلمي دلالات هذه المصطلحات، وهل تختلف من عالم لآخر أم لها معنى واحد؟
طيب، قال: فمثلًا لو رجعنا إلى المثال الذي مثلنا به، وهو قول المحدثين في الراوي: هو ثقة، وأدركنا أن العلماء يطلقون الثقة أحيانًا على معنى إثبات العدالة والضبط، وأحيانًا على معنى إثبات العدالة فقط وإن لم يكن الضبط متحققًا، وأحيانًا على إرادة صحة سماع الراوي وحضوره لمجلس السماع وإن لم يكن عدلًا أو ضابطًا، لا شك أن الأحكام المترتبة على فهمنا لهذا المصطلح تختلف؛ فإن فهمنا من مراد إمام ما في حكمه على راوٍ ما حيث قال: إنه ثقة، إذا فهمنا أنه أراد بقوله ثقة هاهنا أنه يريد أن يثبت العدالة والضبط، فإن هذا سينبني عليه أن هذا الراوي حديثه مقبول وأنه في حيز القبول، هذا بخلاف ما إذا قال هذا الإمام نفسه أو غيره من الأئمة: فلان ثقة، ولم يرد من قوله ثقة سوى إثبات العدالة دون الضبط، فإن الحكم حينئذ سيختلف، فلن يكون هذا الراوي من حيث قبول الرواية حاله كحال الراوي الأول.
فإن الراوي الأول حديثه من قسم المقبول، بينما ذلك الراوي الثاني لن يكون حديثه من قسم المقبول؛ لاختلال شرط من شرائط قبول الحديث وهو ضبط الراوي، حتى وإن جوزنا على هذا الراوي أن يطلق عليه بأنه ثقة، فنحن أطلقنا عليه ثقة ولم نقصد به الضبط وإنما قصدنا فقط العدالة، فالثقة حيث أطلقت في هذا الراوي لا تفيد معنى قبول حديث هذا الراوي. وهكذا الشأن فيمن أطلقوا عليه أنه ثقة ولم يريدوا أكثر من أنه قد ثبت سماعه أو حضوره لمجلس السماع وإن لم يكن عدلًا أو ضابطًا، فإن هذا الراوي وإن أطلقوا عليه لفظ ثقة إلا أنهم لم يقصدوا أن حديثه من الأحاديث المقبولة وأنه ممن يحتج بحديثه.
يعني خلاصة ما يريد أن يقوله الشيخ أننا إذا لم ندرك دلالة المصطلح فلابد أنه سيختلف الحكم؛ لماذا؟ لو أن عالمًا مثلًا سمى رواية بأنها حسن، حديث حسن، ولم يقصد أنها ثابتة، وإنما قصد أن معناها ولفظها حسن وإن كانت باطلة، فنحن إذا فهمنا أن كلمة حسن هنا تعني أنه يقبل الرواية فسينسب لهذا العالم أنه صحح الرواية بينما هو لم يصححها. قال الشيخ حفظه الله: علماء الحديث حينما يتناولون المصطلحات يتناولونها من الجهتين، وليس من جهة واحدة، فيتناولونها من جهة الاصطلاح، أي إذا ما أطلق المحدثون مصطلحًا ما فماذا يعني المحدثون بهذا المصطلح؟ فتجد علماء الحديث في كتب الحديث وكتب مصطلح الحديث يتناولون هذا الأمر، ويدرسون كيفية فهم مراد الأئمة من قولهم: فلان ثقة، فلان ضعيف، حديث صحيح، حديث حسن، حديث معضل، حديث منقطع، حديث متصل، وهكذا كل مصطلح من هذه المصطلحات وغيرها.
علماء الحديث ينظرون ويبحثون في مراد أئمة الحديث منها، وهل هم يريدون بهذه المصطلحات معنى واحدًا أم أن هناك من هذه المصطلحات ما قد أطلقه الأئمة وأرادوا به أكثر من معنى؟ هذا جانب اصطلاحي، ثم هناك جانب حكمي ينبني على فهمنا لهذا المصطلح، وهو: ما حكم الحديث الذي قال فيه: إنه حسن؟ ما حكم الحديث الذي قالوا فيه: إنه ضعيف؟ ما حكم الحديث الذي قالوا فيه: إنه صحيح؟ ما حكم الراوي الذي قالوا فيه: ثقة؟ ما حكم الراوي الذي قالوا فيه: ضعيف؟ هل حديثه مقبول أم ليس مقبولًا؟ هذا بطبيعة الحال ينبني على فهمنا لمرادهم من المصطلحات التي أطلقوها على الروايات أو على الرواة. وبقدر فهمنا لمرادهم من الألفاظ ومن المصطلحات، بقدر ما نستطيع أن نعرف الأحكام المترتبة على هذه المصطلحات.
بمعنى إذا أدركنا مثلًا أن لفظ الثقة كما سبق بيانه يطلق على أكثر من معنى، فإن هذا ينبني عليه أن الأحكام المترتبة على قول المحدثين: فلان ثقة، تختلف باختلاف المعنى الذي يقصده كل إمام من قوله ثقة. ونجد طبعًا هو الشيخ... يعني أنت ستلاحظين أن الشيخ يكرر كثيرًا ويشرح الأشياء السهلة؛ ليه؟ لأن الشيخ لكونه مارس التدريس فهو يضع نفسه مكان الطالب فيتوقع أن الطالب ربما لا يفهم يحتاج بسطًا أكثر، وإلا فالكلام سهل جدًّا يعني لا يحتاج شرحًا، لكن الشيخ هو عادته هكذا: يطيل في الشرح ويكرر في الشرح خشية أن الطالب لا يفهم من المرة الواحدة، جزاه الله خيرًا.
قال: سيضرب مثالًا آخر: ونجد مثلًا مصطلح الحسن: علماء الحديث كما سيأتي بيانه في موضعه يطلقونه على معانٍ متعددة؛ فأحيانًا يطلقون الحسن على إرادة الحديث الصحيح الذي هو في غاية الصحة، فيكون الحسن حينئذ كالصحيح سواء بسواء، وأحيانًا يطلقون الحسن على إرادة الحديث المقبول وإن لم يكن قد بلغ أعلى درجات القبول، فهو وإن كان مقبولًا إلا أنه دون الصحيح، وأحيانًا يطلقون الحسن على الحديث الضعيف الذي انضم إليه ما يقويه ويعضده ويشهد له ويأخذ بيده فيرقيه إلى مصاف الحجة، فهذا أيضًا عندهم حديث حسن، وأحيانًا يطلقون الحسن على الحديث الغريب الذي يتفرد به الراوي، بل على الحديث المنكر، بل على الحديث الموضوع إذا كان حسن اللفظ حسن المعنى، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تبارك وتعالى في موضعه.
كيف أدركنا أن الحسن... ثانية واحدة، نعم. كيف أدركنا أن الحسن وهو لفظ واحد يطلق على هذه المعاني كلها؟ أدركنا ذلك بدراستنا لهذا المصطلح، وبتتبعنا لاستعمال أئمة الحديث له، وبيان العلماء لمعاني هذا المصطلح المتعددة عند أئمة الحديث. ونحن بإدراكنا لهذه المعاني كلها وبمعرفتنا بهذا الاختلاف في دلالة هذا المصطلح الواحد، ندرك أنه ينبني عليه اختلاف الحكم على الحديث الذي وصفوه بأنه حسن، ذلك أننا إذا أدركنا أنهم أطلقوا الحسن وأرادوا أعلى مراتب القبول فنحن نعلم أن هذا الحديث هو والصحيح سواء، فهو في الحكم كالحديث الصحيح وإن لم يسموه صحيحًا بل أطلقوا عليه اسم الحسن. وإذا أدركنا أنهم أطلقوا الحسن على إرادة المعنى الثاني الذي هو داخل في القبول - يعني اللي هو أقل من الصحيح - إلا أنه دون
الصحيح، فنحن نعلم أنه حديث مقبول، لكنه إذا عارض ما هو أقوى منه فإن الأقوى يقدم عليه حينئذ، ولا يكون هذا الحديث بالقوة بحيث يرقى لأن يعارض أو يعارض به الحديث الصحيح. وإذا أدركنا أنهم أطلقوا الحسن على إرادة الحديث الضعيف الذي انضم إليه ما يعضده ويشهد له ويقويه، ده اللي هو بيسموه يعني صحيح لغيره أو حسن لغيره، فنحن نعلم حينئذ أن هذا الحديث وإن وصفوه بالحسن إلا أنه دون الحسن الأول الذي هو في مرتبة الصحيح، وهو أيضا دون الحسن الآخر الذي هو قريب من الصحيح.
طيب، قالوا: إذا أدركنا أنهم أطلقوا الحسن وأرادوا به حسن المعنى أو جزالة اللفظ، مهما كان الحديث غريبا أو منكرا أو موضوعا، فنحن نعلم أن هذا وإن وصفوه بالحسن أو بالحُسن، إلا أنه خارج نطاق الحجة أساسا، وأنه من قسم المردود لا من قسم المقبول. فائدة معرفتنا بهذا أننا إذا وجدنا إماما أطلق اسم الحسن على إرادة حسن المعنى أو جزالة اللفظ، مهما كان الحديث غريبا أو منكرا، فلا ينبغي أن نفهم من كلامه أنه يحتج بالحديث لمجرد أننا نحن المتأخرين قد اصطلحنا أن للحسن معنيين فقط.
هذه الفائدة مهمة جدا، لماذا؟ لأن بعض الطلبة حينما يقرأ تحقيق الحديث وجد مثلا أن أكثر المتأخرين يقولون الحديث حسن بمعنى أنه مقبول، أو بمعنى أنه متوسط في القبول، فيظن أن المتقدمين من العلماء كانوا يطلقون الحديث أو لفظ الحسن أيضا على هذا المعنى، وهذا ليس صحيحا؛ لأنهم أطلقوه على أكثر من معنى كما بينه الشيخ: فإن هذا اصطلاح خاص بهذه الأزمنة المتأخرة يعني أقصد يعني أزمنة الحافظ ابن حجر وغيره من المتأخرين، فهم الذين جعلوا المصطلح بهذا لفظ الحسن بهذا المعنى.
قال: فإن هذا اصطلاح خاص بهذه الأزمنة المتأخرة، فإذا وجدنا إماما متأخرا أطلق على الحديث بأنه حسن، فإننا نفهم أنه يقصد بالحسن ها هنا أحد المعنيين اللذين عُرفا عند المتأخرين يعني هو حسن لذاته أو حسن لغيره، يعني هو هذا الحديث حسن من نفس الإسناد، أو أن الحسن جاءه بانضمام طرق أخرى له، يعني هذان هما المعنيان اللذان يقصدهما الشيخ هنا.
قال: فإننا نفهم أنه يقصد بالحسن ها هنا أحد المعنيين اللذين عُرفا عند المتأخرين، لكننا نعلم بالضرورة أن المتقدمين وإن أطلقوا الحسن على إرادة هذين المعنيين اللذين اشتهرا عند المتأخرين، إلا أن المتقدمين لم يحصروا الحسن في هذين النوعين، بل أطلقوا الحسن كما سبق بيانه وكما سيأتي مفصلا في موضعه على ما هو صحيح في أعلى درجات القبول، وعلى ما هو غريب أو منكر أو موضوع، فينبغي علينا أن نتفهم لفظ الحسن حيث أطلق في أي موضع ومن أي إمام، ونتفهم أي المعاني قصدها الإمام، هل قصد الحسن الذي هو داخل في نطاق الحجة، أم الحسن الذي هو خارج نطاق الحجة فيكون من الغريب أو المنكر أو الموضوع؟ فنفهم كلام كل إمام على مقتضى ما عُرف من اصطلاحه، فلا ننسب لإمام من الأئمة أنه حسّن الحديث في الوقت الذي هو أنكره، وإنما أراد بالحسن ها هنا حيث وصف الحديث بذلك إنكاره أو الغرابة أو قصد جزالة اللفظ.
يعني يقصد أن بعض العلماء كان يأتي لحديث موضوع أو منكر لكن لفظه حسن فيقول هو حسن، يعني من حيث اللفظ وإن كان حديثا منكرا. قال: حيث وصف الحديث بذلك إنكاره يعني قالوا إنما أراد بالحسن ها هنا حيث وصف الحديث بذلك إنكاره، طبعا إنكاره هنا يكون مفعولا به لإرادة النكارة أو الغرابة أو قصد جزالة اللفظ أو حسن المعنى وإن لم يكن الحديث عنده ثابتا، تمام؟
يبقى إذاً خلاصة هذه المقدمة في سطر واحد: ضرورة تعلم مصطلحات العلم الذي نطلبه، ومعرفة دلالات هذه المصطلحات، ومعرفة الأحكام التي تترتب على دلالة كل مصطلح.
يأتي هنا سؤال بقى: كيف نعرف دلالات المصطلحات عند كل عالم من العلماء؟ هو ده بقى اللي هيذكره هنا: سبل تفسير المصطلح. قال: الاصطلاحات إنما يعرفها العلماء عن طريق التتبع والاستقراء، فهم ينظرون في مواضع استعمال هذا المصطلح في كتب القوم ويحاولون أن يتفهموا معانيها، سواء بالسياق الذي سيقت فيه، أو بعرض كلام الإمام على كلامه الآخر فيتبين بكلامه المفصل ما أجمله في موضع آخر، أو بمقارنة كلام الإمام بكلام غيره من الأئمة في الموضع الواحد في الحديث الواحد أو في الراوي الواحد، فيستطيعون بذلك أن يفهموا مراده من هذا المصطلح في هذا الموضع، ثم يجمعون هذه المادة الوفيرة من أقوال الأئمة الكثيرة، ويستطيعون أن يستخلصوا منها قولا عاما أو معنى عاما يستطيعون أن يفهموا به مراد هؤلاء العلماء من هذه المصطلحات حيث تقع في استعمالهم.
يعني خلاصة القول يريد أن يقول: نحن مثلا إذا أردنا أن نعرف دلالة مصطلح الحسن أو المنكر أو الشاذ أو المرسل أو المدلس عند علماء الحديث فماذا نفعل؟ نجمع كل المواضع التي استعمل فيها العلماء ذلك المصطلح لنخلص هل هذا المصطلح له دلالة أو أكثر من دلالة؟ طب ما الذي يدلنا على ذلك؟ السياق، سياق الكلام، وأحيانا يأتي التصريح، يعني أحيانا يقول العالم: إذا قلت كذا أريد به كذا، كما قال الترمذي: ما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن أردنا به حسن إسناده عندنا، كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب ولا يكون شاذا ويروى من غير وجه فهو عندنا حديث حسن. طبعا سيأتي بيان ذلك.
لكن الخلاصة أن العالم قد ينص على مراده بالمصطلح، وقد يسأله تلميذه، يعني قد يسأله تلميذه مثلا ابن أبي خيثمة يسأل ابن معين: أنت تقول فلان لا بأس به، ماذا تريد؟ فيقول: إذا قلت فلان لا بأس به فهو عندي ثقة. يبقى إحنا عرفنا دلالة كلمة لا بأس به عند ابن معين إذا أطلقت على الراوي من خلال سؤال تلميذه له، وأحيانا يُعلم ذلك بالاستقراء، نحن نجمع هذه المواضع ونتدبر فيها لنعرف ما هو المعنى الذي يريده.
قال الشيخ: وبطبيعة الحال فإن هذا الاستقراء والتتبع إنما يكون لأهل الاختصاص، فكلما كان العالم مختصا بهذا العلم عالما به عارفا به كثير الاشتغال به، كلما كان أعلم بمعاني مصطلحات أهله، فلهذا كان على طالب العلم أن يرجع في تفهم مصطلحات الأئمة إلى أهل الاختصاص منهم يعني يريد أن يقول: إذا أردنا أن مثلا نتعرف على مصطلحات علم الأصول أو علم الفقه أو علم الحديث أو علم النحو أو البلاغة، لا بد أن نرجع إلى أهله المختصين به.
قال: فلا يأخذ المعنى الحديثي أو معنى المصطلح الحديثي من غير المحدثين، كما أنه لا يجوز له أن يأخذ علم النحو مثلا أو علم اللغة من غير المتخصصين في النحو واللغة، بل ينبغي عليه أن يرجع إلى أهل الاختصاص في كل باب، وإلا وقع في التخبط والتهوك يعني القول بغير علم. سئل الإمام أحمد بن حنبل عن مسألة من مسائل الغريب يعني غريب الحديث، أي الألفاظ القليلة الاستعمال، فقال: سلوا أهل الغريب فإني أكره أن أقول في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظن. يعني الإمام أحمد عربي ويمكن أن يعرف دلالات اللفظ، وسئل هنا عن لفظ يستعمل في التمر، اللي هو القَطِيع، نوع من أنواع التمر، لكنه مع ذلك قال: سلوا أهل الغريب.
قال الشيخ طارق حفظه الله: فها هو الإمام أحمد رحمه الله على إمامته في علم الحديث كره أن يتكلم فيما يتعلق بعلم الحديث من العلوم التي لم يتخصص فيها كتخصص غيره، وأرشد سائله إلى أهل الاختصاص بهذا الفن، فمثلا أبو عبيد القاسم بن سلام في عصر الإمام أحمد كان من أهل الاختصاص بهذا الباب، وكان إليه المرجع في هذا الباب، وكان الأئمة عليهم رحمة الله تعالى يرجعون إليه لمعرفة معاني غريب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا الشأن في بقية العلوم، فينبغي أن نأخذ مصطلح الحديث من أهل العلم المتخصصين في الحديث، ومن كتبهم التي صنفوها في هذا وبينوا فيها المعاني التي يقصدها المحدثون من هذه المصطلحات. وهناك أيضا سبيل أخرى لمعرفة معنى المصطلح عند الأئمة، وذلك أن ينص الإمام على المعنى الذي يقصده هو من هذا المصطلح الذي أطلقه أو استعمله، وهذا موجود بكثرة، فمثلا نص الإمام الترمذي.
أو نص الإمام الترمذي رحمه الله الذي أودعه كتاب العلل، يعني تعرفين أن الترمذي له كتاب اسمه الجامع، اللي هو بيسموه بعض الناس السنن، سنن الترمذي، اسمه في الأصل الجامع، جامع الترمذي، فهذا الجامع مقسم لأبواب تمام؟ آخر هذه الأبواب كتاب اسمه العلل، العلل ذكر فيه منهجه في كتابه، فمن جملة ما قال هذا النص الذي سيذكره الشيخ: قال: الذي أودعه كتاب العلل الذي في آخر كتاب الجامع له المتعلق بالحديث الحسن يعني سيتكلم عن اللفظ الحسن، فقد بين فيه المعنى الذي أراده من قوله حسن في كتابه الجامع حيث قال: وقولنا في هذا الكتاب حديث حسن فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا، كل حديث يروى ولا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا، ويروى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسن.
قال الشيخ: فبعد أن استعمل الحسن يعني بعد أن استعمل الترمذي في كتابه مصطلح الحسن بكثرة في كتابه الجامع، نص هو في آخر الجامع يعني في آخر هذا الكتاب على المعنى الذي قصده من هذا المصطلح، وهذا يعتبر مرجعا أساسيا لتفهم معنى المصطلح عند قائله؛ لأنه نص من صاحبه على المعنى الذي أراده من هذا المصطلح، فمهما فهمنا من كلامه ينبغي أن يكون فهمنا له دائرا في فلك ما نص عليه، فلا نفهم الحسن حيث أطلق على معنى لا يستقيم معه ما بينه هو.
يعني خلاصة هذه الفكرة أن أولى ما يفسر به لفظ العالم هو كلام العالم، فالترمذي هنا لأنه ذكر كلمة حسن كثيرا في التعقيب على الأحاديث، فهو بين لنا ما معنى الحسن عنده، فقال: كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، يعني بيقول أنا لو حكمت على حديث بأنه حسن، أول شرط عندي ألا يكون فيه راو متهم بالكذب، طب الشرط الثاني: ألا يكون شاذا، يعني لا يكون ثبت فيه خطأ الراوي، طيب والشرط الثالث: أن يكون له طرق أو روايات أخرى تقويه أو تشهد له، فإذا جمع هذه الشروط الثلاثة فالذي يسميه حسنا.
طيب هل معنى ذلك أن لفظ الحسن عند سائر العلماء غير الترمذي يوافقونه في نفس هذه الشروط؟ لا، يمكن أن يطلقوه على أصح الروايات، ويمكن يطلقوه على حديث منكر، ويمكن يطلقوه على الحديث الباطل إذا كان فيه معنى يُستحسن لأجله. كده إحنا خلصنا الثلاثة فصول من المقدمة.
الفصل الرابع: وظيفة المحدث. وظيفة المحدث يقصد الشيخ أن يميز بين المحدث، يعني طالب الحديث، وبين طالب الفقه أو طالب علم التفسير أو نحو ذلك، حتى يحدد بالضبط ما الذي ينبغي أن نطلبه في علم الحديث. قال: وظيفة المحدث، قال: موضوع علم الحديث هو الإسناد طبعا أكيد أنت بتفهمي يعني إيه الإسناد والمتن، يعني مثلا لما البخاري يقول: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا، مثلا: بني الإسلام على خمس، فهذه سلسلة الرواة هي الإسناد، هو الطريق الموصل إلى المتن، والمتن اللي هو: بني الإسلام على خمس، فأكيد ده مفهوم طبعا.
قال: موضوع علم الحديث هو الإسناد والمتن، فإن المحدثين مهما تكلموا ومهما فرعوا فكل كلامهم يدور في فلك الإسناد والمتن، ووظيفة المحدث إنما هي التحقق من كون الإسناد أو المتن صحيحا أو غير صحيح، ثابتا أو غير ثابت، صحيح النسبة إلى من نسب إليه أو ليس كذلك. طبعا قلت لك إن الشيخ كثيرا ما يكرر الكلام مع أن بعضه يغني عن بعض، يعني هو لو قال صحيحا، لكنه قال ثابتا، وقال صحيح النسبة.
طيب، هو طبعا هنا يتكلم عن الراوي وليس عن العالم، فالراوي هو راو للروايات، والناقد هو الذي يحكم على الروايات، وإن كان العالم أيضا لا يستطيع أن يكون ناقدا عالما بعلل الحديث إلا إذا كان عنده شيء من فقه الحديث. طيب، قال: يعني إذا روى رجل عن آخر يتكلم عن وظيفة المحدث، يعني إذا روى رجل عن آخر هل فعلا هذا الراوي روى هذا الحديث عن شيخه المذكور في الإسناد، أم أنه أخطأ في ذلك وإنما سمع الحديث من غيره ثم أخطأ حيث رواه عن هذا الراوي أو عن هذا الشيخ، أو ادعى ذلك كذبا وافتراء وبهتانا؟ فهذه وظيفة المحدث المتعلقة بالإسناد.
وأما وظيفة المحدث المتعلقة بالمتن أنه يبحث في صحة المتون وفي صحة نسبتها إلى من انتهت إليهم، بمعنى هذا المتن الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هل فعلا قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم أن هذا خطأ من أحد الرواة حيث نسب ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خطأ منه يعني خطأ من الراوي، هل هذا المتن صحيح بالنسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم هو كذب وادعاء وافتراء من بعض الرواة حيث نسب ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.
لكن ليس بالضرورة ركزي بقى، هذا هو الذي أريد أن يصل إليه، ليس بالضرورة أن يكون المتكلم في علم الحديث مدركا لدقائق الفقه، أو أن يكون عارفا بمسائله وجزئياته، وإن كان العالم بذلك الجامع للعلمين أرفع مكانة وأعلى منزلة، ولكن هذا ليس شرطا في المحدث، وليس معنى هذا أن المحدثين لا ينظرون في المتون ولا يلاحظون معاني النكارة فيها النكارة يعني الأخطاء، ليس هذا مقصودا، ولكن المقصود أن وظيفة المحدث إنما هي تحقيق صحة الرواية إلى صاحبها من عدم ذلك، بصرف النظر عن كونه أصاب فيما قاله أو أخطأ في ذلك، وهذا بطبيعة الحال يختلف فيما إذا كانت الرواية منسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن علماء الحديث يلاحظون المتون ويتأملونها، ويعرفون مواضع الخطأ فيها ومواضع النكارة التي تكون من قبل بعض الرواة حيث تصرف في الرواية فرواها على غير وجهها، وذلك قناعة منهم واعتقادا منهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يقول المنكر من القول يعني يريد أن يقول إن المحدثين يكون لهم نظر في المتن أحيانا إذا رأوا مثلا متنا منكرا لا يصح أن يخرج من النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فإنهم ينكرونه. طيب، قال: ولا يمكن أن يأتي القبيح من الفعل، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.
طبعا أنا أريد أن ألفت نظرك إلى أمر، إن علم الحديث من أكثر ما حببني فيه كثرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وكثرة الصلاة عليه، وكذلك كثرة الاشتغال به وبشؤونه، يعني هذا أكثر يعني سبب جعلني أهتم بهذا العلم، فلذلك إذا ذكر أمامك النبي صلى الله عليه وسلم فصلي عليه.
قال: فإذا اشتمل المتن على معنى منكر يتعارض مع كتاب الله أو مع ما عُرف من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة، ولا يمكن الجمع، ولا يمكن أن نجمع بين هذه الرواية وما قد فُرغ من صحته وثبوته يعني لو أننا عندنا رواية يعني فيها معنى منكر وتعارض رواية فرغ من صحتها، يعني معلوم أنها صحيحة، رواية محكمة، فإننا طبعا نرد الرواية الأولى، قال: ولا يمكن أن يجمع بين هذه الرواية وما قد فرغ من صحته وثبوته، فإن أئمة الحديث والحالة هذه المفروض يقول ترتيبها هكذا: ينكرون هذه الرواية، ويطعنون فيها، ويبحثون عن العلل التي تصلح للطعن فيها والحكم عليها بالرد يعني يقولون لا بد أن يكون هناك علة أو خطأ من بعض الرواة.
طيب، قال: ولهذا نجد علماء الحديث في كتب علوم الحديث ذكروا أن من أنواع الأحاديث المردودة يعني غير المقبولة، الحديث الشاذ والحديث المنكر، وذكروا أن الشذوذ والنكارة يعتريان الأسانيد ويعتريان المتون أيضا، وذكروا أن من نكارة المتون أو من المتون الشاذة أن يجيء الحديث -أعني المتن- مخالفا للأحاديث الصحيحة الثابتة التي قد فرغ من صحتها وتلقاها العلماء بالقبول، فإنه إذا كان المتن مشتملا على معنى يختلف مع ما قد تقررت صحته لدى أهل العلم، ولم يمكن الجمع ولا التوفيق ولا التأويل للأحاديث بحيث تستقيم معانيها وتتحد وتتفق، فإنه والحالة هذه يحكم على هذا المتن المخالف للأحاديث الصحيحة المشهورة بالشذوذ أو النكارة، ويكون من قسم الحديث المردود؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمكن أبدا أن تتعارض أو تتضارب أقواله.
ماذا يريد أن يقول الشيخ هنا؟ يريد أن يقول إن علماء الحديث أو إن المحدث، وإن قلنا إنه لا يشتغل بدقائق الفقه، إلا أنه أحيانا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه ينظر في المتن ويريد أن يعرف هل هذا المتن مستقيم أم متن خطأ؟ وهل هذا المتن يتعارض مع الأحاديث الصحيحة أم لا؟ فإنه لا بد إذا كان عالما أو كان ناقدا أن يكون عنده شيء من العلم بلسان العرب، والعلم كذلك بفقه الأحاديث؛ لأنه لن يستطيع أن يكتشف النكارة إلا بهذا العلم.
قال الشيخ حفظه الله: ولهذا كانت المتون المستنكرة المنسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خطأ من قسم المردود، هذا كما قلنا يختلف عن المتون المنسوبة إلى الصحابة أو التابعين، فإنها قد تكون صحيحة النسبة، لكن الصحابي أو التابعي أخطأ في قوله أو في اجتهاده يعني يريد أن يقول: لا يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أخطأ في حكم شرعي، بينما يمكن أن يصح حكم إلى صحابي ويكون الصحابي نسي أو أخطأ أو اجتهد فأخطأ وخالفه غيره، فالأمر في الصحابي بخلاف الأمر في النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
قال: لكن الصحابي أو التابعي أخطأ في قوله أو في اجتهاده، وقد ينكرون أيضا بعض ما ينسب إلى بعض الصحابة أو إلى بعض التابعين، وذلك راجع إلى معرفتهم بمذهب هذا الصحابي أو هذا التابعي، وأن هذا القول الذي روي عنه لا يمكن أن يكون من قوله أو لا يمكن أن يكون من مذهبه، وهذا بطبيعة الحال إنما يرجع فيه إلى أهل الاختصاص يعني هو يريد أن يقول: ليس معنى ذلك أن أي إنسان ينكر متنا لكونه يخالف عقله، إن هو يقول هو منكر، لا، هذا يرجع فيه إلى أهل الحديث، أهل العلم بالعلل الذين عندهم خبرة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: وهذا بطبيعة الحال إنما يرجع فيه إلى أهل الاختصاص من الأئمة الجهابذة، فليس لأحد من آحاد الناس إذا ما استشكل معنى في رواية أن يبادر إلى إنكارها وردها والحكم عليها بكونها خطأ، أو بكونها منكرة، أو بكونها باطلة، أو بكونها شاذة، كما يفعل ذلك أهل البدع والأهواء في كل مكان وزمان، ويعمدون إلى الأحاديث الصحيحة التي صحت نسبتها إلى من رويت عنهم فينكرونها لمجرد أنهم لم يفهموا الروايات على وجهها ولا على مراد صاحبها منها، فنسأل الله تبارك وتعالى أن يعصمنا منها، وأن يوفقنا للوقوف عند ما وقف عنده أئمتنا عليهم رحمة الله.
طيب، الآن نحن أنهينا درس اليوم، ولكن أريد أن أنبه على أمر مهم يخطر بقلب المسلمة خصوصا. ما هو هذا الأمر؟ أحيانا تأتي المسلمة تقول: أنا ماذا أستفيد من هذه العلوم؟ أنا أريد فقط أن أتلو كتاب الله، وأن أتعلم الأحكام التي تخص المرأة. أقول: ليس هذا صحيحا لأكثر من سبب:
الأول: أننا في هذه العلوم لم نتعمق لدرجة التخصص، بل هي مجرد مبادئ ومداخل للعلوم.
الأمر الثاني: أن هذا العلم يحتاجه المسلم عموما ليعرف كيف وصلت إلينا سنة النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يقبل التشكيك فيها. وكثيرا ما ينشر أهل الباطل وأهل البدع شبهات تخص القرآن الكريم وتخص السنة النبوية خصوصا، فهذه الشبهات لماذا تقع في قلب المؤمنة؟ لأنها ليست على بينة من ربها في هذا الأمر، فإذا كانت عالمة بعلوم الحديث وكيف نشأت علوم السنة وكيف تطورت، وكيف دونت الكتب وكيف صنفت، وكيف نقلت الأحاديث، وما هو الجهد العظيم الذي بذله أئمة الحديث في الرحلة في طلب الحديث، وفي استماع الحديث وفي ضبطه وفي حفظه، وفي نشره وبثه، وفي نقده، وفي العلم بالرواة والروايات، هنا فإنها بإذن الله لا تقبل التشكيك، بل تكون على بينة من ربها، فأنا دائما أقول: ليست العبرة في قوة الشبهة ولكن في ضعف المتلقي.
فلذلك اعتناء المسلمين عموما بعلوم الحديث، واعتناء المسلمة خصوصا التي تريد أن يكون لها جهد في الدعوة والتعليم والإصلاح، هذا أمر أساس لا ينبغي أبدا أن تفتر عنه، وهذا الباب يعني نحن إلى الآن لم نتعلم إلا مجرد مبادئ، لكن أنا أريد أن يكون منكن من تتعلم التخريج، وتتعلم علل الحديث، وتتعلم فقه الحديث، لماذا؟ لأننا والله بحاجة شديدة إلى طالبات علم يجمعن بين حب الدعوة والتعليم والإصلاح وبين التمكن العلمي. وهذا الصراحة يحتاج نفسا طويلا؛ لأن كثيرا من النساء في هذا الصنف من العلم ممكن إذا جاء درس القرآن أو درس فقه تنشط، أو درس مثلا إيمان، إنما إذا جاء درس حديث تفتر وتقول: يعني ما فائدة ذلك؟ الأحاديث الصحيحة دونت وانتهى الأمر، لا، ليس صحيحا؛ لأنك تطلبين بذلك التثبت لدينك، وتطلبين بذلك أن تعلمي أنتِ هذه العلوم.
يعني أنت مثلا لما إحنا نعمل معهدا للنساء، ونحتاج مثلا عشر مدرسات لعلوم الحديث، هل سنجد مدرسات يعلمن علوم الحديث للنساء؟ نفس الشيء في باقي العلوم: في أصول الفقه، وفي علوم العربية، وفي علوم القرآن، وفي السيرة، وفي التاريخ. ينبغي أن يكون عندك أرضية أفقية في كل العلوم، ثم بعد ذلك تدخلين بنَفَس زائد في العلوم التي تحبينها أكثر، مثلا واحدة تقول: أنا أحب علم القرآن، أحب علم الفقه، ولكن هذا بعد أن تمري على كل هذه العلوم.
جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم، وإن شاء الله كل أسبوع نأخذ ساعة واحدة فقط، وإن شاء الله الكتاب يكون خفيفا وسهلا، ونسأل الله سبحانه وتعالى القبول. غدا إن شاء الله الجمعة عندنا درس عام في التفسير في حقيبة تعلم القرآن والاستهداء به، وصلنا إلى سورة آل عمران، وأرجو أن غدا إن شاء الله ربما نأخذ ثلاثة أرباع، وإن شاء الله يعني بقي لنا حصتان في هذه السورة المباركة، ثم ننتقل فيها إلى أخص السور التي تحتاجها المسلمة وهي سورة النساء. والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا، وجزاكن الله خيرا، وإن شاء الله سأبقي التسجيل، والأخت الكريمة المشرفة بارك الله فيها وفي جهدها ستجعله لكم، وإن شاء الله أفكر أن أنا أجعله أيضا على يوتيوب لمن تريد أن تستمع إليه أو حتى الطلاب المبتدئين إذا أرادوا أن يستمعوا إليه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق