يا راغباً في كل علمٍ نافعٍ .. متطلعاً لزيادةِ الإيمانِ وتريدُه سهلاً نوالاً ميسراً .. يأتيك ميسوراً بأي مكانِ زادُ أكاديميةِ ينبوعُها .. صافٍ ليروي غلةَ الضمانِ وتعلمُ اللغةَ الفصيحةَ .. ورعُها بطريفِ أسلوبٍ وحسنِ بيانِ بشرى لنا زادُ أكاديميةٍ .. للعلمِ كالأزهارِ في البستانِ
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أرحب بكم أيها الإخوة والأخوات في هذا الدرس الثاني والعشرين من دروس النحو في أكاديمية زاد.
درسنا في هذا اليوم هو في الحقيقة استكمال للدرس السابق. وأذكر بما جرى في الدرس السابق؛ كان الحديث عن القسم الأول من أفعال الظن، أو باب ظن وأخواتها. هذه الأفعال التي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر. فباب ظن وأخواتها ينقسم قسمين كما أسلفنا: القسم الأول ما يدل على القلب، والقسم الثاني ما يدل على التغيير والتحويل والتصيير.
القسم الأول ينقسم قسمين: ما يدل على اليقين، وما يدل على الرجحان، وهي أفعال القلوب. اليوم سنتحدث عن القسم الثاني من باب ظن وأخواتها، وهي الأفعال التي تدل على التحويل والتصيير، وتأتي بمعنى صيَّر وحوَّل وما أشبه ذلك.
من هذه الأفعال: صيَّر، واتخذ، وجعل، ورَدَّ، وترك، وما أشبه ذلك، وهي ليست محصورة. فهذه الأفعال تسمى أفعال التحويل والتصيير، وهي من أخوات ظن، أو من باب ظن وأخواتها.
أقف مع هذه الأفعال حينما أقول: "صيَّر الصانع الحديد آلة". صيَّر الصانع الحديد آلة، يعني حولها وغيرها حتى أصبحت آلة، يمكن أن يعني يستفاد منها، تتحرك، يمكن أن تفعل شيئاً. إذاً، صيَّر الصانع الحديد آلة؛ فهنا لو سألت: أين المفعول الأول؟ الجواب: المفعول الأول هو "الحديد"، و"آلة" هو المفعول الثاني. والمفعول الأول والثاني أصلهما المبتدأ والخبر، لأن هذه الأفعال هي من باب ظن وأخواتها، وهي أفعال تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر.
اتخذ أيضاً من هذه الأفعال، قال الله عز وجل: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: 28]. "لم أتخذ فلاناً خليلاً"؛ اتخذ هذا فعل مضارع، وماضيه: اتخذ، والفاعل ضمير مستتر تقديره "أنا". و"فلاناً" هو المفعول الأول، و"خليلاً" هو المفعول الثاني.
وكذلك أيضاً قول الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]. المعنى: صيرنا أمة وسطاً. فـ "جعل" هنا بمعنى صير. وتنبه أخي الكريم وأختي الكريمة إلى أن "جعل" تأتي على معانٍ عدة؛ منها بمعنى خلق، ومنها بمعنى صير، ومنها بمعنى أنشأ، وهكذا لها عدة معاني. لكن المعنى أو الفعل الذي يدخل معنا هنا في باب ظن وأخواتها هو الفعل "جعل" الذي بمعنى صير. أما "جعل" بمعنى شرع، فهو يدخل في أفعال المقاربة، و"جعل" بمعنى خلق في باب آخر، أما هنا فهي "جعل" التي بمعنى صير، والتي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر.
ولو سألت هنا في هذه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، أين المفعول الأول وأين المفعول الثاني؟ المفعول الأول هو الضمير "الكاف" في "جعلناكم"، هذا الضمير "الكاف" هو مفعول أول، والميم للجمع. و"أمةً" المفعول الثاني. و"وسطاً" نعت لهذه الأمة، فهو تابع له. ولا يظنن ظان أن "أمةً" المفعول الأول و"وسطاً" المفعول الثاني؛ لأن المعنى لا يساعد على ذلك، وإنما المعنى: صيرنا أمة وسطاً، يعني جعلناكم وصيرنا أمة وسطاً. فالمفعول الأول هو الكاف الذي يدل على المخاطبين، مع ميم الجمع التي تدل على المخاطبين، وهم المفعول الأول. و"أمةً وسطاً" المفعول الثاني، و"وسطاً" نعت له.
ومثل قول الله عز وجل: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [القصص: 73]. فـ "جعل" هنا بمعنى صير، والفاعل ضمير مستتر تقديره "هو". و"الليل" مفعول أول، و"سكناً" المفعول الثاني، وكلاهما منصوب. وأصلهما المبتدأ والخبر: "الليلُ سكنٌ"؛ فالليل مبتدأ وسكن خبر. فلما دخل الفعل هنا في هذه الآية "وجعل الليل سكناً"، أصبح المبتدأ مفعولاً أول منصوباً، والخبر مفعولاً ثانياً منصوباً.
فاصل قصير، ثم نعود إليكم ونكمل الحديث عن هذه الأفعال، نلتقي بعد الفاصل.
يحرص كثير من الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم شتى العلوم، ويبذلون في ذلك الغالي والنفيس من أوقاتهم وأموالهم، وهذا مما يؤجرون عليه من الله تعالى. ولكن هل اعتنوا مع ذلك بتعليمهم أدب العلم وسمته؟ فهو الذي يهذب أخلاقهم ويحسن طباعهم. فحاجة الأطفال إلى الأدب وحسن الخلق أشد من حاجتهم إلى كثير من العلم.
لهذا كان السلف يحرصون على تعليم أبنائهم الأدب قبل العلم. قال سفيان الثوري: «كانوا لا يخرجون أبناءهم لطلب العلم حتى يتأدبوا». وقال عبد الله بن المبارك: «طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة». وهذا ما جعل الآباء والأمهات قديماً يدفعون أولادهم إلى المؤدبين والعلماء حتى يقتبسوا من أخلاقهم وآدابهم قبل علومهم.
قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى: «كانت أمي تعمد مني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه»؛ وذلك أن العلم لا ينتفع به إلا بطهارة القلب عن مساوئ الأخلاق. ولعل هذا الأمر هو ما دفع العلماء إلى اشتراط أن يتتلمذ طالب العلم على العلماء لا للكتب فحسب، وذلك حتى يتأكد من تخلقه بأخلاق العلماء، وتحليه بالأدب، ويظهر عليه سمت العلم وأدبه.
قال عبد الله بن وهب: «ما تعلمناه من أدب ما أكثر مما تعلمناه من علم». ومما يدلك على منزلة الأدب والأخلاق أن النبي ﷺ قد جمع بين العلم والأخلاق والأدب، ولما أثنى عليه ربه سبحانه وتعالى، أثنى عليه بالأخلاق والأدب فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
بسم الله الرحمن الرحيم، إذاً أيها الإخوة الكرام، هذه الأفعال، أفعال التحويل أو التصيير، هي التي يجمعها المعنى أنها تكون بهذا المعنى، فهي ليست من أفعال القلوب، ولكنها بمعنى التصيير والتحويل، وهي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، ولذلك هي من باب ظن وأخواتها وتسمى الأفعال الناسخة.
من الأمثلة أيضاً على هذه الأفعال التي تدل على التحويل قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [الدخان: 29]. "تركناها آية"؛ "ترك" فعل ماض، والضمير "نا" ضمير في محل رفع فاعل، والهاء في "تركناها" ضمير متصل في محل نصب مفعول أول، و"آيةً" في محل نصب مفعول ثانٍ منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. وهكذا كل الأمثلة التي يأتي فيها الفعل دالاً على التحويل والتصيير ويقتضي مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، فإنه يكون من هذا الباب، باب ظن وأخواتها.
القسم الثاني من باب ظن، وهي أفعال التحويل. وبهذا نكون أنهينا الحديث عن التقسيمات لباب ظن وأخواتها؛ فهي قسمان: أفعال قلوب، وأفعال تحويل. وتصير أفعال القلوب تنقسم قسمين: أفعال اليقين، وأفعال الرجحان.
هناك تنبيهات متعلقة بهذا الباب، باب ظن وأخواته. التنبيه الأول أشرنا إليه سابقًا، وهو أن هذه الأفعال في باب ظن وأخواتها مرتبطة بمعنى الفعل واقتضاء بمعنى الفعل؛ فإذا لم يدل الفعل على اليقين أو الرجحان أو التحويل فإنه لا يدخل في هذا الباب. ولذلك نجد أفعالًا لها معنيان أو أكثر، متى تدخل في هذا الباب؟ إذا كانت بمعنى اليقين أو الرجحان أو التحويل.
فسبق الحديث عن «رأى»، وقلنا إن «رأى» قد تكون بصرية وقد تكون قلبية. فإذا كانت بصرية فإنها لا تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، وإنما تنصب مفعولًا واحدًا؛ حينما أقول: «رأيت الهلال في السماء»، «رأيت القمر»، بمعنى شاهدت ونظرت وأبصرت، فهي رؤيا بصرية فلا تدخل في هذا الباب. أما «رأى» إذا كانت بمعنى علم وتدل على اليقين فهي قلبية، وإذا كانت كذلك فهي تكون من هذا الباب، من باب ظن وأخواتها، فتنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر؛ كما لو قلت مثلا: «رأيت الحق منتصرًا»، «رأيت الله أكبر كل شيء»، «رأيت العلم نافعًا». لا يقول أحد إن «رأى» هنا بصرية، وإنما هي قلبية؛ إنهم يرونه بعيدًا ونراه قريبًا.
أعطِ أيضًا مثالًا آخر على أن هذه الأفعال قد تأتي في سياق ولها معنى، إذا لم يكن المعنى متوافقًا مع هذه المعاني؛ معاني اليقين أو الرجحان أو التحويل، فإنها لا تدخل في هذا الباب. فهب التي بمعنى أعطِ، من الهبة، هذه لا تدخل في هذا الباب؛ «وهب لي من لدنك وليًا»، «هب لي حكمًا»، «هب لي طيبة»، فهذا بمعنى من وهب، يهب بمعنى أعطى، فهذا لا يدخل في هذا الباب لأنه لا يدل على اليقين أو الرجحان أو التحويل.
أما «هب» بمعنى افترض: «هب الدرس سهلًا»، «هب أخاك مخطئًا لابد أن تسامحه»، «هب أخاك متعمّدًا لابد أن تسامحه»، فكيف إذا كان هو قد أخطأ خطأً وليس بعمد؟ فهنا «هب» هذه القلبية من أفعال القلوب تدخل في هذا الباب، فتنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر.
هذا التنبيه الأول. التنبيه الثاني أن هذه الأفعال قد يأتي بعدها «أن» مع الفعل، أو «أن» مع اسمها وخبرها. قد يأتي بعدها «أن» مع الفعل المؤول بالمصدر، وقد تأتي بعدها «أن» مع اسمها وخبرها، وهي أيضًا تؤول بهذا المعنى.
حينما أقول مثلا: «ظننت أن تنجح»، أين المفعول الأول وأين المفعول الثاني؟ «﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾»، فحينما أقول: «ظننت أن تنجح» ليس عندي في الظاهر مفعول أول ولا مفعول ثاني. الجواب أن «أن تنجح» هذه المؤولة بالمصدر؛ يعني «ظننت نجاحك واقعًا». بدل أن أقول: «ظننت نجاحك واقعًا»، المفعول الأول «نجاحك» والمفعول الثاني «واقعًا»، أقول: «ظننت أن تنجح». فإن «أن» والفعل بعدها تؤول بمصدر «نجاحك»، هي سدت مسد المفعولين؛ أي تقوم مقام المفعولين وتغني عنهما، فلا نبحث هنا عن المفعول الأول ولا عن المفعول الثاني.
وإنما نقول: «ظننت» فعل وفاعل، و«أن» حرف مصدر ونصب، و«تنجح» فعل مضارع منصوب بأن وفاعله ضمير مستتر، وهذا المصدر المؤول هو سد مسد المفعولين. وفي قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾، جاءت «أن» واسمها وخبرها؛ «أنهم مانعتهم حصونهم من الله». وقولي: «إني ظننت أني ملاقٍ حسابي»، فهنا «أن» وما دخلت عليه؛ «ظننت حسابي واقعًا». فـ«أن» وما دخلت عليه سدت مسد المفعولين.
هذا تنبيه؛ لئلا يبحث الواحد منا عن المفعول الأول والمفعول الثاني ولا يجده ويبدأ في إشكال، فنقول: إن هذه الجملة سدت مسد المفعولين لأن هذا الفعل يحتاج إلى مفعولين، ينصب مفعولين ويتعدى إلى مفعولين؛ لما جاءت هذه الجملة «أن تنجح» وما أشبه ذلك سدت مسد المفعولين.
نقف لفاصل قصير ثم نواصل بإذن الله.
الخطبة أولى خطوات الزواج ومقدماته، وقد حث الشرع على تيسيرها؛ فقال ﷺ: «إن من يمن المرأة تيسير خطبتها». والمرأة التي يجوز خطبتها هي غير المتزوجة، وغير المعتدة، وغير المخطوبة، والتي ليس بها مانع من موانع النكاح من الخاطب. ويحرم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة أو من طلاق رجعي أو بائن. وأما التلميح، بإبداء الرغبة في الخطبة، فمباشرة التلميح لها، قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة: 235].
ويستحب للخاطب النظر إلى المخطوبة؛ لقوله ﷺ للغبيري بن شعبة وقد ذكر له امرأة أراد خطبتها: «اذهب فانظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما». وقد ذكر الفقهاء لجواز النظر إلى المرأة المخطوبة شروطًا، منها: أن يكون الخاطب عازمًا على الخطبة، وأن يغلب على ظنه الإجابة، وأن يكون النظر بلا خلوة، وأن يكون مقصده الاستعلام لا الاستمتاع، وأن ينظر إلى ما يظهر غالبًا كالوجه والكفين، وألا تكون المرأة متبرجة أو متطيبات. ونظر المخطوبة إلى خاطبها كحكم نظره إليها. ويجوز للخاطب تكرار النظر إذا لم يكتفِ بالنظرة الأولى، فإذا اكتفى بالأولى لم تجز له الثانية. ولا يجوز للخاطب مصافحة المخطوبة ولا لمسها ولا الخلوة بها ولا الخروج معها؛ لأنها قبل عقد النكاح لا تزال أجنبية عنه.
وتحرم خطبة الرجل على خطبة غيره بغير إذنه؛ لقوله ﷺ: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب». ولا يترتب على الخطبة حق للخاطب غير أنه مقدم في النكاح على غيره. فإذا فسخت الخطبة فإن للخاطب أن يسترد ما قدمه من هدايا؛ لأنها في حكم المهر أو هبة لأجل إتمام الزواج ولم يحصل، ولكن الأفضل ألا يستردها خاصة إذا كان الترك من جهته. وينبغي للولي أن يحرص على تزويج الكفء متى تقدم للزواج؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض».
بسم الله الرحمن الرحيم، توقفنا عند الحديث عن دخول الفعل من أفعال ظن وأخواتها على جملة بعدها أو على مصدر مؤول؛ أي تدخل على «أن» والفعل (المصدر المؤول بالمصدر)، أو تدخل على «أن» مع اسمها.
وخبرها فيكون ذلك سادًّا مسدَّ مفعولين، ومن ذلك أيضًا قول الله عز وجل: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة: 2]. فيحسب فعل من الأفعال التي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، من أفعال ظن من أخوات ظن، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، وأن حرف ناسخ وما له اسمه، ويحسب أن ما له أخلده؛ أخلده فعل وفاعل ومفعول به في موضع رفع خبر أن، وجملة (أن ما له أخلده) هذه سدت مسد المفعولين.
بقي معنا أن نشير إلى مسألة مهمة تتعلق بباب ظن وأخواتها. الأصل في باب ظن وأخواتها أنها تعمل، أي أن هذه الأفعال تعمل وتنصب مفعولين، لكنها أحياناً يلغى عملها، وأحياناً يعلق.
يلغى العمل فلا تصبح عاملة، وهذا يسمى الإلغاء. وأحياناً يعلق عملها، بمعنى أنها لا تنصب في الظاهر، وإنما تنصب في التقدير، أي أن الكلام ليس فيه نصب في الظاهر وإنما ينصب بتقدير في المعنى، وهذا يسمى التعليق؛ فهي ليست عاملة تماماً ظاهراً وباطناً إذا صح التعبير، وليست أيضاً ملغاة، وإنما العمل فيها معلق.
يلغى عمل ظن إذا توسطت بين المفعول الأول والثاني، أو تأخرت عنهما. حينما أقول مثلا: «ظننت الرجل غاضباً»، هذا واضح هنا ظن عاملة، ولا بد أن يكون المفعول الأول منصوباً (الرجل) والمفعول الثاني منصوباً (غاضباً). لو قدمت وأخرت وقلت: «الرجل ظننت غاضباً»، هل يصح أن ألغي ظننت بحيث يصبح لا عمل لها؟ الجواب: نعم.
فإذا توسطت ظن بين المبتدأ والخبر فيجوز إلغاء ظن، فيجوز لي أن أقول: «الرجل ظننت غاضباً»، فيكون الرجل مفعولاً به مقدماً (مفعولاً أول) وغاضباً مفعولاً ثانياً في موقعه مؤخراً. في (الرجل ظننت غاضباً) هنا أعملتها، ويجوز لي أن ألغيها من العمل فأقول: «الرجل ظننت غاضبٌ»، فهنا يجوز الإلغاء ويجوز الإعمال. وكذلك لو تأخرت ظن عن الاثنين، بمعنى أقول: «الرجل غاضب ظننت»، فهنا تلغى ظن ولا عمل لها ولا تنصب مفعولين، فأقول: «الرجل غاضب ظننت». ويمكن أن تنصب وتقول: «الرجل غاضباً ظننت»، فتكون عاملة غير ملغاة.
أما التعليق فهو باب طويل، لكن نشير إلى المقصود به وبعض أمثلته فقط لأن ليس هذا مقام البسط فيه. التعليق المقصود به أن تلغى ظن من العمل في الظاهر ويبقى عملها في التقدير. متى يكون ذلك؟ إذا جاء بعدها بعض الحروف التي هي في الأصل لها صدر الكلام، باختصار مثلاً: ما النافية؛ «ظننت ما أخوك غاضباً»، فظننت هنا هي معلقة عن العمل؛ لأن أخوك هنا ليس منصوباً وغاضباً ليس منصوباً، فهنا توقف العمل وعلق عمل ظن.
ومثل قول الله عز وجل: ﴿وَتَظُنُّونَ أَن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المؤمنون: 114]، فـ «أن» هنا نافية بمعنى «ما»، فهذه «أن» علقت عمل ظن، أصبح العمل معلقاً في الظاهر ليس هناك عمل، لكن في التقدير فيه عمل. إذن التعليق هو المقصود به إيقاف العمل ظاهراً وإجراءه في التقدير وفي المعنى. وكذلك مثلاً لو جاءت بعد ظن لام الابتداء: «ظننت لزيدٌ مجتهدٌ»، فهنا ظن جاءت بعدها اللام فعُلقت عن العمل. هذا الباب يسمى باب التعليق، والعمل فيه ليس عملاً كاملاً وليس إلغاءً تاماً، وإنما هنا العمل معلق.
هذه أفعال ظن وأخواتها، نعيدها باختصار: ظن وأخواتها من الأفعال التي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر. هذه الأفعال تنقسم قسمين: منها أفعال قلبية تدل على القلوب، وتنقسم هي بدورها إلى قسمين: ما يدل على اليقين مثل (علم ورأى وما أشبه ذلك)، وما يدل على الرجحان مثل (ظن وحسب وزعم وخال).
والقسم الثاني من ظن وأخواتها هي الأفعال التي تدل على التحويل والتصوير، وهي (صار وجعل واتخذ وردَّ وترك وما أشبه ذلك)، فهذه أفعال تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر. وهذا الباب يدخله الإلغاء والتعليق؛ الإلغاء هو إلغاء العمل بالكلية، والتعليق هو إلغاؤه في اللفظ وإجراؤه في المعنى.
وبهذا نكون قد أنهينا الحديث عن باب ظن وأخواتها، نلتقيكم إن شاء الله في درس قادم للحديث عن الأفعال التي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر. إلى ذلكم الحين أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. عبدالله مسملي