أرحب بكم أيها الإخوة الكرام والأخوات الكريمات في هذا الدرس الثاني عشر من دروس النحو في أكاديمية زاد، أسأل الله عز وجل أن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح. درسنا هو استكمال للدرس السابق الذي تحدثنا فيه عن الأفعال الناسخة، الأفعال الناقصة، وهي كان وأخواتها، وما يزال الكلام متصلاً عن كان وأخواتها. اليوم نبدأ في الحديث عن تقسيم كان من حيث التمام والنقصان، قلنا إن الأفعال الناسخة تسمى الأفعال الناقصة لأنها لا تكتفي بمرفوعها. هذا يعني أن كان وأخواتها إذا اكتفت بمرفوعها فإنها تصبح تامة، إذا اكتفت بالمرفوع تعتبر تامة، إذا تستعمل كان تامة وناقصة. هل السؤال هل كل الأفعال الناقصة أو الناسخة تستعمل تامة وناقصة؟ الجواب لا، ليست كل الأفعال، هناك من الأفعال الناسخة ما يستعمل تاماً وناقصاً، يعني مرة يأتي ناقصاً وهو الأكثر، ومرة يأتي تاماً، وهناك من الأفعال الناسخة التي هي من أخوات كان لا تستعمل إلا ناقصة ولا تكون تامة.
القسم الأول هو ما يستعمل ناقصاً وتاماً، ناقصاً سبق الحديث عنه. أما الاستعمال التام فيها فالمقصود به كما ذكرنا سابقاً هو أن هذه الأفعال تكتفي بمرفوعها؛ إذا اكتفت بمرفوعها فإنها تكون تامة ويكون معناها غير معنى كان الناقصة؛ فيكون معنى كان التامة بمعنى وجد أو بمعنى حصل. نأخذ مثالاً، قال الله عز وجل: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]. قالوا إن كان هنا تامة وليست ناقصة، لماذا هي تامة؟ تامة لأنها اكتفت بمرفوعها، ومعناها: وإن وجد ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة. فهذه كان تامة، وإذا كانت تامة فإنها تخرج من هذا الباب، من باب الأفعال الناسخة، وتنتقل إلى الأفعال التامة، الأفعال الكثيرة في كلام العرب التي ترفع فاعلاً. ولذلك إذا جئنا نعرب هذه الآية نقول: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾، كان فعل ماض تام، وذو هنا فاعل وليس اسم كان، لأننا لو قلنا اسم كان لاستلزم أن يكون هناك خبر، لكن هذا اكتفى بالمرفوع.
ما الأفعال التي تستعمل تامة وناقصة؟ الجواب قلنا إن هناك من الأفعال ما يستعمل تاماً ومنها ما يستعمل ناقصاً. الأفعال التي تستعمل تامة وناقصة: كان وأمسى وأصبح وأضحى وظل وصار وبات وما دام وما برح وما انفك. نعيد: كان، أمسى، أصبح، أضحى، ظل، صار، بات، ما دام، ما برح، ما انفك. بقي معنا ما فتئ وليس وما زال؛ فتئ وليس وزال هذه لا تستعمل إلا ناقصة، لا تكون تامة. وبقية الأفعال تستعمل تامة وناقصة، يعني تأتي تامة وتأتي ناقصة بحسب المعنى وبحسب الاستعمال وبحسب الاكتفاء بالمرفوع؛ اكتفت بمرفوعها فهي تامة، وإن لم تكتفِ بمرفوعها بل احتاجت إلى المنصوب فهي ناقصة. نضرب على ذلك بعض الأمثلة، وان كان ذو عسرة، حينما أقول: أمسى القمر بدراً؛ أمسى هنا فعل ناقص لأنه لا يكتفي بمرفوعه، القمر اسم أمسى وبدراً خبر أمسى منصوب. ما مثال أمسى التامة؟ مثالها قول الله عز وجل: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: 17]، حين تدخلون في المساء، هنا الفعل اكتفى بمرفوعه؛ تمسون اكتفى بمرفوعه، فهنا اكتفت بمرفوعها.
توقفنا قبل الفاصل أيها الإخوة الكرام عند الحديث عن الأفعال التي تستعمل تامة وناقصة، وذكرنا هذه الأفعال، وقلنا إنها جميع الأفعال ما عدا فتئ وليس وزال، وضربنا على ذلك أمثلة: كان، ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾، و﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ فهذه تامة. أصبح من الأمثلة أيضاً؛ قال الله عز وجل: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا﴾ [القصص: 10]، السؤال هنا، الفعل أصبح فعل ناقص أم تام؟ ستقولون إنه فعل ناقص لأنه لا يكتفي بمرفوعه، ناسخ واسمه: فؤاد، وأين الخبر؟ الجواب: فارغاً، فارغاً خبر أصبح. ومن الأمثلة أيضاً على أصبح الناقصة قول الله عز وجل: ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]، الفعل تصبحوا وهو مضارع أصبح وهو فعل ناقص ناسخ، أين اسمه؟ الواو الضمير، وأين الخبر؟ نادمين، خبر تصبح منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم. طيب ما مثال أصبح التامة؟ مثاله قول الله عز وجل: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17]، تصبحون هنا اكتفت بمرفوعها الضمير الواو فهو فاعل، ولا تحتاج إلى منصوب وبالتالي فهي تامة.
الأمثلة على هذه الأفعال التي تستعمل ناقصة وتامة قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل: 58]، ظل وجهه مسوداً، فظل هنا فعل ماض ناقص، ووجهه اسم ظل مرفوع وعلامة رفعه الضمة، ومسوداً خبر ظل منصوب وعلامة نصبه الفتحة. كيف نمثل على ظل التامة؟ لو قلنا مثلاً لو ظلت الحرب -يعني لو بقيت- لأدت إلى الفناء؛ فظل هنا تامة. إذاً هذه أمثلة على الأفعال التي تستعمل تامة وناقصة، وهي كان وأمسى وأصبح وأضحى وظل وصار وبات وما دام وما برح وما انفك. القسم الثاني وهو الذي لا يكون إلا ناقصاً، بمعنى أنه لا يمكن أن يكتفي بمرفوعه بل يحتاج إلى الخبر، وهي ثلاثة أفعال: فتئ وزال وليس، لا إشكال في التقديم والتأخير كلها سواء، كلها لا تستعمل إلا ناقصة. بمعنى حينما أقول: ليس، هذا الفعل الناقص الناسخ لا يأتي مكتفياً بمرفوعه بل لا بد أن يحتاج إلى المنصوب: ليس زيد قائماً، وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها.
وأيضاً مثله قول الله عز وجل: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: 118]، هنا يزال فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع اسم يزال، ومختلفين خبر يزال منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم. إذاً هذا الفعل زال وليس وفتئ؛ ما فتئ المؤمن يذكر ربه، ما فتئ يفعل كذا؛ فلا تكتفي بمرفوعها. هذه الأفعال الثلاثة لا تستعمل إلا ناقصة، ولا تستعمل تامة. حينما أقول: زالت الشمس أو زال الضوء بمعنى ذهب، ألم تكتفِ هنا بمرفوعها؟ إن زال لا تستعمل إلا ناقصة، وهنا اكتفت بمرفوعها؟ هي زال في هذا الموضع، فهذه زال التي بمعنى تحرك، بمعنى ذهب، بمعنى ابتعد، فهذه ليست من الأفعال الناقصة أصلاً، ولا تستعمل ناقصة لأنها زال التي مضارعها يزول؛ زالت الشمس وتزول الشمس، زال الظل ويزول الظل، ليست هي زال التي مضارعها يزال؛ حينما نقول ما زال الرجل قائماً، وما يزال لسانك رطباً، فهذه هي التي تستعمل ناقصة ولا تستعمل تامة. أما زال التي مضارعها يزول وهي بمعنى تحرك تنحى ابتعد، فهذه أصلاً فعل من الأفعال ولا تدخل في باب الأفعال الناقصة ولا تدخل في الأفعال الناسخة.
تحدثنا قبل الفاصل عن أقسام كان وأخواتها من حيث التمام والنقصان، وقلنا إنها تنقسم قسمين: ما يستعمل تاماً وناقصاً، ومنها ما يستعمل ناقصاً فقط ولا يستعمل تاماً. الآن نتحدث عن خبر كان؛ خبر كان منصوب، ومنصوب بهذا الفعل. لكن هل هذا الخبر يكون مفرداً أم أنه يمكن أن يكون جملة؟ الجواب أن خبر هذه الأفعال هو كخبر المبتدأ، لأنه في الأصل هو خبر المبتدأ، ولذلك يكون مفرداً ويكون جملة، وجملة اسمية وجملة فعلية، ويكون شبه جملة كما تحدثنا عن خبر المبتدأ؛ فهو في الأصل خبر للمبتدأ لكن دخلت هذه الأفعال فنسخت الحكم، لكن بقي حاله أنه يأتي مفرداً ويأتي جملة فعلية ويأتي جملة اسمية ويأتي شبه جملة، وكذلك إذا جاء جملة فعلية أو جملة اسمية فإنه يشتمل على رابط يربطه بالاسم كما اشترطنا ذلك في خبر المبتدأ. نأخذ على ذلك أمثلة: فأما المفرد فهذا كثير؛ كان الرجل قائماً، وكان الله غفوراً رحيماً، فالخبر هنا مفرد. صار الماء دافئاً، هذا خبر مفرد، وهكذا بقية الأمثلة على المفرد. نأخذ أمثلة على غير المفرد؛ يقول الله عز وجل: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: 25]. هنا الفعل أصبح هو فعل ماض ناقص، واسمه الضمير الواو ضمير الجمع، واو الجماعة ضمير متصل مبني في محل رفع اسم أصبح، أين خبر أصبح؟ الجواب أن أصبح خبرها الجملة: لا يرى إلا مساكنهم. ما نوع هذه الجملة؟ هذه الجملة جملة فعلية، لا نافية، ويرى فعل مضارع، ومساكنهم نائب عن الفاعل؛ لأنه يرى مبني لما لم يسم فاعله.
فاعله مبني لما لم يسم فاعله أو مبني للمفعول، ومساكن هنا نائب عن الفاعل أو مفعول ما لم يسم فاعله، نائب عن الفاعل مرفوع. الجملة هنا «لا يرى إلا مساكنهم» هي جملة في موضع ماذا؟ في موضع نصب خبر أصبح، فهنا الخبر جملة فعلية في موضع نصب لأن خبر أصبح يكون منصوبًا، فخبر الأفعال الناسخة والأفعال الناقصة يكون منصوبًا، فهو في هذه الجملة في موضع نصب خبر أصبح. والسؤال: أين الرابط الذي يربط هذه الجملة بالاسم؟ الجواب هو الضمير «مساكنهم».
مثال آخر، قول الله عز وجل: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [القصص: 82]. السؤال: أصبح أين اسمها؟ أصبح فعل ناسخ ناقص، أين اسمها؟ الجواب اسمها الذين، ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ﴾، الذين اسم موصول مبني في محل رفع اسم أصبح. السؤال الآن: أين خبر أصبح إذا كانت أصبح هذه ناقصة؟ فأين خبرها؟ ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ﴾ أين خبر أصبح؟
الجواب، قبل الجواب: هل يمكن أن يكون خبر أصبح «تمنوا»؟ ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا﴾ الجواب لا؛ لأن جملة «تمنوا» هذه صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، ﴿الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ﴾ جملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. أين إذاً خبر أصبح؟ ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ﴾، فهنا جملة «يقولون» هي جملة فعلية في موضع نصب خبر أصبح، وجملة مقول القول كل هذه الجملة ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ﴾ هي خبر أصبح.
كذلك من الأمثلة قول الله عز وجل: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: 177] هنا ليس فعل ماض ناقص ناسخ. سؤال: ما نوع الخبر هنا؟ أنا ذكرت هذه الآية في معرض الحديث عن خبر كان وأنه يكون مفردًا ويكون جملة، فهل الخبر هنا مفرد أم جملة؟ ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾. الجواب أن الخبر هنا مفرد وليس بجملة، أين الخبر وأين اسمها؟ الجواب أن اسم ليس هو المصدر المؤول من الفعل «أن تولوا»، يعني ليس تولية وجوهكم قبل المشرق والمغرب هي البر، فالبر هو خبر ليس.
وتذكرون في درس سابق قلنا أن المبتدأ يكون اسمًا ظاهرًا واسمًا صريحًا، وقد يكون مصدرًا مؤولًا، مثل ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 184] «أن تصوموا» هنا المصدر المؤول هو المبتدأ وخير هو الخبر. هنا المصدر المؤول ﴿أَن تُوَلُّوا﴾ هو اسم ليس الذي هو في الأصل كان مبتدأ، ﴿أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ هو البر، فالخبر هو البر وهنا البر مفرد وليس بجملة. فخبر هذه الأفعال الناقصة تمامًا هي أحوال خبر المبتدأ؛ لأن أصل الجملة التي بعد هذه الأفعال الناقصة هي في الأصل مبتدأ وخبر.
وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الدرس، استودعكم الله وإلى اللقاء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. عبدالله مسملي