بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أرحب بكم أيها الإخوة والأخوات في هذا الدرس الثامن من دروس النحو في أكاديمية زاد في الفصل الثالث، أسأل الله عز وجل أن يلهمنا الصواب.
درسنا سيكون استكمالا للدرس السابق في الحديث عن المفعول به، تحدثنا في الدرس السابق عن تعريف المفعول به وحكمه، وعن العامل في المفعول به، وكذلك أيضا أنواع المفعول به، اليوم نتحدث عن حذف المفعول به وحذف عامله.
هل يحذف المفعول به؟ الأصل أنه لا يحذف، هذا الأصل، الأصل الذكر، لكنه قد يحذف، قد يحذف المفعول به لغرض لفظي أو لغرض معنوي، قد يكون الحذف لغرض لفظي وقد يكون لغرض معنوي، لكنه يجوز حذفه، يجوز حذفه إذا دل عليه دليل أو كان المقصود التعميم، لا يريد المتكلم مفعولا بعينه، وإنما يريد اثبات الفعل للفاعل، يريد اثبات الفعل للفاعل.
نضرب على ذلك أمثلة: من ذلك لو قال قائل: هل قرأت الكتاب؟ فيقول المجيب: نعم، قرأت. فهنا «قرأت» فعل وفاعل، لكن أين المفعول به؟ المفعول به محذوف، المفعول به محذوف دل عليه الدليل، ومن ذلك أيضا قول الله عز وجل: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: 4]، يجد ماذا؟ يجد ماذا؟ هنا فعل، أين المفعول به؟ الجواب أن المفعول به محذوف لأنه معروف وسبق الكلام الذي يدل عليه، فقد دل عليه الدليل والتقدير: فمن لم يجد رقبة فصيام شهرين متتابعين.
قال الله عز وجل بعد ذلك: ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4]، يعني: فمن لم يستطع صيام شهرين متتابعين، فإذا دل الدليل على المفعول به فانه يجوز حذفه، يجوز حذفه.
لكن هل يمتنع حذف المفعول به؟ يمتنع حذف المفعول به في مواضع، أو من ذلك حينما يسأل السائل عن شيء فيكون الجواب في المفعول به، يعني لو قلت: ماذا قرأت؟ فقال: قرأت كتابا، لابد أن يذكر المفعول به لأنه هو المسؤول عنه، هو المسؤول عنه.
ومن ذلك قول الله عز وجل: ﴿قَالُوا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: 30]، فهنا لأن السؤال هنا في هذه الآية جاء الجواب «خيرا» هو المفعول به، هو المفعول به، وهنا قد حذف عامله، وقد يحذف العامل إذا دل عليه الدليل أيضا، لكن هنا لابد من ذكر المفعول به، لابد أن يذكر إذا لم يكن هناك دليل وكان هو ليس هناك غرض من حذفه وكان هو المسؤول عنه، فإذا لابد أن يذكر، لابد أن يذكر.
إذن قد يحذف المفعول به إذا دل عليه الدليل، وهذا جائز، وقد يحذف المفعول به لغرض لفظي؛ يعني تزيين الكلام والمعنى واضح ومعروف، ويجتمع المعنى مع اللفظ فيكون هذا في أحسن المقامات، ولذلك من ذلك قول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى: 6]، يعني: فآواك، ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: 7]، يعني: فهداك، ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: 8]، يعني: فأغناك.
لكن هنا المفعول به معروف والكلام واضح وبين، والمقصود بين، وكذلك أيضا هنا تناسب الفواصل، وهو أمر لفظي، تناسب الفواصل أيضا جعل ذلك أحسن ما يكون حينما حذف المفعول به والدليل عليه ظاهر، والدليل عليه ظاهر.
وقد يكون الحذف لامر معنوي وغرض بلاغي، وغرض بلاغي، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: 5]، «يعطيك ربك فترضى»، هنا «يعطيك» قد يقول قائل: إنه ذكر المفعول به؟ نعم ذكر المفعول الأول، لكنه حذف المفعول الثاني، ولسوف يعطيك، لأنه «أعطى» ينصب مفعولين، ولسوف يعطيك ربك فترضى، طيب أين المفعول الثاني؟ المفعول الثاني محذوف، طيب يعطيك ماذا؟ ليس المقصود ماذا يعطيك، فالله عز وجل يعطي شيئا كثيرا، ويعطي ما لا يمكن حصره ولا يمكن عده، فالله عز وجل يعطي نبيه العطايا الكثيرة، لو ذكر عطية واحدة فانه سيكون ذلك قليلا، ولذلك حذف هنا ليكون عاما، ليكون عاما.
ومنه أيضا قول الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: 5]، أعطى ماذا؟ هنا حذف المفعول به لغرض معنوي، وهو أنه ليس المقصود أن يعطي صدقة أو يعطي نفقة أو يعطي زكاة أو يعطي مالا، إنما هو امر عام، يعني مما أعطاه الله عز وجل يعطي مالا، يعطي خلقا حسنا، يعطي نفقة واجبة، يعطي صدقة تطوع، يعطي زكاة مال، يعطي.. ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾، إذا صفته أنه يعطي، يعطي مما أعطاه الله عز وجل ويمنح، فهنا حذف المفعول به، لم يذكر في الكلام المفعول به، أعطى ماذا؟ أعطى الفقير مالا، أعطى المسكين، أعطى المحتاج.. فهو يعطي، هذه من صفات المؤمنين أنهم يعطون، ليس إعطاء المال فقط منحصر في المال أو في الصدقة، إنما في ذلك كله، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ فحذف المفعول به هنا لغرض معنوي وغرض بلاغي يقصده المتكلم.
أيها الإخوة، فاصل قصير ثم نواصل الحديث عن المفعول به.
فارق كبير بين من يسافر لنزهة سياحية أو لمشاهده مباراة وبين من يسافر لطلب العلم، فطلب العلم موصل إلى سعادة الأبد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة».
وبالرحلة يلقى الطالب العلماء، وينوع المشايخ، ويقارن بين المناهج، ويجدد نشاطه، ويزيد خبراته، قال الشعبي: لو أن رجلا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن فحفظ كلمة تنفعه، رايت أن سفره لا يضيع.
وهل من شيء أشرف من العلم يرحل في طلبه؟ وقد رحل موسى عليه السلام في ذلك رحلة شاقة، ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: 60].
ورحل الصحابة والعلماء من بعدهم في طلب العلم المسافات، حتى سافر بعضهم شهرا في طلب حديث واحد، وقطع بعضهم في طلبه أكثر من خمسة آلاف كيلو سيرا على قدميه، فإن عجزت عن الرحلة في طلب العلم فلا أقل من التعلم عبر الشبكات والشاشات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سددوا وقاربوا والقصد القصد تبلغوا».
بسم الله الرحمن الرحيم، نواصل الحديث أيها الإخوة عن حذف المفعول به، وسيأتي الحديث عن حذف العامل في المفعول به.
إذا يحذف المفعول به في مواضع، وذلك إذا دل عليه دليل وكان ظاهرا وكان معروفا، أو أن المتكلم يقصد من وراء هذا الحذف قصدا وله غرض في هذا الحذف، غرض معنوي وغرض بلاغي، فانه يحذفه.
يعني الحقيقة، حذف المفعول به من المسائل والقضايا البلاغية التي تدرس في علم البلاغة لمعرفة الأغراض البلاغية من حذف المفعول به، لأن الحذف قد يكون له شان في الكلام، كما أن الذكر له شان، فكذلك الحذف له شان؛ لأنه يزيد الكلام جمالا معنويا وجمالا لفظيا، ويزيده أيضا بلاغة ووقاراً.
ومن الأمثلة على حذف المفعول به قول الله عز وجل: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأُغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: 21]، لأغلبن.. أغلب هنا فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر، كتب الله لأغلبن أنا ورسلي، فإذا أين المفعول به؟ السؤال: أين المفعول به؟ المفعول به محذوف، تقديره: لأغلبن الكفار المعاندين المكذبين، لكن قال بعضهم: إنه حذف المفعول به لإهانته، لا يذكر، لا يستحق أن يذكر، مع أنه معروف، وقيل إن الله عز وجل هو الغالب، سبحانه وتعالى هو الغالب لا يغلب، هو الغالب الذي لا يغلب.
ومن ذلك أيضا قول الله عز وجل: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: 43]، المقصود هنا الإضحاك والبكاء، وليس المقصود من الذي يضحك ومن الذي يبكي، أو من الذي يبكي، من الذي يقع عليه الإبكاء ومن الذي يقع عليه الإضحاك، وأنه أضحك وأبكى، ليس مقصودا مفعولا بعينه، ولذلك هنا ساغ الحذف، ساغ الحذف لأن المقصود العموم، المقصود العموم.
خلاصة الكلام أيها الإخوة والأخوات: أن المفعول به قد يحذف من الكلام وقد يستغنى عنه ولا يذكر لمعرفته للدلالة عليه، ويكون هذا اختصارا، وقد يكون لغرض لفظي، وقد يكون لغرض معنوي.
ومن ذلك أيضا قول الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 13]، لا يعلمون ماذا؟ لا يعلمون أنهم هم السفهاء، أو لا يعلمون ذلك، أو لا يعلمون هذا الأمر.
فإذا المفعول به قد يحذف للدلالة عليه فيكون ذلك اختصارا، وقد يحذف لغرض لفظي أو لغرض معنوي.
لكن ننتقل بعد ذلك إلى العامل: هل يحذف العامل في المفعول به؟ الجواب نعم، قد يحذف جوازا وقد يحذف وجوبا.
الأصل ذكره، الأصل أن يذكر العامل في المفعول به، لكن قد يحذف هذا العامل إذا دل عليه الدليل أيضا، ويكون هذا حذفا جائزا، وقد يحذف وجوبا كما سنبين ان شاء الله.
فاما مثال الحذف الجائز: فالمثال الذي ذكرناه سابقا حينما أقول: ماذا قرات؟ فتقول: كتابا، كتابا هنا كتابا مفعول به، أين العامل؟ العامل مقدر تقدره: قرات كتابا، قرات كتابا، لا يحتاج المتكلم أو المجيب أن يأتي بالعامل؛ لأنه دل عليه الدليل في السؤال، دل عليه الدليل في السؤال.
ومنه قول الله عز وجل: ﴿قَالُوا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: 30]، فخيرا هنا مفعول به لفعل محذوف تقديره: أنزل ربنا خيرا، فهنا العامل محذوف، الفعل محذوف لأنه دل عليه الدليل في السؤال، دل عليه الدليل في السؤال.
وكذلك أيضا حينما أقول لك: من أكرم؟ أسألك: من أكرم؟ فتقول: العلماء مثلا، العلماء.. يعني: أكرم العلماء، أكرم العلماء. فهنا حذف العامل في المفعول به للدلالة عليه وهذا حذف جائز، يعني يجوز لي أن يقول المجيب: أكرم العلماء، أكرم العلماء.
ومن المواضع التي.. من الآيات التي ورد فيها حذف العامل قول الله عز وجل: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ [العنكبوت: 28]، هنا لوطا مفعول به لفعل مقدر تقديره: وأرسلنا لوطا، فهنا لوطا مفعول به منصوب والعامل فيه الفعل مقدر محذوف لم يذكر في الكلام.
وكذلك أيضا قول الله عز وجل: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء: 81]، الريح هنا مفعول به منصوب والعامل فيه محذوف، مقدر محذوف لم يذكر في الكلام.
طيب هل دل عليه الدليل؟ الجواب نعم، والمعنى: وسخرنا لسليمان الريح، لأنه قبل ذلك: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ﴾ [الأنبياء: 79]، ولسليمان الريح، ولسليمان الريح.. التقدير: وسخرنا لسليمان الريح، فالريح هنا مفعول به والعامل فيه مقدر، العامل فيه مقدر تقديره سخر.
إذن في هذه المواضع حذف فيها العامل، يعني الفعل الذي نصب المفعول به، الفعل الذي نصب المفعول به، وجاء المفعول به ليس في الكلام في اللفظ عامل يعمل فيه، لكنه في التقدير موجود، موجود في التقدير.
وقد يحذف العامل وجوبا، قد يحذف العامل وجوبا، يعني يأتي المفعول به منصوبا ولكن العامل فيه محذوف، وهذا المحذوف كما يقول أهل العلم إنه محذوف وجوبا، يعني لا يصح أن يذكر في الكلام، لا يصح أن يذكر في الكلام، وإنما يكون مستترا محذوفا، يعني يكون الفعل محذوفا مقدرا.
فهنا يحذف الفعل وجوبا، ما هي المواضع التي يحذف فيها الفعل وجوبا؟ هي أولا في باب الاشتغال، حينما يأتي المفعول به أولا وياتي بعده فعل نصب ضميرا يعود على المفعول المنصوب الأول.
أعيد، حينما يأتي المفعول به منصوبا وياتي بعده الفعل، وهذا الفعل نصب ضميرا، نصب ضميرا عاد على المفعول الأول، ما مثاله؟ حينما أقول: محمدا أكرمته، محمدا أكرمته، فهنا «محمدا» مفعول به لفعل محذوف، وأكرمته: فعل وفاعل، التاء الفاعل والهاء مفعول به عائد على محمد، فالآن الفعل اشتغل بضمير الاسم المنصوب الأول الذي هو محمدا، طيب إذن الفعل هنا أخذ رفع الفاعل ونصب مفعولا فاكتفى بهذا، رفع الفاعل ونصب المفعول به، طيب محمد منصوب بماذا؟ نقول إنه منصوب بفعل محذوف، منصوب بفعل محذوف يفسره المذكور.
فاصل أيها الإخوة ثم نواصل الحديث.
يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما.
الحجاب شعار المؤمنات وزي العفيفة الطاهرات، وتحبيب الفتاة في ارتدائه سهل يسير لكنه يحتاج إلى بضع خطوات، منها: أن يبدأ الوالدان مع ابنتهما في التزام الحجاب بالتدرج منذ الصغر فقد تتشكل لديها مع الوقت قناعات خاطئة تصعب معالجتها.
أن يغرس في ابنتهما نبته المراقبة والخشية، ويرسخ في ذهنها أن الله يرضى عن المرأة العفيفة المحتشمة المطيعة لأوامره.
أن يظهر إعجابه بالحجاب، وذلك بالحديث عنه كثيرا أمامها مع ذكر صفاته ومحاسنه.
الحرص على أن تصاحب الابنة الفتيات الصالحات المحجبات، فالصحبة الصالحة لها أكبر الأثر في السلوك والأخلاق.
أن يمنح الوالد الأم فرصة اصطحاب ابنتها لدروس العلم وحلقات القرآن، إذ ينبغي أن تكون محجبة أثناء ذلك مما يعودها ارتداء الحجاب.
استخدام الهدية والمكافأة التشجيعية، وإعلام الفتاة أن المكافأة الكبرى إنما هي في تحصيل مرضات الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم، نواصل.
الحديث أيها الإخوة عن حذف العامل في المفعول به. قبل الفاصل ذكرنا أن العامل في المفعول به قد يحذف وجوباً، وذلك في مواضع؛ منها: إذا تقدم المفعول به وكان منصوباً، وجاء الفعل بعده ناصباً لضمير ذلك المفعول، ضمير يعود على ذلك المفعول: محمداً أكرمته. الآن محمداً هذا أمامنا منصوب، اسم منصوب، وأكرمته فعل وفاعل ومفعول به، لو قلت: محمداً أكرمت فقط بدون الهاء، لم يشتغل الفعل بضمير الاسم المنصوب.
فإن محمداً هنا نعرب مفعول به مقدم، لكن حينما قلت: محمداً أكرمته، هنا الفعل اشتغل بالضمير فلا يسلط على الاسم المتقدم. طيب كيف نعرب؟ نقول: محمداً مفعول به منصوب بفعل محذوف يفسره المذكور، وأكرمت: أكرم فعل ماض، والتاء ضمير متصل في محل رفع فاعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. وبناءً عليه فالجملة هنا اكتملت، الفعل اكتمل بمرفوعه ومنصوبه.
ولذلك يكون محمداً كما ذكرنا مفعول به لفعل محذوف، لكن لو قلت: محمداً أكرمت، فإنني أقول: محمد مفعول به مقدم، والعامل فيه هو الأكرم المذكور؛ لأن المفعول به قد يتقدم على الفعل، قد يتقدم على العامل، المفعول به قد يتقدم على العامل، ليس مثل الفاعل، وإنما يجوز أن يتقدم، فإذا قلت: محمداً أكرمت، فأنا هنا أعرب محمداً مفعول به مقدم، وأكرم فعل، والتاء فاعل. وبناءً عليه فهنا ليس هناك حذف في العامل.
ولكن حينما اقول: محمداً أكرمته، هنا محمداً مفعول به لفعل محذوف، ومنه قول الله عز وجل: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30]، هنا الأرض مفعول به لفعل محذوف، ودحاها فعل وفاعله مستتر، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، فهذا من مواضع وجوب حذف العامل أو وجوب حذف الفعل.
كذلك من المواضع التي يحذف فيها العامل باب ما يسمى باب التحذير والإغراء. التحذير: حينما اقول النار النار، النار النار يعني احذركم النار، فالنار النار هنا في باب التحذير، هنا أعرب النار مفعول به لفعل محذوف تقديره: احذروا، اتقوا النار، فهنا العامل محذوف، وهو مفعول به، يعرب مفعولاً به، وبعضهم يقول: منصوب على التحذير، لكنه يبقى أنه مفعول به منصوب.
كذلك أيضاً في الإغراء، حينما اقول: العلم العلم، يعني الزم العلم، يعني عليك بالعلم، الزم العلم، أغريك العلم العلم، فهنا أيضاً مفعول به لفعل محذوف تقديره: الزم العلم.
كذلك أيضاً في الاختصاص، كما في قول الله عز وجل: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: 4]، في قراءة في قراءتنا التي نقرا بها برواية حفص عن عاصم: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾، فحمالة هنا مفعول به لفعل محذوف تقديره: أذم حمالة الحطب، فهنا مفعول به لفعل محذوف.
إذاً خلاصة الكلام أيها الإخوة الكرام أن الأصل أن يذكر العامل، ويكون في الكلام، لكنه إذا دلت عليه الدلائل وكانت هناك قرينة تدل عليه، فإنه قد يجوز حذفه، وقد يجب في بعض المواضع التي ذكرناها؛ في باب الاشتغال وفي باب التحذير والإغراء والاختصاص، فهنا يكون الحذف واجباً. فيما عدا ذلك فإنه يذكر العامل، وإذا دل عليه دليل أو دلت عليه القرينة فإنه يحذف، ومن ذلك الآية التي ذكرناها سابقاً ونعيدها ونصحح قراءتها: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: 30]، فخيراً هنا مفعول به منصوب والعامل فيه محذوف تقديره: أنزل ربنا خيراً، لكن للدلالة عليه ولوضوح العامل فإنه حذف العامل هنا.
وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً، فخيراً هنا مفعول به لفعل والعامل فيه محذوف تقديره: أنزل ربنا خيراً، لماذا حذف؟ لأنه دل عليه الكلام السابق فلا حاجة لإعادته. وكما قلنا: إذا سالك سائل فقال لك: ماذا قرأت؟ تقول: كتاباً، فهنا لا يحتاج أن تقول: قرأت كتاباً، فتحذف العامل هنا. وكذلك أيضاً يحذف في مثل قول الله عز وجل: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ [العنكبوت: 28]، يعني: وأرسلنا لوطاً، وفي قول الله عز وجل: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء: 81]، يعني: وسخرنا لسليمان الريح.
إذاً أيها الإخوة الكرام، خلاصة درسنا في هذا اليوم أن المفعول به قد يحذف، المفعول به نفسه قد يحذف إذا دل عليه الدليل أو كان هناك غرض لفظي أو معنوي، فإنه يحذف ولا يذكر في الكلام ويكون غير موجود. وقد يكون واجب الذكر إذا لم يدل عليه دليل، كما لو كان في ذلك إجابة لسائل يسأل عن هذا المفعول به فيجب على المتكلم أن يتكلم به ولا يحذفه. وكذلك أيضاً يحذف العامل، العامل في المفعول به قد يحذف إذا دل عليه الدليل أو دلت عليه القرينة.
هذا هو خلاصة درسنا في هذا اليوم، أسأل الله عز وجل أن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وإلى أن نلتقي في درس قادم استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. عبدالله مسملي