بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أرحب بكم أيها الإخوة والأخوات في هذا الدرس التاسع من دروس النحو في أكاديمية زاد العلمية، أسأل الله عز وجل أن ينفع بها.
درسنا في هذا اليوم سيكون عن النوع الثاني من المفاعيل؛ النوع الأول وهو المفعول به وسبق الحديث عنه، اليوم نتحدث عن المفعول المطلق.
وقبل أن نعرف بهذا النوع من المفاعيل؛ أحب أن أشير إلى سبب التسمية، حينما أقول: أكرمت الضيف إكراماً، الآن الفعل هو: أكرم، والضيف هو المفعول به هو الذي وقع عليه الإكرام.
طيب ما هو المفعول؟ لو سألنا ما هو المفعول؟ ما الذي فعل به؟ فعل به الإكرام، فالإكرام هو المفعول، والضيف هو المفعول به، فأكرمته إكراماً، هذا مفعول مطلق.
المفعول المطلق هو الذي فعل، لو سُئلت: ماذا فعل بهذا الضيف؟ لقلت: الإكرام الإكرام، فالإكرام مفعول، هو الذي فعله الفاعل، لكن الضيف هو الذي وقع عليه الفعل، هو الذي وقع عليه الإكرام، فإذاً الإكرام مفعول، وسمي مطلقاً لأنه ليس مفعولاً به وليس مفعولاً له، وإنما هو المفعول هكذا مطلق، ولذلك سمي مفعولاً مطلقاً: أكرمت الضيف إكراماً.
طيب لو اردنا أن نعرف المفعول المطلق ماذا يمكن أن نقول عنه؟ نقول: هو المصدر، يعني حينما اقول: جلس جلوساً، أكرم إكراماً، ذهب ذهاباً، هذا المصدر.
إذاً هو المصدر المسلط عليه عامل، يسبقه عامل أو يسلط عليه أو يعمل فيه عامل من لفظه أو معناه، إذاً المصدر المسلط عليه عامل من لفظه، يكون العامل من لفظ المصدر أو من معناه، يفيد توكيد العامل، أو بيان نوعه، أو بيان عدده، وليس خبراً.
إذاً أولاً هو المصدر، وهذا المصدر يعمل فيه عامل من لفظه، مثل قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلَّوْا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، وسلموا تسليماً، سلموا هذا هو العامل، وتسليماً هذا المصدر، فإذاً سلموا تسليماً، العامل والمصدر من لفظ واحد.
أو يكون العامل والمصدر من معنى العامل وليس من لفظه، كما لو قال قائل: قعدت جلوساً، القعود والجلوس معناهما واحد تقريبا، فإذاً العامل هنا لفظه مختلف عن المصدر الذي جاء بعده، لكنه من معناه.
يفيد التوكيد، يعني حينما أقول: أكرمته إكراماً، هذا توكيد للفعل، وسلموا تسليماً توكيد لهذا الفعل سلموا، أو يكون يفيد توكيد العامل أو بيان نوعه، كما لو قلت مثلاً: أحسنت اليه إحسن الكريم، فهذا النوع نوع الإحسان إحسان الكريم، أو إحسان الكبراء، أو إحسان كذا، أو إحساناً كبيراً، بيان النوع، نوع هذا الفعل.
أو يكون لبيان عدده، كما لو قلت مثلاً: جلست هنا جلستين، أو ثلاث جلسات، فهنا بيان العدد.
إذاً المفعول المطلق يفيد توكيد العامل، أو بيان نوعه، أو بيان عدده، وليس خبراً، هذا قيد مهم جداً، وليس خبراً، يعني قد يأتي مصدر ويسلط عليه عامل من لفظه، ويكون للتاكيد أو لبيان النوع، لكنه يكون خبراً، فلا يدخل ضمن المفعول المطلق.
ما مثاله؟ مثاله حينما أقول: كلامك كلام حسن، هنا كلام حسن من نفس لفظ كلامك، وفيه بيان النوع أن الكلام هذا حسن، لكنه خبر، جاء خبراً، كلامك كلام حسن، فجاء كلام حسن، هذا خبر، فلا يعد مفعولاً مطلقاً.
أما حينما أقول: أكرمته إكراماً، فهنا هذا مصدر مفعول مطلق، سلط عليه عامل من لفظه، ومن ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]، فتكلم مفعول مطلق منصوب، والعامل فيه كلم، وهذا من النوع الأول وهو المؤكد للعامل، فائدته التوكيد.
العلم مراتب، فمنه فرض عين وهو تعلم ما لا يدى الواجب إلا به كتعلم صفة الوضوء والصلاة، ومنه فرض كفاية كعلوم الحديث، ومنه نفل كالتبر في أصول الأدلة، فلا بد من التدرج فيه خطوة خطوة، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الليالي والأيام.
ونراعي الأولويات في التعلم، فنبدأ بالأصلية كالتفسير والفقه قبل علوم الآلة كمصطلح الحديث وأصول الفقه، ونبدأ بتعلم الفروض قبل النوافل، وفي الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه»، وقد قيل: من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور.
ونبدأ بالأسهل قبل الأصعب وبالمختصر المطولات، قال تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: 79] والرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، ونبدأ بتعلم ما يترتب عليه ثمرة قبل المسائل النظرية البحتة، ونبدأ بالتعلم قبل التصدر للتعليم فإن فاقد الشيء لا يعطيه.
ونهتم بالفهم والتدبر ولا نقتصر على الحفظ والتلقين، فتدرج في طلب العلم حتى تكون من الراسخين، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».
من الأمثلة أيها الإخوة أيضاً على المفعول المطلق قول الله عز وجل: ﴿فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: 14]، فهنا دكة مفعول مطلق، ونوعه هنا مبين للعدد لأنه جاء بعده التأكيد على الوحدة.
وكذلك من الأمثلة قول الله عز وجل: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران: 13]، لو سألت هنا أين المفعول المطلق؟ سيكون الجواب: رأي العين.
طيب لو سألت: ما نوع المفعول المطلق هنا؟ أهو مؤكد للعامل أم مبين للنوع أم مبين للعدد؟ الجواب أنه مبين للنوع، يرونهم مثليهم رأي العين، ما هو رأي؟ يرونهم رأياً، إنما يرونهم مثلهم رأي العين، فهنا مبين للنوع، نوع الرؤية هنا رأي العين.
وكذلك أيضاً من الأمثلة قول الله عز وجل: ﴿أَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 42]، فهنا أخذ مفعول مطلق منصوب، ما نوعه؟ هل هو مؤكد؟ الجواب أنه مبين للنوع، يعني نوع هذا الأخذ أخذ عزيز مقتدر.
وهذا يدل على أن بيان النوع إما يكون بالإضافة: أخذ عزيز مقتدر، أو يكون بالوصف، كما لو قلنا مثلاً: أكرمته إكراماً حسناً، إكراماً جميلاً، إكراماً كذا، يعني يوصف المصدر فيكون هذا لبيان النوع بالوصف.
إذاً المفعول المطلق هو المصدر الذي يتسلط عليه عامل أو ينصبه عامل من لفظه، وسلم تسليماً، أو من معناه: قعدت جلوساً، فرحت جذلاً، الجذل هو الفرح، ففرحت جذلاً، هذا مفعول، يمكن أن يعد مفعولاً مطلقاً أو نائباً عن المفعول المطلق لأنه من معناه، يفيد التوكيد، توكيد العامل أو بيان النوع أو بيان العدد، وليس خبراً.
قد ينوب عن المفعول المطلق أشياء، يعني بعض الأمور تنوب عن المفعول المطلق، يعني إذا لم يكن المفعول المطلق مصدراً من لفظ العامل فإنه قد ينوب عنه، يعني بعض الكلمات تنوب عنه.
من الأمور التي تنوب عن المفعول المطلق: كل وبعض مضاف إلى المصدر، يعني: أكرمته كل الإكرام، فكل هنا تصير نائبا عن المفعول المطلق، يعرب نائباً عن المفعول المطلق، ومنه قول الله عز وجل: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: 129]، فهنا كل لما أضيفت إلى المصدر الذي جاء العامل من لفظه، فكل هنا نابت عن المفعول المطلق، فيقولون: نائب عن المفعول المطلق، ويكون منصوباً، لا نسميه مفعولاً مطلقاً لأنه ليس مصدرا من لفظ الفعل وإنما هو كلمة أخرى أضيفت إلى المصدر.
ومثل قول عز وجل: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة: 44]، فهنا بعض نائب عن المفعول المطلق وقد اضيف إلى المصدر.
كذلك ينوب عن المفعول المطلق الضمير الذي يعود إلى المصدر، فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، أعذبه عذاباً، هنا عذاباً مفعول مطلق، لا أعذبه، الهاء هنا عائدة على عذاب، فهذا ضمير عائد على المصدر، فإذا هو نائب عن المصدر.
كذلك ما كان في معنى الفعل وليس من لفظه يكون نائباً عن المفعول المطلق، كما مثلنا: قعدت جلوساً، وفرحت جذلاً، فإن هذا يسمى نائباً عن المفعول المطلق.
كذلك أيضاً الإشارة، حينما اقول: أحببته ذلك الحب، فهنا ذلك إشارة، هذه الإشارة هي نائبة عن المفعول المطلق لأنها إشارة إلى المصدر، فضمير المصدر، إشارة المصدر، معنى المصدر، كلها تكون نائبة عن المفعول المطلق.
كذلك مما ينوب عن المفعول المطلق أيضاً العدد، قال الله عز وجل: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4].
هنا كيف نعرب هذه الآية؟ فاجلدوهم، هنا فعل وفاعل ومفعول به الضمير الهاء، فاجلدوهم والميم للجمع، ثمانين هنا نائب عن المفعول المطلق، يعرب نائباً عن المفعول المطلق لأنه ليس من لفظ الفعل حتى يكون مفعولاً مطلقاً، وإنما هو نائب عن المفعول المطلق.
طيب ثمانين جلدة، ما إعراب جلدة؟ جلدة هذا تمييز، هذا الذي ياتي بعد العدد ليميز هذا العدد، فلا نعرب جلدة مفعول مطلق، لو قلت: اجلد الغلام جلده، هذا يكون مفعول مطلق، جلده واحدة، أجلده جلده واحدة، هذا يكون مفعول مطلق، جلده مفعول مطلق، لكن فاجلدوهم ثمانين، ثمانين هنا نائب عن المفعول المطلق، وجلده تمييز للعدد.
فهذه كلها تعرب نائبة عن المفعول المطلق، تنوب عن المفعول المطلق، لا يعرب مفعولاً مطلقاً إلا ما كان مصدرا للعامل للفعل مصدراً للفعل، فإذا كان مصدر الفعل هو المنصوب بعد الفعل فيكون هو المفعول المطلق، أما ما عداه مما ذكرنا فإنه يكون نائباً عن المفعول المطلق لأنه ناب عنه في ذلك.
ولذلك يرى بعضهم أن اسم المصدر لو جاء اسم المصدر فإنه يكون نائباً عن المفعول المطلق، ولا يعرب مفعولاً مطلقاً كما في قوله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: 17]، لأنه أنبت مصدرها إنبات، فهنا قال الله عز وجل: والله أنبتكم من الأرض نباتاً، نباتاً هنا اسم مصدر وليس مصدراً، فلذلك يعرب هنا نائباً عن المفعول المطلق.
إذاً قد ينصب المصدر مفعولاً مطلقاً، وقد ينوب عنه كل وبعض، أو ضمير ذلك المصدر، أو اسم الإشارة إلى ذلك المصدر، أو ما في معنى ذلك المصدر، أو عدد ذلك المصدر، كلها تكون نائبة عن المفعول المطلق.
عماد الدين ثاني أركان الإسلام ومبانيه العظام، أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، صلة بين العبد وربه، فضائل سامية وخصال عالية اجتمعت في عبادة واحدة، إنها الصلاة، كما أنها تمحو الخطايا، قال عليه الصلاة والسلام: «أرايتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا».
وتعد الإنسان عن الوقوع في المعاصي والمنكرات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]، فكيف لعاقل أن يرد كل هذه الهدايا والعطايا ويعرض نفسه لسخط الله وعذابه؟ فقد توعد الله المتهاون في أدائها فقال: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59].
وحين يسأل أهل النار عن سبب دخولهم فيها يكون أول جوابهم: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: 43]، لذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمداً من أكبر الكبائر، وأن إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النفس وأخذ الأموال، ومن إثم الزنا والسرقة وشرب الخمر، وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا والآخرة.
فدين بلا صلاة كبيت بلا عماد، فإنها ميزان النجاة وسبيل الفلاح، فاحرص على إقامتها وسلامتها، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].
بسم الله الرحمن الرحيم، أيها الإخوة والأخوات.
المفعول المطلق قد يأتي نكرةً، وهذا الكثير؛ نحو: أكرمتُه إكراماً. وقد يأتي معرفاً بأل؛ نحو: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ [الغاشية: 25]، وقد يأتي مضافاً؛ نحو: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ [إبراهيم: 46]، مكراً؛ هنا مفعول مطلق وقد أضيف إلى الضمير. لكن الكثير والغالب أن يأتي المفعول المطلق نكرةً مجرداً.
العامل في المفعول المطلق: الأصل في العامل في المفعول المطلق أن يكون الفعل، كما مثلنا وكما في الأمثلة السابقة؛ ومنه قول الله عز وجل: ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، هذا الفعل العامل هو الفعل (سلّم). وقد يكون العامل في المفعول المطلق مصدراً؛ يعني مصدراً يعمل في المصدر، كما في قوله عز وجل: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا﴾ [الإسراء: 63]، جزاؤكم جزاءً؛ جزاءً هنا مصدر، وقد عمل في المصدر الذي بعده ونصبه على أنه مفعول مطلق، ونوع هذا المفعول المطلق هو لبيان النوع.
وقد يكون العامل في المفعول المطلق اسم الفاعل، كما في قول الله عز وجل: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: 1]، الصافات هنا اسم فاعل، صفّاً مفعول مطلق. ومنه قول الله عز وجل أيضاً: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: 1]. وقد يكون العامل في المفعول المطلق الصفة المشبهة؛ هذا قبيح قبحاً شديداً، فهنا قبيح هذا صفة مشبهة، وعملت في المفعول المطلق ونصبت المفعول المطلق وصارت هي العامل فيه. وكذلك أيضاً أفعل التفضيل، كما يمثلون: علي أشجعهم شجاعةً، فأشجع هنا اسم تففضيل، وقد عمل في المصدر.
فإذاً، الأصل في العامل أن يكون الفعل، لكنه قد يكون المصدر، وقد يكون اسم الفاعل، وقد يكون الصفة المشبهة، وقد يكون أفعل التفضيل.
السؤال الآن أيها الإخوة الكرام، هل يحذف عامل المفعول المطلق؟ العامل في المفعول المطلق ناصب المفعول المطلق الذي ينصبه؛ هل يحذف؟ هل يجوز حذفه؟ قال بعض العلماء: إن حذف عامل المصدر المؤكد، اللي هو النوع الأول، حذف العامل المؤكد، هذا يمتنع؛ لأنه أصلاً لم يذكر إلا ليؤكد العامل، فكيف يحذف العامل؟ يعني أنت أتيت به لتؤكد هذا العامل، فتحذف المؤكد؟ يعني ما أقول: أكرمت زيداً إكراماً، أنا أريد أن أؤكد هذا العامل وهو أكرم، طيب كيف أحذفه؟ ولذلك ذهب بعضهم إلى أنه يمتنع حذف العامل في المفعول المطلق المؤكد لعامله؛ لأنه ذكر لتقوية هذا العامل، فكيف يحذف المقوى الذي هو العامل؟
لكن الصحيح أنه يجوز حذفه إذا دلت قرينه عليه. ومن المواضع التي يحذف فيها العامل إذا جئنا بالمصدر لينوب عن الفعل، إذا أتى المصدر بدلاً عن فعله، وذلك يكون في الطلب، يكون في الأمر وفي النهي؛ فهنا يحذف العامل، كما في قول الشاعر: فصبراً في مجال الموت صبراً، فصبراً صبراً هنا المقصود اصبر صبراً، اصبر صبراً على مكاره. هنا أتى المصدر بدلاً عن الفعل، فيحذف العامل، يحذف الفعل لأنه جاء بدلاً عنه، ولا يجمع بين البدل والمبدل منه.
فهذه من المواضع التي يحذف فيها العامل. وقد يكون واجباً، وذلك إذا تكرر؛ صبراً صبراً، هذا يكون واجباً، حذف العامل واجباً فيه. كذلك أيضاً إذا دلت قرينة على هذا العامل قرينة واضحة، فانه أيضاً يجوز الحذف، وذلك في الكلام المشهور على الألسنة المتكرر الذي يكثر استعماله؛ كما حينما نقول: عوداً حميداً، هذه من الكلمات الشائعة وكثيرة الاستعمال حينما نقول: عوداً حميداً عوداً حميداً، هنا عوداً يعني مصدر وهو منصوب وهو مفعول مطلق، العامل فيه محذوف، يعني تقديره: عدت عوداً حميداً، عدت إلينا عوداً حميداً، فعوداً حميداً هنا عوداً مفعول مطلق عامله محذوف، وهناك قرينة تدل عليه، فحينما أقول لك: عوداً حميداً، أنت تعرف أنني أقصيد عدت عوداً حميداً.
قدوماً مباركاً؛ قدمت قدوماً مباركاً. كذلك أيضاً مثل قولك: سمعاً وطاعةً، سمعاً وطاعةً يعني سمعت لكلامك سمعاً، سمعت لكلامك سمعاً، فهنا سمعاً مفعول مطلق والعامل فيه محذوف. كذلك أيضاً إذا ذكر في التفصيل؛ ﴿فَإِما مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: 4]، مَنّاً هنا مفعول مطلق وعامله محذوف، تقديره: فأما تمنّون منّاً، فأما منّاً بـ واما فداءً يفدون فداءً. فإذاً في التفصيل يحذف العامل؛ فأما منّاً بعد وإما فداءً.
فهذه من المواضع التي يحذف فيها عامل المفعول المطلق. إذاً أيها الإخوة الكرام، خلاصة الكلام أن المفعول المطلق المؤكد لعامله الذي يذكر لتقويه هذا العامل وتاكيده، الأصل فيه أن يذكر العامل ولا يحذف، فإن دلت قرينة عليه، أو كان مبيناً للنوع، أو كان مشتهراً على الألسنة، أو كان شايع الاستعمال، أو كان بعد تفصيل، فانه يحذف فيه العامل. وقد يكون العامل واجب الحذف، وذلك إذا كان المفعول المطلق بدلاً عن الفعل وتكرر، فهذا يجب حذف العامل.
بهذا نكون قد انهينا الحديث عن المفعول المطلق، أسأل الله عز وجل أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً نوال ميسراً ياتيك ميسوراً بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، وتعلم اللغة الفصيحة فرعها بطريف أسلوب وحسن بيان. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.
د. عبدالله مسملي