تسجيل الدخول

في كل علم نافع ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمان، وتعلم اللغة الفصيحة وروعها بطريف أسلوب وحسن بيان. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، ونصلي ونسلم على رسولنا الأمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. يتجدد لقاؤنا بكم أيها الإخوة والأخوات في هذه الدروس الممتعة إن شاء الله الجميلة التي أرجو أن تكون كذلك، وأن كنتم مستفيدين منها، بأن نتعلم لغتنا وأن نتذوق هذه اللغة ونستفيد منها بحيث يترتب على ذلك أن نعيش جمالها وحلاوتها واستيعابها.

اليوم درسُنا عن الأفعال الخمسة، كان اللقاء السابق عن الأسماء الخمسة، أما اليوم عن الأفعال الخمسة. وهذه الأفعال الخمسة لها ضابط محدود ولها ضابط معدود؛ الضابط المحدود قال: الأفعال الخمسة هي كل فعل مضارع أسند إلى ألف الاثنين أو واو الجماعة أو ياء المخاطبة. هذا ضابط محدود، أي بهذا الحد، أي فعل فيه ألف الاثنين أو واو الجماعة أو ياء المخاطبة فانه من الأفعال الخمسة، فعندما تقول في الفعل يذهب: يذهبون أو تذهبون الآن فيه واو الجماعة إذا هذا من الأفعال الخمسة. كذلك إذا كان في ألف الاثنين تقول: يذهبان تذهبان، إذا هذا من الأفعال الخمسة لوجود ألف الاثنين، أو ياء المخاطبة تقول تذهبين، فهذا أيضا من الأفعال الخمسة لماذا لوجود ياء المخاطبة.

إذا هذا ضابط محدود، كل فعل وجد فيه ألف الاثنين أو واو الجماعة أو ياء المخاطبة. وهناك ضابط معدود، كل فعل على وزن يفعلان تفعلان يفعلون تفعلون تفعلين، فأي فعل على واحد من هذه الأوزان الخمسة فانه من الأفعال الخمسة؛ يقومان تقومان على وزن يفعلان وتفعلان، يقومون تقومون على وزن يفعلون وتفعلون، تقومين على وزن تفعلين. إذا الأفعال الخمسة تعرف بهذا الضابط، أما الضابط المحدود وهو كل فعل مضارع أسند إليه ألف الاثنين أو واو الجماعة أو ياء المخاطبة، أو الضابط المعدود كل فعل كان على وزن يفعلان تفعلان يفعلون تفعلون تفعلين.

قال: هذه الأفعال الخمسة فإن علامة رفعها وعلامة نصبها وعلامة جزمها علامات فرعية بالنيابة، فترفع بثبوت النون نيابة عن الضمة، وتنصب بحذف النون نيابة عن الفتحة، وتجزم بحذف النون نيابة عن السكون فإن علامة الجزم الأصلية هي السكون. هل نقول وتجر أو لا يستقيم هذا المعنى؟ لا يستقيم، لماذا؟ لان الجر لا علاقة له بالأفعال، الجر من خواص ماذا؟ من خواص الأسماء. ولهذا ما نقول هنا وتجر وإنما فقط ترفع وتنصب وتجزم، كما أننا في الأسماء الخمسة لم نقل وتجزم وإنما قلنا ترفع وتنصب وتجر، لأن الجزم من خواص الأفعال والجر من خواص الأسماء.

هنا نقول: علامة رفع وعلامة نصب وعلامة جزم؛ علامة الرفع في الأفعال الخمسة ثبوت النون، وعلامة النصب في الأفعال الخمسة حذف النون، وعلامة الجزم في الأفعال الخمسة حذف النون. إذا الأفعال الخمسة نصبا وجزما علامتُها واحدة وهي حذف النون، أما في حالة الرفع فإنها ترفع بثبوت النون.

هنا قال من الأمثلة على ذلك: ﴿كَأَنَّهَا يَأْكُلَانِ طَعَاماً﴾. لاحظ ياكلان فعل مضارع، عند الإعراب ماذا نقول؟ فعل مضارع مرفوع وعلامه رفعه ثبوت النون. الألف هذه هي الفاعل، ليست الالف هذه علامة للرفع مثل المثنى الطالبان المدرسان المؤمنان، الألف فيه علامة للرفع، لكن الألف في الفعل ياكلان يذهبان يقران يفهمان فإنها ليست علامة للرفع وإنما هي الفاعل. دائما انتبه، ألف الاثنين واو الجماعة ياء المخاطبة التي هي في الأفعال الخمسة وهي ضابط للأفعال الخمسة أي كل فعل أسندت إليه هذه الحروف فانها تعرب دائما إما أن تكون فاعلا أو نائب فاعل؛ وذلك أن الفعل إن كان مبنيا للمعلوم كانت فاعلا، وإذا كان الفعل مبنيا للمجهول كانت نائب فاعل.

فهنا ياكلان، الألف نقول: ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل. والفعل ياكلان فعل مضارع مرفوع وعلامه رفعه ثبوت النون، لأنه من الأفعال الخمسة. إذا هذا الفعل مرفوع وعلامه رفعه ثبوت النون.

قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 265]. يعملون فعل مضارع مرفوع وعلامه رفعه ثبوت النون. لو أرادنا أن نعرب الآية هذه كاملة ولعلنا نقف معها آية عظيمة للغاية؛ الله لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع وعلامه رفعه الضمة الظاهرة على آخره، بصير خبر المبتدأ وعلامه رفعه الضمة الظاهرة على آخره، بما، الباء حرف جر، ما اسم موصول بمعنى بالذي. يعملون، ما اسم موصول، لماذا قلنا الباء وهنا قلنا ما؟ لأنها مكونة من حرفين حرف الميم وحرف الألف، ودائما إذا كانت الكلمه امامي مكونة من حرفين فانا أنطق بشكلها (ما) مكتوبة أمامي، أما إذا كانت حرف واحد فانا أنطق باسمها الباء والميم واللام. لكن هنا نقول ما اسم موصول مبني على السكون في محل جر بحرف الجر لأن الباء حرف جر.

الأجزاء الثلاثة تحدثنا عنها كثيرا ولا نزال إلى أن تنتهي هذه الأكاديمية بإذن الله؛ دائما إذا أردت أن تعرب هذه المبنيات الأسماء الموصولة، أسماء الشرط، أسماء الاستفهام، أسماء الإشارة، الضمائر، على هذه الأجزاء الثلاثة؛ أولا حدد اسم هذا المبني، ضمير طبعا متصل أو منفصل، اسم إشارة، اسم موصول، حدد الاسم، ثم حدد علامة البناء، ثم حدد الموقع الإعرابي. هنا نقول: ما اسم موصول مبني على السكون في محل جر بحرف الجر.

ويعملون فعل مضارع مرفوع وعلامه رفعه ثبوت النون، هذا يحصل إشكال عند بعض الطلبة، دائما انتبه الواو والالف والياء مع الفعل ليست علامة للرفع وإنما هي الفاعل. متى تكون الألف والواو علامة للرفع؟ مع الاسم؛ أما الألف مع المثنى، وأما الواو مع جمع المذكر السالم. لكن مع الفعل دائما تكون مرفوعة أما أن تكون فاعلا أو تكون نائب فاعل كما أشرت قبل قليل.

إذا يعملون فعل مضارع مرفوع وعلامه رفعه ثبوت النون، والواو ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل. طيب جملة يعملون جاءت بعد ماذا؟ أخذنا إعراب الجمل، بعد ما، وما موصول، إذا صله الموصول لا محل لها من الإعراب. وكذلك جملة والله بصير مبتدأ وخبر جاءت ابتدائية والجمله ابتدائية لا محل لها من الإعراب.

﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ نتدبر هذه الآية أيها الإخوة وأيتها الأخوات. نتدبر هذه الآية، اعلم أن الله يراك، اعلم أن الله لا يخفى عليه شيء من حالك؛ ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَٰ كَانُوا۟﴾ [المجادلة: 7].

الله سمع صوت تلك المرأة التي تجادل زوجها مع النبي صلى الله عليه وسلم وهي تخاطب النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة تقول: والله إنني معهم في الحجرة ويفوتني بعض حديثها، والله يقول: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: 1]. اعلم يا عبد الله أن الله يراك، والله بصير بما تعملون. أرايت لو أن كبيرا من كبار الناس ملكا أو أميرا أو غير ذلك يراك، كيف تكون، كيف تهيئ نفسك؟ ملك الملوك يراك، ملك الملوك يراك، ملك الملوك مطلع عليك، كيف تكون، كيف تهيء نفسك؟

ولهذا هذه الآية لابد أن تحرك قلوبنا، لابد أن نقف معها، لابد أن نعيش معها هذا المعنى؛ الله بصير، الله مطلع، هو الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين. الله عز وجل يسمع كلامنا ويرى ذواتنا ويعلم بحالنا ولا يخفى عليه شيء من أمرنا.

فانتبه لذنوب الخلوات، ذنوب الخلوات هي الماحقة، هي الحالقة، يأتي أقوام يوم القيامة وعندهم حسنات مثل الجبال مثل جبال تهامة ثم لا تنفعهم، قيل: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: «قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها». قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها، إذا خلا لهم الجو، إذا تيسرت لهم هذه المعصية ولا يراهم أحد فإنهم ينسون الله، يغفلون عن الله، يغفلون عن الله، وبالتالي يقعون في مثل هذه الأمور.

لكن لو عاشوا معنى هذه الآية، لو تدبروا معنى هذه الآية لتغيرت أحوالهم. هذه التربية أنا وأنت وغيرنا في أمس الحاجة أن نربي أنفسنا عليها، نحن في أمس الحاجة إلى أن نستشعر عظمه الله الذي يرانا والذي مطلع علينا، فأسأل الله عز وجل أن يرزقنا هذا الإيمان الذي يجعلنا مراقبين لمولانا، منتبهين غير غافلين. نقف قليلا وناخذ فاصلا يسيرا ثم نعود إليكم بإذن الله.

﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137]. التاريخ مخزن العبر ومعلم الأمم، فيه أخبار السابقين الأولين وأسباب التمكين وزوال الدول، من اعتبر بدروسه نجا ومن تعامى عن حوادثه هوى.

وقد عني القرآن بذكر الكثير من القصص والتنويع في أحداثها توجيهًا لأنظار إلى الاعتبار بأحوال الأمم في كفرهم وإيمانهم وشقاوتهم وسعادتهم، فلا شيء يهدي الإنسان كالمثل والوقائع. قال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 176].

ومن هنا ينجلي للعاقل أهمية العلم بالتاريخ وعلو شانه؛ فإذا نظر الإنسان إلى أحوال الأمم السالفة وأسباب قوتهم وضعفهم وعزهم وذلهم حمله ذلك على حسن الأسوة والاقتداء بأسباب السعاده والتمكين واجتناب ما كان من أسباب الشقاوه والهلاك والتدمير. وإن التحولات في أحوال الأمم من رخاء إلى شدة ومن شدة إلى رخاء إنما هو من جراء أعمال العباد. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

فمن فوائد وثمرات دراسة التاريخ: الإحاطة بالتطبيق العملي للإسلام وذلك من خلال السيرة النبوية، العلم بأن الأمة مكلفة بهدف عظيم وهو عمارة الأرض بمنهج الله تعالى، العلم بأعداء الأمة والعلم بطبيعة الصراع بين الحق والباطل، فهم الحاضر لأن الحاضر جزء من الماضي فمن لم يعتبر بماضيه لن ينتفع بحاضره، إدراك سنن الله تعالى في هذا الكون وأنها لا تحابي أحدا. قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَن لَّجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، ونصلي ونسلم على رسولنا الأمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. من الأمثلة على الأفعال الخمسة والحديث كان قبل اخذ الفاصل عن هذه الأفعال: قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الششعراء: 128]. اتبنون، فعل مضارع مرفوع وعلامه رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل.

خلاص، إعراب ثابت؛ يعني للاسف الشديد يعني كثير من الإخوان ما يجعله يستصعب هذا الفن إلا لأنه يسمع هذه الكلمات ويستصعبها، وهي ليست من الاجتهاد الدقيق الذي يحتاج إلى عمق في النظر ودقة، إنما هي ثوابت، إنما هي أمور معينة محددة. واو الجماعة دائما مع هذه الأفعال تعرب هذا الإعراب ما تتغير: ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل مع الفعل مبني للمعلوم، وفي محل رفع نائب فاعل مع الفعل مبني للمجهول. فالشاهد أنها ثابته في إعرابها، يعني هذه الكلمات تاتي دائما ثابته يسمعها أول مرة طالب العلم مثلا ضمير متصل ومبني على السكون وفي محل رفع فاعل يقول: أنا كيف أعرف إش أنها ضمير ومتصل وبعدين علامه البناء وبعدين أحدد الموقع الإعرابي؟ فيستصعبها، والقضيه هي كما أشرت لكم مجرد ضوابط وقواعد.

كذلك تعبثون، بكل ريع آية تعبثون. تعبثون فعل مضارع مرفوع وعلامه رفعه ثبوت النون، والواو ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل.

﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ [الرحمن: 50]. تجريان، فعل مضارع مرفوع وعلامه رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والالف ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل. هذه الألف ليست علامة الرفع، فلو قلت مثلا الطالبان يجريان، ما الفرق بين هذه الألف وهذه الألف؟ ما الفرق بين الألف في كلمة الطالبان والألف في كلمة يجريان؟ نقول الألف في كلمة الطالبان علامة للرفع، وذلك أنها مثنى مثنى مرفوع وعلامه رفعه الالف. لكن الألف في كلمة يجريان ليست علامة الرفع وذلك أن علامة الرفع هي ثبوت النون بالفعل، وإنما هي فاعل؛ الألف في كلمة يجريان إنما هي فاعل، وله عند إعرابها نقول: والالف ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل.

﴿إِنَّ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ﴾ [طه: 63]. كذلك يريدان، فعل مضارع مرفوع وعلامه رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة. والنون دائما مكسورة، كما قلت لكم قبل ذلك، دائما نون هذا الفعل تكون يريدان مع المثنى مثل نون المثنى يريدان، لكن مع واو الجماعة مثل جمع المذكر السالم يذهبون تكون النون مفتوحة مع الجمع وتكون النون مكسورة مع ألف الاثنين يريدان.

﴿أَن يُخْرِجَاكُم﴾ [طه: 57]. لاحظ أن هنا إذا دخلت على الفعل المضارع فإنها تنصبه، تنصبه ان يخرجاكم، ما قال يخرجان، ما قال يخرجان لماذا؟ لأنها مسبوقة بأداة نصب، ونحن عرفنا أن هذه الأفعال تنصب بحذف النون، ولهذا عند الإعراب نقول: يخرجاكم، فعل مضارع منصوب بان وعلامه نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والالف ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل.

﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: 73]. تعجبين، فعل مضارع مرفوع وعلامه رفعه ثبوت النون لأنها من الأفعال الخمسة، والياء ياء المخاطبة. تعجبين هذه الياء نفس ما قلنا بألف الاثنين والجماعة ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل.

فاعل، ثم بين لنا ما يتعلق بالإعراب. قال: ترفع بثبوت النون وتنصب وتجزم بحذفها. ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]. عندنا في هذه الآية ثلاث أفعال؛ هذه الأفعال الثلاثة: اثنان منهما منصوب بحذف النون، وواحد مرفوع بثبوت النون. تنالوا: فعل مضارع منصوب بلن، وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، واو الجماعة ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل، إعراب دائما ثابت، دائما الإعراب ما يتغير.

حتى تنفقوا: تنفقوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى، وعلامة نصبه حذف النون، والواو ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل. طب والالف؟ الألف في تنفق والألف في تنال، هذه يطلق عليها الألف الفارقة. الألف الفارقة فارقة بين من، أو بين ماذا وماذا؟ فارق بين الفعل الذي هو للمفرد والفعل الذي للجماعة، فتضع الألف بعد واو الجماعة، ولا تضع الألف بعد واو الفعل للمفرد. فتقول: محمد يدعو ربه؛ ما تضع ألف هنا، وهذا الخطأ يعني منتشر انتشاراً رهيباً، وقل أن يسلم منه الكثير فيضعون هذه الواو ثم ألف بعدها بناءً على أن هذه الألف تكتب على إثر كل واو! لا، إنما تكتب خلف الواو التي للجماعة. التي هي للجماعة: لن تنالوا (فيه ألف)، لن تدعوا غير الله (فيه ألف). إذاً، لكن: محمد لن يدعو هنا، لن يدعو محمد يدعو ربه؛ تجد مباشراً يضع ايش؟ يضع ألفاً، وهذا خطأ، لأن الألف هذه فارقة بين الفعل الذي هو للمفرد وبين الفعل الذي هو للجمع وفيه واو الجماعة.

قال: ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]. تحبون: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل.

قال: وتنصب وتجزم بحذف النون. نعم، قال: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُني أَن تَذْهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: 13]. لاحظ، ليحزنني: يحزنني فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمه، والنون هذه للوقاية، والياء ياء المتكلم لابد من الوقاية كما تحدثت قبل قليل. أن تذهبوا: تذهبوا فعل مضارع منصوب بأن، وعلامة نصبه حذف النون، علل؟ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108]. ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 108]. ولا تسبوا: نعرب هذا الفعل، لا ناهية. لا ناهية، لاحظ، نقول: لا، لأن عندي كم حرف؟ عندي حرفان، ولهذا لا ناهية ننطق بشكلها. تسبوا: فعل مضارع مجزوم بلا، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل. الذين يدعون: يدعون فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل. الإعراب ما يتغير، ثابت.

هذه الآية فيها فائدة جميلة جداً جداً، وهي أنه قد تترك أنت مصلحة خوفاً من أن تقع بمفسدة، والذي نحن بحاجة له: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. لا شك أن ذكر آلهة المشركين هذا مصلحة، ذكرها بالعيب وبيان فسادها، وهذا نوع من السب والشتم لبيانها؛ يعني قريش تسب آلهتنا، يبين أنها لا تنفع ولا تضر، فلكن إذا كانت هذه المصلحة يترتب عليها أن يسب الله، فإننا نترك هذه المصلحة حتى لا نقع في تلك المفسدة العظيمة، ولهذا نقول: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108]. فانتبه، درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

أحياناً قد تجتمع عندك مفسدتان فارتكب أدناهما حتى لا تقع في الكبرى، هذا من الفقه. أمامك مفسدتان لابد أن تقع بواحدة منهما، فاحذر أن تقع في الكبرى حتى تسلم منها، ولو لزم الأمر وترتب عليه أن تقع في الصغرى فلا باس. ولهذا يقول عبد الله بن مسعود من فقهه رضي الله عنه ورحمه الله: لأن أحلُف بالله كاذباً أحب إليَّ من أن أحلُف بغيره صادقاً. يعني امامك الآن مفسدتان: أن تكذب وأنت تحلف بالله، أو أن تصدق وأنت تحلف بغير الله، هذه شرك وتلك معصية كذب؛ لا شك أن مفسدة الكذب أخف من مفسدة الشرك، ولهذا من فقهه رضي الله عنه يقول: إذا دار الأمر بين هذا وهذا أقع في المفسدة الصغرى ولا أقع في المفسدة الكبرى. هذا لا شك شيء عظيم للغاية.

أحياناً تكون هناك مصلحتان؛ مصلحة صغرى ومصلحة كبرى، لأن تفوت المصلحة الصغرى من أجل أن تحصل الكبرى هذا من الفقه، وتختلف بحسب الأحوال؛ يعني أحياناً تكون مصلحة كبرى: طلب العلم، ومصلحة صغرى: مثلاً ذكر والدس، وهذا وقت ضيق وفرصه، فهكذا الانسان يكون فقيهاً، وهذا من الفقه الذي نحن بحاجة له. شيخ الإسلام تيمية رحمه الله تعالى له كلمة رائعة جداً جداً، يقول: ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر. إذاً، من العاقل؟ من العاقل؟ تأملوا هذه الجملة ودققوا فيها، ونقف معها إن شاء الله بعد أخذ فاصل يسير، جزاكم الله خيراً.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، ونصلي ونسلم على رسولنا الأمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. أسعد الله جميع المستمعين والمستمعات، ويسر الله لنا جميعاً العلم النافع والعمل الصالح. كنا مع كلمة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، وإنما العاقل الذي يعرف خير الخيرين وشر الشرين. أنظر، أنظر للعبارة الرائعة الجميله التي ما تخرج إلا من مثل أولئك الرجال.

وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الحديث عنه حديث ممتع وطويل، والقراءة في سيرته، لكنه في النهاية بشر، ليس معصوماً، لكن هذا الرجل إمام إمام رحمه الله في كافه الفنون، كلماته دائماً عليها هذا الضياء وهذا النور. أنظر عندما أراد أن يفسر ما المقصود بالزهد، قال: الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة. والورع، قال: ترك ما يضر في الآخرة. كلمات يسيره لكنها تحوي تلك المعاني العظيمة. الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة، أي شيء لا ينفعك فالزهد تركه، ليس الزهد أن تكون متبذلاً، أن تكون بعيداً، أن تكون ذا منظر لا يقبله، إن الله جميل يحب الجمال، لكن الزهد هو أن تترك ما لا ينفعك في الآخرة. والورع: ترك ما يضرك في الآخرة، أي شيء فيه ضرر فإن من الورع أن تتجنبه وأن تتركه وأن تحذر منه، وإذا اشتبهت عليك الأمور فإنك تغلب هذا الجانب وتحذر منه.

هذه التفسيرات العجيبة، هنا يقول: ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، إنما العاقل الذي يعرف خير الخيرين وشر الشرين. هناك شر وهناك ما هو شر منه، وهناك خير وهناك ما هو خير منه؛ لأن تقع بالشر الأدنى أولى وأحرى وأوجب عليك بأن تسلم من الشر الأكبر، ولأن تحرص على الخير الأكبر هذا الأحرى والأولى بك ولو فقدت الخير الأصغر؛ لأن الأمور أحياناً تتزاحم، الأمور أحياناً تتزاحم فتحتاج منك هذا الفقه.

وأحياناً نحن بحاجة إلى هذا الفقه، التعامل في التعامل مع والدينا، مع أولادنا، مع جيراننا، مع أصدقائنا، مع زملائنا، مع أمرائنا، مع ملوكنا، مع الناس، مع المجتمعات؛ أنت تحتاج إلى هذا الفقه هذه البصيره. الأمور أحياناً تحتاج إلى تروٍ، ليس القضية مجرد أن تميز بين الخير والشر؛ هذا خير إذاً ناخذه ولا ننظر إلى عواقبه، وربما ما يترتب عليه! ربما هذا الخير تقع أنت في مفسدة عظيمة، ربما هذا الخير أنت تفوت عليك مصلحة كبيرة، ولهذا يكون الإنسان فطناً نبيهاً، ويستعين بالله عز وجل على هذا الأمر وعلى هذا الفهم حتى يحقق ما بإذن الله يكون فيه رضا لله عز وجل.

نواصل الأمثلة التي يذكرها المؤلف أو المدون لهذه المذكرة المباركة، قال: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُني أَن تَذْهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: 13]. وقال: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 108]. أيضاً: ﴿وَأَنتُمَا تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: 41]. تستفتيان: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والألف ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل.

قال: الخلاصة، الأفعال الخمسة هي كل فعل مضارع اتصلت به ألف الاثنين أو واو الجماعة أو ياء المخاطبة. هذه الخلاصة في معرفة ضابط الأفعال الخمسة؛ الضابط المحدود الذي تضبط به هذه الأفعال: كل فعل اتصلت به ألف الاثنين أو واو الجماعة أو ياء المخاطبة، فاعلم أنه من الأفعال الخمسة مباشرة، هذا الفعل من الأفعال الخمسة؛ علامة رفعه ثبوت النون، وعلامة نصبه وجزمه حذف النون. كل فعل مضارع اتصلت به هذه الضمائر الثلاثة، والضمائر الثلاثة إعرابها لا يتغير. عندما ترى هذه الضمائر الثلاثة في الفعل المضارع، سواء كان منصوباً أو مجزوماً أو مرفوعاً، فاعلم أن إعرابها: ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع إما فاعل أو نائب فاعل. ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل، ضمير متصل للمخاطبة مبني على السكون في محل رفع فاعل. هكذا الأفعال الخمسة، الضمائر التي فيها إعرابها ثابت، إعرابها ثابت دائماً، تكون ضمائر متصلة مبنية على السكون في محل رفع.

أيضاً الأمثلة هنا: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ [الرحمن: 50]، تحدثنا عنها. تأتي أيضاً في محل رفع نائب فاعل، عندما تقول: يفهمون؛ هنا الفعل على صيغة المبني للمجهول، فبالتالي تكون الواو ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع نائب فاعل، في محل رفع نائب فاعل.

الأمر عشان نربط بالمضارع: عندما تقول: افهموا الدرس؛ هنا واو جماعة. عندما ترى واو جماعة أو ألف الاثنين أو ياء المخاطبة: افهموا الدرس، افهمي الدرس؛ واو الجماعة، ألف الاثنين، ياء المخاطبة، معنى ذلك أتذكر أن الفعل المضارع مجزوم بماذا؟ بحذف النون، إذاً فعل الامر مباشرة يبنى على حذف النون، لأن القاعدة في فعل الأمر أنه يبنى على ما يجزم به مضارعه. القاعدة أن فعل الأمر يبنى على ما يجزم به مضارعه، فالمرضوع مجزوم بحذف النون، إذاً هذا الفعل وهو فعل الأمر يبنى على حذف النون مباشرة.

أقول: افهموا الدرس. افهموا: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو نفس الإعراب: ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل. كذلك: افهما الدرس، فعل أمر مبني على حذف النون، والألف ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل. افهمي الدرس، كذلك: افهمي فعل أمر مبني على حذف النون، والياء ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل.

عندما تأمر بالصلاة: صلي. صلي: فعل أمر مبني على حذف النون، والياء ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل، أنت توجه الآن الأمر لامرأة مخاطبة. ولهذا الخطأ الشنيع الذي عندما الذي نذكره عندما نقول: اللهم صلي وسلم على محمد، اللهم صلي بالياء! أنت تخاطب من؟ أنت تخاطب من يا الله؟ اللهم صلي: فعل أمر هنا مبني على حذف حرف العلة، أنت تخاطب الله عز وجل، فعل أمر مبني على حذف حرف العله ما في ياء. عندما تقول صلي: فعل أمر لمخاطبة، لمخاطبة فعل أمر مبني على حذف النون والياء ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل. لكن ليس هذا المقصود، اللهم صلي: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره أنت أي الله، اللهم صلي تخاطب الله عز وجل وسلم على محمد. فننتبه ونحذر من هذا الخطأ، من هذا الخطأ الذي هو منتشر؛ يعني هناك أخطاء يشار إليها فينة وأخرى فتكون الإشارة حتى ننتبه لها في كتابة رسالة عبر التواصل الاجتماعي في واتساب، أو كتابة في إعلان، أو أنت تدرس أو نحو ذلك، نحذر من هذه الأخطاء التي تتكرر وتنتشر أحياناً بين الناس.

في ختام هذا الدرس، أسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن ينور قلوبنا وبصائرنا، وأن يفتح علينا بالعلم النافع والعمل الصالح. جزاكم الله خيراً، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.