تسجيل الدخول

أَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَرْزُقَنَا الْعِلْمَ النَّافِعَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ. نَبْدَأُ بِإِذْنِ اللَّهِ مَعَكُمْ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ هَذِهِ اللَّقَاءَاتِ الْمُبَارَكَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَعَدَدُهَا أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ لِقَاءً، نَتَحَدَّثُ فِيهَا عَنْ هَذَا الْعِلْمِ الْجَمِيلِ الْعَظِيمِ، الَّذِي لِلأسَفِ الشَّدِيدِ كَثِيرٌ مِنَ الشَّبَابِ يَرَى أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ صَعْبُ الْمَنَالِ وَالْوُصُولِ إِلَيْهِ، فِيهِ مِنَ الْعَوَائِقِ الْعَدِيدَةِ الْكَثِيرَةِ، بَيْنَمَا إِذَا دَخَلَ فِي هَذَا الْعِلْمِ وَبَدَأَ يَتَعَلَّمُ هَذَا الْعِلْمَ يَجِدُ أَنَّهُ عِلْمٌ سَهْلُ الْمَنَالِ يَسِيرٌ، جَمَالُ اللُّغَةِ فِي النَّحْوِ، جَمَالُ الْخِطَابِ فِي اللُّغَةِ السَّلِيمَةِ، وَالْحَدِيثُ الْمُمْتِعُ الَّذِي يَسْتَمْتِعُ فِيهِ السَّامِعُ عِنْدَمَا يَسْمَعُهُ.

وَلِهَذَا يَتَذَوَقُ صَاحِبُ هَذَا الْعِلْمِ الْقُرْآنَ وَيَتَفَهَّمُهُ وَيَتَدَبَّرُهُ وَيَعِيشُ مَعَهُ، لَاحِظْ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. عِنْدَمَا يَقْرَأُ الْإِنْسَانُ هَذِهِ الْآيَةَ وَيَعْرِفُ أَنَّ هُنَاكَ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَلِهَذَا قُدِّمَ «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ» لَفْظُ الْجَلَالَةِ وَأُخِّرَ الْعُلَمَاءُ، وَهَكَذَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ مُسْتَمْتِعًا فِي قِرَاءَةِ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، مُسْتَمْتِعًا فِي قِرَاءَةِ كُتُبِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ هُوَ هَذَا الْعِلْمُ الرَّائِعُ الْجَمِيلُ لُغَةُ الْقُرْآنِ هَذِهِ اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ.

إِنَّ شَاءَ اللَّهُ نَعِيشُ مَعَكُمْ هَذِهِ الْأَجْوَاءَ الْجَمِيلَةَ الْمُمْتِعَةَ خِلَالَ هَذِهِ اللَّقَاءِاتِ الَّتِي كَمَا أَشَرْتُ آنِفًا أَرْبَعَةَ الْقَاءِاتِ عَدَدُهَا أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ لِقَاءً نَنْتَهِي مِنْهَا بِإِذْنِ اللَّهِ أَوْ فِيهَا مِنْ هَذَا الْمَنْهَجِ الَّذِي أَعَدَّهُ لَكُمْ مُخْتَصُّونَ فِي هَذِهِ الْمَجْمُوعَةِ جَزَاهُمُ اللَّهُ خَيْرًا.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَعَ أَوَّلِ لِقَاءٍ وَأَوَّلِ دَرْسٍ يَتَحَدَّثُ عَنِ التَّعْرِيفِ فِي هَذَا الْعِلْمِ عِلْمِ النَّحْوِ، وَقَدْ ذُكِرَ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ النَّحْوِ عِدَّةُ مَعَانٍ، فَمِنْ مَعَانِيهَا الْقَصْدُ، وَمِنْ مَعَانِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ: سَارَ عَلَى أَثَرِهِ أَيْ نَحَى نَحْوَهُ، نَحَى نَحْوَهُ أَيْ سَارَ عَلَى أَثَرِهِ، وَنَحْوَ بَصَرِي إِلَيْهِ أَيْ صَرَفْتُ إِلَيْهِ الْبَصَرَ، وَمَرَرْتُ بِرَجُلٍ نَحْوَكَ أَيْ مِثْلَكَ. أَجْمَعُ هَذِهِ الْمَعَانِي وَأَنَا لَا أُرِيدُ أَنْ أَسْتَطْرِدَ كَثِيرًا فِي الْمَقْصُودِ فِي اللُّغَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الِاصْطِلَاحِ، جَمَعَهَا النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: النَّحْوُ سَبْعُ مَعَانٍ قَدْ أَتَتْ لُغَةً جَمَعْتُهَا ضِمْنَ بَيْتٍ مُفْرَدٍ كَمُلَا: قَصْدٌ وَمِثْلٌ وَمِقْدَارٌ وَنَاحِيَةٌ نَوْعٌ وَبَعْضٌ وَحَرْفٌ فَاحْفَظِ الْأَمْثِلَةَ.

وَالْأَمْثِلَةُ الَّتِي يَذْكُرُهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَالْمَقْصُودُ أَنَّ النَّحْوَ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ لَهُ عِدَّةُ مَعَانٍ، وَأَنَا أَقُولُ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ لِأَنَّ حَيْثُ مَا تُضَافُ إِلَّا إِلَى جُمَلٍ مَا تُضَافُ إِلَى مُفْرَدَاتٍ، مَا يُقَالُ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ، وَهَذِهِ مِنَ الْأَخْطَاءِ الَّتِي يُخْطِئُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَحَدِّثِينَ وَالْخُطَبَاءِ، يَظُنُّ أَنَّ حَيْثُ تُضَافُ إِلَى مُفْرَدَاتٍ فَيَقُولُ: مِنْ حَيْثُ اعْتِبَارِ كَذَا وَكَذَا، مِنْ حَيْثُ الْقَصْدِ، وَالصَّحِيحُ أَنْ تَقُولَ مِنَ الِاعْتِبَارِ، مِنْ حَيْثُ الْقَصْدُ؛ لِأَنَّ حَيْثُ لَا تُضَافُ إِلَّا إِلَى جُمَلٍ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَالْزَمُوا إِضَافَةً إِلَى الْجُمَلْ حَيْثُ وَإِذْ وَإِنْ نَوَى يَحْتَمِلُ، إِفْرَادَ إِذْ إِلَى آخِرِ الْأَبْيَاتِ.

مَعْلَشْ هَذِهِ بِدَايَةٌ رُبَّمَا تَنْقُلُكُم هَذِهِ النَّقْلَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ فِي أَلْفِيَّةِ ابْنِ مَالِكٍ، لَكِنَّ كُلَّ هَذِهِ قَوَاعِدُ يَسِيرَةٌ لِلْغَايَةِ، يَعْنِي هَذِهِ حَيْثُ قَاعِدَتُهَا أَنَّهَا مَا تُضَافُ إِلَى مُفْرَدَاتٍ، لَيْسَتِ الْقَضِيَّةُ يَعْنِي تَعْجِيزِيَّةً أَوْ الْقَضِيَّةُ نَوْعٌ مِنَ الدِّقَّةِ الْمُتَنَاهِيَةِ الَّتِي يَتَأَمَّلُ فِيهَا الْإِنْسَانُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى نَتِيجَةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ قَوَاعِدُ مَوْجُودَةٌ فِي هَذَا الْفَنِّ مُجَرَّدَ أَنْ تَعْرِفَهَا يُسَهِّلُ عَلَيْكَ هَذَا الْعِلْمَ.

ثُمَّ ذَكَرَ صَاحِبُ هَذِهِ الْمَلْزَمَةِ الرَّائِعَةِ النَّحْوَ اصْطِلَاحًا قَالَ: عِلْمٌ يَبْحَثُ فِي أُصُولِ تَكْوِينِ الْجُمْلَةِ وَقَوَاعِدِ الْإِعْرَابِ، فَيُحَدِّدُ الْخَصَائِصَ الَّتِي تَكْتَسِبُهَا الْكَلِمَةُ مِنْ مَوْقِعِهَا الْإِعْرَابِيِّ، وَبِنَاءً عَلَيْهِ يَتَعَامَلُ مَعَهَا بِإِعْطَائِهَا الْحُكْمَ الْإِعْرَابِيَّ مِنَ الرَّفْعِ أَوِ النَّصْبِ أَوِ الْخَفْضِ أَوِ التَّقْدِيمِ أَوِ التَّأْخِيرِ. يَعْنِي أَيْضًا نَحْنُ لَا نُرِيدُ أَنْ نُصَعِّبَ هَذَا الْعِلْمَ، فَالْمَقْصُودُ فِي النَّحْوِ آخِرُ الْكَلِمَةِ، الْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْعِلْمِ النَّحْوِ آخِرُ الْكَلِمَةِ مِنْ حَيْثُ الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْجَزْمِ وَالْجَرِّ، النَّحْوُ لَا علاقة لَهُ فِي أَوَّلِ الْكَلِمَةِ وَفِي وَسَطِ الْكَلِمَةِ، هَذَا عِلْمٌ آخَرُ عِلْمُ الصَّرْفِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، إِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِهَذَا الْعِلْمِ وَهُوَ عِلْمُ الْإِعْرَابِ عِلْمُ النَّحْوِ آخِرُ الْكَلِمَةِ.

هَذَا الْعِلْمُ يَتَعَلَّقُ بِهِ بِآخِرِ الْكَلِمَةِ، قَالَ «مُحَمَّدٌ» لِأَنَّ مُحَمَّدًا فَاعِلٌ كَانَ آخِرُ الْكَلِمَةِ وَجَدَتْ تِلْكَ الْحَرَكَةُ وَهِيَ الضَّمَّةُ، رَأَيْتُ «مُحَمَّدًا» آخِرُ الْكَلِمَةِ تَغَيَّرَ بِفَتْحَةٍ لِأَنَّهَا مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ، انْظُرْ إِلَى «مُحَمَّدٍ» مَجْرُورٌ بِالْكَسْرَةِ، فَهَذَا الْعِلْمُ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِأَوَاخِرِ الْكَلِمَةِ وَلِهَذَا لَا عَلَاقَةَ لَهُ فِي أَوَّلِ الْكَلِمَةِ وَفِي وَسَطِ الْكَلِمَةِ وَإِنَّمَا عَلَاقَتُهُ فِي آخِرِ الْكَلِمَةِ.

إِذًا هَذَا الْعِلْمُ، إِذًا هَذَا الْعِلْمُ إِنَّمَا عَلَاقَتُهُ كَمَا أَشَرْتُ فِي آخِرِ الْكَلِمَةِ، وَهَكَذَا عِنْدَمَا تَتَأَمَّلُ فِي سَائِرِ الْأَمْثِلَةِ سَوَاءً نَضْرِبُهَا ابْتِدَاءً أَوْ نَنْقُلُ بَيْتًا مِنَ الشِّعْرِ أَوْ نَتَحَدَّثُ عَنِ النُّصُوصِ الْقُرْآنِيَّةِ تَجِدُ الْمَقْصُودَ هُوَ أَوَاخِرُ الْكَلِمَةِ، الْآيَةُ السَّابِقَةُ لَوْ تَأَمَّلْنَا فِيهَا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، لَاحِظْ يَخْشَى اللَّهَ، يَخْشَى طَبْعًا سَيَاتِينَا الْحَدِيثُ عَنِ الْإِعْرَابِ أَحْيَانًا يَكُونُ إِعْرَابٌ ظَاهِرٌ وَأَحْيَانًا إِعْرَابٌ مُقَدَّرٌ.

يَعْنِي يَخْشَى فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ بِالضَّمَّةِ وَسَيَاتِينَا الْحَدِيثُ عَنْ هَذَا وَهُوَ حَدِيثٌ فِي غَايَةِ الْأَهَمِّيَّةِ عَنِ الْإِعْرَابِ التَّقْدِيرِيِّ الْإِعْرَابِ التَّقْدِيرِيِّ، لَكِنْ نَجْعَلُهُ فِي وَقْتِهِ، فَالْمَقْصُودُ أَنَّ يَخْشَى فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ، لَكِنْ أَيْنَ الضَّمَّةُ؟ مُقَدَّرَةٌ، لِأَنَّ الْأَلِفَ الْمَقْصُورَةَ هَذِهِ فِي آخِرِ الْفِعْلِ فَإِنَّهَا لَا تَظْهَرُ عَلَيْهَا الْحَرَكَةُ، الْحَرَكَةُ فِيهَا مُقَدَّرَةٌ فَنَقُولُ مَرْفُوعٌ بِالضَّمَّةِ، لَكِنِ الضَّمَّةُ هَذِهِ مُقَدَّرَةٌ، لِمَاذَا لَمْ تَظْهَرْ؟ قَالُوا: مَنَعَ مِنْ ظُهُورِهَا التَّعَذُّرُ، يَتَعَذَّرُ أَنْ تَظْهَرَ الْحَرَكَةُ الضَّمَّةُ مَعَ وُجُودِ الْأَلِفِ الْمَقْصُورَةِ، لَكِنْ عِنْدَ الْإِعْرَابِ نَقُولُ: يَخْشَى فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ عَلَى آخِرِهِ.

إِذًا لَاحِظْ مَعِي أَنَّ النَّحْوَ يَتَعَلَّقُ فِي آخِرِ الْكَلِمَاتِ، النَّحْوُ هَذَا الْفَنُّ لَا عَلَاقَةَ لَهُ إِلَّا فِي آخِرِ الْكَلِمَةِ، يَخْشَى اللَّهَ، لَفْظُ الْجَلَالَةِ مَفْعُولٌ بِهِ مُقَدَّمٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ فَتْحَةٌ، لَاحِظْ لِأَنَّ الْمَوْقِعَ الْإِعْرَابِيَّ لِلَفْظِ الْجَلَالَةِ هُنَا مَفْعُولٌ بِهِ، لَوْ كَانَتْ فَاعِلًا كَمَا نَقُولُ: قَالَ اللَّهُ، هُنَا آخِرُ الْكَلِمَةِ نَجِدُ الضَّمَّةَ، يَخْشَى اللَّهَ، لَفْظُ الْجَلَالَةِ مَفْعُولٌ بِهِ مُقَدَّمٌ، إِنَّ اللَّهَ كَذَلِكَ مَنْصُوبَةٌ بِالْفَتْحَةِ، مَرَرْتُ بِعَابِدِ اللَّهِ، بِعَابِدِ اللَّهِ تَجِدُ أَنَّهَا مَجْرُورَةٌ بِالْكَسْرَةِ، وَهَكَذَا تَجِدُ الْإِعْرَابَ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِأَوَاخِرِ الْكَلِمَاتِ.

شُفْ: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِ، مِنْ حَرَكَتُهَا دَائِمًا ثَابِتَةٌ لِأَنَّهُ تَأْتِينَا أَنَّ الْحُرُوفَ كُلَّهَا مَبْنِيَّةٌ، وَلِهَذَا الدَّائِمُ الْحَرَكَةِ مَا تَتَغَيَّرُ بِالنِّسْبَةِ لِلْحُرُوفِ، وَأَيْضًا مَبْحَثُ الْمُعْرَبِ وَالْمَبْنِيِّ هَذَا مَبْحَثٌ فِي غَايَةِ الْأَهَمِّيَّةِ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، وَكُلُّ هَذِهِ الدُّرُوسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَأْتِينَا بِإِذْنِ اللَّهِ فِي حِينِهَا، لَكِنَّ نَحْنُ الْآنَ نَتَحَدَّثُ عَنْ قَضِيَّةِ النَّحْوِ أَنَّ عَلَاقَتَهُ فِي آخِرِ الْكَلِمَةِ، إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِ، عِبَادِ آخِرِ الْكَلِمَةِ حَرْفُ الدَّالِ، الضَّمِيرُ لَيْسَ مِنَ الْكَلِمَةِ وَلِهَذَا هُوَ مُضَافٌ إِلَيْهِ، لَكِنْ عِبَادِ لَاحِظِ الْحَرَكَةَ عَلَى الدَّالِ لِأَنَّهَا مَجْرُورَةٌ بِمِنْ وَبِالتَّالِي مَكْسُورَةٌ فَالْإِعْرَابُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إِلَّا فِي آخِرِ الْكَلِمَةِ، مِنْ عِبَادِ ثُمَّ قَالَ الْعُلَمَاءُ لِأَنَّهَا فَاعِلٌ مُؤَخَّرٌ، إِذًا النَّحْوُ وَهُوَ عِلْمُ الْإِعْرَابِ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِأَوَاخِرِ الْكَلِمَاتِ.

ثُمَّ قَالَ: مُؤَسِّسُ عِلْمِ النَّحْوِ يَتَحَدَّثُ عَنْ هَذَا الْعِلْمِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْرِفَةِ بِهِ مَنِ الَّذِي أَسَّسَهُ؟ تَحَدَّثَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْمَجَالِ وَوَاضِعُ هَذَا الْعِلْمِ وَأَسَاسُ هَذَا الْعِلْمِ كَانَ الْكَثِيرُ عَلَى أَنَّهُ هُوَ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤْلِيُّ تُوَفِّيَ ٦٧ لِلْهِجْرَةِ، وَذُكِرَ أَنَّ هَذَا بِإِشَارَةٍ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِكِتَابَةِ هَذَا الْعِلْمِ، وَقِيلَ إِنَّ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ ابْنَتَهُ قَالَتْ يَوْمًا مَا لَهُ: مَا أَجْمَلُ السَّمَاءِ؟ فَقَالَ لَهَا أَبُو الْأَسْوَدِ: نُجُومُهَا، قَالَتْ: يَا أَبَتِ مَا أَرَدْتُ ذَلِكَ، أَرَدْتُ أَنْ أَتَعَجَّبَ، فَقَالَ لَهَا: قُولِي: مَا أَجْمَلَ السَّمَاءَ وَلَا تَقُولِي: مَا أَجْمَلُ السَّمَاءِ.

لَاحِظُوا مَعِي كَيْفَ أَنَّ الْحَرَكَاتِ غَيَّرَتِ الْمَعْنَى تَمَامًا، مَا أَجْمَلُ هُنَا اسْتِفْهَامٌ، أَنْتَ تَسْتَفْهِمُ مَا هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي هُوَ أَجْمَلُ مَا فِي السَّمَاءِ؟ لَكِنْ مَا أَجْمَلَ هَذَا تَعَجُّبٌ، فَكَانَتْ هَذِهِ الْفَتَاةُ إِنَّمَا تَتَعَجَّبُ مِنَ السَّمَاءِ، لَكِنَّ أَبَاهَا أَبَا الْأَسْوَدِ الدُّؤْلِيَّ بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرَتْ أَجَابَهَا بِنُجُومِهَا، لَكِنْ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ ابْنَتَهُ لَمْ تَقْصِدْ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ كِتَابَةِ هَذَا الْفَنِّ وَمِنَ التَّقْيِيدِ لَهُ، وَذَكَرَ ذَلِكَ كَمَا رُوِيَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ أَنْ يُقَسِّمَ الْكَلِمَاتِ إِلَى فِعْلٍ وَحَرْفٍ وَاسْمٍ ثُمَّ يَنْحُوَ هَذَا النَّحْوَ. فَالْمَقْصُودُ أَنَّ النَّحْوَ مِنْ دِقَّتِهِ حَرَكَةٌ وَاحِدَةٌ تُغَيِّرُ الْمَعْنَى، أَرَأَيْتُمْ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ عِنْدَمَا يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7]. هَذِهِ الْآيَةُ حَقِيقَةً الْحَدِيثُ عَنْهَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِطْرَادٍ وَنَقِفُ مَعَ هَذِهِ الْوَقْفَةِ الْيَسِيرَةِ، فَاصِلٌ ثُمَّ نَعُودُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ وَنَتَحَدَّثُ عَنْهَا.

هَلْ أَنْتَ حَرِيصٌ عَلَى تَصْحِيحِ عِبَادَاتِكَ؟ هَلْ تَرْجُو أَنْ يَتَقَبَّلَهَا اللَّهُ؟ اطْلُبِ الْعِلْمَ إِذْ لَا تَصِحُّ الْعِبَادَةُ إِلَّا بِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19]. وَشَرْطُ قَبُولِ طَلَبِ الْعِلْمِ الْإِخْلَاصُ فِيهِ بِلَا تُرِيدُ بِهِ إِلَّا وَجْهَ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 11]. وَبِالْأَخَصِّ تُرْزَقُ صِحَّةَ الْفَهْمِ وَقُوَّةَ الِاسْتِنْبَاطِ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». وَبِالْأَخْلَاقِ يَذْعَنُ الْمُتَعَلِّمُ لِلْحَقِّ وَيَقْبَلُ النَّقْدَ، قَالَ الذَّهَبِيُّ: عَلَامَةُ الْمُخْلِصِ أَنَّهُ إِذَا عُوتِبَ لَا يُبَرِّئُ نَفْسَهُ بَلْ يَعْتَرِفُ وَيَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَهْدَى إِلَيَّ عُيُوبِي.

وَيَجِبُ أَنْ تَتَوَفَّرَ الْإِخْلَاصُ فِي التَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ وَالتَّأْلِيفِ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ إِذَا حَرَّرَ كِتَابَهُ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ بِذَلِكَ نُصْرَةَ الدِّينِ لَا مَدْحَهُ بَيْنَ الْأَقْرَانِ لِحُسْنِ التَّأْلِيفِ، فَأَخْلِصِ النِّيَّةَ وَاحْذَرْ مِنْ فَسَادِهَا كَطَلَبِ الْعِلْمِ لِأَجْلِ الْمَالِ وَالثَّرْوَةِ أَوِ الْجَاهِ وَالشُّهْرَةِ أَوِ الْمِرَاءِ وَالْجَدَلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ الْعَمَلَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: 23].

نَعُودُ فِي الْحَدِيثِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْعَظِيمَةِ فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ وَكَيْفَ أَنَّ الْحَرَكَةَ إِذَا تَغَيَّرَتْ يَتَغَيَّرُ الْمَعْنَى تَمَامًا، فَعِنْدَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7] لَوْ أَنَّ شَخْصًا قَالَ: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ غَيَّرَ الْفَتْحَةَ إِلَى ضَمَّةٍ، هُنَا الْمَعْنَى كُلُّهُ تَغَيَّرَ، الْمَعْنَى تَغَيَّرَ تَمَامًا مِنْ فَتْحَةٍ إِلَى ضَمَّةٍ، وَالْمَقْصُودُ هُوَ تَغْيِيرُ الْحَرَكَاتِ، وَإِلَّا فَإِنَّ التَّاءَ هَذِهِ مَبْنِيَّةٌ (يَعْنِي لَيْسَ التَّغْيِيرُ هُنَا تَغْيِيرًا إِعْرَابِيًّا وَإِنَّمَا التَّغْيِيرُ لِلْخِطَابِ)، فَالصِّرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ أَنْتَ تُخَاطِبُ: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ أَنْتَ تَتَحَدَّثُ عَنْ نَفْسِكَ، وَإِلَّا فَإِنَّهَا تَاءُ الْفَاعِلِ فِي الْأُسْلُوبَيْنِ الصِّيغَتَيْنِ.

عِنْدَ إِعْرَابِ «أَنْعَمْتَ» نَقُولُ: تَاءُ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ فِي مَحَلِّ رَفْعِ فَاعِلٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ«أَنْعَمْتُ» مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ، الْإِعْرَابُ وَاحِدٌ لَكِنْ تَغَيَّرَتِ الْفَتْحَةُ إِلَى ضَمَّةٍ، تَغَيَّرَ الْمَعْنَى تَمَامًا، الْمَعْنَى تَغَيَّرَ تَمَامًا بَلْ رُبَّمَا لَوْ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ مُعْتَقِدًا لَخَرَجَ مِنْ دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ بِحَرَكَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ حَرَكَةِ فَتْحَةٍ إِلَى ضَمَّةٍ، لِأَنَّهُ أَسْنَدَ الْآنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ لَهُ: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتُ عَلَيْهِمْ! فَتَغَيَّرَ الْمَعْنَى تَمَامًا، وَلِهَذَا فِي غَايَةِ الْأَهَمِّيَّةِ مَعْرِفَةُ هَذَا الْفَنِّ وَهَذَا الْعِلْمِ فِي الْخِطَابِ.

وَلِلأسَفِ الشَّدِيدِ تَجِدُ بَعْضَ الْمُتَحَدِّثِينَ أَحْيَانًا يُخْطِئُونَ كَثِيرًا بَيْنَ تَاءِ الْمُتَكَلِّمِ وَتَاءِ الْمُخَاطَبِ، فَهُوَ الْآنَ يَتَحَدَّثُ عَنْ نَفْسِهِ وَيَقُولُ: أَنَا ذَهَبْتُ وَخَرَجْتُ وَأَتَيْتُ، أَنْتَ الْآنَ تُخَاطِبُ شَخْصًا آخَرَ تَقُولُ لَهُ: ذَهَبْتَ وَخَرَجْتَ وَأَتَيْتَ، أَنْتَ مَا تَتَحَدَّثُ عَنْ نَفْسِكَ، عِنْدَمَا تَتَحَدَّثُ عَنْ نَفْسِكَ تَقُولُ: أَنَا ذَهَبْتُ وَقَرَأْتُ وَفَعَلْتُ، فَهُنَا تَتَحَدَّثُ عَنْ نَفْسِكَ فَتَكُونُ التَّاءُ هُنَا مَبْنِيَّةً عَلَى الضَّمِّ، فَهِيَ حَرَكَةٌ وَاحِدَةٌ لَكِنِ الْمَعْنَى يَتَغَيَّرُ تَمَامًا.

أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤْلِيُّ لَمَّا سَمِعَ ابْنَتَهُ ذَكَرَتْ ذَلِكَ الْخِطَابَ وَهَذِهِ الْجُمْلَةَ بِتَغْيِيرٍ مِنْ ضَمَّةٍ إِلَى فَتْحَةٍ عِنْدَ الصَّوَابِ لِأَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تَتَعَجَّبَ، لَكِنْ هِيَ لَمْ تَجْعَلْ ذَلِكَ، لَمْ تَقُلْ مَا أَجْمَلُ، إِنَّمَا قَالَتْ مَا أَجْمَلَ السَّمَاءَ، فَتَغَيَّرَتْ صِيغَةُ الْعِبَارَةِ الْآنَ أَصْبَحَتِ اسْتِفْهَامِيَّةً، وَلِهَذَا الْمَعْنَى يَتَغَيَّرُ تَمَامًا بِتَبْدِيلِ حَرَكَةٍ إِلَى حَرَكَةٍ.

وَلِهَذَا كَانَتْ نَشْأَةُ أَوْ بِدَايَةُ مَنْ أَسَّسَ هَذَا الْعِلْمَ وَمَعْرِفَةُ هَذَا الْعِلْمِ، فَجَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَشَارَ إِلَيْهِ بِكِتَابَةِ هَذَا الْفَنِّ عَلَى نَحْوِ مَا أَرَادَ، وَلِهَذَا مِنْ أَسْبَابِ تَسْمِيَةِ هَذَا الْعِلْمِ النَّحْوَ أَنَّهُ قَالَ: انْحُ ذَلِكَ الشَّيْءَ، فَأَسَاسُ هَذَا الْفَنِّ هُوَ الْبِدَايَةُ مِنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤْلِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً.

قَالَ وَهُوَ رَحِمَهُ اللَّهُ الَّذِي وَضَعَ الْحَرَكَاتِ الْمَعْرُوفَةَ بِالْفَتْحَةِ وَالضَّمَّةِ وَالْكَسْرَةِ، عِنْدَمَا اختار كَاتِبًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمُصْحَفَ وَصَبْغًا يُخَالِفُ لَوْنَ الْمِدَادِ، وَقَالَ لَهُ: إِذَا رَأَيْتَنِي قَدْ فَتَحْتُ فَمِي بِالْحَرْفِ فَقَطْ نُقْطَةٌ فَوْقَهُ عَلَى أَعْلَاهُ، فَإِنْ ضَمَمْتُ فَمِي فَانْقُطْ هَكَذَا، فَبَيَّنَ لَهُ مَا هُوَ الْعَمَلُ الَّذِي يَسْلُكُهُ مَعَهُ حَتَّى يَبْدَأَ فِي التَّأْلِيفِ فِي هَذَا الْفَنِّ.

قَالَ هُنَا: ثُمَّ كَتَبَ النَّاسُ فِي هَذَا الْعِلْمِ بَعْدَ أَبِي الْأَسْوَدِ إِلَى أَنْ أَكْمَلَ أَبْوَابَهُ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَرَاهِيدِيُّ الْمُتَوَفَّى ١٧٠ لِلْهِجْرَةِ، وَالْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَرَاهِيدِيُّ هُوَ إِمَامٌ فِي هَذَا الْفَنِّ وَهُوَ شَيْخُ سِيبَوَيْهِ الْمَعْرُوفِ بِهَذَا الْفَنِّ، فَأَخَذَ عَنِ الْخَلِيلِ هَذَا الْفَنَّ تِلْمِيذُهُ سِيبَوَيْهِ أَبُو بِشْرٍ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْمُتَوَفَّى ١٨٠ لِلْهِجْرَةِ.

ثُمَّ أَكْثَرَ مِنَ التَّفَارِيعِ وَوَضَعَ الْأَدِلَّةَ وَالشَّوَاهِدَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ لِقَوَاعِدِ هَذَا الْعِلْمِ حَتَّى أَصْبَحَ كِتَابُ سِيبَوَيْهِ أَسَاسًا لِكُلِّ مَا كُتِبَ بَعْدَهُ فِي عِلْمِ النَّحْوِ، يَعْنِي أَصْبَحَ إِذَا قِيلَ «الْكِتَابُ» فَالذِّهْنُ مُبَاشَرَةً يَنْصَرِفُ إِلَى كِتَابِ سِيبَوَيْهِ فِي هَذَا الْفَنِّ، فَسِيبَوَيْهِ أَصْبَحَ هُوَ الْمُشَارَ إِلَيْهِ بِهَذَا الْعِلْمِ.

وَلَا شَكَّ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَسْئِلَةِ سَوْفَ تَأْتِينَا تَتَعَلَّقُ فِي مَادَّةِ الْإِعْرَابِ، مَادَّةِ الْإِعْرَابِ الَّتِي هِيَ بَيْتُ الْقَصِيدِ كَمَا أَشَرْتُ آنِفًا، وَلِهَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ نَأْخُذُ الْأَمْثِلَةَ الْمُتَنَوِّعَةَ الْمُتَعَدِّدَةَ الَّتِي تُبَيِّنُ لَنَا الْمَقْصُودَ فِي هَذَا الْفَنِّ وَفَائِدَةَ هَذَا الْفَنِّ، فَعِنْدَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: قَرَأْتُ الدَّرْسَ، قَرَأْتُ الدَّرْسَ، لَاحِظِ الدَّرْسَ لِأَنَّهَا مَفْعُولٌ بِهِ.

كانت منصوبة بالفتحة، لكن لو قال الدرسُ، يسيرُ الدرسُ هنا لأنها مبتدأ، فتتغير الحركة من الفتحة إلى الضمة.

فالمبدع أنظر إلى طريقة الدرس عند المدرس، طريقة الدرس الدرسُ هنا كانت عليه حركة ايش؟ الكسر، لأنه مجرور، وهكذا تجد أن الكلمة تتغير بسبب موقعها الإعرابي.

عندما يتطلب الموقع الإعرابي رفعاً تكون مرفوعة، وعندما يتطلب الموقع الإعرابي نصباً تكون منصوبة، وعندما يتطلب جراً تكون مجرورة.

وعبارة الجر هي عبارة البصريين، وعبارة الخفض هي عبارة الكوفيين، يعني تجد في بعض الكتب الخفض لأن صاحبه كوفي، وتجد بعض الكتب الجر لأن صاحبه بصري.

فإذا هذه الكلمات إنما تتغير بتغير موقعها الإعرابي، هذا هو النحو، إذا تغيرت الكلمة لا على سبيل تغيير الموقع الإعرابي فإنه ليس نحواً ولا يكون من هذا الباب مثل حيثُ وحيثُ وحيثُ، فإن تغييرها لم يكن بسبب الموقع الإعرابي، ولهذا تبقى الكلمة مبنية وإن تغيرت في أواخرها، لأن التغيير لم يكن ناتجاً عن تغيير المواقع الإعرابية.

الكلمة التي تتغير من حيث الموقع الإعرابي هذا هو النحو، هذا هو النحو الذي يغير آخر الكلمة، لا يطلق الكلام هكذا جزافاً نضع ضمة في موضع الفتحة ونضع فتحة في موضع الجر.

هنا طيب الأخ وليد من السودان حياك الله، السلام عليكم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، كيف حالك يا فضيلة الشيخ؟ الله يحييك، تفضل يا وليد أخبارك إن شاء الله طيب؟ الله يسلمك، الله يعطيكم العافية يا شيخ، عندي سؤال بس، هل يعني هذا أن أبا الأسود الدؤلي هو الذي وضع الضمة والفتحة والكسرة، أو أنها كانت موجودة في كلام العرب زمان؟

نعم واضح يا شيخ، أي نعم جزاك الله خيراً، الله يجزاكم خير بارك الله فيك، الأخ وليد يسال هذا السؤال، وأنا يعني عتابي على الأخ وليد كثيراً لأن كثير من الأخوة حقيقة مع حبي لهم واحترامي لهم من السودان هم أكثر ما يخطؤون في تاء الفاعل، ما هو السبب؟ الله أعلم، ربما وإن كان والحمد لله كثر منهم على علم ومعرفة بذلك، لكن هذا الخطأ يكثر عند من رايت وربما هم ولا شك أنهم قليل من هؤلاء من الشعب السوداني، لكنه خطا موجود، يقول: ذهبتُ وقرأتُ، وهو يتحدث عن نفسه، ولهذا نحذر من هذا الخطأ سواء الإخوان من السودان أو من سائر الدول، نحذر من هذا الخطا وننتبه عند خطابنا وعند حديثنا.

الأخ وليد يسال هذا السؤال الجميل الرائع، وحقيقة يعني هذا السؤال ما يتعلق بهذا العلم فقط، وإنما يتعلق بكافه العلوم، هو يسأل الآن إذا قلنا إن أبا الأسود الدؤلي هو الذي وضع هذه الحركات، ألم تكن موجودة قبل ذلك؟ لا شك أنها موجودة من حيث الخطاب، فإن الخطاب كان حتى قبل الإسلام عند العرب خطاباً بهذه اللغة الجميله في الشعر وفي النثر وفي الحديث، يكون خطاباً فصيحاً صحيحاً.

وانظر إلى تلك الفتاة التي ذكرت في كتب النحو، هذه القصة أنها كانت معها قربة ولم تستطع أن تغلق فم القربة، فقالت لأبيها وهي تنادي أباها: يا أبتي أدرك فاها، يا أبتي غلبني فوها، يا أبتي ما لي طاقة بفيها! قالت هذا مباشرة بدون تأمل ومعرفة الموقع الإعرابي، هذه الكلمة موقعها الرفع فترفع بالواو لأنها من الأسماء الخسة، وهنا نصب تنصب بالالف وهنا جر تجر بالياء، وإنما هكذا على طلقته هكذا كانوا العرب لا يخطئون في حديثهم لأن هذه السليقة سليمة وهذا اللسان سليم لم يحصل فيه ايش؟ اللحن.

ولهذا يتحدثون يرفعون في موضع الرفع، وينصبون في موضع النصب، ويجرون في موضع الجر، ويجزمون في موضع الجزم، ويكون خطابهم وحديثهم خطاباً واضحاً فصيحاً رائعاً.

وما أجمل حقيقة أن نتعود في خطابنا في إلقائنا للدرس في حديثنا مع بعض بلا تكلف، لأن التكلف أحياناً هو الذي يذهب روح هذه اللغة، وإنما لا نخطف العبارات، لا نخطف الحديث، الكلمة المرفوعة ترفع والكلمة المنصوبه تنصب والكلمة المجروره تجر، نتعود هذا حتى عند أبنائنا وعند طلابنا، حتى يتحدثوا بهذا الخطاب الجميل الفصيح الذي يتذوق فيه الإنسان جمال اللغة.

إذاً كانت موجودة قبل أبي الأسود الدؤلي ولا شك، لكنها لم تكن مكتوبة، لم تكن مدونة، إنما موجودة في الخطاب، موجودة في الحديث، موجودة في شعرهم، في خطابهم، لكن لم تكن موجودة في كتاب مكتوبة، لم تكن مدونة.

وقل مثل ذلك في كافة العلوم، يعني علم أصول الفقه، علم أصول الحديث، مصطلح الحديث، كافة العلوم التي هي من علوم الآلة لم تكن مدونة، لم تكن موجودة، وإنما بعد ذلك رأى أهل العلم جزاه الله عنا الخير العظيم، والله لا نستطيع أن نرد معشار معشار ما قدموا لنا من تيسير لهذا العلم في كافة هذه العلوم، جمعوا هذه القواعد ونظموها ودونوها ورتبوها، فأصبح العلم سهلاً، أصبح فهم هذه المسائل ميسراً على من يريد أن يفهمها، وعلى من يريد أن يسلك مسلك طلب العلم والبحث عن العلم في كافة العلوم.

دونو لنا تلك القواعد التي تسهل لنا علم النحو، قسموا لنا في الابتداية الإعراب والبناء ثم الجملة الاسمية والجملة الفعلية، والجملة الاسمية من مبتدأ وخبر، المبتدأ ما الذي يتعلق فيه؟ الخبر ما الذي يتعلق فيه أيضاً من مباحث الجملة الفعلية من فعل وفاعل، ما الذي يتعلق بالفعل؟ ما الذي يتعلق بالفاعل؟ ما ينوب عن الفاعل؟ المرفقات المنصوبات المجرورات.

كل هذه حقيقة دونت بتدوين رائع جميل سهل لنا هذا العلم، وهكذا أي نعم.

وقبل أن ننتقل إلى أيضاً ما يتعلق بقية العلوم، ناخذ فاصلاً يسيراً ثم نعود إليكم.

كلمة ترفعك إلى رضوان الله، وكلمة تنزل بك إلى سخطه، هكذا هي خطورة اللسان، قال عليه الصلاة والسلام: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم».

والصوم هو المدرسة الربانية لتهذيب اللسان، وتحفظ الإنسان من مساوئ الأخلاق، فلا يكتمل الصيام إلا بحفظ اللسان عن الآثام، فلا غيبة ولا نميمة ولا كذب ولا فحش بل ولا رد الشتم، قال عليه الصلاة والسلام: «الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم».

فإن آثام اللسان قد تمحو ثواب الصيام، ففي الحديث: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».

فالعاقل يضع على لسانه ميزاناً يضبط كلامه، فإن كان خيراً نطق به وإلا سكت، قال عليه الصلاة والسلام: «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت».

نعود إليكم أيها الأحبة، وكان حديثنا عن هل أبو الأسود الدؤلي ابتدع قضية الفتح والضمة والكسرة؟ وذكرنا لكم أنها كانت موجودة في الخطاب لكنها غير موجودة في الكتاب، وأشرنا إليكم أن هذا لم يكن مقتصراً على علم النحو، وإنما كافة العلوم، أهل العلم سهلوا لنا الوصول إلى هذه العلوم بسبب ما وضعوا من تقسيم وإبداع وأنواع وأيضاً جمع وحصر المتشابهات مع بعض، والمتفرقات يفرقون بينها، وهذه موجودة إشارة لها في بعض النصوص عندما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» يجعل هناك سبعة أصناف من الناس، فتجد أن هذا التقسيم يسهل لك المعلومة، يسهل لك الوصول إلى العلم النافع.

بل الله عز وجل في القدر جعل من مراتب القدر مرتبة الكتابة، والله عز وجل قادر بعلمه بلا كتابة شيء أن يكون ذلك محفوظاً ومحدداً ويحاسب عباده عليه، لكن الله عز وجل جعل بعد هذا العلم أيضاً يكتب كتابة أزلية في الأزل، وكتابة عمرية في العمر، وكتابة حولية سنوية، وذكر أيضاً بعض العلم كتابة يومية: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29].

هذه الكتابات إنما تبين لنا التنظيم والترتيب، وإلا فإن الله عز وجل كما أشرت قادراً على أن يكون كل ذلك محفوظاً بعلمه عز وجل، لكنه درس لنا أن هذا التنظيم وهذا الترتيب وهذا السبر وهذا التقسيم يسهل لك الفهم، يسهل لك الوصول إلى ما تريد من العلم.

هكذا قام أهل العلم جزاه الله عنا خير الجزاء بتسهيل لنا هذه العلوم بتعددها وتنوعها، بتدوينها، بكتابتها، بتقييدها، ثم بعد ذلك اخذ كل جيل من الأجيال هذه المادة وفهمها وأوصلها إلى غيره.

إذاً خلاصة درس اليوم أيها الإخوة والأخوات أننا تحدثنا ابتداء عن هذه المادة من حيث اللغة، ثم بينا لكم من حيث الاصطلاح أن تتعلق في آخر الكلمة، أن النحو لا علاقة له إلا في آخر الكلمة، لا علاقة له في أولها ولا في وسطها، هذا علم آخر، إنما علم النحو علاقته في آخر الكلمة، فتنطق الكلمة نطقا صحيحاً سليماً من حيث الإعراب، ما تخطئ، ما ترفع كلمة تستحق النصب، ما تنصب كلمة تستحق الفتح، أيضاً كذلك ما تجر كلمة تستحق أيضاً كذلك الرفع، وكذلك ما ترفع كلمة تستحق الجر.

وإنما تعرف هذه الحركات وأن الضمة للرفع، والفتحة للنصب، والكسرة للجر، والسكون للجزم، وسياتي الحديث عن عن ذلك.

من الأخطاء التي يعني هي ما تليق وهذه إن شاء الله نتحدث عنها في المستقبل، يعني لو جاء شخص مثلاً قال: فعل مضارع مجرور، نقول: لا لا لا لا لا، هذا خطا شنيع للغاية، الجر هذا ما له علاقه بالأفعال، الجر علاقته بالاسماء، يعني ما تقول شيء تحكم عليه بأنه مجرور إلا إذا كان اسماً، تقول: هذا اسم مجرور، أما فعل مجرور أبداً، إن هذا غير صحيح إطلاقاً.

كذلك العكس، ما تقول اسم مجزوم، الجزم هذا من خواص ايش؟ الأفعال، فالمقصود يا أيها الإخوة والأخوات أننا نتعلم هذه البدايات حتى ننطلق منها إن شاء الله انطلاقة صحيحة سليمة، يصبح هذا العلم عندنا علما سهلاً بإذن الله ميسراً، وأنا إن شاء الله أعدكم بإذن الله أننا مع استمرارنا ومتابعتنا وحضورنا وحرصنا سوف بإذن الله في النهاية نجد أن هذا العلم يسير للغاية، ونعرف نتعرف بإذن الله على قواعده وطريقة الإعراب، حتى الإعراب يصبح سهل، عندما أقول مثلاً: قام محمد، خلص، الإنسان عنده المعلومة الكافية، قام: فعل ماضي مبني على الفتح، محمد: فاعل مرفوع علامة رفع الضمة الظاهرة على آخره، يصبح الأمر بإذن الله إن شاء الله سهلاً ميسراً.

ثم تحدثنا عن بداية هذا العلم ومعرفة هذا العلم وأن أبا الأسود الدؤلي سمع من ابنته تلك الجمله التي هي خطأ ثم مباشرة ذكر ذلك لعلي وأمره أن يؤلف هذا المؤلف، ثم بعد ذلك اخذ هذا العلم أبو الخليل الخليل بن أحمد الفراهيدي، اخذه عن أبي الأسود الدؤلي وكان إماماً فذاً في هذا العلم، ثم اخذه عنه الإمام المشهور في هذا الفن في هذا الفن وهو سيبويه عندما ألف كتابه الرائع الكتاب في هذا الفن، وأصبح إذا قيل الكتاب مباشرة ينصرف الذهن إلى سيبويه، فجزاهم الله عنا خير أولئك العلماء الكبار الذين سهلوا لنا هذا العلم وأصبح في متناول اليد.

ألف حقيقة فيه كتب كثيرة متنوعة متعددة بعضها نظم وبعضها نثر، من أشهر النظم فيه ألفية بن مالك، ألفية بن مالك هي البيت خاصة في هذا الفن في أواخرها تحدث عن الصرف رحمه الله تعالى، لكن يعني أكثر هذه البيوت التي دونها إنما هي عن هذا العلم علم النحو، طبعا اختصر هو الألفية، كانت الكافية 3000 بيت، ولهذا أشار في آخرها قال: وأحصى من الكفية الخلاصة كما اقتضى غناً بلا خصاصة، يعني أن هذه الألفية أحصت الخلاصة من ايش؟ الكافية.

أيضاً من الكتب التي سبحان الله متداولة ومشهورة كتاب الآجرومية لابن آجروم رحمه الله، وهذه الأسماء طبعا الأعجمية قال أهل العلم: انطقها ولا باس في في في في في في نطقها لأنها من الأسماء التي التي يختلف النطق فيها، فالمقصود أن هذا العالم نحسبه والله حسيبه أنه صادق، ألف هذا المتن المبارك الذي قل أن تجد عالماً درس النحو إلا وابتدا بهذا الكتاب الآجرومية، كتاب جميل رائع للغاية، هو نثر وليس نظماً، دونه المؤلف رحمه الله تعالى، مفهوم الكلام عند النحاة، ثم تحدث عن علامات الرفع وعلامات النصب وعلامات ايش الجر، ثم تحدث عن الأفعال، ثم أدوات النصب، ثم أدوات الجزم، ثم المرفوعات، ثم المنصوبات، ثم المجرورات، ثم ختم كتابه فكان كتاباً مباركاً للغاية، وكما أشرت قل تجد عالماً إلا وابتدا هذا العلم بهذا الكتاب المبارك، وإن شاء الله أنتم في المستقبل أيضاً أوصيكم أن تقفوا مع هذا الكتاب وأن تطلعوا عليه وتطلعوا على بعض شروحاته لجمع من أهل العلم.

أسأل الله عز وجل باسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يسهل لنا علم النحو وأن ييسر لنا هذا الفن لكي نصل إلى تدبر القرآن والعيش مع القرآن وتذوق هذه اللغة الجميلة الرائعة بهذه الفصاحه، وإن شاء الله يتيسر ذلك لنا جميعاً.

جزاكم الله خيراً، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان وتريده سهلاً نوال ميسراً ياتيك ميسوراً بأي مكان.

زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن.

وتعلم اللغة الفصيحه ورعها بطريف أسلوب وحسن بيان.

بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.