دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 17 - قواعد تحريم المعاملات (الغش)

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبا في كل علم نافع ينمو العلم ويتقدم، بتقنياته ومجالاته ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، الفقه الميسر، عاملا بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا زادنا كاذبين بالعلم كالأزهار في البستان.

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسا علينا فنضل.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس السابع عشر من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس وفي هذه الأكاديمية، وأن يجعلنا وإياكم جميعا ممن يتعاون على تعلم وتعليم العلم النافع.

إخواني وأخواتي، كنا قد بدأنا في حلقاتنا الماضية حديثا عن الأصول التي ترجع إليها محرمات المعاملات، وهذه الأصول تعرفنا عليها، ودراستنا لها مبني على أصل مهم وقاعدة مهمة، وهي أن الأصل في معاملات الناس الحل والإباحة حتى يرد عليها ما يحرمها. ثم تحدثنا أن أخطر أصول التحريم وأشده وأعظمه، ألا وهو قاعدة الربا، ذكرنا الربا وتحريمه وأنواعه وأشكاله وتطبيقاته المعاصرة.

نريد الآن أن نرجع إلى بيان أصل آخر من أصول تحريم المعاملات. وقبل أن نبين هذا الأصل الثاني نذكر، فنقول إن من المهم معرفة أصول تحريم المعاملات؛ لأن الإنسان إذا عرف هذه الأصول المحرمة للمعاملات، ينظر في أي معاملة إن تحققت فيها فإنها تكون محرمة، وإن خلت هذه المعاملة -الحديثة أو المعاصرة أو القديمة أيا كانت- من جوانب التحريم، فمعنى ذلك أنها معاملة على أصل الحل والإباحة قائمة على أصل الحل والإباحة.

الأصل الثاني من أصول تحريم المعاملات هو الغش، والغش معروف معناه وهو نقيض النصح، وصوره كثيرة ومتعددة. فمن صور الغش في المعاملات التطفيف في الكيل والميزان، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: 1-5].

إن التطفيف في الكيل والميزان خطيئة قديمة كانت في قوم مدين، أرسل الله سبحانه وتعالى إليهم النبي الكريم شعيبا عليه السلام، فأمر قومه وحذرهم، أمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وأمرهم بإيفاء الكيل: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، وفي الآية الأخرى قال: ﴿وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ۖ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.

إخواني الكرام، إن الغش له صور سواء كان في البيع أو الشراء، أو كان في الإجارة، أو كان في الوكالة، أو كان في المشاركة أو كان في المضاربة، صوره كثيرة التي تقع بين المتعاقدين والمتعاملين. ولا شك أن هذا الغش إذا وقع من أحد العاقدين فإنه يكون ممحقة لبركة ما له، وقد توعد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الغاش بقوله صلى الله عليه وسلم: «من غش فليس مني».

من مظاهر الغش التي تحصل بعقود المعاملات البيع والشراء كتمان عيب السلعة، هذا أحد أوجه الغش. وسوف نذكر الآن تطبيقات الغش، سواء القديمة أو المعاصرة، في عدد من أنواع العقود، وكيف يتحقق هذا الغش وكيف يكون محرما في هذه المعاملات، سواء كانت المعاملات بيع أو إجارة أو وكالة أو مشاركة أو أيا كانت العقود التي بين الناس كثيرة جدا، أو رهنا أو غير ذلك.

فمن أمثلته وقوع الغش في البيع والشراء كتمان عيب السلعة؛ نفترض أن هذا البائع يعرف عيبا في سلعته وهو يريد أن يبيعها، ولا يريد أن يظهر هذا العيب ليتحصل على ثمن أكبر وأعلى، هو لو أظهر هذا العيب ربما انخفض ثمنها. نفترض أن الإنسان عنده سيارة ولكن ماكينة السيارة مثلا أو هيكل السيارة أو الجربوكس، وأيا كان، نفترض أن فيه صدمة، فيه عيب، فيه مشكلة، لما عرض السيارة هذا على المشتري لم يبين هذا العيب، ومقصوده هو أن يتحصل على ثمن أعلى، لو بين عليه بالسلعة هذه ربما أن تباع بأقل، نفترض أنها بدون هذا العيب ستباع بعشرة آلاف، ولو بين هذا العيب ربما بيعت بتسعة آلاف.

وفوق الأمر بكتمانه لهذا العيب يظن أنه قد حقق ألفا إضافيا، ولكن في واقع الأمر ما هي إلا محرقة لماله ومتلفة لماله ومذهبة لبركة ماله، نسأل الله سبحانه وتعالى العافية والسلامة. «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما». وهذا حديث نبوي شريف ينبغي لنا أن نضعه نصب أعيننا دائما في البيع والشراء.

من الغش كذلك في تسعير السلعة النجش، وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، هذا نوع من أنواع الغش. لماذا؟ غرضه في هذه المزايدة أن يرفع سعر السلعة، غرضه نفع بائعها أو غرضه الإضرار بالمشتري، فهذا الرفع بسعر السلعة ممن لا يريد شرائها نوع من التأثير على الأسعار الحقيقية والأسعار الطبيعية في الأسواق، كأنه نوع من التأثير الخارجي غير الحقيقي الوهمي بغرض نفع أحد العاقدين أو الإضرار بالعاقد الآخر، وهذا كذلك من المحرمات وهو مندرج ضمن قاعدة الغش، وهذا من المحرمات المنتشرة حقيقة في المزايدات.

فنفترض أن هناك مزادا على هذه السيارة وصل هذا المزاد إلى عشرة آلاف، ولكن أحد الحاضرين في هذا المزاد صديق للبائع فقال: أنا مستعد لشرائها عشرة آلاف وخمسمائة، فالمشتري سوف يضطر لرفع السعر إلى عشرة آلاف وخمسمائة، لماذا؟ لأن السعر قد وصل إلى عشرة آلاف، فهذا النجش رفع السعر إلى عشرة آلاف مثلا وخمسمائة أو أربعمائة أو ثلاثمائة، المشتري سيضطر إلى أنه يرفع السعر إلى عشرة آلاف وستمائة أو سبعمائة أو ثمانمائة حتى يحصل على السلعة، كان سيحصل عليها بدون هذا النجش بعشرة آلاف، ولكن بسبب هذا النجش لم يستطع الحصول عليها إلا بكلفة أعلى، عشرة آلاف وستمائة أو عشرة آلاف وسبعمائة، فهذا نوع من أنواع الغش في المزادات.

ومثل ذلك في المناقصات؛ المناقصة نفترض أن المشتري عرض طلبا لشراء سلع بالمناقصة، فاستعد عدد من البائعين أن يوردوها له، هذا بتسع مائة وهذا بثمان مائة وهذا بسبعمائة، فسبعمائة سيأخذها، فجاء نجش وقال يزودك بها بست مائة وخمسين، سيضطر الأخير الذي كان سيأخذها سيورد السلعة أو سيأخذ هذا العقد بتوريد السلعة بسبعمائة، سيضطر إلى أن يقول بست مائة.

مع أن هذا الناجش لا يريد في واقع الأمر أن يورد السلعة، هذا نوع من النجش في المعاملات، ونوع من التأثير الوهمي وغير الحقيقي على الأسعار الذي حرمته الشريعة.

في البستان ما أوثق العلاقة بين العلم والعمل؛ العلم شجرة والعمل ثمرة، والعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل. قال النبي ﷺ: «القرآن حجة لك أو عليك»، أي تنتفع به إن تلوته وعملت به، وإلا فهو حجة عليك. وإنما يراد العلم لأجل العمل؛ قال أبو الدرداء: «لا تكونوا بالعلم عالما حتى تكونوا به عاملا».

وقد ذم الله تعالى من لا يعملون بالعلم فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]. وقال ﷺ: «مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه».

والعلم النافع يورث خشية الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. قال ابن مسعود: «ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية»، والخشية تنير العقل، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]، أي اتقوا الله، والله وسيلة إلى حصول العلم.

فمن صدق العلم بالعمل كان قدوة للمتعلمين، ومن خالف فعله قوله كان من الممقوتين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن الغش وصوره وتطبيقاته. كل سورة يكون فيها نوع من الكتمان لعيب من العيوب، أو الكتمان لأمر من الأمور، أو تغيير الحقيقة، أو الإيهام بتغيير الحقيقة بشكل من الأشكال ضد النصح، الغش هو ضد النصح، هذا نوع من أنواع الغش.

حقيقة في واقع الأمر تطبيقاته وصوره كثيرة، ولكن يمكن أن نقول يجمعها حديث ورد عن النبي ﷺ وهو أنه قال: «الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس». فكون «حاك في النفس» لا شك أن هذا دليل أن ثمة إشكالاً استدعى هذا الكتمان، وهذا لا شك أنه نوع من أنواع الغش الذي يكون له تأثير في شرعية المعاملة.

نضرب بعض الأمثلة الأخرى غير مسألة النجش وغير مسألة كتمان السلعة؛ إنسان مثلاً يقول البائع عند بيعه لهذه السلعة إنه حصل لي فيها الثمن الفلاني ولم يحصل له هذا الثمن الفلاني، ولكنه يريد أن يضطر المشتري لأن يرفع فوق هذا الثمن. فإذا جاء الشخص يريد أن يشتري مثلاً أرضاً، فيقول مالك الأرض: «إن هذه الأرض قد حصل لي فيها سوم بمائة ألف»، وكأنه يقول لهذا المشتري: ارفع السعر فوق مائة ألف، والناس ترغب في هذه الأرض إلى مائة ألف. فنقول: إن كان قد حصل بالفعل سوم بهذا المقدار فلا بأس، لكن إن لم يحصل سوم بهذا المقدار فلا يجوز للبائع أن يوهم المشتري بهذه الكلمة بأن ثمة راغباً من الناس أو أن الناس يرغبونها بهذا السعر، وهذه الكلمة في واقع الأمر هي نوع من النجش.

ومن الإشكالات التي يفعلها أحياناً بعض المشترين أنه يقول للبائع: «إنني قد عرضت علي هذه السلعة أو مثلها بخمسين»، وفي واقع الأمر لم تعرض عليه، هذا نوع من النجش للتأثير على البائع ليخفض سعر السلعة أقل من هذا المقدر. إن كان بالفعل قد عرض عليه بهذا السعر فالحمد لله ما في إشكال، لكن إن كان لم يعرض عليه فهذا نوع من النجش، أن يقول: وجدت مثلها، أو عرض علي مثلها، أو عرضت علي هذه السلعة بخمسين وأبيت، بمعنى ذلك أنه يقول: خفض لي إياها إلى أربعين أو إلى خمسة وأربعين، وهذا كذلك فيه إشكال نجش وهذا نوع من أنواع الغش إن كان بالفعل لم يحصل، وأما إن كان قد حصل وهو يحكي واقعاً حصل، فالضرورة أن هذا لا إشكال فيه.

هذه أمثلة للغش في عقود البيع والشراء، ومن الغش في عقود الإجارة مثلاً والمقاولة؛ من الغش في عقود المقاولات أن ينفذ المقاول تنفيذاً رديئاً، وهذا للأسف، لذلك نجد حقيقة أحياناً بعض الطرقات أو بعض المباني ربما انهارت، وبعض الطرقات ربما لم يوجد فيها تصريف للمياه، أو ربما بعض الكباري صار فيها تصدعات وانشقاقات، بسبب ماذا؟ بسبب الغش من المقاول الذي نفذ هذا المشروع، هذا لا شك أنه نوع من أنواع الغش المحرم شرعاً.

ومن أنواع الغش في الإيجارات أن الإنسان لا يؤدي العمل المطلوب منه على الوجه المطلوب والمتعاقد عليه، فهذا لا شك أنه نوع من أنواع الغش المحرم. ومن أنواع الغش في المشاركات؛ نفترض أن إنساناً دفع ألف دولار مساهمة أو مشاركة مع شخص آخر أو مع مؤسسة أو شركة، هذا الشخص الآخر الذي أخذ هذه الأموال ربما غش في هذه الشركة، فلم يعطِ صاحبه الذي شارك معه الأرباح كاملة أو نقص منها، أو ربما أدخل عليه في الشركة مصروفات أخرى زعم أنها من الشركة وهي ليست من الشركة أو لا تحتاجها الشركة فيما بينهم، أو ربما صرف منها بعض المصروفات لصالحه الشخصي.

نفترض مثلاً أن هذه الشركة كانت تقتضي سفراً لبلد من البلدان مدة هذا السفر يوماً أو يومين لأجل عقد اجتماعات فيه، أو شراء سلع أو أياً كان، فهذا الشخص زاد على اليوم أو اليومين المطلوبة للشركة، زاد عليها يومين أو ثلاثة أيام لأجل السياحة، هذا غرض شخصي، فالتكاليف الشخصية الداخلة في هذا لا يجوز له أن يحملها على شريكه لأن هذه السياحة له شخصية؛ يأخذ اليوم أو اليومين هذه من حساب الشركة، ثم اليوم أو اليومين التي يريدها للسياحة يأخذها من حسابه الشخصي، وأما تحميلها على الشركة كاملة فهذا نوع من أنواع الغش.

ومن أنواع الغش كذلك في الوكالات أو التصرف لصالح الغير، وهذه يقع فيها للأسف بعض مندوبي المشتريات وبعض مندوبي المبيعات، ألا يتصرف لمصلحة موكله، بل يغش موكله ولا ينصح له. كيف يكون هذا الموظف في شركة ما مثلاً؟ نفترض أنه مندوب للمبيعات، إذا ذهب يبيع سلع الشركة، نفترض أن هذه الشركة تصنع أقلاماً، فذهب إلى مكتبة من المكتبات وقال: تشترون منا أقلام الشركة؟ فقالوا: نعم، كم سعر هذه الأقلام؟ فقال، نفترض أنه سوف نبيعكم مثلاً الكرتون الذي فيه مائة قلم، كل قلم منها بريال مثلاً، نبيعكم إياه بتسعين ريالاً فرضا، فهذا هو السعر الحقيقي للشركة، ولكن نجد أحياناً حالات من الغش، كيف يأتي مندوب المبيعات للشخص المشتري ويقول له: اشتر هذه السلعة.

يكتب في الفاتورة السعر أغلى، وسوف نعطيك حصة من هذا الثمن يدفعها المشتري. نفترض أنه مئة ريال، ولكن في المقابل يأخذ مندوب المبيعات عمولة إضافية، أو هدية إضافية، أو مالاً إضافياً يأخذه ممن يأخذه من الشخص الذي اشترى السلعة؛ لماذا؟ مقابل أنه حصل على تخفيض معين، أو مقابل أي شيء من الأمور. هذا لا شك أنه من المحرمات، من غش مندوب المبيعات.

نفس الشيء أحياناً مندوب المشتريات؛ السلعة هذه نفترض أن هذه الشركة تريد مشتريات، نفترض أنه بلاستيك خام أو مواد خام أو حديد أو أياً كان، فيذهب مندوب المشتريات إلى البائع الذي سيبيع هذه السلعة الخام لشركته. فمندوب المشتريات مأمور أن يحصل أفضل الأسعار لشركته، هذا هو الواجب عليه شرعاً؛ لأنه متصرف لصالحهم ولأنه موظف عندهم.

نفترض أن هذا المندوب ذهب إلى البائعين الخارجيين وقال لهم: «إننا نرغب أن نشتري مثلاً طناً من الحديد»، فقالوا: «طن الحديد قيمته ألف دولار أو ألفين دولار أو عشرة آلاف دولار»، قال لهم: «اكتبوا في الفاتورة مثلاً أحد عشر ألف دولار، زيدوا ألفاً وهذه الألف دولار اجعلوها لي أو اقتسمها بيني وبينكم». الآن هذا المندوب، مندوب المشتريات، سيلزم شركته بأن تدفع، بدل مثلاً عشرة آلاف دولار، سوف يلزمهم بأن يدفعوا أحد عشر ألف دولار. هم واثقون فيه وأتى لهم بفاتورة قيمتها أحد عشر ألف دولار، فالشركة تظن أن هذه القيمة هي قيمة طن الحديد وأن هذه هي القيمة الحقيقية والكلفة الحقيقية عليهم، فدفعوا أحد عشر ألف دولار.

في واقع الأمر لما دفعوها للطرف البائع لأجل توريد الحديد المطلوب، نجد أن هذا الطرف البائع سوف يأخذ قدراً من هذه المبالغ ويجعلها لمندوب المشتريات الخاص بهذه الشركة؛ لماذا؟ لأنه غش شريكته وجعلها تشتري هذه السلعة بأكثر من سعر السوق، بأكثر مسألة سوء، هذا نوع من الغش المحرم شرعاً.

فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد هذا الفاصل. «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». والناس معادن؛ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. من هنا حق للمرأة أن تسعى للتفقه في الدين، تتعلم الضروري من أحكامه فتصحح عبادتها وتقوم بمسؤوليتها تجاه زوجها وأولادها وأهل بيتها ومجتمعها.

وينبغي للمرأة أن تبدأ بفروض الأعيان؛ فتتعلم الطهارة والصلاة والصيام، وما يخصها من أحكام كالحيض والحمل والرضاعة وغير ذلك. فإذا أرادت معاملة وجب عليها تعلم أحكامها، كأن تريد الحج فتتعلم أحكامه، ويتوفر لها مال فتتعلم كيف تخرج زكاته. وتاريخ الأمة زاخر بالعالمات الفقيهات، ويأتي على رأسهن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها. قال عروة بن الزبير: «ما رأيت أحداً أعلم بشعر ولا فريضة ولا أعلم بفقه من عائشة».

ومنهن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية؛ قال القاسم بن محمد للزهري: «عليك بعمرة بنت عبد الرحمن، فإنها كانت في حجر عائشة»، قال: «فأتيتها فوجدتها بحراً لا ينزف». ومنهن فاطمة بنت علاء الدين السمرقندي، كانت فقيهة عالمة، وقد بلغ من فقهها أن والدها كانت لا تأتيه الفتوى إلا وعرضها عليها وسمع رأيها بها، فكانت الفتوى تخرج وبها توقيعان: توقيعه وتوقيع ابنته. حفظت فاطمة كتاب أبيها المسمى «تحفة الطالب» والذي شرحه الكاساني في «بدائع الصنائع»، ففرح به علاء الدين وزوجه ابنته فاطمة؛ فقال الفقهاء: «جرح تحفته وزوجه ابنته». وبعد زواجها من الكاساني استمرت الفتوى تخرج من بيت أبيها السمرقندي بتوقيعه وتوقيع ابنته فاطمة، وانضم إلى توقيعهما توقيع ثالث جديد، هو توقيع زوجها الكاساني.

بشرى لنا زادنا كاذبية بالعلم كالأزهار في البستان. نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم. إن هذا الأصل العظيم المهم من أصول المعاملات، ألا وهو تحريم الغش في المعاملات، كنا قد توقفنا عند بعض صور الغش وذكرنا صورة الغش الواقع عند مناديب المشتريات أو مناديب المبيعات.

فمندوب المشتريات المفترض أن يكون حريصاً على تخفيض السعر إلى أقل درجة ممكنة لصالح شركته ومن وكله حتى لا يعد غاشاً لهم. في المقابل مندوب المبيعات ينبغي أن يعظم سعر المبيعات لصالح شركته. ونفترض أن مندوب المبيعات ذهب إلى قوم يريدون أن يشتروا هذه السلعة، فالسعر الطبيعي لها مثلاً مئة ريال أو تسعون ريالاً، قال: «أنا مستعد أني أخرج لكم فاتورة من الشركة ونبيعها لكم باسم الشركة بثمانين ريالاً، ولكن العشرة ريال الإضافية أو العشرين ريال الإضافية التي كنتم ستدفعونها للشركة اجعلوا نصفها لي ونصفها لكم توفيراً لكم». هذا محرم عليه، يأكل في واقع الأمر أكلاً سحتاً ويأكل حراماً؛ لأنه هو الآن وكيل عن الشركة في البيع، فإذا كان وكيلاً للشركة في البيع ينبغي أن يعظم الأسعار لشركته، ووكيل الشركة في الشراء ينبغي أن يخفض الأسعار لشركته، وإلا غش شركته، لا في البيع ولا في الشراء.

وقل مثل هذا الأمر في الوكالات التي تحصل بين الناس؛ نفترض أنني وكلت إنساناً ليبيع سيارتي، عليه أن يبحث عن أفضل سعر لسيارتي، ومن مقتضى ذلك أن يمنع الغش. إن بعض الوكلاء هداهم الله لا يبحث عن أفضل سعر لصالح موكله، وإنما يبحث عن مصلحته هو ويغش موكله، هذا لا شك أنه نوع من أنواع الغش.

ما هو الحل في هذا الموضوع؟ الحل في هذا الموضوع أن يبين، فيقول: «يا موكلي، ترى أنا بعت السيارة وهذا الشخص المشتري أعطاني هدية، في واقع الأمر أنا ما استحققتها إلا لأني وكيل عنك في بيع السيارة، فهل تأذن لي بأخذها؟ أم أعطيك هذه الهدية، أم أعطيك هذه المكافأة، أم أعطيك هذا التخفيض؟». وهذه قضية حقيقية أيها الإخوة، للأسف أن هذا المظهر من مظاهر الغش انتشر انتشاراً كبيراً عند كثير من الوكلاء في البيع والوكلاء في الشراء، أو مناديب البيع أو مناديب الشراء أو غير ذلك.

ومن مظاهر الغش كذلك التي تنتشر، أن الإنسان يظهر أنه ناصح وأنه مؤتمن على نصيحته، وهو في واقع الأمر له مصلحة خفية لا يعلمها هذا الشخص الذي استنصحه. مثلاً نفترض أن شخصاً ما اتصل عليك وقال: «يا فلان، هل تعرف لي مثلاً محامياً جيداً؟ هل تعرف لي مثلاً عيادة طيبة؟ هل تعرف لي مقاولاً جيداً؟»، فقال: «أنا حقيقة أدلك على هذا المحامي أو هذا المقاول أو هذه العيادة، اذهب إليها». فذهب إليها وتعاقد معهم، هذا الشخص الناصح أو الدال على هذه العيادة أو على هذا المحامي أو على هذا المقاول قد اتفق مسبقاً أو لاحقاً مع هذا الطبيب أو المقاول أو المحامي، قد اتفق على أن أي شخص يأتي من طرفه فإنه سوف يأخذ عليه عمولة قدرها خمسمئة ريال أو خمسمئة دولار أو ألف ريال أو أياً كان.

هذه العمولة في واقع الأمر لا تحل له؛ لماذا؟ لأن الشخص الذي اتصل به اتصل مستشيرًا مستنصحًا، لم يتصل بك لكونك سمسارًا لذلك المحامي أو المقاول أو العيادة، وإنما اتصل بك يظن أنك ناصح له، ولم يظن بك أنك صاحب مصلحة مع تلك العيادة.

فنحن نقول لهذا الشخص الذي كان يظن نفسه سمسارًا أو جعل نفسه وكيلاً: أفصح للشخص الذي اتصل بك وقل له: "أنا حقيقة أدلك على هذه العيادة أو على هذا المقاول أو عن هذا المحامي، وترى أنا لي مصلحة معه، وأعتبر شريكًا معه أو سمسارًا له ولي عمولة".

لماذا تقول هذا الكلام؟ حتى يعرف هذا الشخص الذي اتصل بك واستنصحك أنك صاحب مصلحة فيستشير غيرك، كذلك يعرف أنك لست في طرفه ولست معه، وإنما أنت تمثل طرف البائع؛ المقاول، المحامي، الطبيب، أنت مسوق له. أما كونك واقفًا معه في طرفه وتقدم له النصح وفي واقع الأمر لك مصلحة خفية مع هذا المحامي أو الطبيب أو العيادة أو المقاول أو غيره، هذا لا يجوز شرعًا وهو نوع من أنواع الغش.

لو قال لنا قائل: كيف المخرج من هذه المسألة؟ نقول المخرج أنك تبين له، تقول: "ترى أنا سمسار مع الطرف الآخر، فانت أسألني واسأل غيري كما سألتني، وقارن بين أسعارنا، وسوف تجد أن هذا السعر الذي قدمناه لك سوف تجده سعرًا ممتازًا وجيدًا". هذا لا مانع منه شرعًا في هذه الحالة.

نفس الأمر لو أن إنسانًا اتصل بشخص آخر وقال له مثلا: عندي تبرع أريد أن أتبرع به لجمعية خيرية أو لعمل خيري، فقال له: "إذن أنا أدلك على الجمعية الفلانية أو على العمل الخيري الفلاني". نقول في هذه الحالة: ما دمت أنت دالًا له وناصحًا له، وهو لا يظن بك إلا أنك ناصح له من جهته ومن طرفه، فإنه يحرم عليك حينئذ أن تأخذ أي رسوم أو عمولات أو غيرها من هذه الجمعية أو غيره، هذا نوع من أنواع الغش.

لهذا الذي استنصحك وسألك لابد أن تبين له؛ إما أن تكون معه ولست صاحب مصلحة، وإما أن تقول له: "ترى أنا صاحب مصلحة مع هذا الشخص الذي أدلك عليه، واعتبرني من طرفه، وقارن بين السعر الذي أقول لك وبين السعر غيري، وقارن بين هذه الجمعية وغيرها من الجمعيات، وقارن بين هذا العمل وغيره من الأعمال".

هذه قضية مهمة، لذلك اصطلحت النظم المعاصرة اليوم على تسمية مثل هذا الإشكال بتضارب المصالح. وتضارب المصالح داخل في الغش من صور الغش، كذلك بالشركات؛ أن يقوم أحد أعضاء مجلس إدارة الشركة أو مديري الشركة بالتعاقد مع جهة له فيها مصلحة دون الإفصاح لشركائه ولمن معه من الملاك الذين يملكون هذه الشركة، دون الإفصاح لهم بأنه صاحب مصلحة مع الجهة الأخرى، هذا كذلك من الأمور المحرمة التي تدخل في الغش.

كيف المخرج من هذه الحالة؟ نقول المخرج منها أن يفصح لهم، فيقول لهم: "أنا صاحب مصلحة في الجهة التي تتعاقدون معها، فلذلك لا تأخذوا قراري ولا رأيي، لأنني صاحب مصلحة مع الجهة الأخرى، وقيموا هذه الجهة وانظروا إليها كغيرها من الجهات دون أن أتدخل أنا في هذا القرار". فإن كان سعر هذه الجهة أفضل من غيره فاتخذوا القرار بالدخول معها، وإن كان سعر جهة أخرى أفضل فاتخذوا القرار بالدخول معها دون الدخول مع الجهة التي أمثلها.

إذن هذا نوع من أنواع تضارب المصالح الذي يدخل في الغش المحرم شرعًا. هذه أمثلة وتطبيقات للغش تدخل في البيع والشراء، والإجارة، والشركة، والمضاربة، والوكالة، والنصب، والرهن، وغيرها من العقود.

ينبغي لنا إخواني أن نعرف هذه القاعدة النبوية الشريفة: «الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس». فلنحرص على البيان والصدق فإنه علامة البركة بإذن الله تعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن صدقا وبينا بورك لهما».

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا في أموالنا وأعمالنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يأتيك ميسورًا بأي مكان، وتعلم الفقه الميسر عاملًا بالشرع دون تعصب.