دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 18 - قواعد تحريم المعاملات (الغرر)

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبا في كل علم نافع ينمو العلم ويتقدم، بتقنياته ومجالاته ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، الفقه الميسر، عاملا بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا زادنا كاذبين، بالعلم كالأزهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما يا كريم، اللهم بارك لنا في علومنا ومعارفنا يا رب العالمين، وبارك لنا في أعمارنا وأعمالنا يا كريم.

إخواني وأخواتي الكرام، هذا هو الدرس الثامن عشر من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية بالقائمين عليها وفي معلميها وطلابها، وأن يجعلنا وإياكم مباركين حيثما كنا.

إخواني وأخواتي الكرام، كنا قد ابتدأنا حديثنا في عدد من الحلقات الماضية عن أصول تحريم المعاملات، وبينا أن هذا الموضوع يكتسب أهمية حيث إن الأصل في المعاملات الحل والإباحة ما لم يرد عليها عارض من عوارض التحريم. بينا أخطر هذه العوارض وهو الربا، ثم تكلمنا بعد ذلك عن عارض آخر وقاعدة من قواعد التحريم، ألا وهي قاعدة الغش والكتمان والتحريف والتزوير والتغيير التي تقابل قاعدة النصح والبيان.

نريد الآن أن نتكلم عن سبب ثالث من أسباب التحريم، ألا وهو سبب الغرر. ما معنى الغرر؟ الغرر معناه الخطر والنقصان والجهالة، وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وفي حديث ابن عمر في الصحيح: «أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الغرر».

فالغرر من تعريفاته وأشكاله جهالة العاقبة، نضرب مثلا فبالمثال يتضح المقال. لو أن إنسانا كان يملك مثلا دابة، لنفترض أنه يملك جملا، هذا الجمل قيمته وهو حاضر قائم مشاهد، نفترض أن قيمته عشرة آلاف ريال. هذا الجمل ند وشرد على صاحبه وصاروا يبحثون عنه، فجاء شخص يريد أن يشتريه، فالآن لن يشتريه بعشرة آلاف باعتبار أنه غائب، وإنما سيقول: سأشتريه منك بخمسة آلاف، فإن حصل لي فقد كسبت، وإن لم يحصل فقد غرمت وخسرت. والآن يشتري شيئا مجهول العاقبة، قد يحصل وقد لا يحصل، وبماذا يشتري؟ يشتري طبعا بسعر أقل لأنه متردد الحصول والعدم.

نضرب بذلك مثلا آخر وهو بيع الحمل في البطن. وللأسف أن هذه المسألة منتشرة، وهي بيع ما في بطن الناقة وبيع ما في بطن الفرس، خصوصا الأفراس، يعني التي يرغب الناس فيها أو حصلت على جوائز أو تتخذ مثلا للجمال أو لغير ذلك والتي تكون غالية السعر. للأسف أحيانا بعض الناس يبيع حمل الناقة وحمل الفرس في بطنها قبل وضعها، من المعروف لدى تجار الأنعام والدواب والمواشي وغيرها أن إناثها تفوق ذكراها في السعر.

فمثلا، باعتبار أن النتائج غالبا يكون ملكا لصاحب الأنثى، لنفترض لو كانت ستضع فرسا أنثى فإن سيكون سعرها مثلا عشرين ألفا، ولو كانت هذه الفرس ستضع حصانا ذكرا فإنه سوف يكون سعره مثلا عشرة آلاف. بناء على ماذا السعر هذا؟ بناء على تقييم أمها، نفترض أن أمها تساوي مثلا مئة ألف، فيقول هذا الشخص: نحن في الحقيقة في واقع الأمر لا نعلم هل تضع ذكرا أم أنثى، ولكن سنشتري منكم بخمسة عشر ألفا، إن قد أربحنا وقد تربح أنت. وهذا نوع من أنواع الغرر، أو تكون هذه الفرس مريضة أو يكون ما في بطنها محلا للمرض، فيقول: خلاص أنا أشتريه منك بخمسة آلاف، إن خرج سليما فقيمته أصلا عشرة آلاف، وإن خرج ميتا فأنا خسرت. هذا نوع من أنواع الغرر وهو جهالة العاقبة.

والغرر أصلا تحريمه متفرع عن تحريم القمار والميسر، كأن فيه نوع من المقامرة. القمار والميسر أصل لنشوء العداوة والبغضاء بين المسلمين، وهو قائم على الحظ. ومثاله مثلا ما يحصل اليوم من المراهنات أو المقامرات على سباق الخيول أو الأفراس، وهذا منتشر في عدد من الدول الأوروبية وغيرها؛ فيدفع الإنسان رهانا: قال له سيفوز الفرس الفلاني في هذا السباق، وهذا يدفع رهانا آخر أنه سيفوز الفرس الفلاني، وهذا يدفع رهانا آخر أنه سيفوز الفرس الفلاني. فالذي يفوز فرسه يحصل على رهانات البقية، والذي لا يفوز الفرس الذي راهن عليه فإنه يخسر المال الذي دفعه. هذا نوع من أنواع المقامرة والميسر المحرمة شرعا.

تحريم الغرر هو فرع عن تحريم القمار والميسر، يعني يمكن أن نقول إن الغرر نوع من المقامرة المصغرة، منشأها الجهالة؛ جهالة العاقبة، لا تعرف العاقبة، خطر الحصول وعدم الحصول. إذا هذه صورة المقامرة وهذه صورة الغرر.

قد يقول قائل: في البيع أحيانا تكون هناك جهالات يسيرة، فنفترض أن إنسانا قد اشترى بيتا، هذا البيت فيه نوع من الجهالة، لا يعلم مثلا الأساسات هل هي قوية أو هل هي ضعيفة، هل بني بشكل جيد أم أن بناؤه كان بشكل رديء. لا شك أن هذا نوع من الجهالة، لكن هذه الجهالة لماذا اغتفرت في الشريعة الإسلامية في بيع المنازل مثلا، أو في بيع بعض المزروعات والثمار؟ لأنها جهالة لا يمكن رفعها ولأنها جهالة يسيرة. لكن إذا كانت الجهالة بالغة وعظيمة فإنها تكون غررا ممنوعا ومحرما في الشريعة.

إذا نحن نفرق بين الجهالة اليسيرة التي لا تنفك منها عقود الناس، وبين الجهالة البالغة التي يمكن الانفكاك عنها في هذه العقود بين الناس. إذا عندنا نوعين من أنواع الجهالة، أو بالأصح رتبتين من رتب الجهالة: هذه الجهالة التي يمكن الانفكاك عنها، والجهالة المحرمة شرعا كذلك على رتب، أخطرها جهالة الحصول وعدمه. قالت المقدار: جهالة الأجل، جهالة التسليم، هذه كلها أنواع من الجهالات التي ترد على العقد فتكون نوعا من أنواع الغرر الذي يحرم العقد.

فاصل قصير ونعود إليكم بعد هذا الفاصل. لا يكاد يوم يمر إلا ويعرض لنا أمر نحتار في حكمه الشرعي، فكيف نتصرف؟ الحل أن نستفتي العلماء.

قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. وثم أداب ينبغي أن يتحلى بها المستفتي: آداب في نفسه، وآداب مع العالم، وآداب في طريقة السؤال؛ فيستفتي أهل الذكر المتبعين للأدلة، ويتجنب من يفتون بالجهل أو الهوى. قال ﷺ: «إن من أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين». ويعرض السؤال على حقيقته دون كذب أو كتمان، وليعلم أن تدليسه لا يحل له الحرام، فإنما يفتيه المفتي على حسب ما يسمع، ويوقر مفتيه.

قال صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه». ويتحين الوقت والحال المناسب للسؤال، ولا يقاطع الشيخ ولا يلح عليه إذا اعتذر عن الإجابة، ولا يضيع وقته بما لا علاقة له بالسؤال، ويترك السؤال عما لا يعنيه. قال صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». ويتقبل الحكم الشرعي ولو لم يكن على هواه. قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِيهِ حَرَجًا وَيَسْتَمِرُّوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 28].

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم. الأصل تحريم الغرر؛ ذكرنا نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر كما جاء في حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم أجمعين. والغرر هو جهالة العاقبة وعدم العلم بها، أو الجهالة في الحصول وعدمه، وإنه فرع عن تحريم القمار والميسر. ذكرنا كذلك أن الجهالة لا ينفك عنها في بعض المعاملات؛ مثلا لو قال إنسان إني أريد أن أبيع بيتي أو أريد أن أشتري بيتا، فثمة جهالة في أساسات البناء، بما هو داخل الحيطان، في الكهرباء، في السباكة الداخلية، ففي جهالة.

ولكن هل يمكن الانفكاك عن هذه الجهالة؟ في واقع الأمر لا يمكن الانفكاك عنها، لذلك لو حرمنا هذا البيع ومنعناه لأجل الجهالة التي فيه، فمعنى ذلك أنه مؤدى هذا الأمر تحريم بيع البيوت والمنازل كاملة في العالم، وهذا لا شك ليس مما أرادته الشريعة؛ لذلك اتفق الفقهاء على صحة بيع البيوت والمنازل وغيرها وإن كان فيها جهالة، لماذا؟ لأنها جهالة لا يمكن الانفكاك عنها.

أحيانا كذلك تكون الجهالة يسيرة، نضرب لذلك مثلا: إنسان أراد أن يشتري البطيخ مثلا، قد يكون هذا البطيخ أحمر سكريا، وقد يكون لم ينضج بعد، فكيف يعرف هذا؟ لا يعرف إلا إذا تم قطعه وفكه، فإذا تم قطعها وتركت فسدت، فلذلك لا يمكن بيعه إلا بنوع وقدر من الجهالة اليسيرة التي لا يمكن الانفكاك عنها. لاحظوا أن هناك فرقًا بين الجهالة اليسيرة أو الجهالة التي لا يمكن الانفكاك عنها والتي تدعو إليها الحاجة، كحاجة المزارع في بيع مزروعاته وحاجة صاحب المنزل في بيع منزله، فهذه مقبولة ومغتفرة في الشرع.

النوع الثاني المقابل لهذه الجهالة العظيمة هو الجهالة الكبيرة التي يمكن التحرز منها، ولكن العاقدين في هذا العقد لم يتحرزوا منها، ولا تدعو الحاجة إليها، وكأنهم دخلوا في هذا العقد عن رغبة للمقامرة والمخاطرة، فهذه جهالة ممنوعة ومحرمة في الشريعة، وهذا والله تعالى أعلم. مأخوذ من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر؛ فإن الغرر صار وصفًا ملازمًا له حتى سمي البيع به، وقيل بيع الغرر. هذا دليل على أن الغرر فيه كبير وأنه خطير، وأنه أقبل عليه المتعاقدان عن رغبة فيه، وليس لكونه لا يمكن الانفكاك عنه؛ فلو كان لا يمكن الانفكاك عنه لما سمي بيع غرر، ولكن أقبلوا رغبة فيه.

فالبيوعات الأخرى التي يكون فيها الغرر يسيرا فلا تسمى بيع الغرر؛ فهذا البيع إنما سمي بيع الغرر لأن الغرر وصف غالب فيه، ووصف مطلوب التعاقد عليه، يعني كأنه لا يمكن الانفكاك عنه، وكأنهم يرغبون أن يكون عقدهم على هذه الصفة التي فيها غرر، ولا يريدون الصفة التي ليس فيها غرر والتي يمكن الانفكاك عليها، ففي هذه الحالة بيع الغرر يكون منهيًا عنه ومحرمًا شرعًا.

هذه بعض الأمثلة لبيوع الغرر، ونريد أن نأخذ بعض التطبيقات المعاصرة والتطبيقات القديمة لبيوع الغرر. من التطبيقات القديمة التي ورد النهي عنها وكان الناس يستخدمونها في الجاهلية: بيع الملامسة، وبيع المنابذة، وبيع الحصى. بيع الملامسة كأنه بيع قائم على الحظ؛ كأن أقول: أي شيء ألمسه في هذا المكان تأخذه، فقد يلمس الإنسان ذهبًا وقد يلمس حجرًا، فإن حصل لك ذهب فأنت ربحان، وإن حصل لك حجر فأنت خسران.

مثله بيع الحصى، يقول: أعطني ألف دينار أو ألف درهم، وأنت عندك هذه الحصاة ارمها على ما شئت، إن وقعت على شيء يساوي ألفين فهو نصيبك، وإن وقعت على شيء يساوي ريالًا أو ريالين فهو نصيبك. أو يقول: أعطني ألف دينار أو ألف درهم وارمِ هذه الحصاة في هذه الأرض، فإن أخطأت في الرمي ووصلت إلى ما يبعد مترًا أو مترين أو عشرة أمتار أو عشرين مترًا فليس لك إلا ذلك، وإن أجَدت الرمي ورميت بشكل بعيد جدًا حصلت على مئات الأمتار أو غير ذلك. هذا نوع كان يستخدم في الجاهلية يسمى بيع الحصاة، وبيع الملامسة، وبيع المنابذة، فجاء حديث النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عنها.

هذه أمثلة كانت تستخدم سابقًا في البيوعات المنهي عنها. كذلك من صور البيوعات المنهي عنها لأجل الغرر: بيع الحمل في البطن؛ لا يعلم هو حي أم ميت، سليم أم مريض، ذكر أم أنثى، يباع الحمل في بطن الناقة أو في بطن الفرس، هذا كذلك ممنوع ومحرم شرعًا. كذلك من أمثلة الغرر بيع اللبن في الضرع؛ قد تخرج لنا مثلاً لترًا أو لترين أو ثلاثة أو أربعة، لا يعلم، هذا كذلك منهي عنه. وبيع السمك في الماء كذلك منهي عنه.

ومن ذلك بيع ما لا يقدر على تسليمه؛ نفترض أن شخصًا غُصبت منه سيارة أو أرض أو أياً كان لها قيمة معينة، فيقول: أنا أبيعها مثلا بنصف قيمتها لشخص لا يقدر على أخذها أو سيحاول أن يأخذها، فإن حصل عليها وحصل على الأرض، وإن لم يحصل عليها لم يحصل على شيء، هذا كذلك بيع ما لا يقدر على تسليمه، وهو نوع من أنواع الغرر. وكأن المقصد في الأصل أيها الإخوة والأخوات هو التسليم، فالتسليم أثر من الآثار المترتبة على البيع، فإذا كان الإنسان يبيع ما لا يقدر على تسليمه، كونه يبيع هذا الشيء وهو لا يقدر على تسليمه، ففيه إشكال من هذه الناحية؛ وهي أنه لم يتحقق مقصود البيع الأساس الذي هو أثر من آثاره وهو التسليم.

كذلك من بيوع الغرر التي نهي عنها في السنة النبوية: بيع الثمر قبل بلوغ صلاحه، أي على رؤوس الأشجار أو على رؤوس النخل قبل بدو الصلاح؛ يكون عرضة للآفات، عرضة للحشرات، عرضة لما يصيبه من الآفات التي ربما تتلفه كاملًا أو تتلفه جزئيًا، لكن بعد بلوغ الصلاح يخف تعرضه للآفات، بل ربما يقل ويندر.

لأنه خلاص نضج بعد بلوغ الصلاح، لا يبقى في رؤوس النخل أو في رؤوسها إلا أسبوع أو أسبوعان حتى ينضج نضجاً تاماً وحتى يتم قطفه وأخذه. فالآن، قبل بلوغ الصلاح، تكون الثمرة في نشأتها الأولى عرضة لآفات كثيرة جداً؛ فالبيع في هذه الحالة بيع فيه غرر وإشكال، لأنه قد تصيبه آفة فيندم المشتري على ذلك، أو يزعم أنها بسبب إهمال البائع، لأنه باعه الثمرة وهي على رؤوس شجره ونخله، فيقول: إنك لم تسقه السقيا الجيدة ولم توفر له الحماية الطيبة والمهمة المطلوبة منك.

وفي المقابل، البائع الذي باع الثمر قبل بلوغ صلاحه يعتبر قد سلم من هذه الآفة وأكل مال أخيه بغير حق، فهذا فيه إشكال وهو إشكال الغرر الواقع في بيع الثمر قبل بلوغ صلاحه؛ لأنه مجهول العاقبة، قد يحصل له الثمر ويسلم، وقد يتلف الثمر كلياً، وقد يتلف جزئياً، فكأنه البيع قائم فيه إشكال من حيث العاقبة لأحد المتعاقدين.

فاصل قصير ونعود إليكم بعد هذا الفاصل. إن أردت النجاح في الدنيا والسعادة في الآخرة فاسلك طريق العلم، لكن الآفات على هذا الطريق كثيرة؛ منها الرياء بأن يراد بالعلم الشهرة وثناء الناس، قال ﷺ: «من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو ليباهي به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فهو في النار».

ومنها الكبر والعجب، قال مجاهد: «لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر». ومنها الحسد، قال تعالى: ﴿بَيْنَهُمْ أَيْ بَغَىٰ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فَاخْتَلَفُوا﴾ [الأعراف: 49]، لتحاسدهم وتباغضهم. ومنها الانشغال بالدنيا وملهياتها وأشغالها عن تحصيل العلم النافع، ومنها التعالم والتصدر قبل التأهل، فإن التصدر يمنع من تلقي العلم، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «تفقهوا قبل أن تسودوا».

ومنها الفتور والكسل، قال ﷺ: «إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فتوراً، فمن كانت شرته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك»، فالزم طريق العلم ولا تصدنك الآفات واحذر من قطاع الطريق، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: 6]. بشرى لنا زادنا كاذبية بالعلم كالازهار في البستان.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن أصول تحريم المعاملات، تكلمنا عن الغرر، والغرر له علاقة وثيقة بأصل آخر من أصول تحريم المعاملات وهو أكل المال بالباطل، وذكرنا أن له علاقة وثيقة كذلك بالقمار والميسر. ومن صور أكل المال بالباطل والغرر والقمار والميسر: التسويق الشبكي أو التسويق الهرمي الذي يقوم على طريقة شبكية هرمية يأكل فيها المتقدم مال المتأخر.

كيف صورة هذا الشيء الممنوع؟ تخيلوا معي أن ثمة شبكة أو هرماً؛ فالآن الهرم فيه طبقات، الطبقة العليا منه قليلة، شخصان أو ثلاثة أو أربعة، وكلما نزلت طبقة كلما اتسعت دائرة المشاركين؛ لأن كل واحد من الطبقة العليا يرتبط به اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة من الطبقة التي تحته، وكل واحد من هذه الطبقة يرتبط به اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة من الذين تحتهم، وهكذا حتى يصبح لنا ما يشبه شكل الهرم.

ما هي فكرة أكل المال بالباطل في هذا التسويق الهرمي أو الشبكي؟ بغض النظر عن السلع التي توضع فيه أو الأشياء التي توضع من خلاله أو الخدمات أو أياً كان، هل نفكر فيه تفكيراً مجرداً؟ ليس على شكل تسويق وليس على شكل سلعة ولا على شكل منفعة أو خدمة؛ صورة الهرم هذا أن الذي في الطبقة العليا يقول للذي في الطبقة التي تحته: أعطني مثلاً عشرة دولارات، وأنا سوف أخولك، أو المنظمة أو المؤسسة هذه سوف تخولك أن تأخذ عشرة دولارات ممن هو تحتك من أربعة، فيأخذ عشرة دولارات من الأربعة الذين تحته، وفي مقابل ذلك يعطون الحق أن يأخذ كل واحد عشرة دولارات من أربعة تحته، وهكذا.

تخيلوها بهذا الشكل بدون سلعة أو خدمة أو أياً كان، تخيلوا أنه لا يوجد سلعة، فأقول: أنا سوف آخذ منك الآن عشرة دولارات أعطني إياها، وفي مقابل ذلك أنا أتيح لك أن تأخذ ممن تحتك أربعة تتعامل معهم تأخذ منهم عشرة دولارات؛ يعطيني الآن عشرة وسوف تحصل على أربعين، الأربعين ربما أقتسمها معك وربما لا أقتسمها معك، وكذلك ربما يأتيني شيء منها وقد لا يأتيني شيء منها لأن لها أشكالاً عديدة.

هؤلاء الأربعة لماذا سيدفعون؟ كل واحد منهم عشرة دولارات لأنه سوف يأخذ الحق بتحصيل عشرة دولارات ممن بعده، والذين بعده لماذا يدفعون عشرة دولارات؟ لأنه سوف يأخذ الحق أن يحصل على عشرة دولارات من أربعة من بعده؛ مقابل ماذا؟ مقابل أن تحصل على الحق أن تحصل على عشرة دولارات من كل واحد ممن بعدك، وهكذا يدفع عشرة ويحصل على دولارات.

من أين سيتوقف هذا الهرم؟ سيتوقف إلى مرحلة لا يمكن لهؤلاء القوم أن يحصلوا فيها؛ سوف نفترض أن هذا الهرم صارت قاعدته مثلاً مليون شخص، اكتملت المنظومة التي يمكن من خلالها تسويق هذا الهرم. من الطبيعي أن هذا الهرم سيمكن تسويقه على فئة قدرها كذا، أي سلعة في العالم لها فئة مستهدفة ويمكن تسويقها على فئة أو قدر معين، السيارات مثلاً شركة كذا لها حجم في السوق لا يمكن تسويقها إلا على فئة معينة، قدرها مثلاً مليون أو مليونين شخص وهكذا يهمهم اجتهادهم، ولكن ثمة حد يقف عنده التسويق؛ فهذه الطبقة سوف تأخذ من الطبقة التي تليها وتأخذ من الطبقة التي تليها إلى أن تصل إلى الطبقة التي يتوقف عندها حد التسويق.

ما الذي يحصل؟ يحصل أنهم دفعوا مالاً ثم حاولوا أن يسوقوا على من بعدهم فلم يستطيعوا أن يسوقوا، فتنهار هذه المنظومة الهرمية. طيب كيف يسوقون هذه المنظومة الهرمية؟ لو قلت لشخص: ادفع لي عشرة دولارات وسوف تحصل على الحق أن تحصل ممن بعدك عشرة دولارات لأربعة أشخاص، لن تكون مقنعة لهؤلاء الأشخاص، فلذلك يوسط في التسويق سلعة غير مقصودة أو منفعة غير مقصودة، كأن يقال مثلاً: سوف أبيعك هذه الورقة بعشرة دولارات، هذه الورقة تساوي هللة أو سنتاً واحداً، فلماذا تباع بعشرة دولارات؟ فآضف عليها هالة معينة، أو سوف أبيعك هذا السي دي الإلكتروني أو هذا الكاسيت أو هذه المعلومة أو هذا الحق للحصول على شيء ما أو هذا الحق للحصول على تخفيض ما بحيث أنك تسوق.

هذا الأمر الذي وسطناه ليس مقصودًا، الهدف هو قضية الحصول على المال بشكل هرمي. أضرب مثالًا آخر؛ كان يجعل الشيء التسويقي يقال إنه متاجرة في البورصات العالمية التي يجهلها هذا الشخص الذي أمامك. لاحظوا، ما يعرف البورصات لكنه واثق، فتقول له: يا أخي ادفع عشرة دولارات، وهذه العشرة دولارات سوف يتم المتاجرة بها في البورصات العالمية. سوق أنت هذه المتاجرة أو المساهمة أو المضاربة أو المشاركة على البورصات العالمية، وخذ عشرة دولارات ممن يليك؛ أدلك منها خمسة وأعطنا خمسة.

هو يأخذ خمسة ويسلم، أو يأخذ واحدًا ويسلم تسعة ويسوقها على من بعده، إلى أن تصل مرحلة التسويق الهرمي إلى نهايتها ولا يمكن تسويقها بعد ذلك، فتنهار هذه المنظومة وتضيع هذه الأموال. ونجد أن الطبقة العليا في هذا الهرم هم الذين أكلوا هذه الأموال، والآخرون وجدوا أنهم بدون شيء، أكلت أموالهم بالباطل. لماذا؟ لأنه سوق لهم أن هذه متاجرة في البورصات العالمية ولا يفهمونها ولا يعرفونها، وليست متاجرة حقيقية في البورصات العالمية.

أو سوق لهم سلعًا وهمية، أو سلعًا أضفى عليها شيئًا من الهالة، أو أنها لا توجد إلا في بلد معين، أو لا توجد إلا برخصة معينة، أو لا توجد إلا كذا وكذا. لماذا التسويق الهرمي يحتاج إلى سلعة يضفي عليها شيئًا من الهالة التي يجهلها الأطراف الآخرون؟ لو كانت هذه السلعة موجودة ومتاحة وبالأسعار العادية، لماذا يدفع هذا الشخص أموالًا للمسوقين الذين يسوقونها إذا كانت متاحة ومعروضة في الأسواق؟

مثلاً، إذا كانت هذه السلعة متاحة في السوق بخمسة دولارات، لماذا أشتريها بعشرة دولارات من هذا المسوق؟ سوف يشتري الشخص الذي يحتاجها بخمسة دولارات من السوق. لذلك نجد دائمًا أن تسويق السلع والخدمات يستمر، وإذا توقف عند موضوع معين يستمر بيعهم لها. لا نجد أن شركة من شركات السيارات مثلا تبيع سياراتها والمستخدمون لها -نفترض أنهم مليون شخص في العالم- مبيعاتها، ثم يبيعون بعد ذلك صيانتها، ويبيعون السنة القادمة مليون سيارة. الناس ترغب في السلعة بشكل حقيقي، لكن في الهرم لا يسوق ولا يباع إلا حق الحصول على المال من الطرف الذي بعدك.

وهذا هو أكل المال بالباطل. أكل المال بالباطل يعني أكله بغير وجه حق بدون سلعة أو خدمة أو منفعة تقدم لك، أحيانًا حتى يسوق هذه الشبكة الهرمية. وهذا هو الغالب؛ أنه يوضع فيها سلع أو خدمات أو منافع وهمية وغير مقصودة لأطراف هذا الهرم. كونها غير مقصودة لأطراف هذا الهرم دليل من الأدلة على أن هذه صورة التسويق الشبكي الهرمي الذي يعد محرمًا من أكل المال بالباطل.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير والبر والتقوى، وأن يجعلنا وإياكم مباركين حيثما كنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.