دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 5 - الخيار في البيع

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يرى راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد ينبوعها صافي، الفقه الميسر من الشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا زادنا، كالأزهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم بارك لنا في علومنا وأعمالنا يا رب العالمين، اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.

أما بعد، إخواني وأخواتي الكرام، هذا هو الدرس الخامس من سلسلة دروس الفقه في المستوى الرابع من أكاديمية زاد، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، أن يبارك في القائمين عليها والعاملين فيها ومعلميها وطلابها ومن استمع إلى دروسها، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا العلم حجة لنا لا علينا.

إخواني وأخواتي، كنا قد استفتحنا هذا المستوى بالحديث عن المعاملات المالية، وتحدثنا عن أساس المعاملات المالية ألا وهو عقد البيع، وهو أكثر هذه العقود المالية حصولا بين الناس، وقلنا إن الأصل فيه الحل والإباحة، ثم تحدثنا عن عدد من أنواع التحريمات التي ترد على عقد البيع، فتمنعه.

الآن بعد أن استعرضنا عددا كبيرا من هذه التحريمات، نريد أن ننبه إلى مسألة قد يقول قائل: من هذه التحريمات في واقع الأمر أنها كثيرة، وذكرنا ربما عشر أو اثني عشر تحريما، هذا يعني أن التحريمات صارت كثيرة وضيقت على معاملات الناس. نقول في واقع الأمر إن القول بأن أصل الحل في البيع هو الحل والإباحة هو التوسعة والأصل، وهذه ضوابط شرعية تحريمية مانعة مبطلة لعقد البيع إذا وقعت لأجل مراعاة قضايا حرمها الشرع، وهي أبلغ وأهم من أصل إباحة البيع، فلذلك صارت هذه الموانع مانعة من إباحة البيع.

نضرب مثلا: تصرف اليتيم في ماله، الصغير اليتيم في ماله لا شك أنه هذا مضيع للمال، فلذلك نجد أن التشريعات السماوية، بل جميع القوانين الأرضية تمنع هذا الصغير من التصرف في ماله؛ إذ يتصرف شخص عمره سنتين أو ثلاث سنوات أو ست سنوات في ثروته مثلا التي ورثها عن أحد والديه أو عن والده. لماذا منع هذا التصرف؟ مراعاة لمصلحته.

هناك بعض التحريمات اتفقت عليها الشرائع السماوية وإن لم تمنعها القوانين الأرضية، مثلا تحريم الربا، والتحايل على تحريم الربا ممنوع انطلاقا من تحريم الربا، فلذلك القوانين الأرضية التي تبيح الربا ولا تحرمه ولا تمنعه سوف تبيح مثل هذه المعاملات، ولكن المسلم الذي يلتزم أمر الله سبحانه وتعالى بتحريم الربا، ويعلم أن حكم الله سبحانه وتعالى في الأموال نافذ كما حكمه سبحانه وتعالى نافذ في الأبدان والأنفس، فإنه يلتزم هذا التحريم ويلتزم ما يترتب عليه من منع للمعاملات الصورية التي تكون موصلة لهذا التحريم.

هل الأكثر هو أصل الحل والإباحة أم الضوابط المانعة والمحرمة؟ نقول أصل الحل والإباحة في واقع الأمر يرد على، لا نقول إنه عشر إباحات أو اثنتا عشرة إباحة، لا بل يطبق على مليون أو ملايين القضايا والأصول والمسائل. فمثلا بيع هذا الكوب مثلا مباح، ومثل هذه الطاولة مباح، ومثل هذه السيارة مباح، والكتاب والأجهزة وغيرها، ولكن الأشياء التي منفعتها محرمة هي الممنوعة.

من حيث الأشخاص، التعامل مع هذا الشخص مباح، ومع هذا الشخص مباح، ومع هذا الشخص مباح، إلا أن التعامل مع الصغير الذي لم يبلغ ممنوع. ومن حيث التعامل بالبيع الآجل؟ نقول هو مباح، سواء بعت هذه السلعة بالأجل أو تلك السلعة بالأجل أو أيا كان الأجل، ولكن التعامل بالأجل في سلعة قد اشتريتها أو ستشتريها بعد ذلك يوصل إلى صورة العينة المحرمة، فإن هذا ممنوع. إذا نلاحظ بواقع الأمر أن أصل الحل صوره لا تكاد تعد ولا تنتهي إلى حصر، بل هي ملايين الصور والأعيان التي تقع والحوادث التي تقع بالملايين وليست ممنوعة، الممنوع هو ما كان له سبب للتحريم والمنع.

بعد أن انتهينا من بيان جل أو أكثر أنواع التحريمات في عقد البيع، نريد أن ننتقل إلى شيء من أحكام البيع. فمن أحكام البيع مثلا أن البيع الأصل فيه هو اللزوم، هذا الأصل فيه ماذا نعني بكلمة اللزوم؟ معناها أنه حين ينعقد البيع فإنه يكون لازما.

تخيلوا معي لو أن شخصا باع عقارا له، بكم باعه؟ نفترض أنه باعه مثلا بمليون دولار، هذا الأرض، ثم بعد أن انعقد هذا العقد وجاء بعد عشر سنين مثلا أو خمس سنين قال: أنا في واقع الأمر أريد أن أسترد هذا العقار، وأصلا هذا العقار كان ملكا لي، وكان ملكا لوالدي، وكان ملكا لجدي، وكان ملكا لأجدادي، فانا أريد أن أسترجعه باعتبار أنه أصلا العائلة مدى دهور وسنين كان مملوكا للعائلة. ببساطة بماذا نرد عليه؟ أقول: إنك قد بعته وعقد البيع لازم، وليس من حقك أن تطالب وتقول إنه لابد أن أسترد هذا العقار باعتبار أن أجدادي كانوا فيه. نعم، ولكنك قد بعته الآن فانتقل الملك، فكيف تسترد هذا العقار؟ لا تسترده إلا بشراء من مالكه، يكون هذا المالك الآن الحالي راضيا في هذا البيع وتنطبق شروط البيع، عند ذلك تسترد هذا العقار من خلال شراء جديد.

لماذا لو قال: لماذا؟ وأنا كنت مالكا له سنين عددا؟ نقول: لأن عقد البيع عقد لازم. عقد لازم، وش معنى لازم؟ معناها أنها تنفذ آثاره وتترتب عليه، ويصبح اللزوم هو صفة البيع، ركن، شرط، كأنه صفة من صفات البيع.

هل هذا اللزوم في البيع له استثناءات ترد عليه فتجعل هذا العقد غير لازم؟ نقول نعم، هناك بعض الاستثناءات التي تجعل عقد البيع غير لازم، أضرب لكم مثلا لهذه الاستثناءات وهو الشرط، وسنتطرق إن شاء الله تعالى لهذه الاستثناءات بتفصيل.

الشرط، لو قلت يا أخي الكريم: أنا أبيعك هذا البيت، أنا مالك هذا العقار ومالك هذا البيت، أبيعك هذا البيت مثلا أو العقار بمليون دولار، قال: طيب، عندك شروط؟ قلت: نعم عندي شرط وهو أن من حقي أن أففسخ هذا البيع خلال مثلا شهر. طيب لماذا من حقك أن تفسخ هذا البيع؟ يقول المشتري: من حقي أن أففسخ هذا البيع خلال شهر، أو في المقابل يقول البائع: من حقي أن أففسخ هذا البيع خلال شهر أو خلال أسبوع أو أسبوعين أو ثلاثة. طيب ما غرضك أيها المشتري من هذا الشرط؟ قال: غرضي حقيقة أني أريد مثلا أجرب البيت وأشوف هل هو مناسب، وأتأكد منه بشكل أكثر وبشكل أدق. طيب لماذا لا تجرب قبل عقد البيع؟ قال: يعني عقد البيع أنا شفت النظر الإجمالي، ولكن حتى بعد عقد البيع أريد أن أتأكد، بعد أن أجرب الشيء فعليا أريد أن أتأكد تأكدا إضافيا.

فهل يجوز هذا شرعًا؟ نقول نعم، يجوز؛ المسلمون على شروطهم، فما دام أنه قد اشترط أن له الخيار بفسخ عقد البيع خلال مدة شهر، فهذا ما يسميه أهل الفقه «خيار الشرط».

لاحظوا الآن اللزوم هنا في هذه الصورة اختل قليلا؛ نقول الأصل أن عقد البيع لازم، ولكن في حق هذا المشتري الذي اشترط هذا الشرط في حقه غير لازم، لماذا؟ لأن له خلال مدة الشهر أن يرد البيت إلى صاحبه ويسترد ثمنه بسبب شرطه، إذاً هذه الخيارات، خيار الشرط هنا في هذه الحالة أو بعض الخيارات الأخرى التي سنتطرق لها، ترد على أصل لزوم البيع. نقول الأصل في البيع هو اللزوم، إلا أن هذا اللزوم قد يرد عليه بعض العوارض التي تمنع اللزوم وتجعل لأحد العاقدين أو لكليهما الخيار وحق فسخ البيع.

ما معنى الخيار وحق فسخ البيع؟ معناه أن يرد البائع الثمن الذي أخذه من المشتري، وأن يرد المشتري السلعة التي أخذها من البائع، يرد كل طرف إلى الآخر ويرجع كأن لم يكن بينهما عقد، إذاً هذا هو معنى الخيار. ولعلنا نفسر أكثر في أنواع الخيارات وأشكالها ولكن بعد فاصل قصير.

ما أوثق العلاقة بين العلم والعمل! العلم شجرة والعمل ثمرة، والعلم يهتف بالعمل، فإن أجابته وإلا ارتحل. قال النبي ﷺ: «القرآن حجة لك أو عليك»، أي تنتفع به إن تلوته وعملت به، وإلا فهو حجة عليك. وإنما يراد العلم لأجل العمل.

قال أبو الدرداء: «لا تكونوا بالعلم عالماً حتى تكون به عاملاً». وقد ذم الله تعالى من لا يعملون بالعلم فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]. وقال ﷺ: «مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه». والعلم النافع يورث خشية الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].

قال ابن مسعود: «ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية»، والخشية تنير العقل. قال تعالى: ﴿إِنَّ تَقْوَى اللَّهِ وَسِيلَةٌ إِلَى حُصُولِ الْعِلْمِ﴾. فمن صدق العلم بالعمل كان قدوة للمتعلمين، ومن خالف فعله قوله كان من الممقوتين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2]. كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. بشرى لنا زاد أكاديمية بالعلم كالازهار في البستان، نعود إليكم بعد هذا الفاصل.

ونتابع حديثنا معكم عن أصل اللزوم في عقد البيع والخيارات، خيارات الفسخ الواردة فيه. قلنا إن الأصل في عقد البيع هو اللزوم، بمعنى أنه لا يحق لأحد من العاقدين أن يفسخ العقد وأن يرد ما قبض، هذا هو الأصل. إلا أن هذا الأصل يرد عليه استثناء، وهو أن يكون من حق العاقد الأول أو العاقد الثاني، من حق البائع أو المشتري أن يفسخ البيع. كيف يفسخ البيع؟ يعني أن ينقضه وأن يطلب من العاقد الآخر التراد؛ هذا يرد الثمن الذي قبضه، وهذا يرد السلعة التي قبضها.

ما هي الأسباب التي يحق فيها لأحد الطرفين أن يبطل البيع أو يفسخ البيع؟ بالمناسبة بطلان البيع غير فسخ البيع؛ فسخ البيع معناها أن هذا البيع وقع صحيحاً ثم بعد ذلك يفسخ، أما بطلان البيع فمعنى ذلك أن هذا الإبطال إبطال شرعي والعقد لم يقع صحيحاً من الأصل. ولكن نحن قلنا هذه العبارة تجاوزاً؛ فمتى يكون من حق أحد العاقدين أن يفسخ البيع وأن يرد ما قبضه ويطلب من الآخر أن يرد ما قبضه؟ نقول إن هذا يثبت بأسباب.

السبب الأول: أن يكون في المجلس الذي حصل فيه العقد ولم يتفرقا، هذا سبب أول موجب للخيار للعاقدين جميعاً، كأن خيار المجلس كما يسميه الفقهاء «خيار المجلس»، وقد جاء في حديث النبي ﷺ: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا». كأن خيار المجلس مهلة بسيطة جعلت بعد عقد البيع لأجل التروي الأخير.

الآن لنفترض أنك عرضت علي قلماً للبيع، فاشتريت منك بعشرة، فقلت اشتريت القلم هذا فأخذته، ثم قلت مباشرة: لا خلاص أنا أريد أن أرد القلم، لي الحق. طيب لو أني ذهبت ثم رجعت بعد ساعة أو بعد مدة من الوقت وقلت أريد أن أرد القلم؟ نقول لا خلاص انتهى حقي، الآن ليس من حقي أن أرد القلم إلا إذا وافق الطرف الآخر وصار هناك عقد بيع جديد أو وافق على الإقالة، وهو إبطال البيع الأول. لاحظتم إذاً أن خيار المجلس هذا كأنها مهلة تروي، كأنها أشبه ما نقول بالمهلة الأخيرة في العقد، أنه لما تعاقدوا، من حقه التفكير قبل العقد. إذا جزم بالعقد نقول كذلك عندك مهلة أن تتراجع عن هذا العقد في فرصة وجودك في المجلس ووجود الطرف الآخر في المجلس، أما إذا افترقتما من المجلس خلاص انتهت الفرصة الأخيرة الممنوحة لكما لأجل التراجع عن هذا العقد، إذا هذا الأول نسميه خيار المجلس: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا».

النوع الثاني من الأسباب التي يحق فيها لأحد الطرفين أن يفسخ العقد إذا اشترط ذلك، وهو ما يسميه الفقهاء «خيار الشرط». كيف خيار الشرط؟ يقول أنا أشتريه منك بشرط أن لي الحق أن أرد عليك خلال مثلا شهر أو شهرين، أو أن يقول البائع للمشتري: أنا بعتك هذه السلعة ترى بشرط أن لي الحق أن ترد لي سلعتي هذه خلال شهر إذا رغبت أن أفسخ البيع، أو أن يقول البائع للمشتري: ترى أنا بعتك السلعة هذه وترى لك الحق أن تردها لي إذا لم تجدها مناسبة ولا جيدة، لك الحق أن تردها لي خلال أسبوع مثلاً. لاحظتم؟ إذاً هذا يسمى خيار الشرط.

ما الذي أعطى أحد العاقدين الحق في فسخ البيع وعدم لزومه في حقه؟ أنه يشترط ذلك. طيب هل يجوز أن يشترط هذا؟ نقول نعم، الأصل في البيوع الحل والإباحة، والله سبحانه وتعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، والنبي الكريم ﷺ قال: «المسلمون على شروطهم»، فما دام أنه تبايعنا بهذا الشرط إذاً هذا الشرط لازم، وهذا هو الأصل بالشروط؛ الأصل في الشروط الصحة واللزوم ويجب الوفاء بها.

إلا أن هذا الأصل إلا الشروط المحرمة، هذه صورة محرمة تقع باطلة ولا تجوز. كيف الشرط المحرم؟ قلت يا أخي ترى شوف أنا أبيعك السلعة هذه بمئة وعشرة ريالات مؤجلة تدفعها لي بعد سنة، هل هذا العقد صحيح؟ نقول عقد صحيح. قال: طيب شف، أنا اشترط عليك أنك تدفع لي بعد سنة مئة وعشرة، ولكن ترى لو ما سددت بعد سنة وجئت بعدها لو تأخرت يوماً ترى سأزيد عليك عشرة ريالات، نقول هذا شرط محرم؛ لماذا؟ لأنه شرط ربا والعياذ بالله، شرط ربا إضافة في العقد، مع أن عقد البيع صحيح.

لكن هذا الشرط شرط ربوي، ما يجوز أني أقول: ترى بعتك هذه بسنة بمئة وعشرة، وإذا تأخرت ترى بزيد عليك عشرة ريال أو عشرين ريال، كذا ما يجوز؛ هذا هو شرط الربا.

لو قال: يا أخي شوف، أنا ببيعك إلى سنة بمئة وعشرة، ولكن لي الحق -أشترط أنه لي الحق- أنه خلال شهر أو شهرين أني أهون من البيع هذا، وأني أسترد سلعتي، يقول: لا، تحصل جائز ما في إشكال، لاحظتم؟ هذا شرط جائز. لو قال: يا أخي شوف، أنا أريد أنك تسدد لي بعد سنة مئة وعشرة، ولكن أشترط عليك أنك تسددها لي مثلا في الحساب الفلاني، أو في البلد الفلاني، أو في المكان الفلاني، نقول: جائز ما في إشكال؛ هذا الشرط لا يؤدي إلى الربا. لكن لو قال: مئة وعشرة، بس بشرط أنك تزيدها كل ما تأخرت، نقول: هذا هو شرط الربا، لاحظتم؟

إذاً الشروط عندنا أنواع، منها شروط مباحة، وهو الأصل؛ الأصل أن كل شروط الناس مباحة. لو قال: اشترط أن تكون المراسلات بيننا من خلال الجوال الفلاني، أو من خلال المكالمة الفلانية، أو اشترط أني مثلاً اشتريت منك هذه السلعة بشرط أن توصلها لي إلى بيتي. لو واحد قال مثلاً اشترى من محل لبيع الأدوات المنزلية الكهربائية، اشترى ثلاجة مثلاً أو اشتري غسالة ملابس، وسيارته صغيرة لا تسع، فقال: خلاص أنا أشتريها منكم بألف ريال مثلاً بشرط أن توصلوها إلى منزلي، خلاص يلزمهم يوصلوها إلى منزله، هذا شرط لازم، لاحظتم ولا لا؟

إذاً صور الشروط في واقع الأمر كثيرة جداً؛ الإنسان يشترط فاتورة، يشترط توصيل، يشترط تركيب. قال: اشتريت منكم مثلاً هذه غرفة النوم بشرط أنكم تركبونها، هم يقولون: لا، إحنا ما نركب، لا نقبل به، حن نسلمك إياها وأنت تركبها. إذاً هذه الشروط الأصل فيها الحل.

من الشروط التي تباح شرعاً في العقود أن يشترط الخيار، فيقول: ترى لي الحق أني افسخ عقد البيع وأرد سلعتك إليك لمدة أسبوع أو أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، لاحظتم ولا لا؟ فكأنه احتط في هذا الأمر. لو قال الطرف الآخر: أنا أوافق على هذا الشرط، ولكن ترى ما أرد لك الثمن كاملاً، وإنما آخذ عليك مثلاً -نفترض أنك اشتريت من عندي ملابس قيمتها مئة دولار فقلت: يا أخي أنا اشتريت، ترى أنه لي الحق أني أردها خلال ثلاثة أيام، قال: طيب ما في مانع أنك تردها خلال ثلاثة أيام، ولكن إذا رديتها خلال ثلاثة أيام ما أرد لك مئة دولار أو مئة ريال، أرد لك فقط خمسة وتسعين، فالآن كأنه يقول: هذا شرط جزاء لك على الرد، فأنا أخصم عليه خمسة ريال أو خمسة دولار؛ نقول: هذا جائز.

هذا شرط جزائي جائز ما يؤدي للربا، ما في ربا. لكن لو قال: شوف أنت تسددني بعد أسبوع مئة ريال الدين الذي عليك، ولو تأخرت عليك شرط جزائي عشرة ريالات إضافية أو عشرة دولارات، نقول: لا قف، هذا شرط جزائي ربا محرم. إذاً نقول: الشرط الجزائي إذا كان على عدم الوفاء بالدين ويؤدي للزيادة نقول: هذا محرم، لكن إذا كان الشرط الجزائي مقابل مثلاً رد السلعة، مقابل مثلاً التركيب، مقابل التوصيل، هل نقول: هذا جائز؟ ما في إشكال. قلت: يا أخي شوف، أنا أريدك أن تركب غرفة النوم بشكل صحيح، ولكن لو أخللت بتركيب غرفة النوم أو أخللت بتركيب المطبخ أو أخللت بتركيب المجلس، ترى عليك شرط جزائي أن تدفع عشرة ريال مقابل تقصيرك في التركيب الصحيح، أو عليك عشرة دولارات أو عليك مئة دولار؛ نقول: هذا جائز ما في إشكال. لماذا؟ لأن الشرط الجزائي ارتبط بجودة العمل، ارتبط بالرد، كل هذا إن شاء الله تعالى من الشروط الجائزة، بخلاف الشرط الجزائي الذي يترتب على عدم الوفاء في الأجل المحدد، فإن هذا شرط جزائي ربوي لا يصح شرعاً.

فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى. عن أي شيء تبحث؟ وفي أي شيء ترغب؟ وماذا تطلب؟ وما هي همتك في هذه الحياة؟ فالمسلم يحب المعالي ويسعى إليها. قال النبي ﷺ: «إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها». واعلم أن طلب العلم لا ينتهي بل هو مستمر إلى آخر العمر؛ قيل للإمام أحمد وهو يحمل محبرة: إلى متى؟ فقال: «مع المحبرة إلى المقبرة»، ولا يعوق كبر السن عن طلب العلم.

إذا توافرت الهمة، فلا إن تموت طالباً للعلم خير من أن تموت قانعاً بالجهل. وذو الهمة في الطلب يهتم بجمع الفوائد وقراءة المطولات؛ قال أبو عبيد: «ربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال، فأضعها في الكتاب فأبيت ساهراً فرحاً بتلك الفائدة». وقال الخطيب البغدادي: «قرأت على إسماعيل بن أحمد صحيح البخاري جميعه في ثلاثة مجالس». ومن المهم المداومة على طالب العلم، فالقليل مع المداومة خير من الكثير مع الانقطاع؛ قال عكرمة: «طلبت العلم أربعين سنة». وقال أبو العباس النحوي: «ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس لغة من خمسين سنة». فاطرح عنك الكسل واحرص على دراسة العلم وإحسان العمل، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]. بشرى لنا، زادنا كأدبية بالعلم كالأزهار في البستان.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن الأسباب التي توجب الخيار، ويحق فيها لأحد العاقدين أن يفسخ عقد البيع، وإن كان عقد البيع قد ثبت وكان صحيحاً. فقلنا إن أول الأسباب: التراجع السريع أثناء المجلس، هذا خيار المجلس.

السبب الثاني الذي يحق فيه لأحد العاقدين أن يفسخ عقد البيع وأن يشترط هذا الأمر في عقد البيع، كأن يقول: اشتري منك السيارة ولي الخيار كذا لمدة أسبوع أو أسبوعين أني أردها، لا مانع، يقول: أجربها وأتأكد منها. أحياناً بعض البائعين عشان يسوق سلعته، كونه متأكد من جودتها، يقول للمشتري: اشترِ هذه السلعة وأنا متأكد أنها سترضيك، وإذا ما أرضتك أو لم تكن جيدة أو لأي سبب رغبت، ترى لك الحق أنك تردها وتأخذ أموالك. بعض البائعين يقول هذا الكلام من باب التسويق لسلعته، يقول لك: الحق أنك تردها خلال أسبوع أو خلال يوم أو خلال ثلاثة أيام أياً كان. طيب لو قال البائع: ليس لك الحق أن تسترد النقد ولكن لك حق الاستبدال فقط؟ نقول: هذا كذلك شرط صحيح. والله سبحانه وتعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]. لو قال إنه يخصم عليك مبلغاً معيناً لا بأس، ما اتفق عليه العاقدان في عقودهم فإن الأصل فيه الإباحة والجواز.

طيب، نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى سبب ثالث موجب للخيار، وهو العيب.

لو قال المشتري الذي اشترى السلعة للبائع: يا أخي أنت بعتني السلعة وفيها عيب، اشتريت منك السيارة هذه ولكن أنا اشتريت على أنها جديدة وأنها جيدة، لكن ظهر بها أن فيها عيبًا، هل من حق المشتري أن يرد السيارة للبائع؟ نقول نعم.

إذاً ما المراد بخيار الشرط سابقًا؟ خيار الشرط أنه هو مشترط هذا الأجل لرغبته المطلقة فقط، لكن إذا كان هناك عيب، فإن هذا كذلك؛ وجود العيب سبب يثبت للمشتري حق الخيار، فيقول: يا أخي أنت بعتني هذه السيارة معيبة وهذا العيب لم تخبرني به بالعقد، كونك لم تخبرني به في العقد فهذا يثبت لي حق الرد. لو أخبره به نقول: خلاص، ما دام أخبرك لزم البيع، ما لك حق أن ترد لأجل العين، لكن لك حق أن ترد لأجل خيار المجلس أو خيار الشرط، لكن لأجل العيب ما يحق لك إذا ما دام قد بين لك العيب فإنه لا يحق لك الرد به.

هذا يقودنا إلى مسألة، وهي أن نقول للبائع الذي يبيع سلعة: أيها البائع يجب عليك في بيعك أن تبين عيوب هذه السلعة ولا تغر المشتري، فإذا كنت تعلم هذا العيب -مثلاً تريد أن تبيع سيارتك مستعملة وتعلم أن فيها مشكلة في الماكينة أو فيها مشكلة في صوت السيارة أو فيها مشكلة في أي قطعة من قطع السيارة وأنت تعلم هذا الأمر- لا يجوز لك أن تغش المشتري وتخفي عنه هذا العيب، بل تبيع هذه السلعة وتبين له هذا العيب؛ «والبيعان إذا صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإذا كذب وكتم محقت بركة بيعهما». كما جاء في الحديث الشريف عن النبي الكريم ﷺ.

نفترض أن هذا البائع باع السلعة دون أن يبين العيب الذي فيها، فما هو تصرف المشتري؟ نقول للمشتري: لك الحق إذا رأيت أن هذا العيب بسيط ولا بأس، فلك الحق أن تمضي البيع ولا ترد السلعة بالعين، ولو أردت رد السلعة فإن لك حق الرد.

هنا مسألة ثالثة، لو قال: لا خلاص أنا أبغى أمسك السلعة ولكن أريد الفرق. نفترض أنه لو كان يعلم بهذا العيب، مثلاً اشترى السيارة بعشرة آلاف دولار، لو كان يعلم بهذا العيب اشتراها بتسعة آلاف دولار باعتبار أن قيمة العيب هذا يؤثر في القيمة بألف دولار مثلاً، فقال: نحن نقول للمشتري هذا لك الحق أن تمسك السلعة بدون مطالبة بشيء، هذا ما فيه مشكلة، والحق الثاني لك الحق أن ترد السلعة تقول: لا أنا أصلاً كنت أريد سيارة سليمة وهذا العيب وإن كان بألف دولار لكن أصلاً أنا لو علمت بالعيب هذا ما اشتريت السلعة أصلاً، فمن حقي أني أرد، نقول هذا الحق لك.

الخيار الثالث الذي نعطيه لهذا المشتري، بعض العلماء يقول إن له الخيار أن يطالب بألف دولار ويمضي البيع، والظاهر والله تعالى أعلم أن نقول إن له الحق أن يطالب، ولكن إذا وافق البائع على رد الألف دولار فإنه يدفع إليه الألف دولار، وإذا ما وافق نقول: أنت بين أمرين، إما أن ترد السلعة وإما أن تمضي البيع لكنك تطالب بألف دولار مثلاً الفرق هذا وتلزم به البائع، وإن لم يرضَ نقول: لا بد أن يرضى البائع بهذا الفرق.

إذاً ما الذي صار عندنا؟ الحق الآن الذي يثبت للمشتري هو إما إمضاء البيع، وحق رد السلعة وفسخ البيع، أما إذا كان يطالب بفرق فلا بد أن يتوافق عليه الطرفان، هذا هو ما يتعلق بخيار العيب.

هناك سبب رابع يثبت به الخيار، وهو خيار التدليس. الخيار الذي يثبت بسبب التدليس، لو أن المشتري لم يجد عيبًا في السلعة ولكن كان يظن أنها مثلاً ماركتها هي الماركة الفلانية، فلو أن هذا البائع لما باع هذه السلعة وضع عليها ماركة شهيرة تبين جودة هذه السلعة، فالسلعة ما فيها عيب ولكن بسبب وجود هذه الماركة هنا ظن أنها ذات جودة فلانية أو أنها بالشكل الفلاني، كأنه غرر به وكأنه خدع، فجاء يردها، فلما جاء يردها قال له البائع: يا أخي ما فيها عيب، فيقول المشتري: نعم أنا لا أردها بسبب وجود العيب، ولكن بسبب وجود التدليس والتغرير منك. لاحظتم إذاً هذا سبب من أسباب ثبوت خيار الرد للمشتري، وهو وجود التدليس والتغرير من البائع.

أضرب لكم مثالًا آخر للتدليس والتغرير في البيع، إذا كان هناك غش في البيع؛ كان هناك مزاد على هذه السلعة فاتفق البائع مع بعض الأشخاص بطريقة خفية وسرية قال: ارفعوا في السلعة وإن لم ترغبوا في الشراء ارفعوا في السلعة حتى تظهر جودة هذه السلعة، أنا أقول يثبت لهذا المشتري الذي اشترى السلعة بهذا الثمن الخيار، له الحق أنه يرد، لماذا؟ لأنه دلس عليه وغرر به في هذا البيع.

سبب آخر موجب ويثبت حق الخيار للمشتري ألا وهو الغبن. كيف الغبن؟ نفترض أن شخصًا اشترى سلعة قيمتها مثلاً مئة، اشتراها بأربعمئة أو بخمس مئة أو بألف، لأنه جاهل بالسوق لا يحسن المماكسة، فيثبت له الخيار لأنه غُبن غبنًا فاحشًا في هذه السلعة. طبعًا الغبن أحيانًا يكون سببًا ومثارًا للنزاع والخلاف بين الطرفين، فلذلك أحيانًا هذا الخيار، خصوصًا في الأحوال العادية التي لا يكون الشخص فيها مريضًا أو لا يكون هناك سبب من الأسباب الشرعية التي أثبتت خيار الغبن لو قال: لا أنا بس فقط كنت أظن أن السلعة سعرها كذا وهو باع في هذا السعر، نقول إذاً يُرد هذا للمحكمة.

لكن الغبن يثبت بأحوال مثل تلقي الركبان، أحوال ثبت فيها شرعًا، أو مثل الشخص الذي لا يحسن المماكسة في السوق، لكن إذا كان شخص يحسن المماكسة ودفع الغبن فنقول له اذهب إلى المحكمة ليثبت لك حق الرد بسبب الغبن. لكن الغبن له علامات، إذا كان هناك فارق كبير في السلعة بالسعر، لكن لو كان الفارق بسيطًا معروفًا عند التجار لأن التجار لا يمكن كلهم أن يبيعوا بنفس السعر، هذا يكون مرتفعًا بشيء يسير وهذا أقل بشيء يسير وهذا له مزايا وهذا له مزايا وهكذا، فهذا مقبول في السوق، لكن الغبن معناه أن يغبن غبنًا فاحشًا كأنه قد خدع بهذا السعر، فهنا يثبت له خيار الغبن.

إذا كان هناك سبب من الأسباب المثبتة والموجبة له، نقول في الختام: إن الأصل في عقد البيع هو اللزوم، وقد يثبت الخيار للمتعاقدين أو لأحد المتعاقدين بسبب من الأسباب، وذكرنا هذه الأسباب التي تثبت للعاقدين أو لأحدهما خيار فسخ البيع.

نقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يأتيك ميسورًا بأي مكان، زاد أكاديمية ينبوعها.