دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 4 - من البيوع المحرمة (بيع العينة)

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد، الفقه الميسر، عاملاً للشرع دون تعصب لفلان، بالعلم كالأزهار في البستان. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما يا رب العالمين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.

أما بعد، إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الرابع من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية والقائمين عليها، والعاملين فيها، ومعلميها، وطلابها، ومستمعيها، وأن يجعلنا جميعًا مباركين حيثما كنا.

إخواني وأخواتي، كنا قد بدأنا هذا المستوى بالحديث عن كتاب المعاملات، أو قسم المعاملات في الفقه الإسلامي، ثم دلفنا بعد ذلك إلى موضوع البيع وتكلمنا عن تعريفه وأركانه، ثم تكلمنا عن الشروط والموانع التي تمنع صحته وتجعله بيعًا منهيًا عنه وممنوعًا. نريد أن نتطرق إلى بعض الأمثلة للبيوع المنهي عنها، ومنها بعض الأمثلة المعاصرة.

من البيوع المنهي عنها أن يبيع الإنسان عين مال غيره، وتكلمنا عن هذا وأن الأصل فيه المنع، إلا إذا كان مالكًا أو مأذونًا له فيه، أو تصرفًا بالفضالة عن هذا الشخص، وهناك مبررات لهذه الفضالة، ثم بعد ذلك أجاز المالك هذا البيع، فحينئذ يقبل هذا التصرف، وإن لم تتحقق هذه الشروط ولم يجزه المالك الرئيس فإنه حينئذ يبطل هذا البيع.

تكلمنا في درسنا الماضي كذلك عن صورة من صور البيوع المنهي عنها، ألا وهي صورة بيع المسلم على بيع أخيه، نضرب لذلك مثالًا: لو أن شخصًا يبيع في دكانه وعنده زبون يفاوضه على السلعة، ثم استقرا على أن يكون الثمن فرضًا لهذه السلعة مئة دولار مثلاً، ثم جاء صاحب الدكان المجاور وأخذ هذا الزبون من دكان جاره وقال: «أنا أبيعك نفس هذه السلعة التي أردتها بتسعين دولارًا»، لا شك أن هذا كما ذكرنا بيع منهي عنه وهو بيع المسلم على بيع أخيه؛ لأنه يثير البغضاء والشحناء بين النفوس.

سوف نضرب لها مثالاً معاصراً من ناحية أخرى مما يدخل في بيع المسلم على بيع أخيه؛ مثلاً: لو أن تاجراً قد فتح له صفحة في وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي، فلنفرض مثلاً إنستجرام أو من خلال الفيسبوك مثلاً، وهو يعرض سلعة من السلع للبيع؛ إما طعامًا وإما ملابس وإما ساعة أو جهازًا إلكترونيًا، عرضها للبيع فرضًا بمئة دولار أو بألف دولار أو أياً كان، ما رأيكم لو جاء متعامل آخر في هذه الوسيلة -وسيلة التواصل الاجتماعي سواء كانت فيسبوك أو إنستجرام أو تويتر أو أياً كان- وبدأ من خلال التعليقات في هذه الصفحة لهذا الشخص يشير إلى أنه يبيع هذه السلعة بأقل من هذا السعر، وأنه ما عليك إلا التواصل بهذا الرقم أو الاتصال بي على هذه الصفحة؟

لاحظوا، هذا كذلك نفس الصورة السابقة، نفس صورة التاجر الذي يدخل على تاجر آخر في دكانه. هذا الشخص قد بنى له صفحة وبنى له مثلاً متابعين في هذه الصفحة، ثم يأتي شخص آخر ويعرض السلعة التي يعرضها بأقل من هذا السعر من خلال التعليقات الموجودة في أسفل الصفحة، والظاهر والله تعالى أعلم أن هذا كذلك لا يجوز، وأنه من بيع المسلم على بيع أخيه. لذلك نحن نقول لهذا الشخص الذي كتب هذا التعليق: افتح لك صفحة أخرى وابنِ لك متابعين آخرين، وحاول أن تسوق لسلعتك تسويقًا جديدًا، لا أن تسوق لسلعتك بالدخول على من يسوق هذه السلعة ومحاولة صرف الناس عن هذه السلعة وعن هذا الدكان. هذا مثال مثلاً من الأمثلة المعاصرة فيما يتعلق بهذا الأمر.

نريد أن ننتقل الآن إلى موضوع آخر، ألا وهو موضوع بيع العينة. إخواني الكرام، إن من القواعد الشرعية في المعاملات المالية أن الله سبحانه وتعالى إذا حرم شيئًا حرم الحيلة عليه، وقد ضربنا لكم مثالاً، وتذكرون أننا قد ذكرنا في شرط من شروط البيع، ألا وهو الشرط الثالث: أنه لابد أن يكون المبيع له منفعة مباحة شرعًا، فلو كانت منفعته محرمة شرعًا فإنه لا يجوز بيعه؛ لأن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه.

فلو قال قائل إنه لن يشرب الخمر ولكنه يريد أن يبيعها على من يشربها، أو أنه لا يتعاطى الدخان ولكنه سيبيعه على من يتعاطاه، نقول هذا البيع محرم ولا يجوز بيع الخمر ولا الدخان؛ لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى إذا حرم شيئًا حرم ثمنه. هذه قاعدة تدلنا على ماذا؟ تدلنا على أهمية النظر للمآلات وللمقاصد المعتبرة، وعدم النظر في صورة هذا الشيء أو صورة العقد فقط.

من المحرمات التي حرمها الله سبحانه وتعالى في أبواب المعاملات الربا، تحريم الربا تحريم بالغ وشديد في كتاب الله سبحانه وتعالى وفي سنة رسول الله ﷺ، وسنعقد إن شاء الله تعالى عددًا من الدروس عن أنواع الربا وأحكامه وتفصيلها بإذن الله تعالى، ولكننا سوف نقدم بمقدمة بسيطة هنا، فنقول إن الربا محرم حتى في الشرائع السابقة.

قال الله سبحانه وتعالى عن بني إسرائيل مبيناً رذائلهم ومبيناً مخازيهم: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 161]. اليهود أخذوا الربا وقد نهوا عنه، هذا دليل على أن الربا محرم كذلك في التوراة كما هو محرم في القرآن.

بل حتى المشركين الذين لم يكونوا أهل كتاب ولم ينزل عليهم دين سماوي أو كتاب سماوي، أو لم يأتهم رسول، كان تحريم الربا عندهم معروفًا ومشهورًا. أتذكرون قصة قريش في الجاهلية لما أرادوا إعادة بناء الكعبة في تلك الحادثة الشهيرة التي وضع فيها رسولنا الكريم محمد ﷺ الحجر الأسود في موضعه؟ لما اختلفت قريش في تلك الحادثة وقبل بناء الكعبة، اشترطت قريش على نفسها -وهذا كله قبل بعثة النبي الكريم ﷺ- اشترطت قريش على نفسها ألا يدخل في بناء الكعبة مهر بغي ولا بيع ربا؛ لأنهم يريدون أن يصونوا بيت الله الذي شرفهم الله به، يريدون أن يصونوه عن أن يُبنى بمال محرم. انظروا كيف أن الربا مستبشع حتى في الجاهلية قبل بعثة النبي الكريم ﷺ، وكيف كان الربا محرمًا حتى في الشرائع التي أنزلها الله سبحانه وتعالى وبعث بها رسله قبل بعثة النبي الكريم ﷺ.

فلما جاءت بعثة النبي محمد ﷺ ونزل القرآن الكريم ما زاد هذا الحكم إلا تأكيدًا وتقريرًا، من خلال آيات بينت تحريم الربا في كتاب الله سبحانه وتعالى، ثم فسرها رسول الله ﷺ وبين تحريم الربا في سنته ﷺ.

فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد هذا الفاصل.

فارق كبير بين من يسافر لنزهة سياحية أو لمشاهدة مباراة، وبين من يسافر لطلب العلم؛ فالرحلة لطلب العلم موصلة إلى سعادة الأبد. قال النبي ﷺ: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». وبالرحلة يلقى الطالب العلماء وينوع المشايخ، ويقارن بين المناهج، ويجدد نشاطه ويزيد خبراته.

قال الشعبي: «لو أن رجلًا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن فحفظ كلمة تنفعه رأيت أن سفره لا يضيع»، وهل من شيء أشرف من العلم يرحل في طلبه؟ وقد رحل موسى عليه السلام في ذلك رحلة شاقة: ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ وَهُوَ أَهْلُ الْعِلْمِ﴾، ﴿قَالَ سَأَبْحَثُ عَنۡ ءَايَةٖ تَظۡهَرُ لِی لَعَلِّیۤ أَبۡلُغُ ٱلۡأَسۡبَابَ * أَمۡ أَمۡضِی ‌حُقُبًا﴾ [الكهف: 60-62].

ورحل الصحابة والعلماء من بعدهم في طلب العلم المسافات، حتى سافر بعضهم شهرًا في طلب حديث واحد، وقطع بعضهم في طلبه أكثر من خمسة آلاف كيلو سيرًا على قدميه. فإن عجزت عن الرحلة في طلب العلم فلا أقل من التعلم عبر الشبكات والشاشات. قال النبي ﷺ: «سددوا وقاربوا والقصد القصد تبلغوا». بشرى لنا، زاد الأكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن صور البيوع المنهي عنها، فمن البيوع المنهي عنها بيع العينة، وذكرنا أن العينة حيلة على الربا وفرع عن تحريم الربا. ولكن بما أن السياق الآن في ذكر البيوع المنهي عنها، فإننا سوف نتحدث عن بيع العينة؛ لأن صورته صورة البيع، ولكن حقيقته هي حقيقة الربا.

إخواني وأخواتي، قد ذكرنا قاعدة وهي أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة؛ الأصل في البيوع كل البيوع أنها مباحة أيا كان شكل البيع، نوع المبيع، التعاقد، إلا إذا اشتملت على شيء من الممنوعات الشرعية. لذلك ذكرنا شروط البيع التي تبين ما هي الممنوعات الشرعية، فمن الممنوعات الشرعية أن يكون هذا البيع حيلة على ما حرم الله من الربا، والله سبحانه وتعالى قد أحل في كتابه الكريم البيع وحرم الربا.

لذلك إذا اتخذ هذا الأمر المباح حيلة للوصول للأمر المحرم فإنه يكون محرمًا، وهذا قد دل عليه عدد كبير من الأدلة من الآيات والأحاديث، فمنها قول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». فإذا اتخذ صورة البيع، فلنفرض مثلاً لو أقرض النقود بزيادة يعد من الربا المحرم؛ إقراض النقود بزيادة يعد من الربا، فلو أنني أعطيتك مئة دولار على أن تردها لي بعد شهر أو شهرين مئة وعشرة دولارات، نقول هذا محرم، هذا هو الربا في القرض المحرم.

لو قال قائل: سأقرضك مئة ريال أو مئة دولار وتردها لي مئة وعشرة دولارات، ولكن بشرط أن تهدي معها لي هدية قدرها عشرة دولارات، فنقول: ما زدت هذه المسألة وما زدت هذه الصورة إلا قبحًا؛ فإن اشتراطك على هذا المقترض أن يرد إليك القرض وأنت تزعم أنه بدون زيادة وإنما فقط بمجرد هدية ما زاد هذه الصورة إلا قبحًا وتحريمًا، أينها من الربا الذي حرمه الله سبحانه وتعالى؟ وهل تظن أنك إذا عدلت اللفظ بدلاً من أن يكون زيادة مشترطة، في الربا، عدلت هذا اللفظ إلى لفظ هدية، أنك سوف تنجو وتخرج من هذا التحريم؟ كلا.

أضرب لكم مثالًا آخر؛ لو أن إنسانًا أراد أن يخلص له معاملة من جهة حكومية مثلاً، فذهب إلى هذه الجهة الحكومية، فبدل أن يقول له هذا الموظف: ادفع لي رشوة قدرها كذا وكذا حتى أنجز لك هذه المعاملة، قال له: أكرمنا بهدية، أو ادفع لنا هدية، أو أعطنا كذا، أو اجعلنا شركاء معك في هذا المشروع، تقول كلها هذه من الرشوة؛ كونه سماها هدية، سماها شراكة، سماها مساعدة، أياً كانت هذه المسميات لا تغير من حقيقة الأمور شيئًا.

فإن الرشوة قد لعن رسول الله ﷺ فيها الراشي والمرتشي والرائش بينهما، أي الواسطة بينهما؛ لأن بعض الناس ربما لا يجرؤ أن يقول هذا الكلام، لا يجرؤ المرتشي أن يقول هذا الكلام أمام الراشي، إما لوجود جهات رقابية عليه، أو لأنه لا يريد أن يُعرف عنه هذا الأمر، فيبعث رائشًا بينهما وسيطًا يبلغ صاحب هذه المعاملة، يبلغه فيقول له إنه مطلوب منك أن تدفع كذا، أو لو دفعت كذا إليّ لفعلت لك كذا وكذا، الشاهد أن تغيير الأسماء لا يؤثر، فالعبرة بالحقائق، العبرة بالمقاصد في هذه العقود.

نضرب لكم مثالًا آخر من العقود المحرمة لأجل دخولها في صورة الحيلة على الربا، وهو بيع العينة. بينهما صفة بيع؛ أن يأتي شخص لإنسان آخر فيقول له: أقرضني مئة ريال ومئة دولار وسأردها لك مئة وعشرة ريالات أو مئة وعشرة دولارات مثلاً، هذا مثال، فيأتيهما ثالث فيقول لهما إن هذا قرض محرم ولا يجوز أن تقرض المئة دولار بمئة وعشرة دولارات. فيقول له: إذاً هذا الشخص سوف أبيعك الآن مثلاً هذا القلم أو هذا الدفتر، سوف أبيعه لك بمئة دولار ثم ارجع فاشتريه منك بمئة وعشرة دولارات مؤجلة.

كأنه يقول: بدل أن أقرضت مئة مقابل مئة وعشرة، فأنا سوف أعطيك الآن هذه المئة دولار ولكن بعني كتابًا، فالمقرض الآن يسلم مئة دولار ولكن ليست مقابل قرض وإنما مقابل كتاب، ثم يأخذ الكتاب، فيقول بعد أن يأخذ الكتاب الآن انتهى البيع؟ يقول: نعم. يقول: الآن سوف أبيعك لكتابك الذي أعطيتني إياه قبل قليل بمئة وعشرة بعد شهر.

وش نتيجة المعاملة؟ نتيجة المعاملة؛ لأنه في العقد الأول سلم مئة دولار، وفي العقد الثاني ينتظر من الطرف الآخر أن يسلمه مئة وعشرة بعد شهر. لاحظتم؟ والكتاب خرج من المقترض إلى المقرض لمدة دقيقة ثم رجع مرة ثانية للمقترض، كأنهم اتخذوا هذا الكتاب حيلة ليقولوا إننا لم نقرض بفائدة، بينما في واقع الأمر ما هي حقيقة هذا العقد؟ حقيقته أنه أقرضه مئة مقابل مئة وعشرة دولارات، والمعاملة محصورة بينهما، لم يشترِها من السوق شيئًا ولم يبع شيئًا، لم يشترِها من طرف ثالث ولا باع إلى طرف ثالث، وإنما بقيت المعاملة محصورة بينهما.

هذه المعاملة قد حصلت في زمن أصحاب رسول الله ﷺ، فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها، والصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وكانت تتحدث مع امرأة من المسلمين.

تحدثت أن ابنها قد فعل هذا الأمر، فقالت عائشة رضي الله عنها لهذه الأم: «أخبري فلانًا ابنك بأنه قد أبطل جهاده إلا أن يتوب». ينبغي له أن يتوب من هذه الحيلة المحرمة الممنوعة؛ هذا البيع الذي اتخذ حيلة على الربا بين هذين الطرفين، بأن يبيعه سلعة ثم يشتريها مرة أخرى منه بعد دقيقة أو دقيقتين، في واقع الأمر ليس من البيوع المباحة وإنما هو محرم.

لو قال قائل إن الأصل في البيوع الحل والإباحة، فما الذي حرم هذا البيع؟ نقول إن الأصل في البيوع الحل والإباحة، ولكن الذي حرم هذا البيع أنه قد خرج من أصل الحل والإباحة إلى صورة التحريم؛ لأنه حيلة على ما حرم الله من الربا. لاحظتم إذاً هذا هو بيع العينة. وقد جاء في الحديث الذي ذكرنا حديث عائشة رضي الله عنها -وإن كان موقوفًا عليها-: «أخبريه أنه قد أبطل جهاده إلا أن يتوب». فبينت عائشة رضي الله عنها تحريم هذه الحيلة، وقد ذكرنا أن ثمة آيات وأحاديث في الأصل تمنع على المسلم أن يتحايل على ما حرم الله سبحانه وتعالى.

لماذا؟ لأن التحريمات التي حرمها الله سبحانه وتعالى أراد الله سبحانه وتعالى من عباده أن يلتزموها، أن يلتزم هذا التحريم فيجتنبوا ما حرم الله سبحانه وتعالى، وأن يلتزموا الواجبات فيفعل ما أوجب الله سبحانه وتعالى. هذا الالتزام بأوامر الله ونواهيه هو الواجب على المسلم، وليس الواجب عليه أن يحتال ويلف ويدور حتى يستطيع أن يصل إلى هذا الأمر المحرم عليه.

كذلك جاء في العينة حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتُم بالزرع، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم». هذه صورة العينة المحرمة، ويمكن أن نستخرج ونستنبط منها قاعدة؛ لأننا نطلب منكم -إن شاء الله تعالى- كنشاط تقوموا به أن تذكروا أصل البيع أنه مباح، ثم تذكر الأشياء المحرمة لهذا الأصل، ثم تذكر الأشياء التي تخرج عن هذا الأصل بتحريمات وممنوعات، فتقول مثلاً: المحرم الأول أو المانع الأول عدم التراضي بين الطرفين، المانع الثاني أن يكون أحد العاقدين صغيراً أو سفيهاً أو مجنوناً غير جائز التصرف، المانع الثالث أن تكون السلعة المبيعة منفعتها محرمة، وهكذا، أو أن يكون من بيع المسلم على بيع أخيه، إلى آخر.

وهذا الضابط يمكن أن نصطلح عليه فنقول: إن يكون هذا البيع حيلة على ما حرم الله من الربا، فهو وإن اتخذ صورة البيع إلا أن مقصوده مقصود الربا، وهو محرم. فاصل قصير ونعود إليكم.

بالعلم كالأزهار في البستان، أمانة عظيمة ومسئولية كبيرة؛ إنها تربية الأهل والأولاد. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. قال علي بن أبي طالب: «وعلموهم، فنعلمهم العقيدة الصحيحة». قال تعالى: ﴿تُشْرِكُونَ بِاللَّهِ وَهُوَ خَلْقُكُمْ﴾ [الأنعام: 102]؛ إن الشرك لظلم عظيم. وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك». ونعلمهم حب النبي صلى الله عليه وسلم وحب أصحابه، فقد كان السلف يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمون السور من القرآن.

ونعلمهم الصلاة؛ قال صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر». وعلمهم مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب؛ قال صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة: «يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». ونعلمهم شيئاً من القرآن بأنفسنا أو نلحقهم بحلقات التحفيظ، ونعلمهم الحلال والحرام بالتدريج، ونعلمهم لغة القرآن قبل أن نعلمهم اللغات الأخرى. قال نافع: «كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن». فاحرص على تعليم أهلك، واعلم أن غذاء الروح أهم من غذاء البدن، قال صلى الله عليه وسلم: «والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم». بشرى لنا، زاد أكاديمية، العلم كالأزهار في البستان.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن البيوع المنهي عنها؛ بعد أن ذكرنا أصل الحل في البيع، آخر بيع من البيوع المنهي عنها تحدثنا عنه هو بيع العينة، وقد ذكرنا له ضابطاً، وهو: كل بيع اتخذ صورة البيع إلا أن حقيقته حقيقة الربا. إلا أننا نريد أن نستثني هنا استثناء، فنقول إن بعض الناس ربما ظن أن مما يدخل في بيع العينة بيع التورق. ما هو بيع التورق؟ وما حكمه؟ وما هو الاستثناء الوارد فيه؟

التورق أن يبيع أحد العاقدين على الآخر سلعة بالأجل، ثم بعد ذلك يقوم هذا العاقد المشتري -بعد أن اشترى هذه السلعة بالأجل- ببيعها في السوق لغرض الحصول على الورق، والورق هي الفضة، يعني النقد، لغرض الحصول على النقد. فكأنه لما اشترى هذه السلعة لم يكن من مقصوده أصلاً استعمالها، وإنما كان مقصوده من الشراء هو أن يحصل على الورق من خلال بيعها في السوق بثمن حال.

ما الذي تفترق به صورة التورق عن صورة العينة؟ وما حكم التورق وما حكم العينة؟ ذكرنا أن العينة هي البيع الذي يتخذ صورة البيع المباح، إلا أنه في حقيقة الأمر يحقق مقصود الربا وغرضه ويحقق مآل الربا في هذه المعاملة، فكان بيعاً محرماً. أما التورق ففي واقع الأمر فإنه لا يتحقق فيه معنى التحريم؛ لماذا؟ لأن أحد العاقدين وهو البائع، بواقع الأمر الذي باع سلعة بالأجل، ليس طرفاً وليس مشترياً لهذه السلعة مرة أخرى، فبالتالي لما باع هذه السلعة بالأجل فإنه قد قام بعمل مباح في الأصل، ثم بعد ذلك المشتري باعها في السوق لأجل الحصول على الورق، لأجل الحصول على الورق وهو النقد.

طيب، قد يقول قائل: أليست الآن الصورة في صورة التورق أو صورة البيع من حيث البائع أليست صورة واحدة؟ نقول لا، ليست صورة واحدة؛ لأن في صورة العينة رجع البائع فاشترى هذه السلعة من نفس بائعها الأول، أو رجع باعها على نفس بائعها الأول، أو اشتراها لنفسه ممن اشتراها منه، بمعنى أن السلعة قد دارت ورجعت إليه، والسلعة لما دارت ورجعت إلى بائعها الأول صارت لغواً وصارت في حقيقة الأمر نقد بنقد. أما التورق فإن البائع بالأجل قد اشترى سلعة من السوق وباعها لهذا المتورط أو لهذا المدين ولم يعد البائع لشراء السلعة منه مرة أخرى.

الآن ما الموقف؟ موقف البائع بالأجل أو الممول أو الدائن أنه قد اشترى سلعة من السوق ثم باعها إلى هذا المتمول بالأجل، فصار تصرف البائع كأنه تصرف التجار. طيب، ما هو موقف المشتري؟ ما الفرق بين موقف المشتري في العينة وموقف المشتري في التورق؟ موقف المشتري في العينة أنه قد رد السلعة إلى بائعها الأول فصارت السلعة لغواً وبقي عليه نقد بنقد، أما موقف المشتري في التورق...

فهو قد اشترى السلعة من بائع ثم باعها لطرف ثالث، فصار موقفه كأنه موقف التجار الذين يشترون السلع ثم يبيعونها لأطراف أخرى. إذا لاحظتم هنا بعملية التورق لما أن السلعة لم تعد إلى بائعيها الأول، صارت هذه العملية كأنها من عملية التجارة؛ كأن البائع اشترى سلعة وباعها بالأجل، والمشتري اشترى سلعة بالأجل ثم باعها بثمن حال، وكلاهما لم يتصرف بالعقدين مع الطرف نفسه. هذا التورق الأصل فيه الإباحة.

إلا أننا ينبغي أن ننبه إلى عدد من الضوابط الشرعية التي تضبط عملية التورق. فمن الضوابط الشرعية لعملية التورق ألا يبيع الشخص الممول سلعة لا يملكها لهذا الشخص المتورق أو لهذا الشخص المتمول؛ هذا الضابط الأول: ألا يبيع ما لا يملك. قد يقول قائل: إن بيع ما لا يملك أصلاً منهي عنه في كل البيوع، نقول نعم، هو منهي عنه في كل البيوع، ولكننا نؤكد عليه في هذه المعاملة بالذات لأجل ماذا؟ لأجل كثرة وقوع التورق قبل أن يتملك البائع السلعة، فهذا تنبيه من هذه التنبيهات.

الضابط الثاني: ألا تعود السلعة إلى بائعها الأول؛ فإن السلعة إذا عادت إلى بائعها الأول وإن تعددت الأطراف صار هذا من بيع العينة، لأن السلعة إذا عادت إلى بائعها الأول صارت لغواً وصار تداولاً نقدياً فيما بين هؤلاء الأطراف. لاحظتم هذا الأمر، فلذلك نقول إن الشرط الثاني من شروط التورق حتى يكون مشروعاً ألا تعود السلعة إلى بائعها الأول، فإنها لو عادت إليه صارت لغواً وصار التعامل نقداً بين هؤلاء الأطراف.

إذن هذه المسألة فيما يتعلق بالتورق، والتورق من المعاملات المنتشرة، ولعلنا نتحدث إن شاء الله تعالى عنه بتفصيل أكثر في مسائل بيع التقسيط. من البيوع المنهي عنها كذلك بيع الثمار قبل بلوغ صلاحها. لو أن شخصاً عنده بستان أو مزرعة فأراد أن يبيع ثمارَه، ما معنى بيع الثمار؟ معناها أنه لا يريد أن يبيع الأرض ولا يريد أن يبيع الشجر، وإنما يريد أن يبيع الثمر فقط.

فهو سيبيع الثمار، ونقول بيع الثمار هذا له حالتان: إما أن يكون قبل بدو الصلاح، وإما أن يكون بعد بدو الصلاح. فإن كان قبل بدو الصلاح فإنه هذا موطن النهي. لماذا نهي عن بيع الثمار قبل بدو الصلاح؟ لأنه مثار للنزاع والخلاف والشقاق بين البائع والمشتري بسبب كثرة ورود الآفات على الثمار قبل بلوغ الصلاح.

أما إذا كان بعد بدو الصلاح، فالغالب أن العاهات التي تصيب هذه الثمرة تكون قليلة، وإذا باعها بعد بدو الصلاح فإن العلم قد تحقق ولم يحصل للمشتري غبن ولا غرر، ولم يحصل للبائع غبن ولا غرر، بخلاف ما قبل بدو الصلاح؛ قد يتضرر أحد الطرفين لأنه لم تظهر الثمار بعد ولم يبدُ صلاحها ولم يعلم ما هي العاهات أو الآفات التي وردت عليها.

كيف نعرف بدو الصلاح؟ بدو الصلاح في كل ثمرة بحسبها، لكن بدو الصلاح نقول هو احمرار الثمرة أو تموهها أو أن الحب أن يشتد، هذه كلها علامات لبدو الصلاح. بدو الصلاح معناها أن يطيب للأكل، وإن لم يطب الطيب التام، لكن بمعنى أنه يصلح للأكل، أنه يصلح للأكل. هذه إذاً مسألة فيما يتعلق ببيع الثمار قبل بدو صلاحها.

نقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً نوالياً ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد.