يا راغباً في كل علم نافع ينمو العلم ويتقدر، بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد. الفقه الميسر، عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا زادنا كاذبين بالعلم كالآزهار في البستان.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً يا رب العالمين. هذا هو الدرس السابع والعشرون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس قائلها وسامعها ومعدها وناشرها. اللهم علمنا فيها الخير والحق يا رب العالمين، واجعلها حجة لنا ولا تجعلها حجة علينا يا أرحم الراحمين.
تحدثنا في درسنا السابق عن المحرمات في النكاح، وقلنا إن أصل التحريم، تحريم النكاح، جاء في عدد من الآيات في القرآن الكريم عددت أنواع المحرمات في النكاح. وذكرنا أن التحريم إما أن يعود إلى تحريم مؤبد أو تحريم مؤقت.
التحريم المؤبد جاء في عدد من الآيات، آيتين في سورة النساء، قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 22]. أي حُرّم على الرجل أن يتزوج زوجة أبيه. ليس المراد بزوجة الأب هنا الأم؛ الأم تحريمها تحريم نسبي سيأتينا في الآية التي تليها: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾، ولكن المراد زوجة الأب أي غير الأم، وهذا الأمر كان مستباحاً في الجاهلية. كذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، أي ما قبل نزول هذه الآية، فإن الله سبحانه وتعالى قد عفا عنه.
وقال بعض أهل العلم إن من حكمة قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أن الله سبحانه وتعالى عفا عما سبق قبل نزول هذه الآية، لم يحرج على هؤلاء الناس الذين هم أصلابهم وأولادهم وبناتهم وذرياتهم الذين جاءوا من هذا النكاح؛ أنه قد يتحرج الناس في أنسابهم وما يتعلق بها، فالله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. وأما بعد نزول هذه الآية فإنه حُرّم هذا النكاح.
وذكرنا أن أهل الجاهلية كانوا بفطرتهم يمتنعون عن محرمات القرابة والرضاعة والمصاهرة الواردة في الآية، كما ذكره ابن عباس رضي الله تعالى عنه، أنه قال: «كان أهل الجاهلية يحرمون ما ورد في هذه الآيات، إلا فقط من هذه المحرمات»؛ ذكرنا أنه فقط كانوا يستبيحون التي جاءت في هذه الآية، كانوا يستبيحون فقط زوجة الأب، وكانوا يستبيحون الجمع بين الأختين، وأما غيرها من المحرمات فإنهم لم يقعوا فيه.
وذكرنا أن القرابة القريبة أحيطت في القرآن الكريم بوقار؛ هذا الوقار يجانب رفث النكاح ولهوه، وهو فطرة فطر الله سبحانه وتعالى الناس عليها، لذلك كانت مستبشعة في النفوس. ولا زالت بفضل الله سبحانه وتعالى الفطر السليمة تستبشع نكاح الأمهات والبنات والعياذ بالله، وإن كان ما يسمى بالحضارة المادية الغربية بدأت تتحلل من مثل هذه المحرمات شيئاً فشيئاً. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يباعدنا وإياكم عن ارتكاس وانتكاس الفطر.
هذا التحريم الذي ورد في قاعدة المحرمات من النساء في النكاح، يرجع إلى قاعدة المروءات وحفظ الفطر السليمة، وشيء كثير من أحكام النكاح يرجع إلى هذا الأمر، يرجع إلى قاعدة المروءات وحفظ الفطرة والابتعاد عن الفواحش، وهو ما تستبشحه النفوس وتستقبحه وتسترذله؛ لأن الفاحشة ما فحش من فعل شنيع أو قول شنيع.
في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها وصفت النبي ﷺ قالت: «لم يكن الرسول ﷺ فاحشاً ولا متفحشاً»، أي لم يكن يقول كلاماً بذيئاً. والفاحشة تكون فعلاً كما قال الله جل جلاله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 28]. وكما جاء في سورة الأعراف: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۚ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 28]. الله سبحانه وتعالى قد نهى عن الفحشاء ولم يأمر بها جل جلاله، ولا شك أن دين الإسلام وفطرة الله جل جلاله لم تأتِ بهذه الفحشاء.
إذا أردنا استعراض المحرمات على التأبيد، يرجع سبب تحريمهن على الرجل إلى ثلاثة أسباب: السبب الأول النسب، والسبب الثاني المصاهرة، والسبب الثالث الرضاع.
محرمات النسب جاءت في الآية الشريفة في سورة النساء: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ أي الأم وإن علت كالجدات وغيرهن، ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ البنات وإن نزلن كالحفيدات وإن نزلن، ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ الأخوات الشقيقات أو لأب أو لأم، ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ أخوات الأب سواء كانت أخوات الأب شقيقات أو لأب أو لأم، ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾ سواء كانت الخالة أختاً للأم شقيقة أو أختاً للأم لأب أو أختاً للأم لأم من أمها، ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾ بنات الأخ وإن نزلن، ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ بنات الأخت سواء كان هذا الأخ شقيقاً أو كان هذا الأخ لأب أو كان هذا الأخ لأم، فإن بناته لا يجوز للإنسان أن يتزوجهن، وبنات الأخت سواء كانت هذه الأخت شقيقة أو كانت هذه الأخت لأب أو كانت هذه الأخت لأم.
هذه سبعة أصناف جاءت الآية الشريفة الكريمة تحريمها نسبياً: الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت. حتى نزيل ما ربما اشتبه على بعض الناس؛ بنات الأخ وبنات الأخت، يعني البنت التي تقول لهذا الرجل «يا عم» أو تقول لهذا الرجل «يا خال»، غير بنات العم وبنات العمة وبنات الخالة وبنات الخال، فبنات العم وبنات العمة وبنات الخالة وبنات الخال مباحات للرجل أن يتزوجهن، لكن بنات الأخ وبنات الأخت محرمات على الرجل أن يتزوجهن. إذاً هذي سبعة أصناف من أصناف الأقارب النسبيين.
ثم أنت قلت الآية بعد ذلك إلى تحريم الرضاع: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾، فالأم التي أرضعت الإنسان تسمى أماً، وهي أم. وسنذكر بعض تفاصيل الرضاع المحرم الذي يثبت حرمة النكاح، ولكن بعد فاصل قصير.
الآزهار في البستان. خلق الله الإنسان مدنياً بطبعه، يألف ويؤلف، وتكون العلاقات بين الناس يترتب عليها تأثير بعضهم ببعض، لذا قالوا: الصاحب ساحب، ومن جالس جانس وصار من جنس صاحبه. وقديماً قال الشاعر: لا تسأل المرء وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
وكثيراً ما يدور في أذهان المربين المخلصين مجموعة من الأسئلة المتعلقة بأصدقاء الولد: مع من يمشي يا ترى؟ من هو صاحبه؟ من هو جليسه؟ ماذا يفعلون الآن؟ في أي شيء يشتركون؟ فقد ينشأ الولد باراً طائعاً حسن الخلق، فينقلب على أثر الصحبة والعلاقات عاقاً عاصياً، سيء الطبع فاحش اللسان. لذا كان لزاماً على المربي...
أن يتفحص علاقات أبنائه وبناته، وألا يغفل عنها بحال، وأن يؤسس في نفوس أولاده معنى العلاقة وعلى أي أساس تقوم؟ وكيف يختارون أصدقاءهم؟ فليست القضية مجرد ألف وصحبة، وإنما قضية دين وإيمان عليها تنعقد المصائر يوم القيامة.
فكل العلاقات والصداقات والزمالات الناشئة في الدنيا ستنقلب عداوة في الآخرة، إلا ما كان منها مبنيًا على تقوى من الله ورضوان؛ قال تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 257]. فإذا رأى المربي صحبة خير دل عليها وشجعها ورعاها ودفعها إلى الطاعة، وإذا رأى صحبة شر حذر منها وبين لأولاده سوء عواقبها وقبح نتائجها، وذلك كله من طرف خفي؛ لكي لا يشعر الولد أنه مساق لا رأي له ولا اختيار.
فإذا لاحظ المربي اتجاه الأبناء والبنات نحو تكوين صداقات عبر وسائل التواصل الحديثة، فمن الحسن توجيه هذه العلاقات للدعوة إلى الله، والتواصي بالحق والصبر، والتزود من المعرفة واكتساب المهارات الجميلة ونشر العلم النافع، كرفع مقال جميل وتشجيع كاتب متميز وغير ذلك؛ فإن من دل على خير فله مثل أجر فاعله.
بشرى لنا زاد أكاديمية بالعلم كالأزهار في البستان، نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن المحرمات في النكاح.
المحرمات تأبيدًا ذكرنا بسبب النسب والقرابة سبعة أصناف، وذكرنا بسبب الرضاع سبعة أصناف. المحرمات تأبيدًا بسبب الرضاع ذكرنا أن الآية الشريفة نصت على نوعين، والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
منهن المحرمات من الرضاع: الأم المرضعة؛ الأم المرضعة التي أرضعت هذا الطفل ونشأ لحمه وإنما بدنه في الحولين بسبب هذا الرضاع، هذا الاتصال بين المرأة والطفل اتصال أمومة، وله وقار الأمومة، لذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23]. والعرب كانت تسمي هذه المرأة المرضعة أمًا، والقرآن سماها أمًا: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، ولها وقار الأمومة، وحرمت في النكاح.
دعونا نقابل السبب بالرضاع مع السبب بالنسب والقرابة. سبب النسب والقرابة الله سبحانه وتعالى ذكر فيه سبعة أصناف: «حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم...». هل يحرم على الإنسان بنته من الرضاع؟ ما هي البنت من الرضاع؟ كيف يكون للرجل بنت من الرضاع؟
بسبب إرضاع زوجته لها صار هذا الرجل أبًا لها؛ لأن زوجته لما أرضعت هذه البنت صار هذا الرجل في مقام الأب بسبب أن زوجته قد أرضعتها. فلو أن امرأة، ولنفترض أن اسمها زينب، وهي متزوجة من شخص اسمه محمد، فأرضعت زينب طفلة اسمها فاطمة، تكون فاطمة هذه محرمة على محمد؛ لأن محمد يعتبر أبًا لها من الرضاعة لأن زوجته زينب قد أرضعت هذه الطفلة فاطمة. هذا مثال لتحريم الرضاعة.
«بناتكم» حرمت عليكم؛ أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم. الأخوات من الرضاعة كذلك محرمات، سواء كنّ هؤلاء الأخوات شقيقات أو لأب أو لأم من الرضاعة. بمعنى آخر، نفترض أن هذا الطفل قد رضع من أم، فكيف تكون الأخوات؟ أخت شقيقة هي بنت لأمه وأبيه من الرضاع، أو أخت لأم يشارك هذه الأخت بأن هذه الأخت بنت للأم التي أرضعته، أو كانت هذه البنت التي يريد أن يتزوجها بنتًا للأب الذي وضع هذا الرجل من زوجته، لأن هذا الأب يعتبر في مقام الأب من الرضاع؛ لأن زوجته قد أرضعت هذا الطفل.
فالآن صارت هذه أختًا له من الرضاعة. لاحظوا الأصناف الثلاثة وهكذا نطبق هذه الأصناف الثلاثة: أمهاتكم، وبناتكم، وأخواتكم، وعماتكم، وخالاتكم، وبنات الأخ، وبنات الأخت. هذه الأسباب النسبية نطبق مثلها في الرضاع: أمهاتكم من الرضاع، وبناتكم من الرضاع، وأخواتكم من الرضاع، وعماتكم من الرضاع، وخالاتكم من الرضاع، وبنات الأخ من الرضاع، وبنات الأخت من الرضاع. نطبق ونطابق هذه الأسباب السبعة في الرضاع، ولكن لا نقول هذا الشخص، بل نقول: ما حُرّم عليك بسبب النسب كأمك وبنتك وأختك وعمتك وخالتك يحرم مثله بسبب الرضاع؛ هذا مقتضى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
حتى إذا قال لنا قائل: لماذا تسردون الآيات النسبية، التي هي الأصناف السبعة، ونشغلها بالرضاعة؟ نقول: لأن الرضاعة يحرم مثلها. قد يقول قائل: إنه ما ذكر في الآية الشريفة إلا نوعان من المحرمات بالرضاع؛ أمهاتكم وأخواتكم، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23]، المذكور نوعان فقط. نقول: نعم، المذكور نوعان فقط؛ لأنه هو المنتشر والمشتهر والمتداول، أي الذي يكثر وقوعه، أما الباقي فإنه يندر وقوعه، والذي قد يتوقع حصوله يندر الحصول فيه.
الجانب الثاني: نقول إن هذه الزيادة حُرّمت بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، فحرم كذلك الأصناف الخمسة التي لم ينص عليها في الآية الشريفة. ذكرنا صنف الأم من الرضاع، والبنت من الرضاع، والأخت من الرضاع، والعمة من الرضاع، والخالة من الرضاع. لو أن شخصًا رضع من امرأة، لكانت أخواتها خالات له من الرضاع، ولكانت أخوات زوج هذه المرأة التي رضع منها عمات له من الرضاعة.
وبنات الأخ وبنات الأخت؛ نقول كذلك إخوانه الأشقاء أو لأم أو لأب، كما أنهم أخواته الأشقاء أو لأم أو لأب محرمات عليه، فيحرم عليه كذلك أولادهم جميعًا ذكورًا وإناثًا؛ لأنهم يعتبرون بنات أخ وبنات أخت، فيحرمن عليه لأنه يعتبر في مثابة الخال لهم. هذا مثال لتحريم الرضاع: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
ننتقل للسبب الثالث من أسباب التحريم المؤبد. التحريم نوعان: مؤبد ومؤقت لعارض. المؤبد له ثلاثة أسباب جاءت في القرآن الكريم: السبب الأول النسبي وفيه سبعة أصناف، والرضاع ذكر في القرآن صنفين والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» فجعلنا سبعة أصناف مثل النسب.
يبقى عندنا تحريم المصاهرة، التحريم الراجع لسبب المصاهرة، وهو ما جاء في تمام الآية الشريفة بعد قول الله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم﴾، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23]. أم الزوجة تحرم على الرجل تحريمًا مؤبدًا، تحرم على الرجل حتى لو طلق هذه الزوجة. الأم تحرم عليه تحريمًا مؤبدًا: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ ۖ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23]. هذه الربيبة وهي بنت الزوجة؛ فلنفترض أن هذه الزوجة التي تزوجها هذا الشخص كانت متزوجة من قبل من رجل آخر ثم طلقها مثلاً أو توفي عنها.
ولها منه بنات، فالآن هذه الأم تزوجها بعد أن توفي زوجها أو طلقها، تزوجها رجل آخر، تزوجها مثلا شخص، هل هذا الشخص يجوز له أن يتزوج من بناتها؟ طبعاً هؤلاء البنات لا تعد البنت منهن بنتاً له، وإنما هن بنات لزوجتي، نقول يحرم عليه أن يتزوج ببنات زوجته، وأن يتزوج بأم زوجته.
وهو معنى قوله سبحانه: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23]. والربيبة هي بنت الزوجة اللاتي في حجوركم من نسائكم، والغالب في الربيبة أنها تكون مع أمها في بيت الزوج. فالآن كأن القرآن أراد أن يقبح هذا الفعل، وأن يشنع على فاعله؛ بأن هذه البنت قد ربيت في حجرك، فكيف تطلب زواجها؟
وربائبكم اللاتي في حجوركم كأنه تقبيح للوصف، وليس المراد بهذه العبارة معناها أنها لو لم تربَ في حجره أنه يجوز له أن يتزوجها، لا، هي محرمة عليه بإطلاق. وربائبكم اللاتي في حجوركم، ولكن هذا كأنه نوع وصف لبيان بشاعة هذا الفعل أو الإقدام عليه، أن القرآن الكريم جعلها بمثابة البنت. ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ وهذا فرق بين بنت الزوجة وأمها نبينه بعد فاصل قصير.
علمك الأزهار في البستان، ربما تحب أحد الأبناء أو البنات أكثر من إخوتهما لبره أو أدبه أو غير ذلك، ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخصه بالهدايا دون الآخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت لصحابي جليل، النعمان بن بشير رضي الله عنه، يقول: سألت أمي أبي: «أوحب لي من ماله؟» فقالت: «لا أرضى حتى تشهد النبي ﷺ»، فأخذ بيدي وأنا غلام، فأتى بي النبي ﷺ فقال له: «يا بشير، أكل ولدك سوى هذا؟» قال: نعم، فقال: «أكلهم وهبت لهم مثل هذا؟» قال: لا، قال: «فلا تشهدني إذاً فإني لا أشهد على جور».
في هذا الحديث تحذير من تفضيل أحد الأبناء على إخوته، وأنه من الجور والظلم، ولم يفرق بين الذكر والأنثى، وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم. ولا حرج في الميل القلبي لأحد الأولاد دون غيره لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي، فإن حصل مثل هذا التفضيل وجب رد قضية أو إعطاء الآخرين مثل أخيهم.
ويجوز التفضيل بين الأولاد إذا كانت هناك أسباب وجيهة تدعو إلى ذلك، كأن يخص أحد أولاده لمرض أصابه، أو فقر وحاجة ألمت به، أو لاشتغاله بطلب العلم ونحوه من الفضائل. وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى، ويعطيها لمن يستحقها. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].
بشرى لنا زادنا كاذبية بالعلم، كالأزهار في البستان. نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن المحرمات تحريماً مؤبداً. ذكرنا النسب سبعة أصناف، وذكرنا الرضاع وهو سبعة أصناف نسبية، ثم ذكرنا المصاهرة. المصاهرة يعني التحريم الذي منشأه زواج، يعني ليست المحرمات بسبب المصاهرة هن محرمات نسبيات، لا، وإنما نشأنا بسبب زواج.
سنذكر أن هناك أربعة أسباب للمصاهرة: إذاً أم الزوجة تحرم، وبنت الزوجة وهي المسماة في القرآن الربيبة: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ هذه محرمة، الربيبة وهي بنت الزوجة تحرم على الرجل. وكذلك زوجة الأب، هذه محرمة جاءت في القرآن الكريم وصفها الله سبحانه وتعالى، قال إن الزواج بها إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا. أن الإنسان يتزوج زوجة أبيه، وكذلك زوجة الابن هذه كذلك محرمة.
إذاً هذه أربعة أسباب مرجعها زواج. ما دام أبوك قد تزوج بامرأة حرمت عليك، ما دام ابنك قد تزوج بامرأة حرمت عليك، ما دمت أنت قد تزوجت بامرأة حرمت عليك أمها وبنتها. هذه أربعة محرمات حرمت عليك بسبب ثلاث زواجات: زواج الأب يحرم عليك المرأة التي تزوجها أبوك، زواج الابن يحرم عليك المرأة التي زوجها ابنك، وزواجك أنت يحرم عليك امرأتين: أمها وبنتها.
إذن هؤلاء أربع محرمات بسبب الزواج. هنا تنبيه وهو أن هؤلاء المحرمات بسبب الزواج كلهن يحرمن بمجرد عقد الزواج إلا صنفاً واحداً. بمعنى أنه بمجرد عقد أبيك على امرأة فإنها تحرم عليك هذه المرأة وإن لم يدخل بها، وبمجرد عقد ابنك على امرأة فإنها تحرم عليك وإن لم يدخل بها الابن، يعني لو طلقها الابن مباشرة بعد العقد، نقول ليس معنى هذا أنه يحل لك أن تزوجها، خلاص حرمت عليك. وبمجرد زواجك أنت بامرأة فإنه تحرم عليك أمها مباشرة بمجرد العقد، وإن طلقت هذه المرأة بعد العقد لكن تبقى أمها محرمة عليك تحريماً أبدياً لا يحل لك أن تزوجها.
الصنف الرابع من المحرمات بسبب المصاهرة هي بنت الزوجة؛ بنت الزوجة لا تحرم على الرجل إلا إذا دخل بأمها. إذا تزوجت امرأة، إن كنت قد طلقتها بعد الزواج وقبل الدخول فإن بنتها لا تكون محرمة عليك، فإنه يجوز لك أن تتزوج الربيبة، هذه لا تسمى ربيبة أصلاً لأنها لم تدخل أصلاً بأمها. إذاً بنت الزوجة لا تحرم إلا إذا كان الرجل قد دخل بهذه الزوجة.
إذن المحرمات بسبب المصاهرة أربع محرمات، ثلاث منهن يحرمن بالعقد، وواحدة تحرم بالعقد والدخول، أي بعد الدخول وليس بالعقد المجرد فقط، وإنما تحتاج إلى الدخول بعد ذلك. فلو طلق الإنسان الزوجة قبل دخوله بها فإن بنتها لا تحرم عليه، ولكن أمها تحرم عليه.
طيب، هذا فيما يتعلق بالمحرمات بسبب المصاهرة. كذلك من المحرمات بسبب الرضاع، وقد تركنا هذه المسألة عند الحديث عن الرضاعة، ولكن لا مانع أن نبينها الآن بياناً، وأجلناها نحن لأجل ما فيها من خلاف عند أهل العلم، وهي: هل تحرم بسبب الرضاع أن يجتمع الرضاع مع سبب المصاهرة؟
كيف؟ نحن ذكرنا أن الرضاع يحرم كل الأسباب السبعة النسبية: الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، فيحرم من الرضاع كذلك مثلهن: الأم من الرضاعة، البنت من الرضاعة، الأخت من الرضاعة، العمة من الرضاعة، الخالة من الرضاعة، بنت الأخ من الرضاع وبنت الأخت من الرضاع. هذه محرمات.
ذكرنا أسباب المصاهرة، أم الزوجة مثلاً، هذه مصاهرة تحرم عليه. طيب أمها من الرضاع، هل تحرم عليك أم لا؟ لاحظ أنه هنا الرضاع في شأن الزوجة، يعني زوجتك نفترض أنها...
قد رضعت من امرأة ما فهذه أمها من الرضاعة. فهل يقال: وكذلك تحرم هذه الأم من الرضاع باعتبار أنها قد أرضعت زوجتك وأنها أم لها؟ وهي داخلة في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23].
هل أمهات نسائكم هذه داخل فيها أمهات النسب وأمهات الرضاع، كما أنه قد دخل في محرمات النسب؟ الأم من النسب والأم من الرضاع للرجل، فهل نقول كذلك زوجته أمها من النسب وأمها من الرضاع تدخل في هذه الآية؟ وهذا حقيقة قول له وجه قوي وسديد. كذلك يقال بنتها من النسب وبنتها من الرضاع، إذاً هذا كذلك اجتماع الرضاعة أحياناً قد يجتمع مع النسب، وإن كانت هذه المسألة فيها خلاف وأرجأنا الحديث عنها.
من المهم أن ننبه هنا إلى أن الرضاعة المحرمة هي ما كان في الحولين التي ينشأ فيها الطفل، أما ما كان بعد ذلك فالظاهر والله أعلم أنه غير محرم؛ لأن الرضاعة التي تكون في الحولين هي الرضاعة التي تنبت اللحم وتنجز هذا الطفل. الحولان الأولان هما اللذان يكون للرضاع فيهما تأثير، لأن الطفل لا يأكل ولا يشرب فيهما غير هذا الحليب الذي يرضعه، لكن بعد الفطام بعد الحولين فإن حتى لو حصلت الرضاعة، هذا يكون غير مؤثر وغير منبت، وهو المسمى برضاعة طفل الكبير مثلاً، هذا يكون غير مؤثر؛ لأنه ليس هو الذي أنبت لحمه.
فالرضاعة المحرمة هي ما كان في الحولين، وقد روي في حديث: «إنما الرضاعة من المجاعة». وجاء في القرآن الكريم: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233]، هذه الآية الشريفة دلت على أن تمام الرضاعة بالحولين.
التنبيه الثاني الذي ينبه إليه وهو أن الرضاعة المحرمة هي خمس رضعات مشبعات؛ هذه الرضاعة المحرمة، فلو أنه قد التقم الثدي مرة واحدة فهذه لا تعد رضاعة محرمة. الأمر الذي ننبه إليه أخواتنا وهو أن يقيدنا هذه الرضاعة ويكتبنا وينبهنا عليها حتى لا يحصل لبس لها ولا يحصل نسيان لها. أو أن هذه الأم مثلاً التي أرضعت تموت ولا تنبه أحداً أنها قد أرضعت فلاناً، فعليها أن تنبه ولو كتبت هذا ووثقته عندها لكان هذا حسناً، أو دلت على هذا الأمر أختها أو بنتها أنني قد أرضعت فلاناً أو فلانة، تنبه إلى هذا الأمر حتى لا يحصل الالتباس.
هذا فيما يتعلق بالرضاع، مسألة أخرى وهي ذات علاقة بالرضاع وهي أن أحكام الرضاع تتعلق بالطفل المرتضع، لا تتعلق بأخيه مثلاً. نفترض أن شخصاً ارتضع من عائلة، فإنه أمها تحرم عليه أخواته اللاتي هن بنات هذه الأم التي أرضعته، هذا ظاهر. طيب أخوه يحل له أن يتزوج منهن، ولا تعتبر مثلاً أخوات هذا المرتضع أخوات له؛ لأنه هو لم يرتضع. إذاً أحكام الرضاعة ترتبط بهذا الطفل المرتضع.
هذه هي أسباب التحريم المؤبد. يبقى عندنا نوع آخر من أنواع التحريم وهو التحريم العارض، يعني ليس راجعاً لسبب القرابة أو الرضاع أو المصاهرة، وإنما هو لأمر عارض ويمكن زوال هذا العارض وتحل هذه المرأة للرجل. مثلاً نضرب مثال الإحرام، أليس الإحرام يمنع المحرم من النكاح ويمنع الرجل من النكاح؟ نعم يمنعهم من الكعبة، ولكن إذا حلت المرأة من عمرتها أو من حجها، انتهت من العمرة أو الحج حلت. إذاً هذا الإحرام بالحج أو العمرة سبب عارض يمنع نكاح المرأة.
اختلاف الدين، لو كانت كافرة هل يجوز له أن يتزوجها؟ نقول لا يجوز له أن يتزوجها، لكن لو أسلمت جاز له أن يتزوجها وهكذا. إذاً أسباب التحريم أسباب تحريم مؤبد لا تزول إذا حصلت، وتحرم المرأة على الرجل تحريماً مؤبداً، وهناك أسباب تحريم عارضة يمكن زوالها، وإذا زالت حلت المرأة للرجل ويجوز له أن يتزوجها. ما هي أسباب التحريم العارضة؟ هو موضوع لقائنا القادم إن شاء الله تعالى.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في دينه وأن يعلمنا ما ينفعنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي