دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 28 - الأنكحة المحرمة

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد. الفقه الميسر، عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان، بالعلم كالازهار في البستان. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً يا رب العالمين.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثامن والعشرون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، وأن يبارك في هذه الدروس قائلها وسامعها، وأن يجعلنا جميعاً ممن علموا العلم ويكون العلم حجة له لا عليه.

إخواني وأخواتي، كنا قد تحدثنا في عدد من اللقاءات السابقة عن النكاح، تحدثنا فيها عن شروط النكاح وآدابه وأحكامه، ثم انتقلنا إلى موضوع المحرمات في النكاح. وتحدثنا عن آية المحرمات في النكاح وكيف سردت الآيتان الشريفتان المحرمات في النكاح؛ فابتدأت بتحريم نكاح زوجات الآباء، ختمها الله بقوله: ﴿لَا تُنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 22].

ثم سرد الله جل جلاله في الآية التي تليها المحرمات في النكاح، فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: 23]، ثم قلت الآية الشريفة إلى أحكام الرضاع: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23]. ثم انتقلت إلى أحكام المحرمات بالمصاهرة: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ ۖ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ۖ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: 23].

والمحرمات بسبب المصاهرة في هذه الآية ثلاث، وسبق في الآية التي قبلها زوجات الآباء، وهذا النوع الرابع من المحرمات بسبب الصهر. إذاً هذه الآية الشريفة جمعت جل المحرمات على الرجل في النكاح. وقد ذكرنا من قبل أن المحرمات في النكاح على نوعين: إما أن يكون تحريمهن تحريماً مؤبداً، وهو الأنواع الثلاثة التي ذكرناها: المحرمات تحريماً مؤبداً بسبب النسب، والمحرمات تحريماً مؤبداً بسبب الرضاعة -الرضاعة التي توازي النسب، مثلاً الأم النسبية ممنوع نكاحها والأم من الرضاع كذلك، والأخت النسبية والأخت من الرضاع، والعمة النسبية والعمة من الرضاع، والخالة النسبية والخالة من الرضاعة، وهكذا- والجامع لهذا هو حديث النبي ﷺ: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».

إذاً هذا هو السبب الثاني لتحريم المرأة تحريماً مؤبداً، وأما السبب الثالث فهو المصاهرة. وذكرنا أن المصاهرة على أنواع، فهي: أم الزوجة، وبنت الزوجة وهي الربيبة، وزوجة الأب، وزوجة الابن. هؤلاء أربع نساء يحرم نكاحهن على الرجل. وذكرنا أن الأصل في محرمات المصاهرة الأربع أن ثلاثة أنواع منهن يحرمن بمجرد العقد، والنوع الرابع منهن وهي حليلة الابن، وهي الربيبة: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ ۖ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23]؛ فالربيبة وهي بنت الزوجة إنما تحرم إذا دخل بأمها، وأما بمجرد العقد على أمها فإنها لا تحرم عليه حتى يدخل على أمها.

هؤلاء هن المحرمات بسبب المصاهرة، وذكرنا مسألة في ختام حديثنا عن المصاهرة، وهي: هل يحرم كذلك بسبب الرضاع نفس الأمهات اللائي يحرمن بسبب المصاهرة؟ فقد ذكرنا أن أم الزوجة يمنع على الرجل أن يتزوجها، فهل يقال هذا كذلك في أمها من الرضاع؟ وذكرنا أن الراجح إن شاء الله تعالى أنهن داخلات في التحريم لقول رسول الله ﷺ: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»؛ فكما أن أم الزوجة النسبية محرمة على الرجل فكذلك أمها من الرضاع، ونقول كذلك في بنت الزوجة؛ ما دامت بنت الزوجة النسبية محرمة على الرجل فكذلك بنتها من الرضاع، وهكذا. هذه هي أسباب التحريم المؤبد: نسب وصهر ورضاع.

إلا أن هناك أسباباً أخرى للتحريم المؤقت، فإن الرجل قد يحرم عليه نكاح المرأة، ولكن هذه الحرمة ليست تحريماً مؤبداً دائماً، وإنما تحريم عارض مؤقت يزول بسبب زوال وصفه أو المانع الذي كان يمنع النكاح. ونضرب لذلك مثلاً، فإن الله سبحانه وتعالى قد ذكر في ختام آية المحرمات قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 23]. فإن الجمع بين الأختين قد حرمته هذه الآية الشريفة الكريمة، إذاً ليس المحرم أخت الزوجة تحريماً مؤبداً، وإنما هو تحريم مؤقت حال كوني هذه الأخت في عصمته، فإذا خرجت الزوجة من عصمته حلت له أختها.

إذاً الجمع بين الأختين هو المحرم، وليست أخت الزوجة محرمة تحريماً أبدياً. إذا الإنسان إذا تزوج امرأة نقول له إن أمها محرمة تحريماً أبدياً، نقول كذلك إن بنتها محرمة تحريماً أبدياً، ولكن أخت الزوجة هل هي محرمة تحريماً أبدياً؟ نقول لا، هي محرمة تحريماً وصفياً عارضاً مؤقتاً، فلا يجوز له نكاحها ما دامت زوجته التي هي أختها في عصمته، فإذا ماتت زوجته مثلاً أو طلقها وخرجت من عصمته، فإنه يجوز له حينئذ أن ينكح أختها؛ لأن المحرم هو الجمع بين الأختين وليس التحريم تحريماً مؤبداً.

لاحظوا الفرق، لو أنه سرد ضمن المحرمات «وأخوات زوجاتكم» لكانت محرمة تحريماً أبدياً، وهذه فائدة معرفة أصول الفقه؛ حيث أنا نعرف كيف الصياغة اللفظية، وكيف نشتق من هذه الصياغة اللفظية ما هو القدر المحرم أو ما هو الشيء المحرم. إذاً فرق، لو قيل «وأخوات زوجاتكم» لصارت حكمها حكم أمهات نسائكم وأخوات نسائكم، لكن لم ترد الآية بهذا اللفظ، وإنما جاءت بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾، وهذا لا شك أنه من دلالة اللغة العربية على هذا الحكم، كيف طريقة استنباطه واستخراج الحكم من ألفاظ الآية الشريفة.

فاصل قصير ونعود إليكم.

عن أي شيء تبحث؟ وفي أي شيء ترغب؟ وماذا تطلب؟ وما هي همتك في هذه الحياة؟ فالمسلم يحب المعالي ويسعى إليها. قال ﷺ: «إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها». واعلم أن طلب العلم لا ينتهي بل هو مستمر إلى آخر العمر؛ قيل للإمام أحمد وهو يحمل محبرة: إلى متى؟ فقال: «مع المحبرة إلى المقبرة». ولا يعوق كبر السن عن طلب العلم، إذا توافرت الهمة، فلا أن تموت طالباً للعلم خير من أن تموت قانعاً بالجهل.

وذو الهمة في الطلب يهتم بجمع الفوائد وقراءة المطولات. قال أبو عبيد: ربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال فأضعها في الكتاب فأبيت ساهراً فرحاً بتلك الفائدة. وقال الخطيب البغدادي: قرأت على إسماعيل بن أحمد صحيح البخاري جميعه في ثلاثة مجالس. ومن المهم المداومة، فطالب العلم فالقليل مع المداومة خير من الكثير مع الانقطاع. قال عكرمة: طلبت العلم أربعين سنة. وقال أبو العباس النحوي...

ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس لغة من خمسين سنة، فاطرح عنك الكسل واحرص على دراسة العلم وإحسان العمل. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]. بشرى لنا زاد أكاديمية بالعلم كالأزهار في البستان.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن المحرمات من النساء. إذاً التحريم المؤقت يكون بسبب عارض، كالجمع بين الأختين؛ مما يجدر ذكره هنا أنه يحرم على الرجل أن يجمع بين أختين في عصمته، سواء كانتا أختين من النسب أو أختين من الرضاع، فإن الرضاع يحرم ما يحرم النسب كذلك.

جاء في السنة الشريفة النبوية أن رسول الله ﷺ نهى عن الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، قال: «لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها». إذاً هذا تحريم جاء في السنة النبوية الشريفة، والله سبحانه وتعالى قد أمر بطاعته وطاعة رسوله ﷺ.

كذلك من أوصاف التحريم الجمع بين أكثر من أربع نسوة، فإن أقصى حد للزوجات أن يجتمعن في عصمة رجل واحد أن يجتمع أربع نسوة، ولا يجوز للرجل أن يتزوج أكثر من أربع. وإذا طلق الرابعة فلا يجوز له أن يتزوج امرأة بعدها حتى تنقضي عدة هذه المرأة الرابعة، فإذا انقضت عدتها وخرجت من عصمته حل له حينئذ أن ينكح بعد ذلك.

لاحظوا هنا أن التحريم تحريم عارض بسبب أنه قد جمع في عصمته أربع نسوة، ولا يجوز له أن يتجاوز هذا العدد حتى تخرج إحداهن من عصمته، إما بوفاة وإما بطلاقه. هذا التحريم عائد لسبب راجع إلى الرجل لأنه قد اجتمع في عصمته أربع نسوة، وبعض التحريمات ترجع لسبب عائد إلى المرأة كما ذكرنا: المرأة وأختها، والمرأة وعمتها، والمرأة وخالتها.

كذلك من الأوصاف التي تمنع نكاح المرأة وصف العدة؛ فإن المرأة وإن كانت في عدة وفاة مثلاً، أو كانت في عدة طلقة ثالثة لا رجعة فيها للرجل، يحرم على الرجل أن ينكحها حتى تخرج من عدتها. كذلك من الأوصاف التي تمنع نكاح المرأة أن تكون المرأة محرمة أو الرجل محرمًا، سواء كان هذا الإحرام بحج أو بعمرة؛ فإن المحرم لا ينكح ولا يُخطب.

فما دامت المرأة في وصف الإحرام، أو كان وليها كذلك في حال الإحرام، أو كان الرجل في حال الإحرام، فإنه لا يجوز عقد النكاح في هذه الحالة، بل لا بد من الخروج من حال الإحرام بتحلل مباح مشروع بعد انقضاء الحج أو بعد انقضاء العمرة، ثم حينئذ يحل للمرأة أن تنكح، ويحل للولي أن ينكح، ويحل للرجل أن يخطب المرأة وأن ينكح. إذاً هذه بعض الأوصاف، لاحظوا أن هذا وصف مؤقت أو وصف معلق، إذا انتهى هذا الوصف انتهى هذا السبب، فإنها حينئذ تحل عقدة النكاح.

كذلك من الأوصاف وصف الزنا -أعاذنا الله وإياكم- فإن الله سبحانه وتعالى قد حرم نكاح الزانية؛ ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ۖ وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 3]. فلا يجوز نكاح المرأة الزانية -والعياذ بالله- حتى تتوب وتظهر توبتها وتبين توبتها، حينئذ يجوز نكاحها، ولا يجوز نكاحها وهي في هذه الحال. لذلك حتى الكتابية اشترط في الكتابية التي يحل نكاحها أن تكون محصنة عفيفة، ولا يجوز نكاح امرأة كتابية لها صديق أو عشيق أو خديم أو غير ذلك.

كذلك من الأوصاف التي تمنع نكاح المرأة -ولكن هذا المنع منع مؤقت- هو اختلاف الدين؛ فإن المسلم لا يجوز له أن ينكح الكافرة المشركة، ويجوز له أن ينكح الكتابية المحصنة العفيفة، ولا يجوز له أن ينكح غير الكتابية من المشركات، مثلاً من المجوسيات أو الملحدات أو غيرهن، لا يجوز له أن ينكحهن بحال. والمرأة لا يجوز لها أن تنكح رجلاً كافراً، فالمرأة المسلمة لا يجوز لها أن تكون تحت عصمة رجل كافر، سواء كان هذا الكافر كتابياً أو كان مشركاً أو ملحداً أو مجوسياً، وإنما لا يجوز لها إلا أن تنكح رجلاً مسلماً.

وقد جاء في القرآن الكريم قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 221].

إذاً هذه مسألة مهمة وربما كثر السؤال عنها ببعض الجاليات الإسلامية أو في بعض البلدان التي يكثر فيها المسلمون أقلية لبلدان الغرب أو الشرق. هذه بعض المسائل المتعلقة بالأوصاف والأحوال التي يحرم على المرأة، والتي يحرم على الرجل فيها نكاح المرأة، إذا كان هذا الوصف متعلقاً بها أو متعلقاً بالرجل، كما قد ذكرنا وفصلنا في غير هذه الأحوال وفي غير هؤلاء النساء المحرمات، فإن الرجل يجوز له أن ينكح المرأة إذا خلت من هذه الأوصاف.

هذه المسألة هي ختام المسائل المتعلقة بالمحرمات في النكاح، نريد أن نتطرق بعد ذلك إلى موضوع مهم، ألا وهو بعض الأنكحة التي قد نُهِي عنها. ما الفرق بين هذا الموضوع والموضوع الذي قبله؟ الموضوع الذي قبله يتعلق بأشخاص الزوج والزوجة، من هم الزوج والزوجة الذين يحل لهم الاقتران ببعضهم ومن الذين يحرم اقترانهما ببعضهما؟ هذا فيما يتعلق بأشخاصهم. الآن سنتحدث عن بعض أنواع النكاح المنهي عنها؛ إذاً هذه طريقة ارتباط محرمة، وإن كان شخص الزوج وشخص الزوجة يحل لهم الاقتران ببعضهم، إلا أن طريقة النكاح التي وقعت طريقة محرمة.

فمن أمثلة هذا الأمر نكاح الشغار؛ نهى عنه النبي ﷺ، وهو قد جاء في الصحيح: «نهى رسول الله ﷺ عن نكاح الشغار». وهو أن يزوج الرجل ابنته للرجل على أن يزوجه الآخر ابنته. نكاح الشغار قد نهي عنه لما فيه من تسليع لهذه المرأة، فهو قد زوجها لرجل لا على أساس مصلحتها وما هو خير لها، وإنما قد زوجها لرجل آخر لأجل أن هذا الآخر قد زوجه بنته، أو بشرط أن يزوجه الآخر ابنته، هذا بالحقيقة فيه مخالفة لعدد من المقتضيات الشرعية.

المقتضى الأول: أن الرجل، سواء الأب الأول أو الأب الثاني، يجب عليهم أن يبحثوا عن مصالح بناتهم لا عن مصالحهم هم. والأمر الثاني: حق المهر هو حق للزوجة لا يجوز لأحد أن يأخذ منه شيئاً، ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۗ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [النساء: 20]، فكيف يستباح أن يكون مهر هذه المرأة هو أن ينكح وليها امرأة أخرى؟

هذا فيه تضييع لمهر هاتين المرأتين بدون وجه حق، والواجب أن يكون المهر للمرأة لا أن يتدخل فيه هذا الرجل، فضلاً عن أن يكون المهر هو نكاحه هو بامرأة أخرى. لذلك لا غرو أن نكاح الشغار هو من الأنكحة المحرمة في شريعة الإسلام التي نهى عنها النبي ﷺ، والتحريم فيها عائد إلى صفة النكاح لا إلى أشخاص النكاح.

فاصل قصير ونتابع معكم بعد الفاصل. حديثنا عن عدد من صفات النكاح الممنوعة. بالعلم كالأزهار في البستان، في عالم سريع التغير هائل التأثير، تتعاظم أهمية دور الوالدين في تربية الأبناء وتنشئتهم النشأة الصالحة المبنية على الرقابة الذاتية؛ فهو عالم خطير متنوع بأدواته التكنولوجية وبما ينتجه من قيم وأفكار وملهيات، تمارس دوراً ملاحظاً وملموساً في تكوين وتشكيل عقول أبنائنا ونفوسهم.

وقد أكد الإسلام دور الوالدين العظيم وجعله مسؤولية مشتركة بينهما وعبادة يحاسبان عليها. قال رسول الله ﷺ: «والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها». وما دامت تربية الأولاد عبادة، فكل ما يبذله الوالدان لينجحا في القيام بهذا الدور من جهد ووقت وصبر وبحث وتعلم لأبرع الوسائل وأفضل الأساليب في التوجيه، كل هذا يحسب في ميزان حسناتهما، كما أن كل تقصير أو إهمال قد يؤدي إلى انحرافات يكون أول من يعاني آثارها الوالدان في الدنيا فضلاً عن حساب الآخرة.

ومهما تنوعت أساليب التربية وتطورت وتعددت مهاراتها، تبقى أقرب الطرق إلى النجاح والقبول والسلامة في التعامل مع الأبناء هي الاحترام والحوار المقنع الهادئ المبني على تفهم واضح ومحبة صادقة تراعي احتياجاتهم وطبيعتهم العمرية والعقلية، مع الدعاء الدائم بالتوفيق والسداد وصلاح النفس والنية والذرية؛ ليستمر اجتماع الأسرة في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَلَمْ نَلُتْ مِنْ أَعْمَالِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: 21].

بشرى لنا، زاد أكاديمية بالعلم كالأزهار في البستان. نعود إليكم بعد الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن صفات النكاح المحرمة. الممنوعة كذلك من صفات النكاح المحرمة أو أحوال النكاح المحرمة غير نكاح الشغار، نكاح التحليل.

نكاح التحليل هو النكاح الذي يقصد به تحليل المرأة لزوجها الأول الذي قد طلقها ثلاثاً. سنأخذ إن شاء الله تعالى في أحكام الطلاق في عدد من اللقاءات القادمة أن المرأة إذا طلقت ثلاثاً ثم بانت من زوجها فإنها لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، على ما جاء في سورة البقرة: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]. فلا يجوز للرجل أن يرجع إلى امرأته بعقد جديد بعد أن كان قد طلقها ثلاث طلقات حتى تنكح هذه المرأة رجلاً آخر، وهذا حكم قد جاء في القرآن الكريم وبين النبي ﷺ وفسر هذا النكاح بأنه نكاح؛ أي عقد وجماع، وهو نكاح رغبة.

وللأسف فإن بعض الناس قد تحايل على هذا الحكم الشرعي بأن يعقد عقد نكاح ليس بنكاح يراد منه الدخول والسكن والمودة والرحمة، وإنما بنكاح يراد منه الفسخ والطلاق والإنهاء؛ فهو نكاح يراد إنهاؤه مباشرة بعد الدخول على المرأة، والهدف منه توفيّة شكل الشرط لا حقيقة الشرط؛ يريدون أن يوفوا شكل الشرط الذي جاء في الآية الشريفة ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، ولكن هذا الإيفاء بالشكل في واقع الأمر لا يفي بحقيقة الأمر، فالأمور بمقاصدها والأعمال بالنيات كما جاء في الحديث الصحيح الشريف: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».

لذلك حكم أصحاب رسول الله ﷺ بأن هذا المحلل أو نكاح التحليل نكاح باطل لا يترتب عليه تحليل المرأة لزوجها الأول. ومن صور نكاح التحليل أن يُنص في عقد النكاح ويُذكر كشرط في العقد أن الرجل متى ما دخل على المرأة ووطئها فإنها تطلق منه، فينفسخ بعد ذلك عقد النكاح، إذا طلقت من زوجها هذا الثاني وتحل حينئذ لزوجها الأول. هذا مشروط في عقد النكاح، لكن هل هذا هو الحكم الشرعي الصحيح؟ ذكرنا أن أصحاب رسول الله ﷺ قد أبطلوا هذا النكاح ولم يرتبوا عليه التحليل الذي كان هو غرض عقد النكاح.

أحياناً لا يشترط هذا في العقد وإنما يتم التواطؤ عليه والاتفاق عليه، وأحياناً يكون بنية من الرجل، ينوي هذا الرجل أن يحلل المرأة لزوجها الأول، ولا شك أن هذه النية نية محرمة، والنبي ﷺ قد وصف الرجل الذي يتزوج هذا الزواج كما جاء في سنن ابن ماجه بأنه «تيس مستعار»، وجاء في الحديث: «لعن الله المحلل والمحلل له». هذا النكاح، نكاح التحليل، نكاح تحايل على ما شرعه الله سبحانه وتعالى في أحكام الطلاق؛ لذلك كما ذكرنا أن القاعدة الشرعية أن الأمور بمقاصدها، وما دامت الأمور بمقاصدها فإن هذا النكاح لا يحقق أثره الذي رغبه المتعاقدان.

الآية الشريفة قالت: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، قد يقول قائل: ألم تنكح الآن زوجاً آخر؟ نقول: نعم، هي أوفَت بالشكل، ولكن حقيقة الآية لم توفِ به. الآية الشريفة قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 230]. وهذا فيه دلالة الآية الشريفة على أن رغبة الطلاق إنما حصلت بعد النكاح ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا﴾؛ لذلك أفتى أصحاب رسول الله ﷺ بأن هذا النكاح لابد أن يكون نكاح رغبة، وإلا تنشأ نية الطلاق إلا بعد النكاح؛ فإن طلقها هذا الثاني بعد ذلك حلت حينئذ للأول، إذا طلقها طبعاً وبانت منه أو توفي عنها مثلاً، فحينئذ تحل لزوجها الأول أن ينكح بنكاح أو بعقد جديد.

وأما قبل ذلك، أو بخلاف ذلك، بأن نكحها وهو يريد تحليلها وهو يريد تطليقها، فإن هذا النكاح لا يترتب عليه تحليلها لزوجها الأول؛ لأن هذا مأخوذ من الآية الشريفة ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا﴾، قوله ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ معناه نشأت رغبة الطلاق إنما حصلت بعد النكاح.

كذلك من أنواع النكاح المنهي عنها، نهى عنها رسول الله ﷺ، نكاح المتعة. نكاح المتعة هو النكاح المؤقت؛ أن ينص في عقد النكاح على أنه لمدة أيام أو لمدة شهر أو لمدة شهرين، يعقل أمر هذا النكاح شديد الشبه بالسفاح الذي حرمه الله سبحانه وتعالى، لذلك نهى عنه رسول الله ﷺ يوم خيبر لشبهه بالسفاح غير المشروع. السفاح المحرم لأنه نكاح مؤقت بمدة، أن ينص في عقد النكاح على أن هذا النكاح ينتهي بمدة، وقد أجمع علماء الإسلام وأئمته...

على تحريم هذا النكاح، نكاح المتعة، إلا من شذ من الروافض. جاء الحديث بالنهي عن متعة النساء في الصحيحين، حديث أخرجه البخاري ومسلم، وهذا الحديث فيه ملحظ لطيف، وهو أن هذا الحديث مسلسل بآل البيت.

فلا شك أن من كان محبًا لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ومعظمًا لهم، فإن عليه أن ينتهي عن هذا النكاح وأن يحرمه ويبطله ويمتنع عنه مباشرة. فإن هذا الحديث أخرجه الحسن وعبد الله، رواه الحسن وعبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب، هو الملقب بمحمد بن حنفية، رووا هذا الحديث عن أبيهم محمد بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن علي بن أبي طالب رواه عن أبيه علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.

أنه قال لابن عباس رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، قال له: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن متعة النساء وعن لحوم الحمر الأهلية». والحديث في الصحيحين.

لا شك إخواني وأخواتي أن كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته مقدرون ومحترمون، نحبهم ونجلهم، لا نفرق بين أحد منهم. ومن يزعم محبة آل البيت فإن عليه أن ينتهي عن هذا النهي الذي بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق آل البيت، وإن كنا نقول إن كل حديث جاء عن أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو آل بيته فإنه يجب أن يحترم وأن يسمع له وأن ينتهي عما نهي فيه، وهذا مقتضى طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا لأرشد أمرنا، وأن يوفقنا للحق وأن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه وألا يجعل الباطل ملتبسًا علينا فنضل. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وتريد ميسورًا صف اليوم غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملًا بالشرع دون تعصب للعلم، كالأزهار في البستان.