تسجيل الدخول

المحاضرة 5 - أوقات النهي عن الصلاة

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا، اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا. اللهم إنا نسألك علما نافعا ونعوذ بك من علم لا ينفع.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الخامس من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثاني في أكاديمية زاد المباركة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس، ويجعلها نافعة لقائلها ولسامعيها.

إخواني وأخواتي، كنا قد تحدثنا في بداية هذا الفصل عن صلوات التطوع، وذكرنا في البدء فضلها وأنواعها، ثم انتقلنا بعد ذلك إلى السنن الرواتب وغير الرواتب المرتبطة بالصلاة، ثم تحدثنا عن صلوات التطوع المرتبطة بوقت محدد وذكرنا أنها صلاة الوتر وقيام الليل، والثانية صلاة الضحى. ثم انتقلنا بعد ذلك إلى الصلوات ذوات الأسباب المهمة التي تشرع لها الجماعة، وذكرنا فيها صلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء.

من الجيد ذكره أن نقول إن التطوع بالصلاة لا يقف عند هذه الصلوات ذوات الأسباب أو الصلوات المؤقتة بوقت أو زمان أو سبب، بل يشرع للإنسان دائما أن يصلي، كما جاء في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه ربيعة بن كعب الأسلمي لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم مرافقته في الجنة، قال له النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: «أعني على نفسك بكثرة السجود». كثرة السجود والتعبد لله سبحانه وتعالى بكثرة السجود والصلوات، سواء كانت في هذه المواقيت والأوقات التي ذكرها النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه أو الأوقات التي لم يذكرها.

مثلا إنسان يريد أن يصلي بعد صلاة المغرب الراتبة ركعتين، ثم يصلي بعد ذلك مثلا عشر ركعات أو ست ركعات، لا شك أنه كلما استكثر من السجود لله سبحانه وتعالى فإنه إن شاء الله تعالى مأجور على هذا الأمر. هذه يسميها أهل العلم التطوعات المرسلة أو غير المقيدة، بمعنى أنها غير مقيدة بوقت أو زمان أو مكان أو سبب.

هذه التطوعات ينبغي للمسلم أن يتنبه إلى أمر معين، سواء كانت هذه التطوعات من التطوعات المقيدة بسبب أو لم تكن مقيدة بسبب، ينبغي له أن يتنبه لأمر معين، ألا وهو أن ثمة أوقات نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها، اصطلح أهل العلم على تسمية هذه الأوقات بأوقات النهي عن الصلاة. وسوف نذكر إن شاء الله تعالى في هذا الدرس هذه الأوقات ما هي تفصيلا، ثم نذكر إن شاء الله تعالى في الفقرة الثانية في هذا الدرس محل النهي، هل محل النهي هذا ينصب على التطوع المرسل فقط أم ينصب على التطوعات المرسلة والتطوعات المقيدة كذلك؟ هذا كذلك مما نود التنبيه إليه في هذا الدرس.

فيمكن أن نقول إن درسنا هذا سوف يشتمل على فقرتين أساسيتين: الفقرة الأولى بيان هذه المواقيت وكلام أهل العلم عن هذه المواقيت الخمسة المنهي عن الصلاة فيها، ثم نتكلم إن شاء الله تعالى عن محل النهي، ما هو المنهي عنه في هذه المواقيت؟ هل هو جميع التطوعات سواء كانت مقيدة بسبب أو كانت مرسلة، أو أنه خاص فقط بالأسباب؟ ثم نعرج إن شاء الله تعالى في ختام هذا الدرس إلى بيان حكمة هذا النهي إن شاء الله تعالى.

إذا أردنا بدء هذا الدرس نقول: ما هي هذه الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها؟ هذه الأوقات جاءت في عدد من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواها لنا ابن عباس رضي الله تعالى عنه عن عمر بن الخطاب وعن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواها لنا أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، ورواها لنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه.

فمن ذلك مثلا ما جاء في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه وما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أنه قال: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس». وفي لفظ حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: «لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس».

وجاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: سمعت عددا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأرضاهم عند عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس. لاحظوا الآن، روى هذا النهي عن أوقات النهي جلة من أصحاب النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، كذلك جاءت في حديث عمرو بن عبسة رضي الله تعالى عنه، وجاءت في حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه.

هذه الأوقات إجمالا ثلاثة أوقات، وتفصيلا خمسة أوقات. ما الفرق بين قولنا إجمالا ثلاثة أوقات وبين قولنا تفصيلا خمسة أوقات؟ لأن هناك في هذه الأوقات الثلاثة عندنا وقت طلوع الشمس، وعندنا وقت زوال الشمس، وعندنا وقت غروب الشمس، هذه ثلاثة أوقات إجمالية.

هناك عدد من التنبيهات في بيان هذه الأوقات: هذه الأوقات كلها مرتبطة بحركة الشمس، طلوعها وزوالها وغروبها، هذا التنبيه الأول. التنبيه الثاني قلنا إن هذه ثلاث أوقات إجمالية، لماذا قلنا إجمالية؟ وأما عند التفصيل فهي خمسة، لأن وقت طلوع الشمس في واقع الأمر هناك أحاديث فصلت بين مرحلتين في هذا الوقت: من صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ثم وقت طلوع الشمس ووقت ظهور قرص الشمس إلى أن ترتفع قيد رمح. لاحظوا هذين الوقتين متصلان، ولكن ذكرت بعض الأحاديث هذا الوقت وبعضها هذا الوقت ففصلها، ولأننا سوف نذكر إن شاء الله تعالى حين نذكر حكمة النهي أن هذه الأوقات يتأكد فيها النهي بحسب تأكد الحكمة الواقعة في هذا النهي.

إذا نقول إن الأوقات إجمالا ثلاثة أوقات: الوقت الأول طلوع الشمس، الوقت الثاني عند زوال الشمس، الوقت الثالث عند غروب الشمس. تفصيلا، إذا جئنا نبغى نفصل وقت طلوع الشمس متى يبدأ وقت النهي؟ نقول يبدأ وقت النهي من بعد صلاة الصبح كما جاء في حديث أبي سعيد صريحا: «لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس». إذا هذا الوقت الأول، لا صلاة بعد صلاة الصبح، الإنسان حين يصلي الصبح فهو منهي عن الصلاة إلى أن تطلع الشمس.

بداية بزوغ الشمس وظهور القرص إلى أن يكتمل ظهوره، هذا جاء النهي عنه في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه صريحا. ثم بعد ظهوره إلى أن يرتفع قيد رمح، هذا جاء في حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله تعالى عنه، سوف نذكر حديثه رضي الله تعالى عنه حتى ترتفع، وجاء في بعض الألفاظ مثل حديث ابن عباس وغيره: حتى ترتفع.

إذا الآن الأوقات المرتبطة بطلوع الشمس نقول: من بعد صلاة الصبح حتى يطلع القرص، ثم من بداية ظهور القرص حتى يرتفع قيد رمح. وإن أردتم أنكم تفصلوها فتقولوا: من بداية ظهور القرص حتى يكتمل ظهوره هذا على ما جاء في حديث ابن عمر، ثم من ظهوره إلى ارتفاعه قيد رمح. ما معنى ارتفاع قيد رمح؟ يعني عشر دقائق تقريبا بعد ظهور قرص الشمس. أهم شيء أن نتصور المسائل تصورا صحيحا، فعندنا الوقت الأول من النهي هو من حين صلاة الصبح إلى بداية طلوع الشمس، ثم من بداية طلوع حاجب الشمس إلى أن ترتفع قيد رمح، هذه المرحلة الثانية.

هذه الآن وقتان وهما من ناحية الإجمال وقت واحد متصل. نريد إن شاء الله تعالى أن نفصل في الأوقات الأخرى إن شاء الله تعالى، ولكن بعد هذا الفاصل.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونرجع لحديثنا عن بيان أوقات النهي. قلنا إن أوقات النهي ثلاثة أوقات إجمالا، الوقت الأول هو وقت طلوع الشمس، الوقت الثاني هو وقت زوال الشمس، الوقت الثالث هو وقت غروب الشمس.

نقول أولا: وقت النهي الأول وهو طلوع الشمس عند طلوع الشمس، متى يبتدئ هذا الوقت؟ يبتدئ من بعد صلاة الصبح، بعد أن يصلي المسلم صلاة الصبح إلى أن تبدأ الشمس في الظهور. ما الدليل على هذا الوقت؟ نقول عدد من الأحاديث منها حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: «لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس». ثم بداية بزوغ حاجب الشمس أو قرص الشمس إلى أن يكتمل ظهور حاجب الشمس، هذا جاء في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «أخروا الصلاة حتى ترتفع». وجاء هذا كذلك في حديث عقبة بن عامر، بداية بزوغ حاجب الشمس إلى أن ترتفع قيد رمح.

جاء في حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: «ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع». لاحظوا أن عقبة بن عامر نص على المرحلة الثانية هذه، لكن ما ذكر في حديثه رضي الله تعالى عنه المرحلة الأولى وهي النهي عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، لا ذكر المرحلة الثانية أنه من الطلوع حتى ترتفع. إذا الطلوع هو مجرد ظهورها ثم حتى ترتفع في السماء.

قال ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، إذا هذه المرحلة الثانية. إذا الوقت الأول إجمالا، وهو الوقت المرتبط بطلوع الشمس، نجعله مرحلتين.

نكمل حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، قال: «وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس». وهذا الوقت الذي هو عند الزوال جاء في حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، وجاء في حديث عمرو بن عبسة السلمي رضي الله تعالى عنه. ما هذا الوقت ومتى يبدأ؟ يبدأ هذا الوقت قبل زوال الشمس بفترة، إذا صار كما جاء في حديث عمرو بن عبسة رضي الله تعالى عنه يستقل الظل بالرمح، بمعنى أن الشيء يصبح لا ظل له أو ظله تحته. كم هذه اللحظات تستمر؟ ربما أنها تستمر عشر دقائق تقريبا، ثم بعد ذلك تميل الشمس. ميلان الشمس هذا هو أذان الظهر وبداية صلاة الظهر، ينتهي وقت النهي.

إذا يمكن أن نقول إن وقت النهي لو أردنا أن نحدده بالدقائق المعروفة بساعات اليوم، لقلنا تقريبا أنه من عشر دقائق إلى اثنتي عشرة دقيقة تقريبا قبل وقت صلاة الظهر. صلاة الظهر متى تبدأ؟ إذا مالت الشمس، إذا زالت الشمس. ما معنى الزوال أو الميلان أو الفيء؟ بمعنى أنه الظل يتقاصر ثم يمتد، بداية امتداده وظهوره بعد تقاصر هذا هو وقت الظهر. طيب ما هو وقت النهي؟ نقول قبل الظهر والشمس حين يقوم قائم الظهيرة، إذا كانت الشمس في كبد السماء، وقد جاء في حكمته أن هذه اللحظة تسجر فيها جهنم. فالشاهد أن هذا الوقت حين يقوم قائم الظهيرة قبل الزوال ربما بعشر دقائق أو اثنتي عشرة دقيقة وهي اللحظات التي يكون فيها الظل ظل الشيء تحته، لا يظهر أثر حركته بشكل ظاهر، ثم يميل يميل الظل، تزول الشمس، فهنا تحل الصلاة. تحل الصلاة، إذا هذا الوقت الثاني وذكرنا أنه جاء في حديث عقبة بن عامر الجهني وحديث عمرو بن عبسة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

الوقت الثالث هو مثل الطلوع، يشتمل.

يشتمل على وقتين أو مرحلتين، يبدأ من صلاة العصر؛ فحين يصلي المسلم العصر لا يشرع له بعد ذلك أن يصلي. وقد جاء هذا الوقت في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: «لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس». إذاً هذا الوقت نهي من حين صلاة العصر إلى أن ينتهي غروب الشمس.

ولكن هذا الإجمال لو أردنا أن نفصل هذا الوقت لقلنا إنه قد جاء في حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله تعالى عنه أنه قال: «ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس أو تزول، وحين تتضائف الشمس للغروب». أي أن هذا الوقت تقريباً تمايل الشمس وقربها من الغروب، هذا وقت ذكره عقبة بن عامر، ولم يذكر من بعد صلاة العصر؛ طبعاً هذا الوقت مشمول في حديث أبي سعيد الخدري لأنه قال من بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولكن حديث عقبة بن عامر نص على اللحظات الأخيرة من الغروب، هذه اللحظات تقريباً ربع ساعة أو عشر دقائق أو اثنتا عشرة دقيقة تقريباً، وهي حين تتضائف الشمس للغروب. خلاص تميل وتقترب من الغروب، إذا بدأت في الغروب فقد جاء كذلك هذا في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه: «أخروها حتى تغرب»، إذا بدأ حاجب الشمس في الغروب، ربما يكون دقيقة أو دقيقتين الله أعلم، إذا بدأ حاجب الشمس في الغروب حتى ينتهي غروبها.

إذاً ممكن أن نجعل هذا الوقت كذلك مرحلتين: من بعد صلاة العصر إلى أن تتمايل الشمس للغروب هذه المرحلة الأولى، وإذا تضايفت الشمس للغروب إلى أن تغرب كاملة هذه المرحلة الثانية. لو أراد شخص مثلاً من باب التقسيم أو زيادة التقسيم قال: لا، حتى المرحلة الثانية هذه نبغى نقول من حين تتضائف الشمس للغروب إلى أن يبدأ غروب القرص، ثم من بعد غروب القرص إلى أن يتكامل غروبه كما جاء في حديث ابن عمر؛ لأن ما يتعلق بغروب القرص وظهور القرص هذا جاء في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. ما يتعلق بطلوع الشمس بازغة حتى ترتفع قيد رمح وتتضائف للغروب في الجهة المقابلة حتى تغرب، هذا جاء في حديث عقبة بن عامر. ما يتعلق ببدء وقت النهي من الصلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وصلاة العصر حتى تغرب الشمس، هذا جاء في عدد من الأحاديث؛ حديث أبي سعيد الخدري، حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه عن عمر بن الخطاب وعن جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، حديث أبي هريرة وغير ذلك من الأحاديث التي دلت على هذه الأوقات.

إذاً يمكن أن نقول ملخص الكلام أن أوقات النهي الإجمالية ثلاثة أوقات: من صلاة الفجر حتى ترتفع الشمس قيد رمح، وتفصيلاً يشتمل على وقتين. ثم وقت الزوال قبل الزوال، حين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، وهذا يشتمل على وقت واحد. ثم من بعد صلاة العصر حتى تغيب الشمس، هذا الوقت الثالث، وهو يشتمل على وقتين تفصيلاً. فصارت الأوقات الإجمالية ثلاثة أوقات، والأوقات التفصيلية خمسة أوقات. وهذا قسمناه بناءً على أمرين: الأمر الأول بحسب ورودها في الأحاديث النبوية الشريفة؛ فبعضها جاء في حديث عقبة بن عامر وعمرو بن عبسة، وبعض جاء في حديث ابن عمر، وبعضها جاء في حديث أبي سعيد. فإذاً هذا التقسيم التفصيلي هو بحسب ورودها في الأحاديث النبوية الشريفة. الأمر الثاني الداعي لهذا التقسيم التفصيلي هو بحسب قوة تحقق مقصد النهي في هذه الأوقات، وهذا يقودنا إلى سؤال: ما هو مقصود وحكمة النهي عن الصلاة في هذه الأوقات؟ وهو ما سنتحدث عنه إن شاء الله تعالى، ولكن بعد هذا الفاصل.

نواصل حديثنا معكم بعد هذا الفاصل القصير. وكنا قد طرحنا سؤالاً: ما هو مقصود وحكمة النهي عن الصلاة في هذه الأوقات؟ أليست الصلاة محبوبة لله سبحانه وتعالى ومرغوبة عنده سبحانه وتعالى؟ فلم نهي عن الصلاة في هذه الأوقات؟ في واقع الأمر هناك عدد من الأحاديث جاءت نصاً على هذه الحكمة؛ فمن ذلك مثلاً في وقت الزوال جاء في حديث عقبة بن عامر أنه حين تسجر جهنم، أو حديث عمرو بن عبسة السلمي رضي الله تعالى عنه. وجاء في وقت طلوع الشمس وغروبها أنها تطلع بين قرني شيطان، وذلك حين يسجد لها الكفار عبدة الشمس. في واقع الأمر يصلون ويسجدون للشمس في هذين الوقتين؛ حين تبدأ الشمس تظهر، من حين يطلع حاجبها يبدأ ظهور القرص والحاجب يبدأون يسجدون ويصلون للشمس حتى ترتفع قيد رمح. وقبل غروبها، حين تتضائف الشمس للغروب، يبدأون يصلون عبدة الشمس هؤلاء لجهة المغرب، إلى أن يغيب هذا القرص، خلاص إذا غاب القرص انتهت عبادتهم للشمس.

فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في هذين الوقتين، في واقع الأمر نلحظ منه معنى مطرداً في الشريعة، ألا وهو نهي المسلم عن التشبه بالكفار في شعائرهم وعباداتهم على وجه الخصوص، وفي تعاملاتهم وعاداتهم على وجه العموم. فالمسلم منهي نهياً بالغاً عن التشبه بالكفار في عباداتهم، لذلك جاء كذلك النهي عن الصلاة إلى النار مثلاً لما فيه من التشبه بعباد النار. النهي عن الصلاة في هذين الوقتين لما فيه من التشبه بعباد الشمس. هذا في الحقيقة يقودنا إلى قضية مهمة، وهي أن عبادة المسلم ينبغي أن تكون متميزة، ولا يكون فيها تشبه بعبادات الكفار والمشركين. لذلك جاء في الشريعة متواتراً النهي عن التشبه باليهود والنصارى والكفار والمشركين والمجوس. ألم ندرس سوياً شرعية الأذان وكيف شرع؟ فقال بعض الناس اتخذوا ناقوساً كناقوس، وقال بعض الناس في اقتراحاتهم: ألا توقدون ناراً كنار المجوس؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم أبى هذه الاقتراحات؛ لماذا؟ لأن فيها نوعاً من التشبه بهذه الأمم التي ضلت عن دين الله سبحانه وتعالى، إلى أن شرع الله سبحانه وتعالى الأذان في رؤيا عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. لاحظوا الدعاء للصلاة متميز، ما فيه تشبه بهؤلاء الكفار أو اليهود أو النصارى، وهذا معنى مطرد في الشريعة.

لذلك النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً في صيام عاشوراء قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع»، لما علم أن اليهود تصوم عاشوراء، لماذا؟ حرصاً على تميز عبادة المسلم وعدم مشابهتها لعبادات المنحرفين الكفرة من اليهود والنصارى والمشركين والمجوس وغيرهم. هذا لأن عبادة المسلم عبادة متميزة، سواء كان في الصيام أو في الصلاة؛ حتى في الحج النبي صلى الله عليه وسلم خالف المشركين في عدد من القضايا. فمثلاً كانوا يقولون: أشرق ثبير كيما نغير، ما كانوا يخرجون من مزدلفة إلا بعد أن تطلع الشمس من وراء جبل اسمه ثبير. النبي صلى الله عليه وسلم خالفهم، فأفاض من مزدلفة بإسفار قبل أن تشرق الشمس؛ لماذا؟ مخالفة للمشركين. كذلك خالفهم النبي صلى الله عليه وسلم، كان المشركون من أهل الحمس لا يخرجون إلى عرفة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى عرفة مع أنه من أهل الحمس الذين لا يخرجون إلى عرفة في الجاهلية؛ خالفهم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. هذا يدل على أن مخالفة المشركين ومخالفة اليهود ومخالفة النصارى في التعبد لله سبحانه وتعالى معنى مقصود في الشريعة، ولأجل هذا نهى النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه عن الصلاة في هذه الأوقات؛ لذلك قال: «وذلك حين يسجد لها المشركون» في وقت الطلوع، وكذلك وصف وقت الغروب قال: «وذلك حين يسجد لها المشركون»، يعني عباد الشمس.

ننتقل بعد ذلك إلى مسألة أخرى: هل يصلى في أوقات النهي؟ هل يصلى فيها بعض التطوعات مثلاً أو بعض الواجبات؟ لو أن إنساناً نام عن صلاة الصبح واستيقظ بعد طلوع الشمس، واستيقظ وهي لم تطلع قيد رمح بعد، هل يصلي الفجر مثلاً؟ نام إنسان عن صلاة العصر واستيقظ وهي تتضائف للغروب، أو قد بدأ حاجبها في الغروب، هل يصلي العصر؟ نقول إن قضاء الصلوات الواجبة واجب حين يذكرها الإنسان: «أقم الصلاة لذكري» كما فسره النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، لذلك يجب على الإنسان المبادرة إلى قضائها ولا ينتظر زوال وقت النهي.

هنا مسألة أخرى: هل يصلي الإنسان في هذه الأوقات أوقات النهي النوافل والتطوع ذوات الأسباب؟ مثلاً صلاة الكسوف؛ حصل كسوف الشمس بعد صلاة العصر، هل يصلي الإنسان في هذا الوقت؟ نقول نعم، الظاهر والله تعالى أعلم أن الإنسان يصلي في هذه الأوقات صلاة النوافل ذوات الأسباب. مثلاً إنسان طاف وانتهى من طوافه بعد صلاة العصر، هل يصلي ركعتي الطواف؟ نقول الظاهر والله تعالى أعلم أنه يصلي ركعتي الطواف، وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت أية ساعة شاء من ليل أو نهار». إذاً يشرع للإنسان أن يصلي ركعتي الطواف وإن كان قد قضى طوافه بعد صلاة العصر. كذلك لو أن إنساناً دخل المسجد، هل يشرع له أن يصلي تحية المسجد إذا دخل المسجد بعد صلاة العصر؟ نقول الظاهر والله تعالى أعلم أنه يشرع له أن يصلي تحية المسجد. وهذه المسألة ترجع إلى قضية مهمة وقاعدة أصولية مهمة، ألا وهي قضية تعارض العمومات، ولعلنا نبينها بإيجاز في هذا المقام، وإن شاء الله تعالى تأخذونها بتفصيل في درسكم لأصول الفقه إن شاء الله تعالى.

المسألة الثالثة: نقول إن المنهي عنه في هذه الأوقات أصالة هو التطوعات المطلقة المرسلة، فلذلك لا يشرع للمسلم أن يصلي التطوعات المطلقة المرسلة في هذه الأوقات. إذاً عندنا نحن ثلاث رتب للصلوات: قضاء الصلوات الواجبة، هذا رتبة يصليها الإنسان إن شاء الله تعالى بلا إشكال متى ما ذكرها. عندنا الرتبة الأخيرة وهي التطوعات المرسلة، هذه لا يصليها الإنسان في أوقات النهي. تبقى عندنا قضية متوسطة وهي قضية التطوعات ذوات الأسباب، مثل صلاة الكسوف، صلاة ركعتي الطواف، صلاة تحية المسجد؛ هل يصليها الإنسان في هذه الأوقات أم أنه يؤجلها إلى ما بعد زوال وقت النهي؟ إذا كان سيزول وقت النهي بعد انقضاء الكسوف خلاص تسقط صلاة الكسوف بناءً على رأي من قال إنه لا تصلى، والصحيح والله تعالى أعلم أن ذوات الأسباب تصلى في هذه الأوقات أوقات النهي. سأل رجل الحسن البصري عن هذه القضية الثالثة عن التطوع المطلق، فقال: يا أبا سعيد، أو يعذبنا الله على الصلاة؟ يعني نحن نصلي ونعذب على الصلاة لأن وقت نهي؟ ماذا قال له العالم الجليل البصير الفقيه الحسن البصري رحمه الله تعالى؟ قال: يعذبك الله على مخالفة السنة. لذلك ينبغي للمسلم أن يحرص على أن تكون تطوعاته وصلواته في الأوقات التي شرع الله سبحانه وتعالى الصلاة فيها، وألا يخالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي نهى المسلم عن الصلاة في هذه الأوقات الخمسة التي بيناها تفصيلاً والأوقات الثلاثة إجمالاً، ورجح أن الإنسان يقضي في هذه الأوقات الصلوات الواجبة عليه، والصحيح والله تعالى أعلم أنه يصلي في هذه الأوقات أوقات النهي ذوات الأسباب. وبعض أهل العلم قال إنه يصلى في هذه الأوقات أوقات النهي ذوات الأسباب في الأوقات التي لا يكون النهي فيها مغلظاً وهي الأوقات التي جاءت في حديث عقبة بن عامر.

نهي مغلظ فلا تُصلى فيها ذوات الأسباب، وإنما تُصلى ذوات الأسباب في أوقات النهي المخفف الذي جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه. وهذا قول ثالث في المسألة يحاول أن يوفق بين هذين القولين: القول الذي يمنع من صلاة ذوات الأسباب، والقول الذي يجيز صلاة ذوات الأسباب في هذا الوقت. والظاهر والله تعالى أعلم أنه يصلي الإنسان المسلم ذوات الأسباب وإن كان في وقت النهي.

في ختام هذا الدرس المتعلق بصلاة التطوع، نكون قد وصلنا إلى ختام درسنا لهذا اليوم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم للخير، وأن يجعلنا وإياكم مباركين حيث ما كنا، وأن يجعلنا من عباده المصلين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً نوال ميسراً، يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان. بشرى لنا زاد أكاديمية، للعلم كالأزهار في البستان.