الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً، وآتنا من لدنك توفيقاً وسداداً وصواباً. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس السادس من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثاني من أكاديمية زاد المباركة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لجهود القائمين عليها، وأن يبارك في هذه الدروس التي نقولها ونسمعها، وأن يجعلها دروساً تقودنا إلى العمل الصالح، اللهم آمين.
إخواني وأخواتي، سوف ندرس إن شاء الله تعالى في هذا اليوم باب سجود السهو. كنا قد تحدثنا من قبل عن أحكام الصلاة، وعن أركانها وواجباتها ومستحباتها وسننها، ثم تحدثنا بعد ذلك عن صفة الصلاة إجمالاً، ثم تحدثنا بعد ذلك عن صلاة التطوع. اليوم نريد أن نتحدث عن سجود السهو؛ إن السهو أيها الإخوة والأخوات من طبيعة الإنسان وجبلته. سوف نتحدث إن شاء الله تعالى في هذا اليوم عن أسباب سجود السهو، ثم نتحدث بعد ذلك إن شاء الله تعالى عن صفة سجود السهو، ثم نتحدث إن شاء الله تعالى عن حكم سجود السهو.
فأما فيما يتعلق بالأسباب فنحن سنتحدث عن الأسباب الموجبة لسجود السهو، مثلاً زيادة في الصلاة، أو نقص في الصلاة، أو شك في الصلاة. ثم نتحدث عن صفته، بمعنى مكان سجود السهو؛ هل يكون قبل السلام أم بعد السلام؟ وأما في الحكم فنتحدث عن حكم سجود السهو؛ هل هو واجب أم سنة؟ أم فيه تفصيل على ما سيأتينا إن شاء الله تعالى.
السهو كما ذكرنا أنه من جبلة الإنسان. قد خاف بعض الناس لما قرأوا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 4-5]. أخافوا وظنوا أن هذه الآية تنطبق على كل من يسهو في صلاته، وفي واقع الأمر أن هؤلاء قد فات عليهم علم معاني الحروف الرابطة بين الأسماء والأفعال في لغة العرب. وبيان ذلك أن الله سبحانه وتعالى عدى السهو هنا بحرف «عن»، والسهو الذي نتحدث عنه في بابنا هذا هو متعدٍ بحرف «في»، أي ظرف مكان أو ظرف زمان. وأما «عن» فهي تعني معنى آخر.
ما الفرق بين قولنا: سهى عن صلاته، أو يسهون عن صلاتهم، وبين قولنا: سهى في صلاته، أو يسهون في صلاتهم؟ الفرق بينهما حقيقي كبير جداً؛ فإن الآية قد جاءت في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 5]، أي أنهم تاركون لصلاتهم مهملون لها حتى ينقضي وقتها. «عن صلاتهم ساهون» تعني أنهم متعمدون لتركها حتى ينقضي وقتها، لذلك توعدهم الله سبحانه وتعالى بهذا الوعيد العظيم: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: 4]. أي متعمدون لتأخيرها وتركها.
وأما إذا تعدى لفظ السهو بحرف «في» فإنه يدل على الخطأ والنسيان. فتقول: سهوت في كذا، أي سهوت في الصلاة مثلاً، أو سهوت في مذاكرتي، أو في عمل من أعمالي، أو سهوت في بناء شيء معين، وهكذا؛ أي أخطأت فيه. لاحظوا الفعل واحد ولكن إذا عُدي بحرف يختلف معناه عما إذا عُدي بحرف آخر. وهذا في الحقيقة من اتساع لغة العرب، ينبغي لطالب العلم الشرعي في الفقه أو في الحديث أو في التفسير أن يعتني بلغة العرب عناية تامة، ومعاني حروف لغة العرب.
نضرب لذلك مثلاً آخر، وربما أنكم درستموه أو ستدرسونه في باب الاعتقاد في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]. الآن النظر، بمعنى نظر العين الذي هو النظر المعروف، يتعدى بحرف، فإنك إذا قلت: نظرت إلى شيء ما، أي أنك نظرت إليه بعينك. لكن ما رأيكم لو قال قائل: نظرت في الأمر؟ هل معنى هذا أنه نظر إليه بعينه أم أنه تفكر فيه؟ نظر في الأمر معناه تفكر فيه. طيب ما رأيكم لو قال: نظرتك؟ فتعدى بنفسه، فهذا فيه نوع إنذار وتأجيل، ونوع من معاني الانتظار.
لاحظوا الآن الفعل الذي يرجع إلى أصل واحد: النون والظاء والراء، هذا الأصل الثلاثي؛ إن عدينا هذا الفعل بـ«إلى» فمعناه نظر العين، وعليه جاء قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 23]. وإن عديناه بـ«في» فهو نظر التفكر؛ نظرت في الأمر، نظر القلب أو العقل. وإن عديناه بنفسه دون حرف فصار فيه معنى الإنظار والانتظار. لاحظتم كيف؟ هذه كلها مع أن الفعل واحد، لكن لما اختلفت الحروف التي يتعدى بها اختلفت معاني هذا الفعل.
لذلك اتجه بعض المبتدعة إلى تأويل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 23]؛ نفوا النظر إلى الله سبحانه وتعالى نظر العين، واتكأوا في هذا إلى تأويل هذه الآية بتأويلات أخرى، فقالوا مثلاً إنها نظر القلب، أو أنها من الانتظار. نحن نقول إن هذه المعاني تأتي مع النظر، ولكن فات عليكم أن النظر في هذه الآية الكريمة ارتبط بحرف «إلى»، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وإذا اقترن النظر بحرف «إلى» فهو نظر العين. لذلك نجد أهل السنة والجماعة من السلف الصالح من صحابة النبي الكريم وتابعيهم يتبعون في هذه الآية وفي غيرها من الأحاديث والنصوص إثبات صحة النظر إلى وجه الله الكريم بالعين في يوم القيامة، كما ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم وهو وصفه لنا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
الشاهد الذي نقول نرجع إلى موضوعنا عن السهو؛ فالسهو عن الصلاة هو غير السهو في الصلاة. السهو إذا عُدي بـ«في» فهذا يراد به الخطأ والنسيان، بخلاف إذا عُدي بـ«عن» فيراد به العمد والترك والإهمال.
سجود السهو في واقع الأمر، لعلنا نعطيكم فائدة لغوية أخرى فيما يتعلق بسجود السهو؛ هذا من باب الإضافة، فالسجود مضاف والسهو مضاف إليه، والشيء قد يضاف إلى سببه، وقد يضاف إلى وقته، وقد يضاف إلى مكانه. نضرب لكم أمثلة؛ مثلاً من إضافة الشيء إلى سببه تقول: سجود السهو، أي أن السجود بسبب السهو، أو تقول: صلاة الكسوف، أي أن الصلاة سببها الكسوف، وتقول: صلاة الاستسقاء، أي أن الصلاة سببها الاستسقاء. أحياناً قد يضاف الشيء إلى وقته، فتقول: صلاة الظهر، صلاة العصر، صلاة المغرب، أي أن هذه الصلاة أضيفت إلى وقتها. أحياناً تضيف الشيء إلى مكانه، فتقول مثلاً في حديثك: صلاة المسجد، صلاة المسجد الحرام، صلاة البيت. أنت تضيف الشيء إلى مكانه، وكل هذا حقيقة من اتساع لغة العرب. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يجيد ويتقن لغة العرب، فهي أساس من أسس الفقه في الدين، وهي أساس من أسس فهم كلام الله وفهم كلام رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.
سنتحدث إن شاء الله تعالى عن أسباب سجود السهو، ولكن بعد هذا الفاصل القصير.
من أعظم الأخطار التي تهدد المجتمع وتجعل بناءه هشاً ضعيفاً جهل المرأة بما تحتاج إليه من أمور دينها ودنياها وشؤون حياتها، فهي الساعد الآخر لبناء المجتمع. فالمرأة الجاهلة لا يمكنها القيام بتربية صحيحة أو إعانة لأبنائها على التعلم والرقي، بل ربما أنشأتهم على أفكار خاطئة أو معتقدات فاسدة؛ فبالجهل تتبرج المرأة فتفتن نفسها وغيرها، وبالجهل تضيع المرأة حق زوجها وتنفره من البيت فيتفرق شمل الأسرة، وبالجهل وقعت كثير من النساء في الخرافات والسحر والشعوذة. فالواجب على المرأة أن تحرص على طلب العلم، وألا يمنعها الحياء من ذلك، فإنه لا حياء في طلب العلم، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «نعم النساء نساء الأنصار؛ لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين».
نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونود الحديث الآن عن أسباب سجود السهو؛ ما هي أشكال السهو في الصلاة أو الخطأ في الصلاة؟ نقول إن الخطأ في الصلاة يكون إما بزيادة فعل في الصلاة أو نقص فعل من أفعال الصلاة، وهذا ظاهر في من تيقن هذا الأمر. إذاً نقول: إما أنه يتيقن أنه زاد، أو يتيقن أنه نقص شيئاً من أفعال الصلاة. الأمر الثالث أن يشك؛ هل زاد أم نقص؟
إذاً هذه هي أحوال السهو، إما أنه يتيقن أنه زاد شيئاً في الصلاة، يتيقن أنه نقص شيئاً في الصلاة، أو أنه يشك؛ الأمر عنده متردد ومحتمل. حتى الشك هذا له مراتب؛ مثلاً قد يغلب على ظنه أنه لم يزد شيئاً، أو يغلب على ظنه أنه قد زاد شيئاً، يغلب على ظنه أنه نقص شيئاً، أو يغلب على ظنه أنه لم ينقص في صلاته شيء. وهكذا، فنستطيع أن نرد أسباب سجود السهو إلى أنواع السهو المتصورة في الصلاة. فنقول أنواع السهو المتصورة في الصلاة: إما زيادة، وإما نقصان، وإما شك في الصلاة هل زاد أم نقص فيها.
نتحدث عنها إن شاء الله تعالى الآن بشيء من التفصيل. فنقول أولاً الزيادة: يتيقن أنه قد زاد في صلاته شيئاً، كيف؟ مثلاً افترضوا إنساناً صلى الظهر، فبدل أن يجلس في نهاية الرابعة قام إلى الصلاة، قام إلى الركعة الخامسة، فنبهه الناس إلى أن هذا خطأ فرجع وجلس، هذا الآن زاد قياماً في الصلاة، ثم نبهه الناس فرجع. طيب فرضا أن الإنسان كان يصلي لوحده فزاد وصلى خامسة حتى انتهى من الصلاة وسلم، فنبهه شخص بجواره وقال: ترى يا أخي أنت صليت خمس ركعات، أنا أظنك صليت خمس ركعات. فقال: يا أخي أنا كنت متردداً وشاكاً، لكن ما دام أنك نبهتني أكيد أني زدت صليت ركعة خامسة. لاحظوا أن هذا زاد.
أو مثلاً من صفة الزيادة: أن إنساناً يجلس في التشهد الأول في صلاة الظهر في الركعة الثانية ثم يسلم باعتبار أنه قد أنهى الصلاة، فالآن نبهه الناس وقالوا: إن باقي علينا ركعتين، ينبغي لك أنك تقوم إلى الثالثة والرابعة. فرجع وقام إلى الثالثة والرابعة وصلى. الآن هل هذا زاد في الصلاة أم نقص؟ نقول في واقع الأمر إذا أردنا أن ننظر إلى هذه المسألة لها اعتباران: إن أردنا اعتبار ظنه هو، فهو قد نقص من الصلاة ركعتين باعتبار خطئه هو؛ ما هو خطؤه؟ أنه جلس وسلم من ركعتين فهو قد نقص من الصلاة ركعتين. هذا اعتبار صحيح. ويمكن كذلك أن ننظر إذا أردنا أن ننظر إلى الصلاة إجمالاً من أولها إلى آخرها، فنقول إنه قد زاد في الصلاة تسليماً في منتصف الصلاة، ثم رجع بعد ذلك أكمل الركعة الثالثة والرابعة؛ فإذا نظرنا إلى الإجمالي كله نجد أنه من بدء الصلاة إلى ختامها قام بالصلاة الواجب عليه كما ينبغي، إلا أنه زاد تسليماً في الركعة الثانية، ثم نبه فقام إلى الثالثة والرابعة؛ إذاً هذا بهذا الاعتبار نقول قد زاد في الصلاة.
مثلاً إنسان ربما زاد في الصلاة مثلاً سجوداً، هذا مثال. إذاً هذه الزيادة في الصلاة، أو يزيد ركعة، وهذا هو الغالب حقيقة؛ الخطأ دائماً في الزيادة غالباً يدور حول زيادة ركعة. إنسان ربما يصلي يقوم مثلاً في صلاة المغرب إلى رابعة، أو يقوم في صلاة الظهر والعصر مثلاً إلى خامسة، غالباً هذا هو وجه الخطأ في الزيادة.
طيب نقول في حال الزيادة: هل يجوز للإنسان أن يستمر في هذه الزيادة؟ أو ما حكم هذه الزيادة في الأصل؟ الزيادة أصلاً هي زيادة محرمة ولا تجوز، ولا يجوز للإنسان أن يزيد في الصلاة شيئاً على الصلاة التي شرعها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. طيب إلا أنه يُعفى عنه إذا سهى وأخطأ. طيب إذا نبه وتذكر في منتصف هذه الزيادة، مثلاً إنسان قام إلى ركعة خامسة، فنبهه الناس بعد قيامه وهو يقرأ الفاتحة في الركعة الخامسة، نبهه الناس سبحوا مثلاً أو صفقوا. تنبيه الناس أو الجماعة يكون بالتسبيح للرجال، تصفيق للنساء؛ صفقت له النساء مثلاً أو صفقت لها النساء إذا كانت تؤمهم امرأة في مجتمع بين النساء، أو صفق له الرجال إذا كان الإمام رجلاً يؤم الرجال، فتنبه؛ هل يكمل هذه الركعة بحكم أنه قد بدأ فيها؟ نقول لا؛ إن مواصلتك لهذه الركعة أصلاً من الإحداث في الدين التي لا تجوز شرعاً أصلاً، وأنت إنما يُعفى عنك ويرفع عنك الإثم بسبب سهوك وخطئك، فمتى ما تبين لك هذا الخطأ يجب عليك فوراً أن تعود وألا تزيد في الصلاة. بعض الناس يخطئ، أنا أضرب لكم مثالاً لخطأ بعض الناس، وهذا للأسف حتى قد شاهدناه، أنك تجد مثلاً ربما الإمام سها فقام إلى خامسة فنبهه مثلاً شخص من طرف المسجد أو شخصين أو ثلاثة ولكن لم يرجع الإمام، أما أنه يظن نفسه أنه هو المصيب وأنهم أخطأوا، أو أنه.
ربما لم يسمع هذا التنبيه، فأكمل الآن. الذي يعلم أن هذه ركعة خامسة من المأمومين، هل يتابع الإمام؟ نقول: لا، لا تتابع الإمام، ابقَ في مكانك، لا يجوز لك أن تتابع الإمام في ركعة أنت تعلم أنها زائدة في الصلاة وليست من الصلاة. بعض الناس أو بعض الأئمة يقول: خلاص ما دام أن الإمام استتم قائماً فإنه لا يرجع، وهذا خطأ حقيقة؛ إذا استتم قائماً إلى خامسة يجب عليه أن يرجع. متى يُعفى؟ نقول: إذا استتم قائماً فإنه لا يرجع إذا كان قد ترك التشهد الأول، ترك واجباً من واجبات الصلاة كما سيأتينا إن شاء الله في سبب النقص.
أما الآن نحن نتحدث عن الزيادة، إذا زاد خامسة نقول له: أكملها؟ لا، لا أحد يقول أكمل هذه الزيادة الخامسة، بل هذه من الزيادات المحرمة في الصلاة، وإنما رُفع الإثم لأجل الخطأ والجهل أو النسيان، ولكن يجب عليه أن يعود متى ما ذُكِّر أو نُبِّه أو تبين له أن هذه زائدة. لو كان ركع أو سجد كذلك يجب عليه أنه يرجع ويعود إلى التشهد الأخير. هذه هي مسألة الزيادة.
نريد أن ننتقل إلى السبب الثاني وهو سبب النقص. النقص له نوعان في واقع الأمر: إما أن ينقص واجباً من واجبات الصلاة، أو ينقص ركناً من أركان الصلاة. ما الفرق بين الواجبات والأركان؟ نحن قد نبهنا في بياننا السابق في صفة الصلاة على أركان الصلاة وواجباتها، وقلنا إن كليهما الأركان والواجبات هي من الأمور اللازمة في الصلاة؛ أي أنها واجبة، إلا أن الأركان تتميز عن الواجبات بمزيد تأكيد، وهذا كما ذكرنا على قاعدتنا التي كررناها مراراً وهي أن الواجبات تتفاوت في الأكدية، والمحرمات تتفاوت في التحريم، والسنن تتفاوت في الأكدية والتفضيل. ليست هذه الواجبات والعبادات على وزان واحد، حتى لو قلنا إن هذا واجب وهذا واجب، ليست على وزان واحد، كذلك قولنا في التحريم والمحرمات والمكروهات ليست على وزان واحد.
كنا قد بينا أن الواجبات والأركان كلها تندرج تحت مصطلح الواجب عند الأصوليين؛ أي أنها مأمور بها أمر لازم يجب على المسلم أن يأتي بها. ما الفرق بين الركن والواجب؟ قلنا إن الركن فيه مزيد تأكيد، يظهر هذا الفرق هنا في سجود السهو، في باب سجود السهو، هذا من آثاره؛ فلذلك الواجب إذا تُرِك فإنه يُجبَر بسجود سهو. مثلاً الإنسان ترك تكبيراً من تكبيرات الانتقال، قلنا إنها واجبة. ترك الإنسان جلسة التشهد الأول في الصلاة الرباعية أو الثلاثية، قلنا إن جلسة التشهد الأول واجب من واجبات الصلاة. أما جلسة التشهد الأخير فهي ركن من أركان الصلاة.
إذا ترك جلسة التشهد الأول هذا الواجب، فقام بعد أن سجد السجدتين في الركعة الثانية ونسي أن يجلس للتشهد، قام إلى الركعة الثالثة في صلاة المغرب أو الظهر أو العصر أو العشاء، هل يرجع ويأتي بجلوس التشهد أم يتم صلاته ويجبر هذا النقص في سجود سهو؟ نقول: لا، الواجب عليك أنك لا ترجع إلى جلوس التشهد، وإنما تكمل صلاتك وتجبر هذا النقص الذي حصل في الصلاة بسجود سهو. لاحظوا ما هي الصورة النهائية لصلاته من حين تكبيره إلى تسليمه: ثلاث ركعات أو أربع ركعات ولكنها بجلسة تشهد واحدة في الأخير، لأنه نسي التشهد الأول ونقصه من صلاته؛ فنقول إذاً يُجبر هذا بسجود السهو.
إلا أن في هذه المسألة تفصيلاً، فنقول: إن كان قد تذكر هذا الجلوس أو نُبِّه عليه وهو في حال القيام، أي لما لم يستتم قائماً بعد، وإنما وهو في حال القيام نقول ارجع. لكن إن كان لم يتذكره إلا بعد أن قام واستتم قائماً وربما شرع في قراءة الفاتحة نقول: لا ترجع. لماذا؟ لأنه الآن تلبس بالركن، ولا تقطع الركن لأجل واجب، لأن الركن آكد من الواجب. هذا التفصيل؛ لكن إن كان لا يزال في مرحلة القيام نقول: ارجع، يجب عليك أن ترجع وتأتي بهذا الواجب لأنك لم تدخل في الركن بعد. الناس ربما نبّهه وهو يقوم، نقول له: ارجع مباشرة، لكن إن كان قد قام وشرع في قراءة الفاتحة نقول: لا ترجع، وفي هذه الحالة اجبر هذا النقص بسجود سهو في آخر الصلاة.
حرص الإسلام على زرع المحبة والود بين المسلمين، وعلى اقتلاع أسباب التباغض والشحناء من بينهم. ومن المعاملات التي تورث البغضاء بين المسلمين بيع المسلم على بيع أخيه أو شراؤه على شراء أخيه، لذلك نهى عنها الرسول ﷺ فقال: «لا يبع بعضكم على بيع أخيه». والشراء مثل البيع، فيحرم شراء المسلم على شراء أخيه. ومثال البيع على البيع: اشترى زيد من عمرو سيارة بعشرة آلاف، فذهب رجل إلى زيد وقال له: أنا أعطيك مثلها بتسعة أو أعطيك أحسن منها بعشرة أو أبيعك مثلها بعشرة، فهذا بيع على بيع المسلم، لا يحل. ومثال الشراء على الشراء: باع زيد لعمرو سلعة بتسعة، فجاء آخر وقال للبائع: بعتها على فلان بتسعة؟ قال: نعم. قال: أنا أعطيك فيها عشرة أو بعها لي أنا بتسعة ودعك منه. والراجح أن البيع على البيع حرام سواء كان ذلك في زمن الخيار أو بعد تمام البيع، لأنه مما يورث الشحناء والبغضاء بين المسلمين.
نواصل ونتابع معكم الحديث عن أسباب سجود السهو، وقلنا إن الزيادة ينبغي للمصلي ألا يكملها وألا يستمر فيها متى ما علم بها، بل يقطعها مباشرة ويرجع إلى صلاته إلى تشهده الأخير ويسلم. وإن كان قد نقص واجباً فإنه لا يرجع إليه، خصوصاً أن هذا الواجب يُجبر بسجود السهو. أما إن كان قد نقص ركناً من أركان الصلاة، كيف قد نقص ركناً؟ مثلاً من أركان الصلاة السجدتين والجلسة بينهما، سجد السجدة الأولى وربما أطال في هذه السجدة ونسي أنها السجدة الأولى، فلما قام منها كان يظن في خاطره أنه سجد سجدتين، فقام إلى الركعة الثانية أو الثالثة أو إلى جلسة التشهد، وترك السجدة الثانية.
هل نقول أكمل صلاتك بما أنك قد شرعت في الركن واجبر هذه السجدة الثانية بسجدة سهو كما قلناه فيمن ترك جلسة التشهد الأول؟ الواقع لا، لا نقول ذلك أبداً؛ لماذا؟ لأن السجدة الأولى أو الثانية ركن من أركان الصلاة، وأركان الصلاة يجب أن يأتي الإنسان بها ولا تُجبر بسجود السهو، إنما يُجبر إذا تُرِك واجب من واجبات الصلاة مثل التشهد الأول. ما الذي يفعله في هذه الحالة؟ نقول متى ما نُبِّه، نفترض أنه قام من السجدة الأولى وهو يظن في خاطره أنها الثانية وقام للركعة الثانية ونبّهه الناس لأن هناك سجدة باقية، نقول يجب عليه أن يرجع. لو أن إنساناً رآه من بعيد وهو يصلي لوحده قام من هذه السجدة الأولى وقام وقرأ الفاتحة وركع، فجاء إنسان ونبّهه وهو يصلي وقال له: يا فلان، أنت لم تسجد إلا سجدة واحدة، ارجع اسجد السجدة الثانية، ما الواجب عليه؟ هل نقول خلاص بما أنه وصل للركوع يكمل؟ لا، يجب عليه أن يرجع إلى هذه السجدة مباشرة متى ما علم أنه قد تركها.
لكن هنا تنبيه: متى يحق له الرجوع إليها وإكمال الصلاة؟ نقول: إذا لم يصلِ إلى مثيلها في الركعة التي تليها. إذا كان قد وصل في الركعة التي تليها إلى مرحلة السجود ثم علم بعد ذلك؛ فلما قام مثلاً للركعة الثالثة أو الرابعة جاء شخص ونبّهه وقال له: الركعة الأولى التي صليتها سجدت فيها سجدة واحدة. الآن هو لم يتذكر، هل نقول له ارجع الآن للسجدة التي تركتها في الركعة الأولى؟ نقول: لا، لا ترجع، خلاص اعتبر تلك الركعة ملغية، وائتِ بركعة جديدة في الصلاة. إذاً نحن عندنا حالتان: إما أن يتذكر قبل أن يأتي بنفس الركن من الركعة التي تليها، في هذه الحالة نقول ارجع إلى الركن نفسه واستدرك ما فات من الصلاة، وأعد الشيء المتبقي الذي قد قمت به واختل ترتيبه؛ مثلاً إذا تذكر وهو قائم نقول ارجع اسجد.
فإن لم يتذكر إلا عندما سجد في الركعة التي تليها، ما الذي نقوله؟ نقول: خلاص ما دمت تذكرت الآن انتهت فرصة الرجوع، الآن تُلغى هذه الركعة. عندك فرصة الرجوع طالما أنك تذكرت من السجود إلى السجود في الركعة التي تليها، هذه فرصة للرجوع وتحسب لك الركعة، فإن سجدت السجدة في الركعة التي تليها وتذكرت بعد ذلك لا توجد فرصة للرجوع، وإنما نقول في هذه الحالة: ألغِ هذه الركعة التي صليتها واعتبر الركعة التي تليها هي الركعة الأولى.
هذا في حال النقص. أما في حال الشك، نقول الشك فيه مراتب: إن كان يغلب على ظنه شيء من هذه الأشياء التي شك فيها، يعني شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً، في هذا الحال نقول ابنِ على غلبة الظن؛ يغلب على ظنه أنه صلى ثلاثاً نقول قم إلى الركعة الرابعة. قال: يغلب على ظني أني صليت أربعاً، نقول: اجلس للتشهد، لا داعي لأن تقوم وتعمل بالشك أنها ثلاث. إذا قال: يا أخي لا يوجد عندي أي احتمال يترجح، أنا شاك حقيقة بنسبة خمسين بالمئة، لا أدري هل هي ثلاثة أم أربعة، نقول في هذه الحالة هذا شك مع إطلاق لا يوجد مرجح لأحد الأمرين، في هذه الحال نقول ابنِ على اليقين، ما هو اليقين؟ ابنِ على الأقل دائماً. ما دمت شككت برتبة متساوية فابنِ على الأقل؛ في هذه الحالة اعتبر نفسك صليت ثلاثاً وائتِ بركعة رابعة واسجد للسهو.
هذه هي أسباب سجود السهو: الزيادة والنقصان والشك. صفة سجود السهو، هل يسجد ركعتين قبل السلام أم بعد السلام؟ في واقع الأمر هذه مسألة خلافية بين أهل العلم؛ فبعضهم قال إنه يسجد قبل السلام، وبعضهم قال يسجد بعد السلام، وبعضهم قال إن الزيادة يسجد لها بعد السلام وأما النقص فيسجد له قبل السلام. وبعضهم قال إن جميع أنواع سجود السهو يُسجد لها قبل السلام إلا إذا قام إلى خامسة فإنه يسجد لها بعد السلام كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود. وبعضهم قال إن السجود كله بعد السلام إلا إذا ترك التشهد الأول فإنه يسجد قبل السلام على ما جاء في حديث عبد الله بن بحينة رضي الله تعالى عنه.
هذه الأقوال كلها معتبرة، لكن الذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن الأمر في هذا واسع، فما دام قد سها فإنه يسجد قبل السلام أو بعد السلام؛ هذا الذي يظهر من خلال النظر في هذه الأحاديث، حيث لم يفصل النبي ﷺ أمراً بسجود قبل السلام في بعض الأحوال دون بعض، وإنما نُقل وأُثر عنه السجود قبل السلام، وأُثر عنه السجود بعد السلام، وأُثر عنه الأمر بالسجود للسهو، وهذه في الحقيقة تجعل الأمر واسعاً، سواء كان قد دخل في زيادة أو في نقص أو في شك.
بقي عندنا المسألة الأخيرة: ألا وهي حكم سجود السهو؟ نقول: إن سجود السهو إن كان قد ترك أو نقص واجباً، أو زاد، أو نقص ركناً ورجع إليه، في هذه الحال فإنه يجب سجود السهو؛ لماذا؟ لأن الأمر المتروك أو المسهو عنه يتعلق بالواجبات والأركان، فجبره واجب. قد يقول قائل: هل يسجد الإنسان للسهو إذا ترك سنة من السنن؟ نقول إذا كانت هذه السنة معتادة اعتادها الإنسان وتركها سهواً، فإنه يُسن له سجود السهو ولا يجب عليه. إذاً لاحظتم كيف حكم سجود السهو اختلف؛ لما كان مرتبطاً بالواجبات والأركان قلنا إنه واجب، ولما صار سجوده مرتبطاً بالسنن والمندوبات قلنا إنه سنة. مثلاً لو ترك سنة، مثل إمام صلى الظهر فجهر في الصلاة سهواً، كان يظن أنه مثلاً العشاء أو غفل، فجهر بالفاتحة والسورة التي بعد الفاتحة، الآن هنا خالف سنة، لأن الجهر والإسرار في الصلاة الجهرية أو السرية يعتبر سنة من السنن.
فالآن بحكم أنه خالف هذه السنة نقول: يشرع لك، ويسن لك أن تسجد سجود السهو، ولا يعد هذا الأمر واجباً عليك. إذاً هذا هو التفصيل في حكم سجود السهو.
وبهذا نكون قد بينا أسباب سجود السهو، وبينا صفة سجود السهو هل تكون قبل السلام أم بعده، وبينا كذلك حكم سجود السهو متى يكون واجباً، ومتى يكون سنة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا فيما تعلمناه، وأن يجعلنا وإياكم من عباده المصلين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بكل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد يأتيك ميسوراً بأي مكان صافي، وتعلم الفقه الميسر امتثالاً للشرع دون تعصب لفلان، لعلمك الأزهار في البستان.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي