تسجيل الدخول

المحاضرة 7 - سجود الشكر، وسجود التلاوة

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا، يا عليم يا حكيم.

إخواني، هذا هو الدرس السابع من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثاني في أكاديمية زاد، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس، وأن يجعلها نافعة في حق قائلها وسامعها. اللهم يا رب العالمين، يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.

إخواني وأخواتي، سوف ندرس إن شاء الله تعالى اليوم ما يتعلق بسجود التلاوة، وما يتعلق بسجود الشكر. ومناسبة الحديث عن سجود التلاوة وسجود الشكر مناسبة ظاهرة؛ لأننا قد تحدثنا عن سجود السهو. سجود السهو سجدتان تجبر الخطأ الذي حصل في الصلاة؛ لأن الخطأ قد يكون بنقص أو بزيادة أو بشك، فتجبر الخطأ أو السهو الذي حصل في الصلاة بهذه السجدة.

نريد أن نسألكم سؤالا فيما يتعلق بسجود السهو قبل أن نشرع في سجود التلاوة وسجود الشكر: إذا سها الإمام فسجد للسهو بعد السلام، ما هي صفة هذا السجود؟ سوف نجد أن الإمام في التشهد الأخير بعد أن يقول التشهد والصلاة على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يسلم من صلاته، ثم يسجد للسهو سجدتين، ثم يرجع فيجلس ويسلم من صلاته، هذه صفة سجود السهو بعد السلام.

أريد أن أسألكم سؤالا: لو أن إنسانا مسبوقا فاتته ركعة أو ركعتين في صلاة الظهر، ماذا يفعل؟ هل يقوم يسجد مع الإمام؟ يسلم معه؟ ما الذي يصنع؟ ما رأيكم؟ في واقع الأمر الآن نحن لا يمكن أن نقول لهذا المسبوق اسجد مع الإمام سجدة السهو؛ لأنه مباشرة من أول ما يسلم الإمام التسليمتين فإنه لن يسلم معه، وإنما سوف يقوم. ولاحظوا الآن سجدة الإمام للسهو سوف تكون بعد السلام من الصلاة، لذلك دائما إذا سجد الإمام للسهو بعد التسليم من الصلاة نجد أن المأمومين يحصل عندهم إشكال، فنجد أن بعضهم يقوم، وبعضهم ربما رجع، ويتردد في صلاته؛ لأنه وجد أن الإمام قد سجد وهو قد قام إلى الركعة التي فاتته.

في واقع الأمر نحن نقول: المسبوق هنا في هذه الحال إذا قام إلى الركعة التي فاتته، فإنه سوف يجد أن الإمام والمأمومين الذين أدركوا الإمام من أول الصلاة غير مسبوقين سوف يسجدون معه ثم يسلمون، فهو سوف يتم صلاته، ويقضي هذا السجود للسهو في آخر صلاته. لاحظتم؟ نفترض أن هذا الشخص فاتته ركعة، فكبر في التشهد الأخير مع الإمام، صلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم سلم الإمام. الذي يفعله المسبوق: سوف يقوم لقضاء الركعة، وهو قائم يقرأ الفاتحة، وجد أن الإمام كبر وسجد للسهو سجدتين ثم جلس وسلم. نقول: لا ترجع، خلاص أنت قمت الآن إلى الركن ألا وهو قراءة الفاتحة في الركعة التي فاتتك. فالآن سيصلي هذا المسبوق ركعة، وفي آخر هذه الركعة سوف يجلس للتشهد، فنقول: إذا جلست للتشهد في الركعة الأخيرة وسلمت من صلاتك، اسجد سجدتين ثم سلم كما صنع الإمام؛ بمعنى آخر نقول: اقضِ هذا السجود الذي فاتك في آخر صلاتك، وهذا استناد إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما فاتكم فأتموا».

وقال بعض أهل العلم، وهو قول حسن جيد: إن كان هذا المأموم قد أدرك سهو إمامه فإنه يقضي هذا السجود كما وصفنا، وإن كان لم يدرك سهو الإمام فإنه يسلم وينصرف. وهذا قول له اعتبار؛ كذلك باعتبار أن هذا المأموم لم يدرك السهو. ما بيان هذا القول؟ قائل هذا القول يقول: إننا نفرق؛ مثلا نفترض أن هذا المأموم أدرك الركعتين الأخيرتين مع الإمام، أدرك الثالثة والرابعة، فيقول صاحب هذا القول: إن كان الإمام قد سها في الركعتين الأوليين فإن هذا المأموم لم يدرك السهو، وبالتالي فإن الإمام إذا سجد للسهو بعد السلام، وهذا المأموم قد قام إلى قراءة الفاتحة ثم بعد ذلك قضى الركعتين وجلس للتشهد، فإنه يسلم وينصرف.

لما لا يسجد السهو متابعة للإمام؟ قال: لأنه الآن ليس في وقت متابعة للإمام، لو كان الإمام قد سجد قبل السلام لقلنا تابعه، لكن هو سجد بعد السلام، فهو الآن ليس في مقام متابعة، وهو لم يدرك هذا السهو. وسجود السهو له أحد هذين الموجبين: إما أن يكون الإنسان قد سها وفعل السهو بنفسه، وإما أن يكون متابعة للإمام الذي قد سها، فهنا يسجد معه، وإن لم يكن المأموم قد سها، فلما لم يحصل أي من هذين الموجبين، فيقول: خلاص إذا يسلم وينصرف. ولكن إذا كان الإمام قد سها في الركعتين اللتين أدركهما المأموم، أي سها في الركعة الثالثة والرابعة، فإنه حينئذ قد أدرك هذا السهو، فيقول له صاحب هذا القول: إذا قمت إلى الركعتين وقضيتهما فاسجد للسهو بعد تسليمك من الصلاة؛ لأنك قد أدركت السهو مع إمامك. وهذا قول فيه تفصيل لا بأس به، وإن أخذ الإنسان بمتابعة الإمام مطلقا، أنه ما دام الإمام قد سجد فإنه يسجد في نهاية صلاته، فهذا كذلك قول قوي وله اعتبار قوي.

كلا هذين القولين قول قوي، إلا أنه ينبغي أن نفرق بين هذه المسألة وبين مسألة سجود الإمام للسهو قبل تسليمه من الصلاة؛ فإننا نقول في هذه الحالة يجب على المأموم أن يتابع إمامه، سواء أدرك السهو أم لم يدركه، سواء عرف لِمَ هذا السجود أم لم يعرف. أحيانا الإمام ربما قد سها سهوا في شيء من الأذكار أو تكبيرات الانتقال أو ترك شيئا من الواجبات ولم يشعر به المأموم وسجد الإمام، نقول: يجب عليك متابعة الإمام إن لم تعرف حتى ما هو سبب هذا السجود أو لم تدرك سببه؛ لأنه الآن أنت يجب عليك متابعة الإمام طالما أنك لم تقم إلى ما فاتك من صلاتك، ما مرحلة ما قبل السلام يجب عليك متابعة الإمام.

إذا لاحظتم هذا التفريق، على العموم هذه مسألة المسبوق وكيف يقضي سجود السهو الذي يسجده إذا كان قد سلم من صلاته؛ هذا هو التفصيل فيها. أما إذا كان قبل التسليم من الصلاة فإن الواجب على المأموم هو متابعة الإمام، ولا إشكال إن شاء الله تعالى في هذا الأمر.

طيب، نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى نوع آخر من أنواع العبادات، من أنواع عبادة السجود، ألا وهو سجود التلاوة وسجود الشكر لله سبحانه وتعالى. سجود التلاوة، هذا مضاف ومضاف إليه، هل هذا من باب إضافة الشيء إلى سببه أم من باب إضافة الشيء إلى ظرفه؟ ما رأيكم؟ قد يقال إنه إذا فسرنا التلاوة بتلاوة آية السجدة فهذا من إضافة الشيء إلى سببه، أي سجود التلاوة بمعنى تلاوة آية السجدة. وإن أطلقنا التلاوة وقلنا التلاوة عموما فهذا من باب إضافة الشيء إلى ظرفه، أي السجود الذي يكون في أثناء التلاوة. إذا أضفنا الشيء إلى ظرفه، أي في أثنائه، لكن إذا أضفناه إلى سببه فكأننا نقول: سجود يكون بسبب التلاوة. وكلا الأمرين صحيح، فإن التلاوة سبب للسجود -تلاوة آية السجدة- وهي كذلك ظرف للسجود؛ فإنه يسجد في أثناء تلاوته وقراءته للقرآن، لذلك يصح أن نجعل الإضافة في سجود التلاوة بأحد هذين الاعتبارين.

سجود التلاوة يصح أن يكون من باب إضافة الشيء إلى سببه أو من باب إضافة الشيء إلى ظرفه. ما حكم سجود التلاوة وما هي صفته؟ صفة سجود التلاوة سجدة واحدة، وليس سجدتان، وإنما سجدة واحدة تكون بسبب قراءة آية موجبة للسجود، أو كما يقول أهل العلم: عزائم السجود، أي التي تستدعي من الإنسان سجودا. عزائم السجود هي آيات في القرآن الكريم، ١٥ آية في كتاب الله سبحانه وتعالى إذا قرأها الإنسان تدعوه للسجود.

ما حكم هذا السجود؟ هذا السجود سنة مؤكدة في قول جمهور الفقهاء. ما معنى قولنا عزائم السجود؟ أي أنها تستدعي من الإنسان أن يسجد، وهذا في واقع الأمر داخل في تطبيق الإنسان لكلام الله سبحانه وتعالى، ومن باب تدبره لكلام الله سبحانه وتعالى؛ كأنه تفاعل إيجابي مع هذه الآيات التي يقرؤها، لذلك هذا من تدبر الإنسان لكلام الله ومن خشوعه عند قراءة كلام الله سبحانه وتعالى، أن ينعكس عليه هذا الكلام في فعله وعمله. فإذا قرأ آية السجود سجد، وإذا قرأ آية التسبيح سبح، وإذا قرأ آية الاستغفار استغفر، وإذا قرأ آيات الثناء على الله سبحانه وتعالى أثنى على الله سبحانه وتعالى وهكذا، فهو يقرأ هذه الآيات ويتفاعل معها ويعيش هذه الآيات.

فسجود التلاوة في واقع الأمر هو نوع من العيش مع كتاب الله سبحانه وتعالى وتطبيق ما فيه، اقتداء بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، لذلك هذه تسمى عزائم السجود؛ بمعنى أنها تستدعي من المسلم القارئ للقرآن أن يسجد فيها.

هل يشرع لمن يستمع إليه أن يسجد؟ نقول: نعم، يشرع لمن يستمع إليه أن يسجد. المستمع ما ضابطه؟ المستمع هو من يسمع هذه الآيات -عزائم السجود- وهو منصت يريد الاستماع، بخلاف السامع الذي لا يقصد استماع هذه الآيات. هناك فرق بين السامع والمستمع، لاحظوا أيها الإخوة أن الأذن تقوم بوظيفتها السمعية دون اختيار من الإنسان، بخلاف مثلا العين تقوم بوظيفة الإبصار إذا فتحت عينك، واللسان يقوم بوظيفة الحديث إذا أردت الحديث، لكن السمع في واقع الأمر تسمع كل شيء حولها ليس باختيار منك، أنت لا تريد أن تسمع أو لا تريد أن تسمع، إلا إذا أغلقت أذنك هذا شيء آخر. فالآن إذا كان الإنسان يسمع الأصوات التي حوله دون قصد استماعها هذا يسمى سامع، لكن إذا أنصت وأراد استماع شيء معين هذا يسمى مستمع، مستمع أي أنه ركز في الحديث، ركز في هذا الكلام الذي يقال وأراد الإنصات إليه وأراد الاستماع إليه، لذلك يقال: أَرْعِني سمعك، يعني أعطني سمعك، ركز معي، هذا نوع استماع. فالإنسان إذا كان يستمع القرآن شُرع له هذا السجود، شُرع له كذلك التسبيح إذا مر بآية التسبيح، الاستغفار إذا مر بآية الاستغفار، وهكذا؛ يتفاعل مع آيات القرآن الكريم التي يستمع إليها. وأما السامع، أما السامع المجرد الذي لا يقصد الاستماع، فهذا أصلا لا تترتب عليه أحكام الاستماع؛ لأنه أصلا هذا حاصل له السماع دون قصد منه.

بقي عندنا مسألة أخرى: هل يشرع سجود التلاوة في حال الصلاة أم لا؟ نقول إن سجود التلاوة كذلك مشروع حتى في حال الصلاة، فيسجد الإمام ويسجد المأموم معه، إلا أن هناك عددا من التنبيهات ينبغي أن يراعيها الإمام في قضية سجود التلاوة. أولا: ألا يسجد للتلاوة في صلاة سرية، افترض أن الإمام كان يقرأ في صلاة الظهر -الصلاة السرية- كان يقرأ مثلا سورة الانشقاق، والانشقاق في آخرها ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾، هذه من عزائم السجود، افترض أنه كان يقرأ سورة الانشقاق فقرا هذه الآية، هل يسجد؟ نقول: لا، لا تسجد؛ لأن سجودك الآن في واقع الأمر أنت في الصلاة السرية فيه تشويش للمصلين، سوف تكبر وتسجد، المأمومون ماذا سيفعلون؟ سيكبرون يركعون لأنهم لا يدرون لِمَ سجدت. إذا نقول إن سجود الإمام في الصلاة السرية.

الصلاة مخصوص بالصلوات الجهرية التي يستمع الناس فيها لتلاوته فيسجد معه، ولا يسجد الإمام في الصلوات السرية. كذلك ينبغي للإمام إذا كان المسجد متسعاً كبيراً جداً بحيث إن الناس لا يشاهدون ولا يرون ما الذي يفعله الإمام، نقول: ينبغي للإمام أن تكون له عادة مطردة؛ فإذا كان يسجد دائماً -وهذا هو المشروع في حقه، المسنون في حقه- فينبغي له ألا يترك السجود. لماذا؟ لأنه إذا كبر لسجود فإن الناس سوف يسجدون باعتبار أن هذه الآية آية سجدة، وقد اعتادوا من هذا الإمام أو في هذا المسجد أو في هذا المكان السجود. لكن فرضا أنه في تلك المرة لم يسجد، فسوف يشوش على الناس؛ إذا أراد أن يكبر الذين خلفه سيركع معه باعتبار أنه لم يسجد، لكن البعيدون عنه سيسجدون، وهذا في الحقيقة يسبب تشويشاً. لذلك في واقع الأمر نقول: إن الإمام ينبغي له أن يراعي حال المأمومين، فلا يسجد في صلاة سرية ولا يخالف عادته. وينبغي له أن يتنبه، مثلاً إذا أراد السجود دائماً فإنه يكبر للسجود ويسجد في موضع السجدة، ثم يرجع بعد ذلك إلى صلاته. لا ينبغي للإمام أن يكبر في موضع السجدة وهو لا يريد أن يسجد؛ لأنه سوف يشوش على الناس: هل هذا تكبير ركوع أم سجود؟ لاحظتم أيها الإخوة؟

فالإنسان مثلاً إذا لم يكن يريد الإمام لم يسجد، أو لا يريد السجود، مثلاً نفرض أن هذا في سورة ص، سورة ص اختلف فيها أهل العلم هل هي من عزائم السجود أم لا؟ فرضا أن الإمام يرى أن سورة ص ليست من عزائم السجود؛ لماذا؟ بعض الناس يقول لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: 24]، وأن الركوع غير السجود. وإن كان قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم السجود فيها، وإن كان قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم السجود فيها، فهذه موطن خلاف. فرضا أن الإمام لأي سبب من الأسباب لا يريد السجود، نقول له: إذا كنت لا تريد السجود فينبغي لك في هذه الحالة ألا تكبر للركوع عند قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾، استمر في القراءة، استمر في القراءة آيتين، ثلاث آيات، أربع آيات، ثم كبر للركوع واركع؛ حتى يعلم الناس أن تكبيرك هذا ليس تكبير سجود، حتى لا يحصل تشويش على المصلين أو المأمومين. هذه قضية ينبغي لنا أن نتنبه لها في حال صلاتنا.

كذلك من الأشياء التي نريد أن نقولها وهو فضل هذا السجود، جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله -أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فلم أسجد فلي النار». لاحظوا أن هذه السجدة -سجدة التلاوة- فيها تبكية للشيطان، وفيها إذعان لأمر الله سبحانه وتعالى، وفيها حرص على التفاعل مع القرآن الكريم تفاعلاً إيجابياً يدل على تدبر الإنسان لكلام الله سبحانه وتعالى، ويدل على عيش المسلم مع كلام الله سبحانه وتعالى. إذاً هذه كلها مصالح متحققة في هذا السجود، سجده التلاوة.

ماذا يقول المسلم في هذه السجدة؟ في واقع الأمر أن هذه السجدة يقول المسلم فيها نفس ما يقوله في سجوده دائماً: «سبحان ربي الأعلى»، ويدعو الله سبحانه وتعالى كما جاء في الحديث: «وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فيه؛ فقمن أن يستجاب لكم»، فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، يكثر من الدعاء. وإن قال: «اللهم لك سجدت، وبك آمنت، وعليك توكلت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين»، وإن قال: «اللهم اكتب لي بها أجراً، وامح عني بها وزراً، واجعل لي بها عندك ذخراً»، كل هذه الأدعية أدعية واردة وثابتة، يحسن بالمسلم أن يدعوها في هذه السجدة.

أمانة عظيمة ومسؤولية كبيرة، إنها تربية الأهل والأولاد. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. قال علي بن أبي طالب: "أدبوهم وعلموهم"، فنعلم العقيدة الصحيحة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك». ونعلمهم حب النبي صلى الله عليه وسلم وحب أصحابه، فقد كان السلف يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمون السورة من القرآن. ونعلمهم الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر». ونعلمهم مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، قال صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة: «يا غلام، سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». ونعلمهم شيئاً من القرآن بأنفسنا أو نلحقهم بحلقات التحفيظ، ونعلمهم الحلال والحرام بالتدريج، ونعلمهم لغة القرآن قبل أن نعلمهم اللغات الأخرى، قال نافع: "كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن". فاحرص على تعليم أهلك، واعلم أن غذاء الروح أهم من غذاء البدن، قال صلى الله عليه وسلم: «والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عنهم».

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونواصل حديثنا عن سجدة التلاوة. سجدة التلاوة كما ذكرنا أن حكمها مشروع، وذكرنا أن سببها تلاوة عزائم السجود الواردة في القرآن الكريم وهي 15 آية، وذكرنا كذلك فضلها، وذكرنا كذلك صفتها وأنها سجدة واحدة يدعو الإنسان فيها بالدعاء الوارد دائماً في السجود مثل سجود الصلاة المعتاد. هناك ملحوظة ذكرها الإمام السيوطي رحمه الله تعالى وهي أن آيات السجود جميعها آيات مكية، وهذه ملحوظة في الحقيقة دقيقة، وهذا ملاحظ. لذلك نجد أننا في النصف الأول من القرآن الذي تكثر فيه السور المدنية، من سورة الفاتحة والبقرة وآل عمران إلى سورة الكهف، أنه لا يوجد عندنا إلا سجدتان فقط: سجدة سورة الأعراف وسجدة سورة الإسراء، بينما في النصف الثاني من القرآن الذي تكثر فيه السور المكية نجد عندنا تقريباً 13 سجدة. هذه الملحوظة من السيوطي رحمه الله تعالى أنه السجدات هي في الآيات المكية. كذلك ذكرنا أن سجدة سورة ص فيها خلاف بين أهل العلم، والصحيح والله تعالى أعلم أنها سجدة شكر ثابتة فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، وإن وردت بلفظ: ﴿فَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾.

بقي عندنا مسألة: هل سجود التلاوة يشترط فيه ما يشترط في الصلاة أم لا؟ يعبر عنها أهل العلم فيقولون: هل سجود التلاوة صلاة أم لا؟ ما الذي ينبني على هذه المسألة؟ ينبني عليها في واقع الأمر عدة مسائل: سجود التلاوة هل يلزم أن يكون مستقبلاً للقبلة؟ هل يلزم أن يكون متوضئاً؟ هل يكبر له مثلاً إذا كان الإنسان جالساً؟ هل يقوم ثم يسجد؟ هل يترك السجود في أوقات النهي باعتبار أنه منهي عنه لأنه صلاة؟ لاحظتم؟ هذه كل المسائل مترتبة على ماذا؟ على اعتبارنا أن سجدة التلاوة تأخذ أحكام الصلاة. القول الثاني: أن سجدة التلاوة لا تأخذ أحكام الصلاة، وبالتالي فالإنسان يسجد سواء كان متوضئاً أو غير متوضئ، فالإنسان يسجد سواء كان متجه للقبلة أو لم يكن متجهاً للقبلة، فالإنسان يسجد حتى وإن كان في وقت نهي؛ إلا أنه حتى لو قلنا إن سجود التلاوة صلاة فقد يقول قائل: إنه يسجد للتلاوة باعتبار أن التلاوة سبب وتصبح هذه الصلاة من ذوات الأسباب فيسجد الإنسان لها. هذا على اعتبار أنها صلاة، والصحيح والله تعالى أعلم أن سجده التلاوة وسجدة الشكر -كما سيأتينا إن شاء الله تعالى- أنها لا تعد صلاة، وأنها لا تأخذ أحكام الصلاة؛ لأنه لا ينطبق عليها وصف الصلاة ولا لفظ الصلاة الشرعي المعروف المعتبر. لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة بغير طهور» في واقع الأمر لا ينطبق على هذه السجدة؛ لأن هذه السجدة جزء فقط، مثل قراءة القرآن؛ قراءة القرآن ليست في الصلاة وهي ركن من أركان الصلاة. كذلك لا ينطبق عليها الأحكام أن الإنسان مثلاً لا يقرأ القرآن إلا وهو مستقبل القبلة أو لا يقرأ القرآن إلا وهو متوضئ، لا ينطبق عليها مثل هذه الأحكام.

لذلك نقول: إن سجدة التلاوة لا تعد صلاة، وبناءً عليه يسجد للتلاوة وإن كان غير متوضئ مثلاً. الإنسان كان يقرأ القرآن أو يسمع القرآن، قراءة القرآن عن ظهر قلب دون مس المصحف تجوز إذا كان الإنسان على غير طهارة؛ طبعاً إذا كان الإنسان جنباً لا يقرأ، لكن نتكلم أنه الشخص محدث حدثاً أصغر، يجوز له أن يقرأ القرآن. طيب وهو قرأ آية السجدة، هل يسجد؟ نقول: اسجد. هل يشترط أن يكون باتجاه القبلة أو نعرف اتجاه القبلة؟ نقول هذا الأفضل أن يكون باتجاه القبلة، لكن فرضا أن الإنسان كان في سيارة مثلاً، فرضا الإنسان كان في طائرة، فرضا الإنسان كان في مكان لا يعرف فيه اتجاه القبلة، نقول: هذا ليس بشرط أن تتحرى اتجاه القبلة كما تتحرى في الصلاة.

وكذلك الأمر في سجود الشكر. سجود الشكر في واقع الأمر هذا باب من أبواب العلم ومسألة من مسائل الفقه، ألا وهي السجود الذي يكون شكراً لله سبحانه وتعالى، ورواه لنا أبو بكرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه أمر يسره خر ساجداً لله سبحانه وتعالى. في واقع الأمر أن هذا السجود يدل على اعتراف المسلم بأن هذه النعمة وهذا الأمر السار هو من فضل الله سبحانه وتعالى، وهذا في الحقيقة قضية قلبية مهمة. وهذا السجود يربي المسلم على الاعتراف للمنعم سبحانه وتعالى بفضله ونعمته وإحسانه. للأسف أن بعض المسلمين ربما يأتيه أمر يسره فيظن أن هذا الأمر بسبب جهده وبسبب علمه وبسبب خبرته، وينسب هذا الأمر إليه، مثل ما قال الناس لقارون فرد عليهم، قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: 78]. ينسب هذا المال وينسب هذه العلوم وينسب هذه الأشياء السارة ينسبها إلى نفسه، وينسى فضل المنعم جل جلاله، وينسى كرم الكريم سبحانه وتعالى. فواقع الأمر سجود الشكر لله سبحانه وتعالى هذا إذعان واعتراف بأن الله سبحانه وتعالى هو صاحب هذه النعمة.

الأمر الثاني الذي نود أن ننبه إليه وهو: ما الذي يسر المسلم وما الذي يفرحه وما الذي يسجد له؟ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]، خير مما يجمعون من متاع الحياة الدنيا. في واقع الأمر أن المسلم ينبغي له أن يفرح بفضل الله وبرحمته، بدينه بإحسانه بإنعامه، في هذا الدين بالنصر الذي يتحقق للمسلمين، بإتمام حفظ القرآن الكريم، هذه النعم التي يفرح بها المسلم. ولا ينبغي له أن يفرح بهذه الحياة الدنيا، فإنها قد تكون في واقع الأمر قد تكون سبباً من أسباب ابتلائه الذي يضره في حياته الآخرة، وقد تكون سبباً من أسباب ابتلائه الذي يصيب فيه وينجح وينفعه في الآخرة. لذلك هي ليست الحياة الدنيا والزيادة فيها والتوسع فيها ليست نعمة محضة، وليست دلالة على محبة الله وتكريمه لهذا العبد، وإنما الله سبحانه وتعالى قد يعطي من الحياة الدنيا، قد يعطي عبده المسلم وقد يعطي الكافر. ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾ [الفجر: 15-17]. إذاً ليس توسعة الحياة الدنيا على عبد دليل إكرام الله سبحانه وتعالى له ولا تكريم له، وليس تضييق وتقتير الحياة الدنيا على عبد من العباد دليل على إهانة الله سبحانه وتعالى له. لذلك قال الله سبحانه وتعالى بعد هاتين الآيتين: ﴿كَلَّا﴾.

فالمسلم عليه أن يفرح بفضل الله وبرحمته التي هي نعم محضة تسرّه، هذا الذي يسر المسلم ويفرحه: أن دين الله سبحانه وتعالى يعلو شأنه، أن الإنسان يحقق مرتبة من مراتب الدين ويحقق مرتبة من مراتب العلم، فيسجد لله سبحانه وتعالى شكراً أنها تحصلت له. وأما الحياة الدنيا فواقع الأمر فهذا الإنسان ينبغي له أن يعالجها بما أمر الله سبحانه وتعالى به، بالصبر وبالشكر كما أمر الله سبحانه وتعالى. للأسف حتى بعض الناس ربما سجد في بعض الملهيات من ملهيات الحياة الدنيا، مثلاً مثل ألعاب كرة القدم أو غيرها، ويظن أن هذه نعمة عظيمة تحققت له، أنه سجل هدفاً مثلاً أو أنه انتصر فريقه؛ هذه في واقع الأمر نوع من الخطأ في منهجية الفرح والسرور. وللأسف هناك من هو أسوأ من ذلك، بعضهم ربما يفوز في مسابقة غنائية ولا غيرها من المحرمات والمنكرات التي حرمها الله وحرمها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. لا يجوز، لا يجوز للمسلم أن يتخذ آيات الله هزواً، وأن يسجد في مثل هذه المواطن التي هي في واقع الأمر أقل ما يقال عنها أنها معاصٍ وفسوق وآثام، أن الإنسان والله في مسابقة غنائية وفي غيرها إنه يسجد لله سبحانه وتعالى؛ لا، لا ينبغي أن يدنس المسلم هذه العبادة وهذه الشعيرة العظيمة بالسجود في مثل هذه المواطن. إذاً سجدة الشكر كما ذكرنا أيها الإخوة هي تكون لنعمة الله سبحانه وتعالى على عبد من عباده. انظروا كما جاء في الصحيحين في حديث كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه لما وصف رضي الله تعالى عنه قصة.

تخلفه عن غزوة تبوك، لما جاءه خبر توبة الله سبحانه وتعالى عليه بعد هذه الأيام الطويلة التي هجره المسلمون فيها، خر لله سبحانه وتعالى ساجدًا فرحًا بتوبة الله سبحانه وتعالى عليه. والله سبحانه وتعالى قد أنزل توبته في آيات تتلى إلى يوم القيامة، هذه بالفعل هذه النعمة، هذه النعمة الحقيقية، هذه النعمة العظيمة أن الله سبحانه وتعالى يكرم العبد المسلم بالتوبة، يكرمه بهذا المقام العظيم. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].

لا ينبغي للمسلم أن يفرح، وأن يكون همه في الحياة الدنيا أو في المعاصي أو في الآثام، لذلك قال المؤمنون من بني إسرائيل لقارون: ﴿لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: 76]. لا تفرح بهذه الحياة الدنيا؛ فإنها قد تكون سببًا لتلفك وخسارتك، وقد كانت بالفعل في حق قارون سببًا من أسباب خسارته وهلاكه، ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾ [القصص: 81].

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يفرح بفضل الله وبرحمته، وأن يجعلنا وإياكم من الشاكرين لنعمائه. اللهم يا رب العالمين وفقنا لعبادتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.