تسجيل الدخول

المحاضرة 17 - صفة صلاة العيدين

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهل النوال ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن. وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، ربنا فقهنا في الدين، اللهم فقهنا في الدين، اللهم فقهنا في الدين.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس السابع عشر من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في فصلها الدراسي الثاني. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في الأكاديمية، وأن يبارك في هذه الدروس، وأن يعظم نفعها، وأن يجعلها بركة على قائليها وسامعها ومعديها وناشرها.

إخواني وأخواتي، سوف نتابع إن شاء الله تعالى ما يتعلق بصلاة العيدين. وكنا قد تحدثنا عن الأعياد، وأنها شعيرة من شعائر كل أمة، وأن صلاة العيدين شعيرة من شعائر أمة الإسلام، وأن عيد الفطر وعيد الأضحى هما عيد أهل الإسلام الذي يعود عليهم ويتكرر كل سنة، وبينا ارتباطهما بشعيرة الصيام وشعيرة الحج، وحكمة كون الصلاة الخاصة في هذين العيدين، وبينا وقتهما ومكانهما، وعلى من تجب، وأمر النساء بالخروج إليهما حتى الحيض وذوات الخدور.

نريد أن ننتقل الآن إن شاء الله تعالى للحديث عن كيفية صلاة العيد وصفتها. ذكرنا أن وقت صلاة العيد هو وقت صلاة الضحى. من التنبيهات المهمة فيما يتعلق بكيفية صلاة العيد أن صلاة العيد لا يشرع لها أذان ولا إقامة؛ هذا تنبيه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي صلاة العيد بدون أذان ولا إقامة، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقدم إلى المصلى فيكبر مباشرة، يبدأ الصلاة. إذاً لا يؤذن ولا يقام للصلوات المكتوبات الخمس؛ هذا تنبيه.

التنبيه الثاني أنه لا يشرع لصلاة العيد راتبة قبلية ولا بعدية. إذا قدم الناس إلى المصلى فإنهم يجلسون. هل يشرع لهم أن يصلوا تحية المسجد؟ نقول: لا يشرع تحية المسجد، لأن هذا المكان المصلى ليس بمسجد، وإنما هو مكان في الصحراء فيصلون فيه. لكن لو أقيمت صلاة العيد في الجامع نقول: إذا دخل المسجد فإنه يصلي ركعتين تحية المسجد، ليس لأجل صلاة العيد، وإنما لأجل أنه دخل المسجد. إذاً صلاة العيد لا يشرع لها سنة راتبة قبلية ولا سنة راتبة بعدية. لاحظوا أنه هنا في اختلاف عن صلاة الجمعة؛ الجمعة ليس لها راتبة قبلية ولكن لها راتبة بعدية كما ذكرنا، أما الركعتين وإما الأربع وإما الست على قول بعض أهل العلم في الجمع بين الركعتين والأربع. أما صلاة العيد فليس لها راتبة قبلية ولا بعدية، فيقدم الناس فيجلسون مباشرة.

من الاختلافات بين صلاة العيد وصلاة الجمعة اختلاف مهم جداً، وهو أن صلاة العيد تصلى فيها الركعتان قبل الخطبة، بخلاف صلاة الجمعة؛ الخطبة ثم الركعتان، إذاً متعاكستان في ترتيب الخطبة والصلاة. أول ما يقدم الإمام فيبدأ بالصلاة -قلنا بدون أذان وإقامة وبدون راتبة قبلية ولا راتبة بعدية- أول ما يبدأ، يبدأ بالتكبير، فيكبر ويصلي، يكبر تكبيرة الإحرام.

إذا كبر تكبيرة الإحرام، من الهيئات التي تتميز بها صلاة العيد عن غيرها من الصلوات هي التكبيرات الزوائد في هذه الصلاة. في الصلوات هناك بعض الهيئات تختص بها بعض الصلوات؛ ما هي الهيئة التي تختص بها صلاة الكسوف مثلاً؟ كنا قد تكلمنا عنها، هي هيئة الركوع الزائد في الركعة. صلاة الكسوف قلنا إنها ركعتان ولكن هاتين الركعتين فيها أربع ركوعات وأربع سجدات، هيئة خاصة في صلاة الكسوف والخسوف.

صلاة الجمعة ما الذي يميزها عن بقية الصلوات؟ الخطبتين قبلها، هيئة خاصة لها خطبتين قبلها، وأنها جهرية في وقت زوال الشمس مع أن العادة في الصلوات أن الصلوات النهارية تكون سرية؛ هذا مما يميز صلاة الجمعة. صلاة الخوف يميزها هيئتها، أن هيئة الجماعة فيها مختلفة عن هيئة الجماعة العادية، يصف الناس صفين، ويسجد صف ويقف صف، ثم يسجد الذين كانوا قائمين، ويقوم الذين كانوا ساجدين وهكذا، لها هيئة خاصة.

طيب، الهيئة التي تتميز بها صلاة العيد عن بقية الصلوات حقيقة عدد من الهيئات التي ينبغي لنا أن نذكرها. الجانب الأول وهو التكبيرات الزوائد في الصلاة، وهذا لعله مأخوذ من قول الله سبحانه وتعالى في شهر رمضان في ختام الآية: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185]، وقال الله سبحانه وتعالى في شأن عيد الأضحى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28]. الذكر الذي يكون على بهيمة الأنعام هو ذكر بسم الله سبحانه وتعالى والتكبير، كذلك التكبير يكون في عيد الفطر كما قال الله سبحانه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾.

لاحظوا إذاً التكبير ذكر خاص في هذين العيدين، لذلك يشرع التكبير في هذين العيدين، فهم السلف أن التكبير له مزية على باقي الأذكار. الأذكار عديدة منها التسبيح، التحميد، قراءة القرآن، التكبير. التكبير له مزية في العيدين، من أين أخذ التكبير مزيته؟ من عدد من الأمور، أول شيء أنه هو الذي يذكر بسم الله والله أكبر عند النحر، عند رمي الجمار، ﴿وَلِتُكَمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ في آية شهر رمضان. التكبير كذلك في صلاة العيدين هذا متسق، لاحظوا أن هذا الاتساق في الشريعة بين هذه الأحكام الشرعية كلها. إذاً هناك تكبيرات زوائد في صلاة العيد، هناك كذلك ما يسميه أهل العلم التكبير المطلق والتكبير المقيد، في عيد الأضحى ولعلنا نتكلم عنه إن شاء الله تعالى بتفصيل بعد قليل.

ما هي التكبيرات الزوائد في صلاة العيد؟ إذا كبر الإمام تكبيرة الإحرام يكبر بعدها ست تكبيرات زوائد، فيقول مثلاً الله أكبر، هذه تكبيرة الإحرام، ثم يقول بعدها الله أكبر، الله أكبر، وهكذا. كم تكون تكبيرة في البداية؟ سبع تكبيرات، إحداها أولها تكبيرة الإحرام، ثم الست التي بعدها تكبيرات زوائد. هذه التكبيرات الزوائد طبعاً لا تقضى إذا فاتت، فات محلها. كيف لا تقضى؟ يعني لو أن إنساناً دخل مع الإمام وهو في التكبيرة الثالثة أو الرابعة، فإنه يكبر تكبيرة الإحرام ويكمل مع الإمام ما بقي، ربما يكمل معه تكبيرة، تكبيرتين، ثلاث، أو أربع باقية، يكمل معه، هو بقي يصلي الصلاة صلاة العيد ركعتين.

هناك تكبيرات زوائد كذلك في الركعة الثانية، إذا كبر تكبيرة القيام من السجود وقام، فإنه يكبر خمس تكبيرات زائدة، إذاً التكبيرات الزوائد في الركعة الثانية أقل من التكبيرات الزوائد في الركعة الأولى بتكبيرة واحدة. كم يكبر في الأولى؟ تكبيرة الإحرام وست زوائد. طيب، في الركعة الثانية يكبر تكبيرة القيام من السجود وخمس زوائد، خمس تكبيرات زوائد. واضح الفرق بين الركعتين. هذه التكبيرات يشرع والله تعالى أعلم أن يرفع يديه مع كل تكبيرة، لشبهها بتكبيرة الإحرام وللكونها كذلك في حال القيام. نقف عند هذا الفاصل ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد الفاصل.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونواصل حديثنا إن شاء الله تعالى معكم عن صفة صلاة العيد وكيفيتها. وقلنا إن السنة في صلاة العيد أن يخرج إلى المصلى، وأن تكون في وقت الضحى، وأن لا يكون لها أذان ولا إقامة، وليس لها سنة قبلية ولا بعدية، وتتميز صلاة العيد أو ركعتا الصلاة عن غيرها من الصلوات بعدد من المميزات التي سوف نذكرها تخالف بها غيرها من الصلوات أو الهيئات.

ذكرنا أن أهمها التكبيرات الزوائد، وقد جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: النبي صلى الله عليه وسلم كبر سبع تكبيرات في الركعة الأولى، خمس تكبيرات في الركعة الثانية. قلنا إن السبع تكبيرات هذه أضاف لها عبد الله بن عمر تكبيرة الإحرام، وإلا فهي ست تكبيرات زوائد وخمس تكبيرات زوائد في الركعة الأولى وفي الركعة الثانية على التوالي.

ثم بعد ذلك يجهر بالقراءة في صلاته. لاحظوا أن هذا فيه شبه من الجمعة، كلاهما فيه جهر بالقراءة مع أن الصلاة في وقت النهار، والعادة في الصلوات النهارية أنها تكون صلوات سرية مثل صلاة الظهر، صلاة العصر، وأن الصلوات الليلية هي الصلوات الجهرية، ولكن صلاة العيد خالفت هذا فكانت صلاة جهرية، وهذا في الحقيقة يناسب هذا الاجتماع العظيم الذي يكون للصلاة أن تكون الصلاة فيها جهرية، وكذلك هذا مناسب لصلاة الجمعة؛ لأن صلاة الجمعة فيها اجتماع، وإن كان هو نعم اجتماع أقل من اجتماع العيد، ولكن يناسب لهذا الاجتماع أن تكون الصلاة صلاة جهرية. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في ركعتي العيد سورة الأعلى والغاشية، وقرأ كذلك فيها سورة ق واقتربت الساعة في بعض الأعياد، وهذا قد جاء في عدد من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. استمر كذلك عمل المسلمين على الجهر بالقراءة في صلاة العيد، وهي سنة ثابتة من زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

سوف نذكر بعض السنن المتعلقة بالصلاة، وهي أنه إذا قضى الصلاة يشرع للإمام أن يقوم لخطبة الناس. خطبة العيد هل تكون خطبة العيد خطبة واحدة أو خطبتين؟ في واقع الأمر جاءت، الأصل أنها تكون خطبة واحدة، وهذا المنقول أو هذا المفهوم من نقل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، حيث لم ينقلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب خطبتين. جاء في بعض الآثار أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب خطبتين، ولكن هذه الآثار فيها ضعف، والله تعالى أعلم بصحتها، والأمر في هذا إن شاء الله تعالى واسع. جاء كذلك في حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أنهى خطبته مع الرجال، خطب النساء فوعظهن وذكرهن، كما جاء في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه؛ إذاً قد يقال إن هذه خطبة ثانية، وقد يقال إنها تبليغ للنساء وموعظة لهن، الأمر إن شاء الله تعالى في هذا أمر واسع بإذن الله تعالى.

خطبة العيد لا يلزم حضورها ولا يجب الجلوس لها، يجوز للإنسان بعد أن يقضي الصلاة أن يقوم وينصرف ويذهب ولا يحضر الخطبة، بخلاف خطبة الجمعة؛ إذا حضر يجب أن ينصت وأن يبقى وألا يتكلم والامام يخطب، بل ولا يمس الحصا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. خطبة الجمعة فيها لزوم في حضورها: ﴿فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9]، هذا بخلاف خطبة العيد. خطبة العيد بعد أن يقضي الإنسان الصلاة يمكنه أن يخرج، ولأجل جواز الخروج وعدم لزوم البقاء قال بعض أهل العلم إنه لا بأس أن يتكلم الإنسان مع جاره مثلاً في وقت خطبة الإمام، وهذا في الحقيقة إن شاء الله تعالى صحيح وجائز بشرط ألا يشوش على الناس الذين يحضرون الخطبة؛ فلو شاء أن يتكلم مثلاً سراً مع جاره أو صديقه ينبه على شيء معين، فهذا جائز إن شاء الله تعالى لأن خطبة العيد لا يلزم حضورها، وما دام لا يلزم حضورها فإنه لا يلزم الإنصات لها.

ولكن نحن نقول: ينصت لها إنصاتاً بحيث لا يشوش على من بجواره، فليس معنى أنه جواز الحديث فيها والكلام مع جاره أن يشوش على غيره ممن يريد أن يستمع الخطبة. طيب، كذلك ذكرنا أنه لا يشرع لها راتبة بعدها، بل يجلس فيستمع الخطبة، فإذا قضى الإمام خطبته فإنه يقوم من هذه الصلاة.

كذلك من الأحكام أو المسائل المتعلقة بالعيدين عموماً أن المسلم يشرع له أن يخرج لها متنظفاً متطيباً، ويخرج من طريق ويرجع من طريق، ويخرج إلى الصلاة ماشياً كما جاء في حديث علي رضي الله تعالى عنه أن السنة أن يخرج للعيد ماشياً. كذلك مما يشرع في العيد أن يكبر حال خروجه وممشاه إلى المصلى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾، كما جاء في الآية الكريمة، وما ذكرناه من قبل أن التكبير له اختصاص في هذين العيدين وله مزية على غيره من الأذكار لورود النص به، ولوروده في صفة الصلاة، ولوروده كما ذكرنا من قبل في الرمي وفي النحر وغيره.

كذلك مما يسن في عيد الفطر، ألا يخرج المسلم إلى المصلى إلا وقد أفطر، والسنة أن يكون فطره على تمرات. لماذا؟ كما ذكرنا أن يوم العيد يحرم صومه، يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى، كلاهما يوم يحرم.

صومه، ولكن خروجه وقد أفطر فيه تمييز له عن الأيام التي قبلها، أيام رمضان. لذلك يشرع للمسلم أن يكون مفطراً، وأن يحقق هذا الفطر بأكله؛ للتمتع. النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أنس أنه كان لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يأكلهن وترًا كما أخرجه الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

يوم الأضحى بعد أن يرجع من الصلاة فإنه يذبح أضحيته ويأكل منها، كما سيأتينا إن شاء الله تعالى؛ لعله يأتينا إن شاء الله تعالى في أحكام الحج حين نتكلم عن أحكام النذور والهدايا والأضاحي بإذن الله تعالى.

هذه إذا بعض السنن المتعلقة بالعيد. كذلك من السنن المتعلقة بالعيد كثرة ذكر الله سبحانه وتعالى والتكبير فيه خصوصاً. إلا أننا ننبه إلى أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته الكرام رضي الله تعالى عنهم التكبير الجماعي الذي ربما يفعله بعض الناس، بل يشرع لكل إنسان أن يكبر منفردًا، وأن يجهر بهذا التكبير حتى يسمعه غيره فيكبر بتكبيره، إذا سمع الناس فلانًا يكبر كبروا، كل إنسان يكبر فانتشر التكبير بين الناس.

كذلك لا بأس أن يدعو الناس لبعضهم البعض: تقبل الله منكم صالح الأعمال، تقبل الله منا ومنكم، وقد أثر هذا عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنكم. ولا شك أن الدعاء بالقبول دعاء فاضل، خصوصًا بعد هذه العبادة أو بعد الأيام العشر، عشر ذي الحجة، سواء بعد شهر رمضان أو في آخر أيام عشر ذي الحجة، أن الإنسان يدعو لغيره ولنفسه بالقبول؛ نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا جميعًا. كما قال ابن عمر رضي الله تعالى عنه كان يقول: لو أعلم أن لي ركعتين متقبلتين لتمنيت الموت، إنما يتقبل الله من المتقين.

وأثر عنه كذلك لما قال: ليت حظي من هذه الأربع ركعتان مقبلت، أثر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: ليت حظي منهما ركعتان مقبلت. القبول لا شك أنه أمنية لكل مسلم وغاية يسعى إليها كل مسلم، أن الله سبحانه وتعالى يقبل منه هذه العبادة التي تعبدها لله سبحانه وتعالى.

كذلك مما ننبه إليه من السنة المتعلقة بالعيد التكبير المطلق في ليلة العيد. معنى التكبير المطلق أن الإنسان يكثر التكبير في كل وقت دون أن يقيد هذا بوقت معين أو بصلاة معينة. التكبير المقيد يكون هذا من يوم عرفة لغير الحاج، ويكون للحاج من ظهر يوم النحر؛ من ظهر يوم النحر يبدأ، لماذا؟ لأنه قبل ذلك يلبي، ولو كبر التكبير المطلق فهذا كذلك مشروع في حقه، لما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم لحديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان يهل منا المهل ويكبر منا المكبر فلا ننكر عليه. إذا التكبير في إهلال الناس إفاضة من مزدلفة إلى منى، وفي إفاضة من عرفة إلى مزدلفة، كان معروفًا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا تكبير ليلة العيد هذا تكبير مطلق، يكبر منا المكبر ويهل منا المهل.

التكبير المقيد يكون بعد رمي جمرة العقبة للحاج، ترمى جمرة العقبة في ضحى يوم النحر يوم الحج الأكبر، إذا رمى جمرة العقبة تنقطع تلبية الحج، لما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة. النبي صلى الله عليه وسلم بعد رمي جمرة العقبة يبدأ الإنسان في التحلل ولا يلبي؛ لأن التلبية شعار الإحرام، فالآن برميه لجمرة العقبة وشروعه في أعمال يوم النحر يبدأ الإنسان في التحلل، فتحلل من الإحرام شيئًا فشيئًا حتى يتم تحلله الأكبر بطواف الإفاضة وبتمام أعمال يوم النحر، لكن شروعه في التحلل يكون برمي جمرة العقبة. وذكرنا أن التلبية هي شعار الإحرام، فلذلك لا تشرع بعد أن يرمي جمرة العقبة، وأول صلاة بعد رمي جمرة العقبة هي صلاة الظهر يوم النحر، يشرع في حق التكبير المقيد كما ذكرنا إلى عصر اليوم الثالث من أيام التشريق. هذه الأيام التي هي الأيام المعدودات: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203] هذه هي الأيام المعدودات، والأيام المعلومات هي هذه الأيام بالإضافة إلى يوم النحر.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم وأن يجعلنا وإياكم من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات. فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد هذا الفاصل.

صلاة العيد إذا فاتت الناس جميعًا فإنها تقضى، بخلاف إذا فاتت الأفراد؛ إذا فاتت فردًا من الأفراد فإنه لا يقضيها. لكن إذا فاتت الجماعة، كيف تفوت الجماعة؟ هل يمكن أن العيد يفوت الجماعة كلهم؟ نعم، وقد روي أن هذا حصل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، كما روى لنا أبو عمير بن أنس قال عن عمومة له من الأنصار: غم علينا هلال شوال، قال: فأصبحنا صيامًا، أصبحنا صيامًا يعني يوم الثلاثين من رمضان، يظنونه يوم الثلاثين من رمضان. فجاء ركب في آخر النهار، هم لا يزالون صائمين يظنونه أنه يوم الثلاثين من رمضان، لكن جاء ركب من خارج المدينة في وصلوا المدينة في آخر النهار، هذا الركب كانوا مفطرين، لماذا؟ لأنهم قد رأوا الهلال ليلة البارحة بينما لم يره أحد في المدينة، فالآن استغربوا من الناس أنهم صائمين، فجاء ركب في آخر النهار فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، بمعنى أن هذا اليوم الذي صامه الناس في المدينة أنه يوم واحد من شوال، وأن شهر رمضان لم يكن تامًا لأنهم رأوا الهلال ليلة الأمس. قال: فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن يفطروا من يومهم، أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالفطر، لماذا؟ لأنه يحرم صوم يوم العيد، وأمرهم أن يخرجوا غدًا لعيدهم، إذا قضوا صلاة العيد في اليوم الثاني من شوال، لماذا؟ لأنهم ما علموا بهلال شوال إلا في آخر النهار بشهادة جاءت متأخرة بسبب هذا الركب الذي جاء في آخر النهار. لذلك قد تتأخر الشهادة مثلًا لبعض الظروف والأحوال، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يفطروا لأن هذا هو يوم العيد الأول، وأمرهم أن يخرجوا غدًا لعيدهم، ورواه الخمسة إلا الترمذي وصححه الألباني.

هنا في هذا الحديث عدة فوائد، أن صلاة العيد إذا فاتت الجماعة فإنها تقضى، ولكن لم يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر الأفراد أن يصلوها فرادى. إذا هناك فرق، صلاة العيد صلاة اجتماع، صلاة العيد صلاة اجتماع تصلى في المصلى، تصلى مجموعة، هذا حكم مشروعيتها وهذا أصلها، ليست صلاة فردية أو صلاة تصلى على انفراد، لذلك لما فاتت الجماعة تقضيها الجماعة، لكن لما تفوت الفرد لا يحتاج أن يقضيها الفرد ولا يشرع في حق الفرد أن يقضيها، ولم يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر فردًا بأدائها في بيته أو أنه يقضيها، ولم يأمر النساء التي لم يخرجن إلى الصلاة أن يصلين هذه الصلاة في بيوتهن، بخلاف مثلًا صلاة الظهر والعصر؛ بخلاف الجمعة صلاة اجتماع، المرأة إذا لم تصل الجمعة فإنها تصليها في بيتها ظهرًا، لا تصليها على هيئة صلاة الجمعة. لاحظتم إذاً صلوات الاجتماع هذه لا يصليها الإنسان لوحده، صلاة الجمعة إذا فاتت الإنسان يصليها ظهرًا، صلاة العيد إذا فاتت الإنسان لا يصليها؛ لأنها ليست بدلًا عن شيء، وإنما هي في وقت الضحى صلاة زائدة على الصلوات الخمس فليست بدلًا عن شيء مثل صلاة الجمعة التي هي بدل عن الظهر.

كذلك من الأحكام التي نستفيدها من هذا الحديث ألا وهو وقت صلاة العيد، أنه محدود بطلوع الشمس قيد رمح إلى الزوال، ولو كان يصح أنها تؤدى في آخر النهار أو في الليل لكان أداؤها في آخر النهار أو في الليل أولى من تأخيرها إلى الغد، لأن الإنسان دائمًا إذا فاتته صلاة يقضيها متى إذا ذكرها؟ من فاتته صلاة أو نسيها أو نام عنها فإنه يصليها إذا ذكرها، أليس كذلك؟ فالآن لو كانت صلاة العيد يمكن أنها تصلى في آخر النهار أو في الليل لأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن يخرجوا لصلاة العيد، ولكن أمرهم أن يخرجوا لها غدًا في وقتها الذي تصلى فيه. إذاً هذا فيه دلالة هذا الحديث كذلك على وقت صلاة العيد، دلالة على أنه تقضيها الجماعة، دلالة على أنه لا يقضيها الأفراد.

كذلك من الأحكام التي ربما قد نبهنا إليها ولم ننبه إليها، أنه لا يشرع لصلاة العيد أذان ولا إقامة بخلاف غيرها من الصلوات الخمس وصلاة الجمعة. كذلك من الأحكام أن هذه التكبيرات الزائدة في صلاة العيد سنة، فإذا فاتت الإمام أو فاتت المأموم لم يشرع له قضاؤها، فمثلًا لو أن إنسانًا وهو يؤم الناس نسي التكبيرات الزوائد في الركعة الأولى، فلما قام في الركعة الثانية هل يشرع له أن يقضيها؟ لا، هل يشرع له أن يقضيها بعد الصلاة؟ لا، خلاص هذه سنة فات محلها، إذا نسيها لا يشرع له أن يأتي بها، مثل دعاء الاستفتاح في الصلاة إذا شرع في الفاتحة وبدأ في الصلاة لا يشرع له أن يأتي به، لأن هذا الدعاء مخصوص باستفتاح الصلاة، فإذا انقضى استفتاح الصلاة وبدأ في الفاتحة سقط دعاء الاستفتاح. كذلك المأموم إذا أدرك الإمام وهو يكبر فإنه لا يقضي ما فاته من التكبيرات لا قبل دخوله مع الإمام ولا بعد انقضاء صلاته، وإنما يدخل فيدرك مع الإمام ما يكبره الإمام؛ يكبر تكبيرة الإحرام ثم يدرك معه ما يدركه من التكبيرات دون ما فات عليه من التكبيرات.

هذه بعض الأحكام المتعلقة بصلاة العيد، حقيقة نريد أن ننبه إلى تنبيه مهم، وهو قد يحصل بعض المرات وقد حصل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وحصل في زمن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وهو أنه إذا وافق يوم العيد يوم جمعة، فإنه من حضر صلاة العيد يخفف عنه في صلاة الجمعة، يخفف عنه في صلاة الجمعة، فإذا شاء أن يحضر صلاة الجمعة فله ذلك، وإذا شاء أن يصليها في بيته ظهرًا فله ذلك؛ لأن هذا العيد العيد الأكبر دخل فيه هذا العيد الأصغر، وهذا قد لاحظناه في عدد من العبادات، مثلًا مثل الغسل يدخل فيه الوضوء، الغسل لأنه طهارة كبرى يدخل فيه الطهارة الصغرى وهو الوضوء، من اغتسل لا يحتاج أن يتوضأ، من اغتسل من الجنابة وليس غسل جمعة، من اغتسل من الجنابة لا يحتاج أن يتوضأ لأن الغسل يشمل الطهارة الكبرى والصغرى. كذلك هذا العيد، من حضر هذا العيد الأكبر فإنه يجوز له أن يحضر العيد الأصغر ويجوز له أن يتخلف عنه؛ ما هو العيد الأصغر؟ هو خطبة الجمعة، ولكن من لم يحضر هذا العيد فإنه يحضر صلاة الجمعة. إذاً هذه الرخصة خاصة بمن شهد صلاة العيد.

كذلك نود أن ننبه تنبيهًا في ختام حديثنا عن باب صلاة العيد، وهو أن فرح المسلم وسروره ينبغي أن يكون بطاعة الله وبسبب طاعة الله، صلاة العيد ذكرنا أنها مظهر من مظاهر الفرح والسرور ومظهر.

الفرح والسرور كان بالصلاة، وهي كذلك فرح وسرور بختام أو أثناء عبادة من العبادات. فلا يشرع للمسلم، بل يحرم عليه، أن يرتكب المنكرات والمحرمات في أيام العيد. هذه أيام العيد أيام فرح وسرور بطاعة الله سبحانه وتعالى.

يشرع للمسلم أن يوسع على عياله، أن يلهو معهم اللهو المباح، أن يخرج إلى التمشية المباحة، أن يأكل الأكل اللذيذ الطيب، أن يلعبوا اللعب المباح لهم. كذلك يشرع لهم في العيد، وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث عائشة أن يضرب بالدف، إذا شاء بعض الناس أن يلعب بالدف لا بأس بهذا، هذا يوم عيد كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم حديث عائشة في الصحيح.

لكن للأسف أن بعض المسلمين يتجاوز هذه الحدود التي أباحها الله، فربما انتقلوا إلى أنواع المعازف وأنواع المنكرات وأنواع المعاصي، أو بعض الأسفار المحرمة، أو غير ذلك من الأماكن التي تكثر فيها المنكرات ويكثر فيها المحرمات. في واقع الأمر هذا حقيقة من التجاوز وتعدي حدود الله سبحانه وتعالى.

لا يعني فرح المسلم وسروره أن يتجاوز ما أباحه الله له سبحانه وتعالى، بل المسلم ينضبط بأمر الله سبحانه وتعالى، ويراقب الله سبحانه وتعالى، ويلتزم أمر الله، وينتهي عما نهى الله في حال فرحه وسروره وحزنه وغضبه. لذلك حتى في أحوال الحزن لا يعني أنه في حال الحزن أن تتجاوز المرأة فتلطم وتشق الجيوب، لا، وإنما لا تتعدى ما أمر الله سبحانه وتعالى.

هذا كله دليل على أن المسلم ينبغي له أن يضبط مشاعره بما أمر الله سبحانه وتعالى وبما أباح الله، ولا يتجاوز الحدود التي حدها الله. ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾، من يتعدى حدود الله فقد ظلم نفسه كما جاء في القرآن الكريم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يلتزم حدوده ويلتزم أوامره ونواهيه، وأن لا يتعدى حدوده التي حدها، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.