يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهل النوال ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان، زاد زاد أكاديمية ينبوعها صافي ليروي غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، ربنا هيئ لنا من أمرنا رشداً، وآتنا من لدنك توفيقاً وسداداً وصواباً، ربنا زدنا علماً.
إخواني وأخواتي في هذه الأكاديمية المباركة، نحن في الدرس الثامن عشر من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثاني في هذه الأكاديمية. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في أكاديمية زاد، وأن يبارك في طلابها ومعلميها والقائمين عليها والمشرفين عليها والداعمين لها.
إخواني وأخواتي، كنا قد أتممنا في الدرس السابق الحديث عن كتاب الصلاة، وكان الحديث عن صلاة العيد، وختمنا بحديثنا عن صلاة العيد. كتاب الصلاة تطرقنا فيه لعدد من الأحكام المتعلقة بتعريفها وشروطها وواجباتها وسننها، ثم تحدثنا عن مبطلاتها، ثم تحدثنا بالتفصيل عن صفتها، ثم تحدثنا كذلك عن أنواع الصلوات الخاصة كصلاة أهل الأعذار وصلاة المسافر والمريض، ثم تحدثنا عن الصلوات الخاصة كصلاة العيدين والجمعة والاستسقاء والكسوف وصلاة الخوف، كل هذا قد سبق في كتاب الصلاة.
نريد أن ننتقل إن شاء الله تعالى في هذا الدرس إلى الحديث عن الجنائز، وهو ما اصطلح أهل العلم على جعله بعد كتاب الصلاة. كتاب الجنائز، لماذا جعل كتاب الجنائز بعد كتاب الصلاة وقبل كتاب الزكاة، مع أن الزكاة قرينة الصلاة في كتاب الله سبحانه وتعالى ودائماً ما تقترن بها كما جاء في القرآن الكريم في عدد من المواطن: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43]؟ فلماذا دخل كتاب الجنائز بين كتابي الصلاة وكتاب الزكاة في عدد من كتب أهل العلم؟
في واقع الأمر أن الحديث عن الجنائز أساسه ولبه الحديث عن صلاة الجنازة، فلذلك يمكن أن نعتبر أن هذا الكتاب امتداد لكتاب الصلاة. فلما تحدثنا عن صلاة الكسوف والعيدين والجمعة وصلاة الاستسقاء وصلاة الخوف، ناسب أن يتحدث المصنف عن صلاة الجنازة. إذاً يمكن أن نقول إن صلاة الجنازة هي امتداد لكتاب الصلاة، وهي نوع من الصلوات الخاصة.
ثانياً: لما جعلوا صلاة الجنازة في آخر هذا الكتاب المتعلق بالصلاة، ضموا إلى صلاة الجنازة الأحكام المتعلقة بالجنائز، مثلاً من تكفين الميت وتغسيله، ثم بعد ذلك أضافوا ما يتعلق بعيادة المريض مثلاً قبل موته، ما يتعلق بدفنه بعد الصلاة عليه، ثم ما يتعلق بالتعزية بعد دفنه. فلما جمعت هذه الأحكام وربطت بصلاة الجنازة رأى المصنفون أن هذه الأحكام كثيرة وأنها متنوعة، فلذلك جعلوا لها كتاباً.
إذاً هذا أصل وضع كتاب الجنائز بين كتاب الصلاة وكتاب الزكاة. في واقع الأمر أن الأصل هو صلاة الجنازة، وأنها نوع من الصلوات الخاصة التي يتحدث عنها المصنفون في آخر كتاب الصلاة. فلما جعلت صلاة الجنازة في هذا الموطن ضم إليها ما يتعلق بأحكام الجنائز كتكفين الميت وتغسيله والصلاة عليه ودفنه والتعزية فيه، فلما ضم بعضها إلى بعض صارت كتاباً.
من المهم لطالب العلم وطالبة العلم أن يعرفوا مناسبات الأبواب والكتب حتى يترتب العلم في أذهانهم ترتيباً منطقياً، ويعرفوا لماذا أُتي بهذا في هذا المكان. لو قال قائل: لو اقتصر على صلاة الجنازة فقط في هذا المكان باعتبارها مرتبطة بالصلاة، وجعلت الأحكام الأخرى غير صلاة الجنازة في كتاب مستقل مثلاً في آخر الكتاب بعد الفرائض الخمسة بعد كتاب الحج، أو في كتاب مستقل عن حقوق المسلم على المسلم يتحدث فيه عن عيادة المريض وعن تكفين الميت وعن شهود الجنازة، لقلنا كذلك هذا ترتيب حسن لا مانع منه. وربما كان مناسباً لأن صلاة الجنازة ربطت بالصلاة، والأحكام الأخرى ربطت بحقوق المسلم.
ولو قال قائل: لا، إن هذا الترتيب ترتيب حسن، فيجمع صلاة الجنازة مع ما يتعلق بالجنائز في كتاب مستقل وتجعل في ختام كتاب الصلاة، كذلك هذا إن شاء الله تعالى ترتيب حسن. المهم أن طالب العلم يدرك لماذا هذا الترتيب، وما هي المسائل التي سيبحثها ويناقشها، وكيف يرتب هذه المسائل في ذهنه.
وهذا يقودنا في الحقيقة إلى قاعدة مهمة لطالب العلم وطالبة العلم، ألا وهي أهمية التصور الجملي لمسائل الفن ومسائل الكتاب. وأن هذا التصور الجملي -ما معنى الجملي؟ يعني الإجمالي القائم على الجملة- لا يغني عنه تصور أفراد المسائل. بعض الناس ظن أنه إذا تصور كل مسألة بانفرادها أن هذا كافٍ؛ في واقع الأمر لا. إذا تصور طالب العلم وطالبة العلم كل مسألة على انفراد، يحتاج إلى رابط يربط بين هذه المسائل حتى يترتب العلم في ذهنه، ويستطيع أن ينتقل رتبة فيه بعد رتبة، وهكذا درجة بعد درجة، ويبني مسائل العلم بعضها على بعض.
هذا التصور الجملي يفيد طالب العلم وطالبة العلم في عدد من الأمور، من أهمها ضبط الفن إجمالاً. الأمر الثاني: أنه يولد لديه الشعور والإحساس بالإنجاز وإتمام مسائل الفن. لكن تصوروا أن طالب العلم أو طالبة العلم ليس لديه هذا التصور الإجمالي أو الجملي للمسائل، فسوف يشعر أن كل ما يدرس مسألة أن باقي مسائل، ولا يدري كم أنجز ولا يدري كم بقي، فيشعر بنوع من الاضطراب. لكن هذا التصور الإجمالي يشعره بنوع من التمكن والإتمام والإنجاز.
كذلك من فوائد هذا التصور الإجمالي ثالثاً: أنه يرتب المسائل في ذهن طالب العلم وطالبة العلم. فمثلاً إذا لم يتصور هذا التصور الإجمالي، فسوف تكون مسائل العلم في ذهنه كالجزر مبعثرة هنا وهناك، لا يربط بينها رابط. لكن ما هي أهمية ترتيب المسائل؟ أهمية ترتيب المسائل أن يعرف المقدم والمؤخر، يعرف الأهم والمهم، يعرف الأول والثاني، يعرف المقدم واللاحق، وهكذا فيبني مسائل العلم بعضها على بعض، فتترسب هذه المسائل في ذهنه.
من أنفع الأشياء والوسائل المعاصرة اليوم لترتيب هذه المسائل، وترتيب عموماً مسائل العلم، الفقه وغيره -هذه قاعدة بالمناسبة مهمة ليست في علم الفقه الذي ندرسه، وإنما حتى في علم الحديث، مصطلح الحديث، أصول التفسير، في علم العقيدة، في غيره من العلوم- من الوسائل المعاصرة المهمة التي أوصي بها نفسي وإخواني وأخواتي هي اعتماد المشجرات العلمية. فمثلاً إذا كان هناك مشجرة علمية للفن، أوصي بها إخواني وأخواتي، مثلاً أن يقوموا بها، مثلاً ينشرها في موقع الأكاديمية، أن يقوم بعمل مشجرات علمية حتى يتصوروا مسائل كتاب الصلاة. هذه اصطلح على تسميتها اليوم بالخرائط الذهنية. مثلاً مشجرة علمية يظهر فيها التنويع والتصنيف والتقسيم؛ الصلاة مثلاً: الصلوات الواجبة، وصلوات التطوع. أنواع الصلاة، أنواع الأعذار، مثلاً هناك أعذار متعلقة بكذا وكذا وكذا، هناك أعذار في بعض الصلوات دون بعض، وهكذا. هذه المشجرات العلمية مفيدة جداً لطالب العلم وطالبة العلم في بناء هذا التصور الإجمالي.
نأخذ فاصلاً قصيراً ونعود إليكم بعد الفاصل إن شاء الله.
فارق كبير بين من يسافر لنزهة سياحية أو لمشاهدة مباراة، وبين من يسافر لطلب العلم. فالرحلة لطلب العلم موصلة إلى سعادة الأبد؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة». وبالرحلة يلقى الطالب العلماء، وينوع المشايخ، ويقارن بين المناهج، ويجدد نشاطه، ويزيد خبراته. قال الشعبي: لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن فحفظ كلمة تنفعه، رأيت أن سفره لا يضيع. وهل من شيء أشرف من العلم يرحل في طلبه؟ وقد رحل موسى عليه السلام في ذلك رحلة شاقة؛ ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: 60]. ورحل الصحابة والعلماء من بعدهم في طلب العلم المسافات، حتى سافر بعضهم شهراً في طلب حديث واحد، وقطع بعضهم في طلبه أكثر من 5000 كيلو سيراً على قدميه. فإن عجزت عن الرحلة في طلب العلم فلا أقل من التعلم عبر الشبكات والشاشات؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سددوا وقاربوا، والقصد القصد تبلغوا».
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونواصل حديثنا إن شاء الله تعالى في هذا الموضوع، وهو موضوع كتاب الجنائز. وكنا قد بينا قبل الفاصل مناسبة وضع أهل العلم لهذا الكتاب، ولماذا وضعوه بين كتاب الصلاة وكتاب الزكاة، وقلنا إن منشأ هذا الترتيب جاء من كون صلاة الجنازة هي الأصل في الجنائز، وهي أهم ما في الكتاب، وهذه الصلاة لاحقة للصلوات الخاصة كصلاة العيدين والكسوف والخسوف وغيرها، ثم بعد ذلك وضعوا اللواحق المتعلقة بهذه الصلاة.
طيب، لما نتحدث عن الجنائز، نقول إن الجنائز جمع جنازة أو جنازة. والجنازة أو الجنازة قيل إنها بمعنى واحد، وهي اسم للميت. وفرق بعض أهل العلم فقال: إن الجنازة اسم للميت، والجنازة اسم للنعش الذي يحمل عليه؛ فجعلوا الفتح للأعلى وهو الميت، وجعلوا الكسر الجنازة للأدنى الأسفل وهو النعش الذي يحمل عليه. هذا تفريق عند بعض أهل اللغة، والأمر في ذلك يسير.
من المهم في الجنازة أن نتحدث عن الجنازة -ألا وهي الميت- من خلال عدد من الأحكام، أو من خلال عدد من الأحوال. أولاً: الجانب الأول الذي نريد الحديث عنه ما قبل وفاته، ثم بعد ذلك نتحدث عن حال وفاته وما بعد وفاته، والأحوال والمراتب التي يتدرج فيها هذا الميت في الحديث عنه بعد الوفاة. فمثلاً أول ما نبدأ، هناك سنن تأتي بعد وفاته مباشرة، ثم هناك تغسيله، ثم هناك تكفينه، ثم هناك الصلاة عليه، ثم هناك دفنه، ثم بعد ذلك تأتي التعزية. إذاً يمكن أن نقول إن مسائل هذا الكتاب سوف تترتب معنا ترتيباً زمنياً؛ ترتيباً زمنياً بحسب الواجب على المسلمين تجاه هذا الميت. إذاً كيف تترتب مسائل هذا الكتاب وفقاً للترتيب الزمني؟ أول شيء عند الحديث عن الجنازة هو الأحكام الشرعية المتعلقة بما قبل وفاته أو قبيل وفاته.
قبل أن نتحدث عن هذه الأحكام الشرعية بالتفصيل، أذكر حقيقة نفسي وإخواني وأخواتي جميعاً بهذه الحقيقة: حقيقة الموت التي نوقن بها جميعاً، نوقن بها جميع البشر مسلمهم وكافرهم. ولكن الجميع يحاول أن يتناسى هذه الحقيقة، وأن ينساها، وأن يهرب منها، وهي حقيقة قادمة كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: 8]. هذا التعبير القرآني حقيقة من أبلغ التعبيرات، لأن الإنسان إذا فر من شيء فإنه يحاول أن يهرب منه بكل طريق. فلم يجئ التعبير القرآني بيقين الموت بقوله "فإنه سيدرككم" أو "سيطلبكم"، لماذا؟ لأن الإدراك والطلب فيه نوع من اللحوق، وكان الإنسان سيدركه أجله ويلحق به، لكن جاءت الآية القرآنية حقيقة بتعبير آخر غير تعبير "فإنه سيدرككم" أو "سيلحقكم" أو "سيطلبكم"، وإنما جاء التعبير بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾، أي أنه سيواجهكم من أمامكم. فالإنسان إذا فر من شيء فإنه ربما يدركه هذا الشيء وربما لا يدركه، لكن كما قال الله في القرآن: إذا فر من الموت فإنه سيلاقيه، أي أنه لا مفر من الموت، أي لا يجد الإنسان مفراً أبداً من الموت، والموت مهما فر منه سيلاقيه في موعده المحتوم كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: 49].
إذاً كل إنسان مقدر له هذا الأجل، هذا الأجل في لحظة معينة قد كتبت في اللوح المحفوظ، ثم كتبت مرة أخرى وهذا الإنسان في بطن أمه، كما قال الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي، وفي حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «ويؤمر بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد»، يؤمر الملك بأن يكتب هذه الأربع على الإنسان في حال كونه في بطن أمه جنيناً. إذاً أجل الإنسان مقدر ومحتوم.
لذلك هذه الآجال ينبغي للإنسان أن يستعد لها. وأذكر قصة قد سمعتها عن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في مسألة كون الأجل في ساعة محددة لا يستأخر الإنسان عنها ولا يستقدم، أذكر أن الشيخ رحمه الله تعالى حكى قصة عن شخص كان بسيارة مع شخص ماشٍ، التقوا في تقاطع، تقاطع مروري أو شيء من هذا، وكان أحدهم على سيارة والآخر إما أنه على دراجة وإما أنه ماشٍ، فيقول: وقف كل واحد منهما ينتظر الآخر ليمر فلم يمر أحد منهما، توقفا جميعاً، ثم إنهما انطلقا جميعاً، يعني توقفا جميعاً كل واحد منهم ينتظر يفسح الطريق للآخر، ثم انطلقا جميعاً؛ فلما انطلقا جميعاً صدم صاحب السيارة الشخص الآخر فمات الشخص الآخر.
فقال الشيخ رحمه الله تعالى معلقاً على هذه القصة على وفاة هذا الشخص: يقول ربما بقي له ثوانٍ لم يستكملها من أجله، فوقف هذه الوقفة ليستكمل هذه الثواني الباقية من أجله ثم مات هذا الشخص. لاحظوا: لا يستأخر الإنسان ساعة ولا يستقدم في هذا الأجل المحتوم المقدر المكتوب. هذا حقيقة يحتم علينا إخواني وأخواتي الاستعداد لهذه اللحظة، لحظة نهاية الحياة الدنيا. المسلم عنده يقين بالحياة الأخرى؛ بعض الناس ربما كان في بعض ألفاظه وعباراته تجوز فيقول "نهاية الحياة" أو شيء، لا، لا، المسلم يوقن أن لحظة الموت هي في واقع الأمر هي بداية الحياة، بداية الحياة الأبدية السرمدية.
لذلك قيل لبعض السلف رحمه الله تعالى: ما بالنا نكره الموت؟ فقال: لأننا لم نعمر الحياة الآخرة، فلذلك نكره أن نقدم عليها، ولو أننا عمرنا الحياة الآخرة لما كرهنا الموت والإقدام عليها. إذاً.
المسلم إذا عمر حياته للآخرة فإنه يكون -إن شاء الله تعالى- مطمئنًا، ويكون مستعدًا للموت إذا هاجمه في أي لحظة. وقد روي في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أكثروا من ذكر هادم اللذات». هادمها أي قاطعها. وبالفعل الموت يقطع الآمال، لا يزال الإنسان يؤمل آمالًا كثيرة وبعيدة، ولكن الأجل يقطع عليه هذه الآمال، كما قد رسمه النبي صلى الله عليه وسلم في صورة عجيبة. كيف رسم النبي صلى الله عليه وسلم خطًا خارجًا وهو أمل الإنسان الممتد البعيد، ثم رسم خطًا معترضًا يقطعه صلوات الله وسلامه عليه، يقطع هذا الخط الخارج ألا وهو أجل الإنسان الذي يقطع عليه آماله.
لذلك ينبغي لنا دائمًا أن نكثر من ذكر الحياة الآخرة، وأن نكثر من ذكر هادم اللذات، لأن هذه هي الحقيقة، هذا هو الواقع الذي ينبغي لنا أن نعيشه، هذا هو الواقع الذي نوقن به، هذه هي المسلمة التي يعرفها جميع البشر ألا وهي أن الموت سوف يقطع عليهم كل هذه اللذات. ولكن بعض البشر يؤمن بهذا اليوم الآخر ويستعد له، وبعضهم لا، فهذه ميزة المسلم عن الكافر أنه يستعد لهذا اليوم الآخر، ويقدم له من الأعمال الصالحة والإيمان ما يبني معه هذا اليوم الآخر، يبني معه هذا النعيم الذي يسره الله سبحانه وتعالى له في هذه الحياة الدنيا.
إذا إخواني وأخواتي، هذا هو ذكر هادم اللذات الذي يقطع آمال الإنسان في أجل مقدر محتوم. ألا فلنستعد لهذا اليوم، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا برحمته، وأن يعيننا على الاستعداد لهذه اللحظة.
ما أوثق العلاقة بين العلم والعمل! العلم شجرة والعمل ثمرة، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «القرآن حجة لك أو عليك»، أي تنتفع به إن تلوته وعملت به، وإلا فهو حجة عليك. وإنما يراد العلم لأجل العمل، قال أبو الدرداء: لا تكون بالعلم عالمًا حتى تكون به عاملًا. وقد ذم الله تعالى من لا يعملون بالعلم فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44].
وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه». والعلم النافع يورث خشية الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. قال ابن مسعود: ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية. والخشية تنير العقل، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]، أي أن تقوى الله وسيلة إلى حصول العلم. فمن صدق العلم بالعمل كان قدوة للمتعلمين، ومن خالف فعله قوله كان من الممقوت، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].
نقول إن هناك بعض الأحكام الشرعية التي تشرع لمن حضر مريضًا نزل به الموت. والموت قد يأتي الإنسان فجاه ولا يدع له مجالًا لشيء من هذه الأحكام، ولا يدع لمن حوله مجالًا لأن يذكروه بشيء أو يلقنوه شيئًا؛ لا، قد ينزل الموت فجأة، وقد لا ينزل فجأة وإنما تعرف علاماته على الشخص، مثلًا ربما كان مريضًا بمرض معين فتعرف علامات نزول الموت أو قرب نزول الموت به، وهذا هو الفرق بين موت الفجأة وبين الموت الذي لا يعد مثل موت الفجأة. الشاهد أن من حضر شخصًا قد نزل به أو قرب به نزول الموت فعليه عدد من الأمور.
أولًا: أن يذكره بالوصية، بالتوبة إلى الله سبحانه وتعالى، أن يذكره بالوصية الشرعية، والوصية الشرعية لها أحكام، هناك قدر واجب منها وهو بيان الحقوق اللازمة والواجبة عليه؛ مثلًا لو كان عليه دين ما يعرفه إلا هو، هذا يجب عليه أن يبينه في وصية حتى لا يضيع هذا الدين. تخيلوا أن هذا الشخص مات فجاء صاحب الدين وليس لديه شهود ولا كتاب موثق، جاء يطلب الورثة، فربما قال له الورثة: نحن لا نعرف هذا الأمر ولم يبلغنا مورثنا، أو الميت لم يبلغنا بهذا الدين، فكيف يؤدى الدين الذي على الميت؟ وقد جاء في الحديث أن «نفس المؤمن معلقة بدينه».
فكيف يسدد هذا الدين ويوفى؟ هل يوفى لكل من يطلب دون بينة؟ هذا في الحقيقة قد يكون مثارًا للتحايل ومثارًا لإشكالات كثيرة، لذلك لا بد أن يكون على الدين بينة وتوثيق، أو أن يوثقه الميت في وصية له، فيقول: نعم إني قد استدنت من فلان كذا وفلان كذا. كذلك يبين حقوق الله سبحانه وتعالى، فيقول مثلًا: إنه في زكاة مالي مبلغها كذا وتأخرت في دفعها وهي واجبة علي في ذمتي، أو يجب الحج ولم أحج، فأخرجوا من مالي ما يحج به شخص آخر عني. وهكذا يبين الحقوق اللازمة والواجبة عليه، هذا قدر واجب في الوصية.
كذلك عليه أن يوصي بالقدر المستحب في الوصية، أن يوصي أهله وذويه بتقوى الله سبحانه وتعالى. لو أوصى بشيء من ماله لغير وارث، فإن الوصية لا تجوز لوارث، فمثلًا يوصي لبعض الأقربين، يوصي مثلًا لبعض المستحقين، لبعض الفقراء والمساكين، يوصي لهم بشرطين: أن لا يكونوا ورثة، والأمر الثاني ألا تتجاوز الثلث، فمثلًا يوصي لهم بربع ماله أو خمس ماله أو عشر ماله. هذا إن شاء الله تعالى من الأمور الطيبة التي تستحب للميت، وفي الواقع هي تستحب للميت قبل لحظات الوفاة لكن يذكر بها إن لم يكن قد فعلها. لذلك ينبغي للإنسان أن يستعد قبل الموت بكتابة هذه الوصية إن لم يكن قد كتبها فيذكر بها حال موته. كذلك ذكر برد المظالم.
مما يشرع كذلك لمن حوله أن يلقنه الشهادة، فإن من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة، كما جاء في الحديث. كيف يذكر الشهادة؟ يلقن الشهادة، إما أن يقال له: قل لا إله إلا الله، أو أن يتشهد الإنسان بحضرته، فإذا جاء شخص حضره يقول: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، حتى يتلقن هذا الميت ويقول لا إله إلا الله، وتكون إن شاء الله تعالى من آخر كلامه. إذا تكلم بعدها بكلام آخر يعود مرة ثانية فيلقنه الشهادة، أما كما ذكرنا بأن يأمره بقولها، وإما أن يتشهد هو بحضرته إذا كان هذا الميت يعي هذا الأمر، فإذا رآه يتشهد بحضرته ربما نطق بهذه الشهادة.
كذلك مما يحسن بمن حول الميت أن يذكروه بحسن الظن بالله سبحانه وتعالى في هذه اللحظات، فإن المسلم لا ينبغي له أن يموت إلا وهو محسن الظن بربه، فيذكر له من أحاديث الرجاء ما يحسن ظنه بالله، لا يذكر له في هذا الموطن أحاديث التخويف بالله سبحانه وتعالى. وهذه معادلة ينبغي للمسلم أن يعيها، وهو أن الإنسان يغلب أحاديث الخوف حال الحياة وحال النشاط والقوة ليقدم على العمل، فإذا وصل إلى حال نزول الموت به وحال المرض وعدم القدرة على العمل فإنه تغلب في حقه أحاديث الرجاء فيحسن الظن بالله.
فمثلًا يذكر له حديث البطاقة؛ بطاقة لا إله إلا الله التي تطيش معها السجلات، هذا لا شك أن المسلم إذا عرف هذا فإنه يستمسك بهذه الكلمة ويحسن الظن بالله سبحانه وتعالى. يذكر له الأحاديث والآيات المتعلقة بالجنة، الأحاديث المتعلقة برحمة الله سبحانه وتعالى، ويبين له أن رحمة الله قد وسعت كل شيء، ولا يذكر له في هذا المقام أحاديث التخويف أو أحاديث النار أو صفة النار أو عقوبات الذنوب والمعاصي فيسيء الظن بربه في هذه الحالة، لا، وإنما ينبغي له أن يموت وهو يحسن الظن بالله سبحانه وتعالى. وهذا في الحقيقة من التوازن عند أهل السنة والجماعة في الجمع بين أحاديث الخوف والرجاء، خلافًا لبعض أهل البدع الذين ربما غلبوا أحاديث الخوف وبناء عليها ربما كفروا المسلمين بالذنوب أو المعاصي، أو بعض أهل البدع الذين غلبوا أحاديث الرجاء فجعلوا المسلمين يجترئون على الذنوب والمعاصي. لا، المسلم حقيقة وفقًا لمنهج أهل السنة والجماعة يجمع بين الخوف والرجاء، هناك بعض الأحوال التي يغلب فيها الخوف، وبعض الأحوال التي يغلب فيها الرجاء. الشاهد أن حال نزول الموت من الأحوال التي يغلب فيها الرجاء، وينبغي إكثار ذكر رجاء رحمة الله سبحانه وتعالى، إكثار ذكر الأعمال الصالحة التي قام بها هذا الإنسان، ليس من باب الغرور أو التغرير، لا، وإنما يقال له: ما شاء الله، أنت فعلت كذا وفعلت كذا، هذا حتى يحسن الظن بالله سبحانه وتعالى.
فإذا نزل به الموت وقبضت روحه، سن لمن حوله عدد من الأمور. الملائكة تنزل بالإنسان وتقبض روحه، ملائكة الرحمة وملائكة العذاب كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، تقبض على الإنسان روحه. إذا قبضت الروح كما جاء في الحديث يشخص البصر يتبعها، فيشرع لمن حوله أن يغمض عينيه، لذلك يجحظ ويشخص بصر الإنسان، وهذا والله أعلم لأن البصر يتبع الروح وهي تصعد، فلذلك نجد أن هذا حال العين، هذه هي المشروعة في حق من حوله أن يغمض عينه، وقد أغمض النبي صلى الله عليه وسلم عين أبي سلمة رضي الله تعالى عنه وقال: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر»، وقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة تؤمن على ما تقولون».
كذلك من المشروع في حق من حضر الميت أن يستر الميت بعد أن يبدأ تجهيز الميت، فيستر بشيء كما سجي النبي صلى الله عليه وسلم ببردة حبرة، وهذا الحديث في الصحيح. كذلك مما يشرع في حق من حوله أن يسرعوا بتجهيزه ودفنه، وقد جاء في الحديث حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أسرعوا بالجنازة، فإن تكُ صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تكُ غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم». نسال الله سبحانه وتعالى أن يعيذنا وإياكم من الحالة الثانية، وأن يجعلنا من الأحوال الصالحة التي تقدم إلى الخير بإذن الله تعالى وتعجل إليه.
كذلك من الأمور التي تشرع في حق من حوله أن يسرعوا بقضاء دينه، فإن نفس المؤمن الميت معلقة بدينه، وهذا في الحقيقة ينبهنا إلى صورة بقاء الديون والحقوق في الذمم على المسلم، دائمًا يحاول أن يتخلص من هذه الحقوق والديون الموجودة في ذمته ويقضيها، فإن لم يتيسر له فإنه يكتبها في وصيته حتى تقضى عنه مباشرة من تركته بعد وفاته، وإلا تبقى نفسه معلقة ومرتهنة بهذا الدين. كذلك مما يشرع لمن حوله أن يسرعوا بإنفاذ وصيته إن كانت هذه الوصية حالة وعاجلة، وإن كانت مؤجلة فإن عليهم أن يلتزموا بها.
هذه بعض الأحكام التي تشرع لمن حول الميت بعد حال موته. ثم بعد ذلك يأتي -إن شاء الله تعالى- نتحدث عنها في درس قادم: أحكام تغسيل الميت وتجهيزه، وكما ذكرنا أنها مرتبة ترتيبًا زمنيًا، فبعد ذلك يغسل، ثم بعد ذلك يكفن، ثم بعد ذلك يصلى عليه، ثم بعد ذلك يدفن. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحم أمواتنا وأموات المسلمين، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يختم لنا بخير، وأن يجعل عواقب أمورنا إلى خير، واجعل خير أيامنا أواخرها، وخير أعمالنا خواتيمها، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي