يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهل النوال ميسراً، يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس التاسع عشر من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في فصلها الدراسي الثاني. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا فيما قلنا من قبل، وفيما نقوله، وفيما سمعناه من قبل، وفيما نسمعه. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه الدروس وهذه العلوم التي نقولها علوماً نافعة مباركة، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه العلوم من العلم النافع الذي يعمل به ويطبق.
إخواني وأخواتي، كنا قد تحدثنا في الدرس السابق واستفتحنا الحديث عن كتاب الجنائز، تحدثنا فيه عن تعريفها، وتحدثنا فيه عن بعض أحكام حضور الميت إذا لم يكن هذا الموت موت فجأة. وقلنا إن الحاضرين حول الميت يشرع في حقهم عدد من الأحكام، وتحدثنا عن حقيقة الموت، وأنه بعد وفاته يشرع كذلك عدد من الأحكام الشرعية؛ من هذه الأحكام الشرعية التي ذكرناها مثلاً: إغماض عينيه، وستر جسده وبدنه. وذكرنا كذلك أنه يشرع الإسراع بتجهيزه، والإسراع بإنفاذ وصيته، وبقضاء دينه والحقوق التي عليه.
ننتقل بعد هذا إلى الحديث عن تغسيل الميت. يجب في حق الميت عدد من الأمور منها: تغسيله، وتكفينه، ثم الصلاة عليه، ثم دفنه، وهذه الأربع من الأمور الواجبة على المسلمين وعلى من حول هذا الميت؛ لذلك نقول إن هذه من حقوق هذا الميت المسلم على إخوانه من المسلمين. هل يجب على كل مسلم أن يشارك في الصلاة عليه مثلاً أو أن يشارك في تكفينه؟ نقول: لا. هل معنى هذا أنه يسن لكل شخص أن يشارك؟ نقول: لا. لذلك هذا الأمر نقول هو واجب وجوباً كفائياً، أن يغسل هذا الميت، لكن لا نقول إنه يجب على كل مسلم أن يشارك في تغسيل هذا الميت. هذا الفرق بين فرض الكفاية وبين فروض الأعيان؛ فروض الأعيان بمعنى أنها تجب على عين كل شخص، مثل الصلوات الخمس تجب على كل مسلم، يجب على كل مسلم أن يصلي الصلوات الخمس، أن يصوم رمضان، أن يزكي، وهكذا، هذه واجبة على كل فرد وكل شخص. لكن تغسيل ميت لا نقول إنه واجب على كل شخص من أقاربه أو من أصدقائه أو من حوله، لا، نقول هو فرض كفاية، يجب على الأقربين الذين حوله أن يغسلوا هذا الميت؛ إذا قام به من يكفي سقط الوجوب عن الباقي، ولكن لا يجوز أن يترك ميت من أموات المسلمين دون أن يغسل مثلاً، أو أن يكفن، أو أن يصلى عليه، أو أن يدفن وهم يقدرون على ذلك؛ هذا أصلاً لا يجوز، لأن هذا واجب، وهذا من حق هذا الميت المسلم على إخوانه المسلمين.
إذاً، أول واجب في حق هذا الميت أن يغسل، وقد جاء في الحديث، حديث النبي صلى الله عليه وسلم في حق ابنته قال: «اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً» في الحديث الصحيح. وكذلك جاء في حديث الرجل الذي وقصته دابته في حجة الوداع ومات، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اغسلوه وكفنوه في ثوبيه». المحرم يحرم في ثوبين، إزار ورداء، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في تتمة هذا الحديث: «ولا تخمروا رأسه، ولا تمسوه طيباً؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً». وسأبين إن شاء الله تعالى هذا الحكم لاحقاً، لكن الشاهد الأمر بالغسل، وهذا الأمر يقتضي الوجوب، وذكرنا أن هذا الوجوب وجوب كفائي لا وجوب عيني.
بعد ذلك نريد أن ننتقل إلى صفة تغسيل الميت وكيفية غسله. أولاً: الغاسل الذي يغسل الميت، نقول: الأصل أن الميت من الرجال يتولى غسله الرجال، والميتة من الإناث يتولى غسلها الإناث؛ لماذا؟ لأن هذا الغسل فيه تجريد للميت من ملابسه، وفيه ربما مماسة له، وسنذكر إن شاء الله تعالى شيئاً من الأحكام أو صفة الغسل، فيه إخراج لما في بطنه من الوسخ والقذر، ثم فيه تغسيل له وتعميم لبدنه بالغسل. إذاً نقول: الأصل أن يتولى غسل الرجل الرجال، ويتولى غسل المرأة النساء. يستثنى من هذا الأصل أن الرجل يجوز له أن يغسل امرأته، والمرأة يجوز لها أن تغسل زوجها، هذا الاستثناء.
والأصل أنه كما ذكرنا أن كل جنس يتولى غسله جنسه، وأن لا يتولى غسل امرأة مثلاً من النساء أن يتولى غسله الرجال، لا؛ بل إن أهل العلم قالوا إنه إذا لم يوجد مثلاً ماتت امرأة ولم يوجد إلا رجال، فهل يغسلونها؟ يقول بعض أهل العلم إنهم لا يغسلونها، وإنما تيمم هذه المرأة، ولا يغسلها الرجال حتى وإن لم يوجد نساء. إذاً، هذا هو الأصل أن الميت الذكر يغسله الرجال، والميت الأنثى يغسلها النساء، ولا يوجد استثناء من هذا الأصل إلا في حال الزوج والزوجة؛ لأنهما يجوز لهما أن يطلع كل واحد منهما على عورة الآخر وعلى بدنه في حال الحياة. وقد روي في هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة: «لو مت قبلي لكنت قد غسلتك وكفنتك»، أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عائشة بأنه هو الذي سيتولى تغسيلها، والله أعلم بصحة هذا الحديث. كذلك ذكرت عائشة أنها تحسفت أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن قد غسلن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ربما دل على الجواز، جواز أن يتولى غسل أحد الزوجين الآخر، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم تولى غسله الرجال.
كذلك الرجال في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر حقيقة أن أسماء بنت عميس تولت غسل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، والله أعلم بذلك. فالشاهد أن غسل أحد الزوجين الآخر هو من الاستثناءات عن هذا الأصل.
هذا الجانب الأول في الغاسل. الأمر الثاني: الغاسل ينبغي أن يكون ثقة مأموناً ديناً يعرف بالستر؛ لماذا؟ لأن هذا الغاسل يطلع على هذا الجسد بعد وفاته. في واقع الأمر، الإنسان إذا انتقل من الحياة الدنيا ومات، ذكرنا أنه تنزل به في حال موته تقبض روحه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، وربما ظهر على بدنه بعض آثار الرحمة وبعض آثار العذاب. فظهور آثار الرحمة عليه والحديث بها إن شاء الله تعالى أن هذا من الخير ومن إعلان الخير والشهادة له بالخير، لكن الإشكال حقيقة لو ظهر عليه شيء من آثار العذاب، فلا يجوز، لا يجوز لهذا الغاسل أن يقول: إني رأيت فلاناً مثلاً قد اسود وجهه وأظلم مثلاً، أو يقول: والله إني رأيت فيه شيئاً من آثار العذاب أو شيئاً من آثار التعذيب، وهذا دليل على أنه كان تاركاً للصلاة مثلاً أو كذا. لا، حرمة الميت كحرمته حياً، وهذه قاعدة سوف تمر معنا إن شاء الله تعالى في عدد من المواطن، مثلاً منها في التغسيل، منها في التكفين في قضية الاطلاع على عورته، لا يجوز الاطلاع على عورة الميت، في قضية دفنه وأنه لا يجوز مثلاً للإنسان أن يطأ قبر إنسان ميت وأن يمشي عليه، لا، لأن حرمة الميت كحرمته حياً، وهذه قاعدة سوف تمر معنا إن شاء الله بكثرة في كتاب الجنائز، ونتطرق إن شاء الله لبعض أفرادها ومسائلها ونفصل إن شاء الله تعالى الحديث عنها بعد هذا الفاصل.
نواصل حديثنا عن تغسيل الميت بعد هذا الفاصل، ونقول قد ذكرنا أن الأصل أن يتولى تغسيل الميت الرجل أن يتولى غسله الرجال، والمرأة يتولى غسلها الإناث. الأمر الثاني: ينبغي أن يكون الغاسل لهذا الميت ثقة أميناً، رعاية لحرمة الميت أو الميتة؛ بحيث لا يفشي مثلاً شيئاً من أسراره التي اطلع عليها، لا يطلع على عورته مثلاً، أن يراعي كذلك، ينبغي أن يراعي السنة في تغسيله، لذلك إذا كان هذا الشخص الغاسل مطلعاً على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، عارفاً لها، مطبقاً لها، فهذا لا شك أنه أتم وأكمل. هذه صفات الغاسل.
طيب، المسألة الثالثة فيما يتعلق بالغاسل، أن يغسل المسلم الكافر أو الكافر المسلم؟ الأظهر والله تعالى أعلم أن هذا لا يجوز؛ لأن غسل الميت نوع من توليه والقرب منه. لذلك سوف يأتينا إن شاء الله تعالى في المسألة الرابعة أن الذي يتولى تغسيل الميت أقرب الناس إليه أولاً، وصية؛ بمعنى لو أوصى أن يغسله فلان، وقد ذكر في الأثر أن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه ورحمة أوصى بأن يغسله تلميذه محمد بن سيرين رحمه الله تعالى، فإذاً الوصي مقدم إنفاذاً لوصية الميت. فإن لم يوصِ الميت بأن يغسله فلان أو أن لا يغسله إلا فلان، فإنه من الذي يغسله؟ نقول الأقرب فالأقرب؛ أبوه، جده، ابنه، إخوانه، وهكذا الأقرب فالأقرب من عصباته. فإن لم يكن الإنسان مثلاً مسافراً لوحده في بلد ما، فإنه يغسله الشخص العارف بسنة النبي صلى الله عليه وسلم من عموم المسلمين؛ مثلاً لو أن إنساناً مات في بلد بعيد عن أقاربه وعصبته، فإنه يغسله أي شخص من المسلمين.
إذاً، هذه المسألة الرابعة وهي: من الذي يقدم في تغسيل الميت؟ وذكرنا أن الكافر لا يجوز له، لا يجوز له أن يتولى تغسيل المسلم، ولا المسلم يتولى تغسيل الكافر، وقد جاء في القرآن الكريم: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: 84]، لذلك لا يغسل؛ وأصلاً الكافر وصفه الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بالنجاسة، فهذا التغسيل في واقع الأمر لا يزيل عنه نجاسة؛ لأن نجاسته نجاسة لازمة له. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 28]، أعاذنا الله وإياكم من الكفر والشرك وأجرنا وأبعدنا عنهما. إذاً، هذه الأحكام الشرعية المتعلقة بغاسل الميت أو غاسلة الميت. ذكرنا كذلك وصف أن يكون عالماً بالسنة، لماذا؟ بحيث يطبق السنة في غسل هذا الميت.
ذكرنا قاعدة وقلنا إننا سوف نذكر تطبيقاتها، ألا وهي أن حرمة الميت كحرمته حياً، وهذا تنبيه للغاسل والغاسلة أنه ليس معنى كون هذا الشخص الذي بين أيديهم قد مات أنه يجوز لهم أن يطلعوا على عورته أو عورتها، أو يجوز لهم أن يمسوا عورته أو عورتها، لا، لا يجوز لهم هذا الأمر. طيب، كيف يغسلونه؟ إذاً هذا ما سوف نذكره إن شاء الله تعالى في صفة غسل الميت، لكن نقول إن حرمته ميتاً كحرمته حياً، فلذلك كما سنذكر إن شاء الله تعالى في الصفة، ينبغي لهم أن يستروا عورته بعد تجريده من الملابس، يستروا عورته؛ كيف يسترون عورته؟ مثلاً يسترها بمنشفة مثلاً أو شرشف أو قماش، فيمر يده من تحت هذا المنشفة أو الشرشف أو غيرها، ويغسل بطنه أو عورته، كذلك لا ينبغي له أن يمس بشرته هذه العورة، لا، وإنما يلبس مثلاً قفازاً، يكون معه خرقة، بحيث إنه يغسل دون مس لعورة هذا المغسول ودون نظر إليها، وهذا سوف يأتينا إن شاء الله تعالى في صفة الغسل.
إذا أردنا الحديث عن صفة الغسل، هناك عدد من الأحكام الشرعية المتعلقة بصفة غسل الميت؛ نقول: أولها الواجب شرعاً هو تعميم بدنه بالغسل. ما معنى تعميم البدن بالغسل؟ بمعنى أن يشمل الغسل بالماء جميع البدن. هذا الواجب، تعميم البدن مثل ما ذكرنا نحن من قبل في صفة غسل الجنابة؛ مثلاً قلنا إن الواجب تعميم البدن كله بالغسل، فيغسل الجنب جميع بدنه بالماء، هذا الواجب. طيب ما هو المستحب؟ هناك عدد من المستحبات في غسل الجنابة، هناك عدد من المستحبات كذلك في غسل الميت؛ فمن المستحبات في غسل الجنابة مثلاً أن الإنسان يبدأ بوضوء قبل غسله، وأن يبدأ بميامنه قبل ميايسره، هذا مثلاً من الصفات التي تراعى في غسل الجنابة، كذلك هذه من الصفات التي تراعى في غسل الميت. فنقول إن الواجب في غسل الميت تعميم بدنه بالماء، ولكن هناك عدد من المستحبات منها أن يكرر الغسل كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
في حق ابنته زينب رضي الله تعالى عنها: «اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا». التكرار هذا من الأمور المستحبة، ويستحب للإنسان أن يقطع غسله على وتر، فيغسل ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك كما جاء في الحديث، فيوتر الإنسان في عدد الغسلات التي يغسل بها الميت.
كذلك يبدأ بالشق الأيمن قبل الأيسر، وهذا معروف كما جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله صلوات الله وسلامه عليه، فيبدأ بميامنكم؛ أي يغسل بدنه، فإنه يبدأ بالشق الأيمن، ثم بعد ذلك يغسل الشق الأيسر. ومن الأحكام أن يبدأ بوضوء قبل الغسل، وهذا يستفاد منه أن الإنسان يبدأ بمواضع الوضوء، بمعنى أن يوضئه قبل أن يعمم بدنه بالغسل.
كذلك من الأمور المهمة في صفة غسل الميت أن الإنسان قبل أن يوضئ الميت ينجيه ويخرج النجاسة من بدنه، كما أن الإنسان قبل أن يتوضأ يخلي بدنه من النجاسة بالاستنجاء. إذا نحن الآن ذكرنا صفة الغسل، لاحظوا شبهها بالطهاره الشرعية في حق الحي. لو أردنا أن نرتب هذه الصفة ترتيبا زمنيا، ما الذي يفعله أول شيء هذا الغاسل من خلال هذه الأحكام التي ذكرناها؟ دعونا نرتب الآن الترتيب الزمني في صفة الغسل.
أولا: يجرد الميت من ملابسه، مع تجريده من ملابسه لا يكشف عورته. فمثلا إذا كان هذا الميت لابسا سروالا، فإنه ينزع هذا السروال ولكن مع وضع قماش أو غطاء؛ منشفة أو شرشف كبير أو ساتر يستر عورته، بحيث يكون الميت مجردا من ملابسه مستورة عورته بغطاء. هذا أول شيء بحيث يهيئ الميت لهذا الغسل، ثم بعد ذلك يبدأ في إخراج النجاسة من بدنه كما ذكرنا أنه في حق الحي أصلا يبدأ بإخراج النجاسة والاستنجاء قبل الوضوء ثم الغسل.
نواصل الحديث عن تغسيل الميت، وذكرنا الآن الترتيب الزمني لتغسيل الميت، فقلنا إن أول شيء يبدأ الغاسل بتجريده من ملابسه مع مراعاة ستر عورته من السرة إلى الركبة بغطاء، شرشف أو منشفة أو شيء من هذا. ثم بعد ذلك يبدأ في إخراج القذر الموجود مثلا في بطنه من المخرجين، مخرج البول ومخرج الغائط. كيف يخرجها؟ يضع مثلا على يده منشفة أو خرقة أو قفازات معينة، ويرفع ظهر الميت؛ كانه يجلسه ليكون هذا أيسر لخروج النجاسة، يضغط على بطنه شيئا فشيئا حتى يخرج هذا القذر والنجس، وينظفه وينجيه كما ذكرنا، لا يجوز له أن يمس عورته بدون حائل، وإنما ينظفه وينجيه بحائل بخرقة وبغيرها. فإذا نظفه وأنقى المخرج ونظف بطنه، ربما احتاج مثلا إلى مرتين أو ثلاث أو أربع أو خمس حتى ينظف بطنه، يجلسه ثم يضغط على بطنه شيئا فشيئا.
إذا تمت هذه العملية التي هي عملية الاستنجاء، يبدأ الآن بتغسيله. ذكرنا أنه يبدأ بمواضع الوضوء، فيوضئه؛ أول شيء يغسل كفيه، ويغسل وجهه. طيب ماذا يفعل بالمضمضة والاستنشاق؟ المضمضة والاستنشاق هي حركة إرادية من الإنسان لنفسه، لا يمكن أن يقوم الغاسل بمضمضة فم الميت أو استنشاقه لأنه يحتاج إلى عمل من هذا الشخص، ولا يمكن أن يقوم به، لذلك فإن الواجب في هذه الحالة أو المقدور عليه هو أن يبلل مثلا فمه أن يبلل أنفه، وهذا يقوم إن شاء الله تعالى مقام المضمضة والاستنشاق. ثم يغسل وجهه، ثم يغسل يده اليمنى إلى المرفق، ثم يده اليسرى إلى المرفق، ثم يمسح برأسه وأذنيه، ثم يغسل رجله اليمنى، ثم يغسل رجله اليسرى؛ إذا هذا وضوء شرعي تام، وهذا كما ذكرنا أنه أمر مستحب في حق الميت.
ثم بعد ذلك يقوم الغاسل في حق هذا الميت بالغسل، فيعمم بدنه بالغسل، فيعمم بدنه بالغسل مرة أو ثلاثا أو خمسا أو سبعا، لاحظوا بوتر، ويبدأ بالشق الأيمن من بدنه ثم بعد ذلك الشق الأيسر، ويجعل في الأخيرة كافورا أو شيئا من كافور كما جاء في الحديث، وهذا أبلغ في نظافته وتطييبه وتطهيره، ثم بعد ذلك ينشفه. بهذا يكون إن شاء الله تعالى قد تم غسل هذا الميت، وننتقل بعد ذلك إلى مرحلة أخرى ألا وهي مرحلة تكفين الميت. هذا هو غسل الميت الواجب شرعا.
مما ينبغي التنبيه إليه في هذا المقام وهو أن الشهيد لا يغسل، كما قد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في حق شهداء أحد. هذا والله تعالى أعلم، يعني أهل العلم ردوا هذا إلى أنهم يبعث الإنسان يوم القيامة على ما مات عليه، وقد جاء في حديث الرجل الذي وقصته دابته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كفنوه في ثوبين ولا تمسوه طيبا». لماذا لا تمسوه طيبا؟ لأن المحرم يحظر عليه الطيب، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال إنه يبعث يوم القيامة ملبيا؛ كون يبعث يوم القيامة ملبيا هذا فيه دلالة على أن الإنسان يبعث على ما مات عليه. الشهيد لا شك أن الشهادة في سبيل الله سبحانه وتعالى في المعركة، كونه يبعث يوم القيامة وهو في جراحاته، هذا لا شك أنه من آثار الأعمال الطيبة الصالحة ألا وهي عمل الجهاد في سبيل الله، فبقاء هذا الأثر عليه لا شك أنه شرف له وفخر له في يوم المحشر، أنه يبعث يوم القيامة بجراحاته وربما بهذا الدم الذي عليه أو شيء من هذا، ولم يغسل. وكذلك قد جاء في حديث شهداء أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل عليهم، وقد اختلفت الرواية في هذا، ولعلنا نذكر إن شاء الله تعالى في حكم الصلاة على الميت الشهيد.
ننتقل بعد ذلك إلى تكفين الميت، فنقول في حكم تكفين الميت إن تكفين الميت كذلك فرض كفاية، يجب تكفينه وستره. ما هو الواجب في حق الميت؟ أن يستر بدنه كاملا. هل يستر بثوب واحد أو قطعة قماش واحدة أو اثنتين أو ثلاث؟ نقول هذا أمر من السنة، لكن الواجب أن يستر بدنه كاملا، هذا الأصل في الوجوب. في غزوة أحد استشهد مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه، مصعب بن عمير كان من الأثرياء قبل الإسلام، كان من عائلة ثرية رضي الله تعالى عنه وأرضاه، إلا أنه هاجر في سبيل الله، وخرج إلى المدينة بعد أن غضبت عليه أمه وسخطت عليه وهاجر إلى المدينة رضي الله تعالى عنه، خرج بنفسه ودينه ولم يمكنه أن يخرج أصلا من ماله بشيء، انظروا كيف ترك الدنيا كلها ولذاتها لأجل الله ولأجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا إلى الله سبحانه وتعالى، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله للمدينة لتعليم الناس ودلالتهم على الله سبحانه وتعالى ودلالتهم على شرائع دينهم. بقي مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه على هذا العهد وعلى هذه الحال التي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم عليها، حتى جاءت غزوة أحد واستشهد رضي الله تعالى عنه في هذه المعركة. عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه كان إذا ذكر مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه يبكي ويقول: منا من وقع أجره على الله، منهم مصعب بن عمير.
مات مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه يوم أحد، استشهد نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبله في الشهداء وأن يحشرنا معه في جنات النعيم، استشهد رضي الله تعالى عنه ولم يجدوا ما يكفنونه به، لم يجدوا ما يكفنونه به! وهذا في الحقيقة، شوف كيف هذه المرحلة كيف ترك الدنيا ونعيمها وخرج إلى الله ورسوله، حتى وصل إلى هذه المرحلة أنه يموت ولا يجد المسلمون ما يكفنه به رضي الله تعالى عنه وأرضاه. لم يجدوا إلا قطيفة، إن غطي بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطيت بها رجلاه بدا رأسه رضي الله تعالى عنه، فغطى بها رأسه رضي الله تعالى عنه وبدت رجلاه، وكفن فيها رضي الله تعالى عنه. الشاهد من هذا أيها الإخوة انظروا كيف خروج مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه من حظوظ الدنيا لأجل الله ولأجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأجل بلاغ رسالة الله إلى المسلمين، أداء الواجب الذي عليه، واجب الدعوة والعلم ونشر العلم الذي كلفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلذلك إذا لم يوجد، إذا مثلا مات ميت وكان في بر أو كان في مكان بعيد ولم يوجد شيء يكفن به، فإن الأولى أن يستر ما يلي رأسه، ثم وإن بدت رجلاه؛ طبعا هذا كله بعد ستر عورته، ستر العورة هو المقدم قطعا قبل الأشياء الأخرى.
السنة أن يلف الإنسان الذكر في ثلاث لفائف، والأنثى في خمس لفائف، وهذا لا شك أنه أبلغ وأوفق إن شاء الله تعالى للسنة. من الأشياء التي ينبغي التنبيه لها، وهو أن المحرم لا يغطى رأسه، وقد جاء نهي النبي صلى الله عليه وسلم في حق الذي وقصته دابته فمات في الحج، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا»، وهذا فيه دلالة على أن هذا الإنسان لما مات يبقى عليه محظورات الإحرام، لذلك لا يؤخذ من شعره ولا من أظفاره شيء، ولا يمس طيبا، ولا كذلك يلبس ملابس أخرى، لا، وإنما يلف ويكفن في الثوبين، الإزار والرداء التي أحرم فيها، ولا تخمروا رأسه؛ لأن من محظورات الإحرام تغطية الرأس. هذا طبعا في حق الذكر، أما في حق الأنثى فإنه يغطى رأسها قطعا، لأن تغطية الرأس ليس في حقها من محظورات الإحرام.
إذا المحرم الذكر لا يغطى رأسه في حال تكفينه؛ لماذا؟ لأنه يبعث يوم القيامة ملبيا، وكما ذكرنا أن الإنسان يبعث على ما مات عليه، وذكرنا في حق الشهيد وفي حق المحرم أنه يحافظ على هذه الهيئة حتى يبعث عليها المسلم يوم القيامة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يختم لكل المسلمين بخير، وأن يجعل عواقب الأمور إلى خير، وأن يجعل خير أعمالنا أواخرها وخير أعمالنا خواتمها، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي