تسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً، وآتنا من لدنك توفيقاً وسداداً وصواباً. وبعد، إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس العشرون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في فصلها الدراسي الثاني. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس وفي هذه الأكاديمية، وأن يبارك في معلميها وطلابها ومشرفيها والقائمين عليها ومن ساهم فيها. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه العلوم التي نقولها ونسمعها نافعة مباركة، وألا تكون حجة علينا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

إخواني وأخواتي، نواصل في هذا الدرس إن شاء الله تعالى ما استفتحناه من الحديث في كتاب الجنائز. وكنا قد تحدثنا في الدرس الأول في هذا الكتاب عن تعريف الجنازة، وعن بعض الأحكام المتعلقة بحضور الميت والأحكام المتعلقة بعد وفاته، ثم بعد ذلك تحدثنا عن تغسيله وتكفينه. واليوم نريد الحديث إن شاء الله تعالى عن العمل الثالث بعد تغسيل الميت وتكفينه، العمل الثالث هو الصلاة عليه، والرابع كما ذكرنا هو دفنه، ثم بعد ذلك بعد الدفن يأتي تعزية المصابين من أهله.

الصلاة على الميت من فروض الكفايات، وذكرنا من قبل ما معنى فرض الكفاية. فلا يجوز أن يموت مسلم ثم لا يصلى عليه، إلا ما استثني كما ذكرنا مثلاً في حادثة شهداء أحد، وأن الشهيد لا يصلى عليه على الصحيح، وهذا راجع إلى الله تعالى؛ لأنه في حق الشهيد لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]، فالشهيد اعتبره الله سبحانه وتعالى في الكتاب الكريم حياً يرزق، لذلك قد يكون هذا والله أعلم الحكمة لعدم الصلاة عليه. الشاهد أن الأصل في أموات المسلمين أنه تجب الصلاة عليهم، وأن وجوب الصلاة على المسلمين فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين.

ومعنى قولنا فرض كفاية أنه ليس بفرض عين على كل واحد منهم، وليس في المقابل سنة يحق لجميعهم أن يتركها. لا، إذاً فرض الكفاية هو في عواقب الأمر متردد في حالة متوسطة بين فرض العين وبين السنية. فلو سألنا سائل وقال: هل يجب علي أن أصلي على الجنازة الفلانية؟ نقول: يسن في حقك ما دام غيرك قد صلى عليها، فإن لم يكن أحد صلى عليها فإنه يجب في حقك. فمثلاً لو أن مجموعة من الناس خرجوا في رحلة معينة أو في سفر معين أو كانوا في بلد من بلدان الكفار مثلاً فمات لهم شخص، نقول: يجب على من معه أن يصلوا عليه، يجب عليهم تعييناً؛ لماذا؟ لأنه لو لم يصلوا عليه ما صلى عليه أحد، إذاً يجب على من معه تعييناً أن يغسلوه ويكفنوه ويصلوا عليه ثم يدفنوه، هذه أربعة من الحقوق التي للميت على غيره من المسلمين أن تفعل معه.

إذاً بعد تغسيل الميت وتكفينه تشرع الصلاة عليه، وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط»، والقيراط هو الجبل العظيم من الأجر، ولهذا الحديث تتمة لعلنا نذكرها إن شاء الله تعالى في مسألة اتباع الجنازة حتى تدفن، تتمة هذا الحديث: «من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان». إذاً الصلاة على الجنازة فضلها فضل عظيم.

أصل مشروعية الصلاة على الجنازة والدعاء للميت؛ فكون المسلم يصلي لله سبحانه وتعالى، يتعبد لله سبحانه وتعالى بهذه الصلاة في هذا المقام. ما مقصود هذه الصلاة؟ التعبد لله سبحانه وتعالى، وطلب الله سبحانه وتعالى ودعاء الله سبحانه وتعالى أن يغفر لهذا الميت وأن يرحمه. إذاً الصلاة أصلاً من معاني الصلاة الدعاء، لذلك جاء في الآية الكريمة: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: 103]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم صلى عليهم، ولما أتاه آل أبي أوفى بصدقتهم قال: «اللهم صلِّ على آل أبي أوفى».

إذاً الصلاة من معانيها الدعاء، وهذا في الحقيقة في صلاة الجنازة متحقق بشكل ظاهر؛ فالمسلم يصلي لله سبحانه وتعالى داعياً الله سبحانه وتعالى أن يغفر لهذا الميت وأن يرحمه. إذاً هذا هو مقصود أساس في الصلاة على الجنازة. لماذا؟ لأن الصلوات الخاصة كما ذكرنا لها مقاصد؛ فمثلاً من مقاصد صلاة الاستسقاء هي كذلك صلاة من جنس الدعاء لله سبحانه وتعالى، يسألون الله سبحانه وتعالى أن يسقيهم. مثلاً صلاة الآيات أو ما يسمى بصلاة الكسوف والخسوف، هذا صلاة فيها الفزع إلى الله سبحانه وتعالى بسبب هذه النازلة الكونية التي نزلت، والتوبة إلى الله سبحانه وتعالى. كذلك صلاة من جنس الرجوع إلى الله والتوبة إليه والاستغفار. صلاة الاستخارة هي صلاة فيها دعاء لله سبحانه وتعالى أن يختار للعبد خير الأمرين مثلاً الذين تردد بينهما؛ هل يقدم أو يحجم عن هذا الأمر؟

إذاً هذه الصلاة، الصلوات الخاصة هذه التي ذكرناها، لها مقاصد مرتبطة بدعاء الله سبحانه وتعالى والرجوع إليه. صلاة الجنازة مقصودها الأساس دعاء الله سبحانه وتعالى أن يغفر لهذا الميت وأن يرحمه، إذاً هذه الصلاة في واقع الأمر هي من حق هذا الميت على إخوانه المسلمين أن يسألوا الله سبحانه وتعالى أن يغفر له وأن يرحمه.

إذاً هذا هو أصل مشروعية الصلاة على الميت، هناك موضوع آخر نراه بالحديث عنه، ألا وهو صفة هذه الصلاة. صفة هذه الصلاة كما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنها أربع تكبيرات، أربع تكبيرات يبدؤها المصلي بتكبيرة الإحرام، يقرأ بعدها فاتحة الكتاب، وقد جاء في الحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». إذاً كل صلاة في الشرع يجب أن يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، سواء كانت صلاة استخارة، صلاة استسقاء، صلاة عيدين، صلاة جمعة، صلاة كسوف، كذلك الصلاة على الجنازة. ما دامت قد سميت باصطلاح الشرع صلاة، فإنه يجب أن يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، ونقول إن هذا الوجوب يرقى إلى الركنية؛ لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». إذاً وجوب الفاتحة وجوب يرقى إلى مستوى الركنية، لماذا؟ لأنها لو لم توجد الفاتحة لبطلت الصلاة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفى الصلاة، قال: لا صلاة، أي لا صلاة صحيحة شرعية مقبولة عند الله سبحانه وتعالى إلا إذا قرأ فاتحة الكتاب. إذاً هذه هي التكبيرة الأولى تكبيرة الإحرام، يقرأ المسلم بعدها بفاتحة الكتاب، ونواصل إن شاء الله تعالى معكم الحديث عن صفة صلاة الجنازة ولكن بعد هذا الفاصل القصير.

نواصل معكم حديثنا بعد هذا الفاصل القصير، ونتابع الحديث عن صفة صلاة الجنازة، وذكرنا أن صفة صلاة الجنازة أن يقوم المصلي فيكبر أربع تكبيرات، وسوف نتحدث إن شاء الله تعالى عن صفة قيامه وصفة هذه التكبيرات. فذكرنا أولاً أنه يقوم فيكبر تكبيرة الإحرام، ثم يقرأ بعدها بفاتحة الكتاب، وفاتحة الكتاب ركن في الصلوات كلها كما قد ذكرناه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب».

ثم يكبر التكبيرة الثانية، يقول: الله أكبر. طيب هنا مسألة: هل يشرع رفع اليدين في تكبيرات صلاة الجنازة الثانية والثالثة والرابعة؟ أما تكبيرة الإحرام فيشرع رفع اليدين فيها، وهذا في جميع الصلوات، تكبيرة الإحرام يشرع رفع اليدين فيها. طيب هل يشرع أن يرفع يديه في التكبيرة الثانية والثالثة والرابعة؟ أم إذا انتهى من الفاتحة، وهو وضع يمينه على يساره يقول: الله أكبر، ثم يشرع في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد». أم إذا انتهى من الفاتحة ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، يقول: الله أكبر، ثم يشرع بعد ذلك في الصلاة الإبراهيمية.

ابن عمر رضي الله تعالى عنه وهو المعروف بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه موقوفاً عليه أنه كان يرفع يديه في تكبيرات الجنازة. والأمر الثاني أن المعهود في الصلاة المعتادة، الصلوات الخمس والسنن وغيرها، أن رفع اليدين يكون في تكبيرات القيام؛ فمثلاً إذا قام الإنسان من الركعتين يكبر، إذا كان الإنسان قائماً ثم ركع فإنه يكبر، إذا رفع بعد الركوع فإنه يكبر ويرفع يديه في هذه المواطن الأربعة. لكن لما سجد ورفع من السجدة وسجد مرة أخرى، لا يرفع يديه في تكبيرات السجود، إذاً هذا دلنا على أنه حال القيام أو ما ارتبط بالقيام، مثلاً قيام من القيام إلى الركوع أو من الركوع إلى القيام، أنه ترفع اليدان. لذلك هذا يناسب، وهذا قياس في هذا الموطن، نقول ما دام أن الإنسان يكبر وهو قائم فإنه يرفع يديه، وهذا فيه شبه حقيقة من تكبيرات القيام.

لكن لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه، ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه لم يرفع يديه، لذلك احتجنا إلى الحديث الموقوف على ابن عمر، وهذا القياس الذي ذكرناه وهو القياس على التكبيرات المعتادة في حال القيام في الصلاة، فقلنا إنه بهذين الدليلين يشرع للمسلم في التكبيرة الثانية والثالثة والرابعة أن يرفع يديه مع التكبير، والله تعالى أعلم. ولو أن الإنسان لم يرفع يديه باعتبار أنه لم يثبت صريحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا بأس، الأمر في هذا إن شاء الله تعالى أمر واسع، ولكن هذا الذي يظهر لنا والله من خلال هذه القرائن أنه هو السنة.

إذاً يكبر التكبيرة الثانية ويرفع يديه استحباباً، ثم يصلي الصلاة الإبراهيمية: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. ولهذه الصلاة الإبراهيمية عدد من الصفات، وكنا قد تحدثنا عنها في الصلاة في الفصل الدراسي الأول ونحيل عليها في ذلك الموطن حتى تعرف صفات هذه الصلاة الإبراهيمية.

ومناسبة الصلاة الإبراهيمية في هذا المقام مناسبة ظاهرة، إذ فيها الصلاة على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن الصلاة على النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، لا شك أن هذه الصلاة من آداب الدعاء ومن الأسباب لإجابة الدعاء. وكنا قد ذكرنا أن مقصود الصلاة على الميت أصالة هو التعبد لله ودعاء الله سبحانه وتعالى أن يغفر لهذا الميت ويرحمه، فالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من أسباب رفع الدعاء ومن آدابه، فلذلك ذكرنا فاتحة الكتاب ومناسبتها ظاهرة وهي أنها ركن في جميع الصلوات، الصلاة الإبراهيمية الصلاة على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم مناسبتها كذلك مناسبة ظاهرة؛ لأنها من آداب الدعاء، ومما يرفع الدعاء ومن أسباب إجابته.

ثم بعد ذلك يكبر التكبيرة الثالثة ويرفع يديه كما ذكرنا استحباباً، فيقول: الله أكبر، ثم يشرع بعد ذلك في الدعاء للميت، إذاً يدعو للميت بعد التكبيرة الثالثة. وقد جاء في الدعاء للميت عدد من الآثار المرفوعة عن النبي صلى الله عليه وسلم، منها: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان. اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده». إذاً هذه صفة من صفات الدعاء على الميت، لاحظوا أن هذه الصفة صفة عامة تشمل الصغير والكبير والحاضر والشاهد والغائب والحي والميت، إذاً هذه الصفة عامة من صفات الدعاء وهي من الصفات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

هناك كذلك من الصفات الخاصة أن يقول في الدعاء للميت: اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه. الدعاء له بالمغفرة، الرحمة، الدعاء أن يعفو الله سبحانه وتعالى عنه، واعف عنه، وأن يعافيه الله سبحانه وتعالى، لا شك أن الميت بعد وفاته يدخل في أهوال عظيمة، أهوال القبر، أهوال البرزخ الحياة البرزخية، أهوال البعث والنشور، فإذا عافى الله سبحانه وتعالى هذا الإنسان لا شك أن هذا من تمام رحمة الله سبحانه وتعالى به، وقد جاء في الآية الكريمة.

وقهم السيئات، ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته. لا شك أن الإنسان إذا عافاه الله من السيئات؛ أي ما يسوء العبد في برزخه ونشوره وبعثه وقيامه يوم الحساب، فإنه في رحمة الله سبحانه وتعالى. اللهم إنا نسألك أن تقينا السيئات في ذلك اليوم، وأن تعافينا في ذلك اليوم.

أكرم نزله، والنزل هو ما يقدم للضيف، أو المكان الذي يهيأ للضيف، وهذا فيه دعاء أن يكرم الله سبحانه وتعالى وفادة هذا الميت عليه. وإذا أكرم الله سبحانه وتعالى ضيافة عبد، فلا شك أنه قد دخل في رحمة الله وفاز فوزًا عظيمًا.

وسع مدخله؛ ومدخل الإنسان هو المكان الذي يدخل فيه، وهذا الميت مدخله هو القبر. والقبر كما هو ثابت في الكتاب والسنة فيه نعيم للمؤمنين الصالحين العاملين للخير، وفيه عذاب للكافرين والفاسقين والفاجرين، أعاذنا الله وإياكم من عذاب القبر. القبر حياة برزخية، هي حياة فيها نعيم وعذاب، لا يدركه البشر بمقاييسهم المادية. والأصل في القبر أن النعيم والعذاب للروح يتبعه البدن، خلافًا للحياة الدنيوية التي يكون فيها النعيم والعذاب في الأصل للبدن يتبعه الروح. وهي حياة برزخية لها صفة خاصة وهيئة خاصة، وهذا القبر كما قد جاء في الأثر يتسع للمؤمنين حتى يكون مد بصره، وربما ضاق على الكافرين والفاسقين حتى تختلف عليهم أضلاعهم والعياذ بالله. لذلك يسأل المصلي الله سبحانه وتعالى أن يوسع القبر على هذا الميت، ولا شك أن من وسع الله سبحانه وتعالى عليه في قبره، فإن هذا من رحمة الله سبحانه وتعالى به في هذه الحياة البرزخية التي يبقى فيها إلى أن تقوم الساعة، ثم يبعث يوم القيامة من قبره.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا برحمته، وأن يعيذنا وإياكم من عذاب القبر، ومن فتنة القبر، كما استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من فتنة القبر ومن عذاب القبر.

هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم؛ إذ لا تصح العبادة إلا به. قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19]. وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، بأن لا تريد به إلا وجه الله، قال تعالى: ﴿مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 2]. وبالإخلاص ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين». وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد. قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عوتب لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي. ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف، قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف. فأخلص النية واحذر من فسادها كطلب العلم لأجل المال والثروة، أو الجاه والشهرة، أو المراء والجدل؛ فإن ذلك يفسد العمل، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].

نعود إليكم ونتابع الحديث عن صفة صلاة الجنازة، وذكرنا أن التكبيرة الأولى تتبعها فاتحة الكتاب، والتكبيرة الثانية تتبعها الصلاة الإبراهيمية، والتكبيرة الثالثة يتبعها الدعاء للميت، وذكرنا أن الدعاء منه صيغة عامة تشمل الميت وغيره، ومنه صيغة خاصة: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد؛ أي اغسله من الذنوب والخطايا بالماء والثلج والبرد. والذنوب والخطايا محرقة للبدن والعياذ بالله تحرق الإنسان في نار جهنم، لذلك لا شك أن غسل هذه الذنوب بالماء والثلج والبرد هو مما يطفئ حرائق الذنوب، عافانا الله وإياكم من هذه الذنوب والمعاصي.

ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس؛ أي سؤال الله سبحانه وتعالى أن يغفر له ذنوبه، وأن يباعد عنه هذه السيئات، وأن يطهره منها، وأن ينقى منها كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس؛ أي يغسل هذا الثوب الأبيض من الدنس. وأبدله اللهم دارًا خيرًا من داره؛ لأن الإنسان ينتقل إلى دار أخرى هي دار البرزخ، هي دار الحياة الآخرة، فيسأل المسلم ربه أن يبدل هذا الميت دارًا خيرًا من داره التي عاشها في الحياة الدنيا. ولا شك أن من أبدله الله سبحانه وتعالى في الحياة البرزخية دارًا خيرًا من داره السابقة، فإنه قد أبدل النعيم العظيم، وإذا أبدله الله سبحانه وتعالى بعد ذلك الجنة فلا شك أنه ارتقى في منازل النعيم العظيم، وأما إذا أسكن في عذاب وجحيم، فلا شك أن هذا العذاب والجحيم من عقوبة الله سبحانه وتعالى على هذا الميت. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعافينا وإياكم من عقوباته، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه؛ هذا من الدعاء المشروع للميت.

ينبغي التنبيه إذا كانت الجنازة التي يصلى عليها أنثى أن يقرأ الضمير بصيغة الأنثى، فيقول: اللهم اغفر لها وارحمها وعافها، وهكذا إذا كانوا جماعة يصلى عليهم فإنه يقول: اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم، وهكذا يذكر الضمير بالحالة التي تناسب الجنازة الموضوعة أمامه للصلاة.

يبقى عندنا سؤال وهو: كيف توضع الجنازة أمامه للصلاة؟ نقول: يقف الإمام والله تعالى أعلم عند رأس الميت الذكر، وأما الأنثى فإنه يقف عند وسطها، وقد جاء في الأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على امرأة ماتت في نفاسها صلى عليها في وسطها، فإذا يقوم الإنسان على وسط الأنثى، وأما الميت الذكر فإنه يقوم عند رأسه، هذا هو السنة والمستحب في حق المصلي على الجنازة.

ينبغي التنبيه كذلك إلى أن صلاة الجنازة إذا صلى الإنسان منفردًا فإن هذه الصفة التي ذكرناها هي المتبعة، وإذا صلى في جماعة فإنه ينبغي مراعاة أحكام الجماعة، بمعنى أن يكون الرجال صفوفًا، ويستحب تكثير الصفوف في الصلاة على الجنازة، ويكون النساء خلف الرجال مثل أحكام الجماعة المعتادة، وأن لا يصف الإنسان عن يمين الإمام أو عن يساره، وإنما يتقدم الإمام، هذه أحكام الجماعة المعتادة. إذا صلي على الميت جماعة فإنه تراعى أحكام الجماعة، أما إذا صلي عليه بانفراد فإنه كما ذكرنا الصفة السابقة.

طيب إذا صلي جماعة من الذي يقف؟ على رأس الميت أو على وسط الميتة، والإمام والناس يكونون من وراء هذا الإمام. طيب هنا مسألة وهي في حال الجماعة من فاتته تكبيرة أو تكبيرتان مع الإمام ما الذي يعمل؟ نقول: اعمل مثلما يعمل المسبوق في الصلاة العادية؛ كيف يعمل المسبوق من فاتته ركعة أو ركعتان في الصلاة العادية؟ إذا سلم الإمام فإنه يقوم ليأتي بما فاته من الصلاة، فيقوم ويقضي ركعة أو ركعتين بحسب ما فاته ثم يسلم، فكذلك هاهنا. فإذا جاء المأموم وأدرك التكبيرة الثانية مع الإمام وقد فاتته التكبيرة الأولى فنقول: كبر تكبيرة الإحرام، وسوف تدرك مع الإمام ثلاث تكبيرات، ثم يسلم الإمام، فإذا سلم الإمام لا تسلم معه، وإنما تكبر تكبيرة رابعة وهي التكبيرة التي فاتتك، ثم بعد ذلك تسلم.

وينبغي التنبيه هنا إلى أن الإنسان إذا قضى ما فاته من صلاة الجنازة مع الإمام ينبغي له أن يقضيه بسرعة قبل أن ترفع الجنازة، فيكبر تكبيرة رابعة لا يطيل فيها؛ إذا فاتته تكبيرتان يكبر التكبيرة الثالثة والرابعة ثم يسلم لوحده بعد الإمام؛ لأنه قد فاتته تكبيرتان وفاته السلام مع الإمام. إذا صفة قضاء تكبيرات صلاة الجنازة نقول: مثل قضاء ركعات الصلاة في حال المسبوق في الصلاة العادية.

طيب، ما يدركه المأموم من الصلاة مع الإمام؟ إذا أدرك التكبيرتين الأخيرتين، هل يقرأ فيها الدعاء على الميت باعتبار أن هذه التكبيرة الثالثة للإمام فيوافق الإمام فيما يقول، أم أنه إذا كبر للصلاة في التكبيرة الثالثة للإمام يقرأ فاتحة الكتاب؟ الأظهر والله تعالى أعلم أن ما يدركه المسبوق من صلاة الإمام هو أول صلاته لا آخرها. معنى هذه القاعدة أن الإنسان إذا أدرك الإمام في الصلاة العادية في الركعة الثالثة، فإنه يستحب لهذا المسبوق أن يقرأ الفاتحة وسورة بعدها، باعتبار أن هذا المسبوق في الركعة الأولى، ولا نقول: إنك أنت الآن في الركعة الثالثة مثل الإمام ثم بعد ذلك تقضي الأولى والثانية، لا؛ نقول: أنت الآن في الركعة الأولى، ثم بعد ذلك يأتي الإمام بالركعة الرابعة وهي في حق هذا المسبوق الركعة الثانية، فإذا سلم الإمام فإنه يأتي بركعتين هما الثالثة والرابعة فيقرأ فاتحة الكتاب دون سورة بعدها.

إذا ما يدركه المسبوق من صلاته هو أول صلاته؛ ما معنى هذا في صلاة الجنازة؟ نفترض أن إنسانًا فاتته تكبيرتان من تكبيرات الجنازة، أدرك الإمام وهو يكبر التكبيرة الثالثة، ما الذي يقرأه الإمام الآن في التكبيرة الثالثة؟ يقرأ الدعاء للميت. طيب ما الذي ينبغي لهذا الداخل المسبوق أن يقرأ؟ نقول: اقرأ فاتحة الكتاب باعتبار أنك في التكبيرة الأولى. بعض الناس من الأخطاء في هذه الحال أخطاء المسبوقين، أنه ربما كبر التكبيرات منفردًا عن الإمام، فمثلاً يكبر التكبيرة، إذا أدرك الإمام وهو في التكبيرة الثالثة ما الذي يفعله؟ الإمام لا يزال في التكبيرة الثالثة، فيقول: الله أكبر، يقرأ الفاتحة، الله أكبر، يكبر لوحده؛ لا، لا يصلي الإنسان منفردًا؛ لأن الجنازة ليست حاضرة أمامه حتى يصلي عليها بمفرده، وإنما يدخل هذا المصلي مع الإمام لأن الجنازة حاضرة أمام الإمام. فلذلك أنت حتى تصح صلاتك؛ إن صليت منفردًا فمعنى هذا متى يصلي الإنسان منفردًا عن الجنازة؟ لو كانت جنازة أمامه، لكن إذا لم تكن أمامه فإنه يصلي مأمومًا تابعًا للإمام ولا يصلي منفردًا. فلذلك نقول: ادخل مع الإمام، إن كان الإمام في التكبيرة الثالثة أو الرابعة ما أدركت فكبر معه، وما فاتك من التكبيرات اقضه بعد تسليمة الإمام، لا تسلم مع الإمام، اقضه بعد تسليمة الإمام ثم كبر.

ومما ينبغي أن يعرف كذلك من السنن المتعلقة بصلاة الجنازة أنه إذا فات الإنسان الصلاة في المسجد أو مع الناس عمومًا فإنه يجوز له أن يصلي على القبر، فيقف على هذا القبر ويصلي نفس صفة صلاة الجنازة، ويدعو لهذا الميت بنفس الدعاء؛ هذا ما يتعلق بالصلاة على القبر.

كذلك مما يشرع في موضوع صلاة الجنازة الصلاة على الغائب، إذا كان هناك ميت من الأموات قد مات في بلد لم يصل عليه فيها، وهذا قد حصل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مع النجاشي الذي أسلم، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بوحي من الله سبحانه وتعالى أنه قد توفي، طبعًا النجاشي كان في الحبشة ولم يكن ثمة مسلمون يصلون عليه، وهو قد أسلم رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فلما مات صلى النبي صلى الله عليه وسلم عليه في المدينة، وهذا قيام بالفرض تجاه هذا الأخ المسلم الذي مات ولم يصل عليه، فيصلي عليه المسلمون في بلد آخر؛ لماذا؟ لأنه لم يصل عليه في بلده. لذلك الصحيح أن الصلاة على الغائب أنها تكون في حق من لم يصل عليه في بلده، باعتبار أن هذه الصلاة فرض كفاية لهذا الأخ المسلم حق المسلم على المسلم، ولم يقم أحد بهذا الفرض فيقام به في بلد آخر بعيدًا عنه.

إذا نقول: الصلاة على الجنازة الأصل فيها أن تكون جنازة حاضرة، فإن لم تكن حاضرة فإنه يصلى عليها صلاة الغائب إذا لم يكن هناك أحد قد صلى عليها. وقال بعض أهل العلم - وهذا قول كذلك له وجه من النظر - وهو أنه وإن كان قد صلي عليها وكان من أهل الفضل والعلم فإنه يصلى عليه في بلد آخر كذلك، هذا كذلك قول له وجاهته وحظه من النظر.

إذا هذه هي الأحكام المتعلقة بصلاة الجنازة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا وإياكم برحمته، وأن يجعلنا وإياكم من أهل الخير، وأن يختم لنا بخير، ويجعل عواقب أمورنا إلى خير، وأن يجعل خير أعمالنا أواخرها وخواتمها، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.