الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، ربنا هيئ لنا من أمرنا رشدا وآتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا. إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الحادي والعشرون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في فصلها الدراسي الثاني. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، وأن يبارك في طلابها ومعلميها والقائمين عليها وداعميها، وأن يجعلها من منابر العلم النافع الذي ينشر العلم في كافة أقطار الأرض.
إخواني وأخواتي، كنا قد تكلمنا في الدروس السابقة عن سلسلة من الموضوعات المتعلقة بكتاب الجنائز. وتحدثنا في بدء هذه السلسلة عن تعريف الجنائز أو الجنازة، ثم تحدثنا بعد ذلك عن السنن والآداب المتعلقة بمن حضر ميتا سواء كان قبل وفاته أو بعد وفاة هذا الميت، ثم بعد ذلك استعرضنا في تسلسل زمني ما تتعرض له الجنازة وما تتقلب فيه من أحوال؛ فبدأنا تحدثنا عن تغسيل الميت، ثم تحدثنا عن تكفين الميت، ثم تحدثنا عن الصلاة عليه. واليوم إن شاء الله تعالى نريد أن نتحدث عن حمل الميت ودفنه، ثم نتحدث بعد ذلك عن التعزية وسننها وتعزية المصاب بمصيبة الموت.
إذا، هذه الموضوعات سلسلناها تسلسلا زمنيا بحسب ما تتقلب فيه الجنازة من أحوال. نريد أن نتحدث اليوم حقيقة بعد أن يصلى على الميت، وقد وصفنا الصلاة على الميت وتحدثنا عنها وقلنا إنها أربع تكبيرات: يكبر الأولى ثم يقرأ بعدها فاتحة الكتاب، ثم يكبر الثانية ويصلي بعدها على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يكبر الثالثة ويدعو للميت، ثم يكبر الرابعة ويسلم عن يمينه. بعد الصلاة على الجنازة يسن حملها ودفنها. هل هذا قولنا يسن أي يسن في حق كل فرد أم هو فرض في حق الأفراد؟ في واقع الأمر إن حكم دفن الميت فرض كفاية على المسلمين، ومعنى قولنا فرض كفاية كما قد وصفناه سابقا أنه فرض على المجموع، فإذا نظرنا باعتبار كل فرد من الأفراد قد يكون واقع متردد أما بين الوجوب والسنية؛ لماذا؟ لأن فرض الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين.
ما الفرق الأساسي بين فرض الكفاية وفرض العين؟ فرض الكفاية هو العمل المطلوب فعله بغض النظر عن فاعله، إذا مطلوب دفن الميت بغض النظر من الذي يدفنه، فلذلك إذا حصل هذا الفعل -دفن الميت- تحقق الفعل الذي يسقط به الوجوب، بخلاف فرض العين فإنه يطلب الفعل من الفاعل، كلاهما مقصود للشارع؛ فتطلب الصلاة من هذا الشخص، كلاهما مطلوب. إذا لاحظوا الفرق الأساسي بين فرض الكفاية وفرض العين: أن فرض الكفاية يطلب الفعل بغض النظر عن الفاعل، أما في فرض العين فإن الذي يطلب هو الفعل من الفاعل هذا المعين، هذا فرض عين عليه هو يراد منه. إذا نظرنا في دفن الميت أصلا لا يتصور أن نقول إنه فرض عين؛ ليش؟ لأنه لا يتصور أن المسلمين كلهم يقومون بدفن ميت واحد، إذا لكن المطلوب فرض كفاية بمعنى أنه يطلب دفن الميت بغض النظر من هو الذي يدفنه، هذا هو معنى فرض الكفاية. المشاركة في الدفن إذا حصل هذا الفرض، المشاركة سنة؛ كون الإنسان يشارك في اتباع جنازته في دفن الميت أو في الصلاة عليه كما قد ذكرنا أو تغسيله وتكفينه كما قد ذكرنا من قبل، كل هذه من فروض الكفايات المتعلقة بهذه الجنازة التي تعد من حق هذا المسلم الميت على إخوانه المسلمين.
وقد جاء الدفن في القرآن الكريم، الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: 21]، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: 25-26]. لذلك الأرض هي مدفن للإنسان عبر مر العصور والتاريخ، ولعل هذا والله تعالى أعلم قد بدأ من أول ميتة حصلت على وجه هذه البسيطة من بعد آدم عليه السلام، ألا وهي ميتة ابنه الذي قتله أخوه، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى لنا هذه القصة في القرآن الكريم لأخذ العظة والعبرة منها، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]. وصف الله سبحانه وتعالى لنا هذه الحادثة بوصف بليغ حتى نعتبر؛ نعتبر حقيقة في عدة موضوعات: موضوع خطورة الحسد، وخطورة القتل، وضرورة وأهمية الإخلاص لله سبحانه وتعالى والتقوى لله سبحانه وتعالى في قبول العمل.
في ختام هذه القصة يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 31] بعد قتله، فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه. لما قتل أحد ابني آدم أخاه، وهو الابن الآخر لآدم؛ ويقال في الكتب السابقة إن القاتل اسمه قابيل والمقتول اسمه هابيل، هابيل الذي تقبل قربانه من الله سبحانه وتعالى وقابيل هو الذي حسد أخاه فقتله. يقال هذا عن أسمائهم والله تعالى أعلم، لم ترد أسماؤهم في القرآن الكريم أو في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا، الشاهد أنه يقال إن هذا القاتل من ابن آدم -أول قاتل- يقال إنه لما قتل أخاه تحير ماذا يصنع في جسده، لأن هذا يعد الجسد الأول الذي مات على وجه الأرض بعد نزول آدم عليه السلام وهبوطه من الجنة، وقد حصلت هذه القصة والله تعالى أعلم كما قد جاء في الكتب السابقة في عصر آدم أو في عهد آدم عليه السلام قبل وفاة آدم أو حواء. الشاهد أنه تحير ماذا يصنع بهذه الجثة الهامدة بين يديه وكيف يتصرف، ويذكر في هذه الإسرائيليات أنه حملها فترة من الزمن.
الشاهد أنه بعد هذه الحيرة بعث الله سبحانه وتعالى غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه، يقال إن غرابا قد دفن غرابا آخر في الأرض بعد أن بحث في الأرض حتى دفن هذا الغراب، فلما رآه قام بحفر حفرة في الأرض ووارى فيها جثمان أخيه، فكانت هذه سنة الدفن، سنة الدفن التي استمرت عبر العصور والقرون وهي مواراة هذه الجثة في باطن الأرض. والله سبحانه وتعالى يوم القيامة يعيد هذه الجثث ويحييها سبحانه وتعالى، قال: ﴿مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس: 78-80]، فالله سبحانه وتعالى يحيي هذه الأجساد من هذه القبور. الشاهد أن هذه سنة الدفن كانت أول ما نشأت في عصر آدم عليه السلام وذكر الله سبحانه وتعالى هذه القصة في القرآن الكريم، وبعث الله هذا الغراب ليري هذا الابن القاتل كيف يدفن أخاه، ثم بعد ذلك اتخذوا الدفن.
ويقال والله تعالى أعلم في قصة ثمود قوم صالح لما ذكر الله سبحانه وتعالى عنهم قال: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ [الشعراء: 149]، أن المراد بهذا والله تعالى أعلم بيوتا أي بيوت الآخرة، مدافن الأموات؛ أنهم كانوا ينحتون أو يحفرون في الجبال يجعلون فيها أشبه ما يكون بالغرف ليدفنوا فيها أمواتهم. السنة الشرعية هي الدفن في الأرض لا في الجبال ولا في غيرها؛ هذه هي السنة الشرعية التي فعلها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم والتي فعلت بجسد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، والتي تتابع عليها المسلمون من لدن نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم إلى زماننا هذا. وسوف نذكر إن شاء الله تعالى أحكام الدفن وما يتعلق به من سنن وآداب، ونتحدث كذلك عن بعض البدع والمحرمات المرتبطة به، ولكن بعد هذا الفاصل القصير.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل، وكنا قد تحدثنا أنه بعد الصلاة على الميت يدفن الميت؛ ما بين الصلاة والدفن، بعد أن يصلى عليه تحمل هذه الجنازة من أمام المصلين وتنقل إلى المقبرة لتدفن. وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه روى لنا أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صلى على الجنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تدفن فله قيراط»، والقيراط هو الجبل العظيم. وكان عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه قد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم نصف هذا الحديث ولم يسمع النصف الآخر إلا من أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، لما روى هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال عبد الله بن عمر بعد أن سمع تتمة هذا الحديث من الصحابي، بطل رواية الحديث جبل الحفظ أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال ابن عمر: والله لقد فرطنا في قراريط كثيرة. تحسر ابن عمر رضي الله تعالى عنه على فوات العلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المقدار الذي أدى إلى تفريطه في هذه الأجور والفضائل العظيمة.
هذا في الحقيقة لنا معه عدة وقفات أيها الإخوة والأخوات: أولا فضيلة العلم، فضيلة العلم الشرعي لأنه هو الذي يقود الإنسان للعمل. الأمر الثاني أهمية أن يكون هذا العلم موجبا للعمل، وأهمية أن يكون العمل مبنيا على العلم؛ ما أحرانا أن نتعلم لنعمل! للأسف أيها الإخوة والأخوات كثير من الناس يتعلم العلم الشرعي وربما يسمع الأحاديث وربما يسمع الفضائل ولكنه أبعد ما يكون عن تطبيقها، وربما تكاسل في أدائها وفعلها. انظر كيف إلى تحسر الصحابي الجليل ابن عمر، ألم يكن قد سمع هذا الحديث من أبي هريرة قبل هذا الزمن أو ألم يكن قد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ كيف تحسر أنه فاته قراريط في بعض الأحيان لأنه ربما صلى على الجنازة ثم انصرف، فلما بلغه هذا الفضل في اتباع الجنازة حتى تدفن ندم وتحسر رضي الله تعالى عنه. إذا أيها الإخوة والأخوات، هذا في الحقيقة دافع لنا لدراسة العلم الشرعي، تعلم العلم الشرعي، معرفة سنن النبي صلى الله عليه وسلم، معرفة فضائل العمل، ثم تطبيق هذا العلم وتطبيق هذه الفضائل التي نتعلمها والتي ندرسها.
هذا في الحقيقة الحديث دلنا على فضيلة اتباع الجنازة حتى تدفن، وقد جاء في اتباع الجنازة وحمل هذه الجنازة عدد من الآداب والمشروعات التي ننبه إليها، وعدد من المحرمات التي ينبغي الحذر منها. فمن هذه المشروعات أن النبي صلى الله عليه وسلم حث على الإسراع بالجنازة: «أسرعوا بالجنازة؛ فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم». إذا النبي صلى الله عليه وسلم حث على الإسراع بالجنازة وبين أن الجنائز على صنفين، أما جنازة صالحة فيراعى حينئذ مصلحة هذا الميت فيعجل، وأما جنازة غير ذلك فاسدة فاسقة والعياذ بالله فيراعى حينئذ مصلحة حامليها فيعجل بوضع هذا الشر عن رقابهم، «فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه» هذا مصلحة للميت المحمول، «وإن تك غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» وهذا مصلحة للحاملين أن يتخلصوا من هذا العبء الذي على أكتافهم لأنه شر وفساد.
إلا أن أهل العلم نبهوا إلى أن هذا الإسراع بالجنازة لا ينبغي أن يكون إسراعا شديدا بحيث إنه يضطرب فيه نعش الميت مثلا وربما يسقط، أو ربما تعثر بعض هؤلاء المشاة، لا، وإنما هو إسراع خفيف؛ إسراع خفيف يقول أهل العلم إنه أكثر من المشي المعتاد وهو دون الخبب. دون الخبب؛ الخبب هي هيئة المشي الذي يكون سريعا متقارب الخطا، وسيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الحج والعمرة أن الخبب أو الرمل هو الصفة الشرعية للمشي في الثلاثة الأشواط الأول من طواف العمرة وطواف القدوم في الحج كما سيأتينا إن شاء الله تعالى في كتاب الحج والعمرة، اللي هو مشي الخبب أو الرمل، لكن هذا الإسراع بالجنازة هو حقيقة إسراع فوق المشي المعتاد ودون الخبب، بحيث إن الإنسان لا يتعثر ولا يسرع بالجنازة بحيث إنها تضطرب؛ لأنه ربما إذا اضطربت الجنازة واضطرب النعش ربما سقطت الجنازة من على النعش، ولا شك أن هذا يعني فيه إشكال.
الأمر الثاني من الآداب المتعلقة بحمل الجنازة واتباعها والمشي معها: أنه لا ينبغي أن يجلس من تبع الجنازة حتى توضع الجنازة في قبرها حتى توضع الجنازة.
في القبر، ومما يحسن ذكره في هذا المقام أن أم عطية رضي الله تعالى عنها، الصحابية الجليلة، روت لنا نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء عن اتباع الجنائز. أحياناً بعض النساء تريد أن تتبع الجنازة لكون الميت مثلاً زوجها أو قريبها أو والدها أو ابنها، إلا أنه ينبغي لها أن تلتزم نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتباع الجنائز. وسيأتي هنا إن شاء الله تعالى كذلك نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل لعنه صلى الله عليه وسلم لمن تزور القبور: «لعن الله زوارات القبور»، وفي رواية: «زائرات القبور». فالمرأة منهية عن اتباع الجنائز، وهي منهية كذلك عن زيارة القبور، كما سيأتينا إن شاء الله تعالى. إذاً، هذه بعض الأحكام المتعلقة بحمل الجنازة.
ننبه كذلك إلى أدب من آداب حمل الجنازة، ألا وهو أنه ينبغي لمن يحملها أن يستشعر السكينة والخشوع؛ لأنه يحمل على كتفه شخصاً قد قدم على الله والدار الآخرة، ولا شك أن هذا فيه موعظة، أبلغ موعظة. والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم كما قد جاء عنه أنه قال صلوات الله وسلامه عليه: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة».
على أي شيء تبحث؟ وفي أي شيء ترغب؟ وماذا تطلب؟ وما هي همتك في هذه الحياة؟ فالمسلم يحب المعالي ويسعى إليها، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها». واعلم أن طلب العلم لا ينتهي، بل هو مستمر إلى آخر العمر. قيل للإمام أحمد وهو يحمل محبرة: إلى متى؟ فقال: مع المحبرة إلى المقبرة. ولا يعوق كبر السن عن طلب العلم إذا توافرت الهمة، فلا أن تموت طالباً للعلم خير من أن تموت قانعاً بالجهل. وذو الهمة في الطلب يهتم بجمع الفوائد وقراءة المطولات.
قال أبو عبيد: ربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال فأضع في الكتاب، فأبيت ساهراً فرحاً بتلك الفائدة. وقال الخطيب البغدادي: قرأت على إسماعيل بن أحمد صحيح البخاري جميعه في ثلاثة مجالس. ومن المهم المداومة على طلب العلم، فالقليل مع المداومة خير من الكثير مع الانقطاع. قال عكرمة: طلبت العلم أربعين سنة. وقال أبو العباس النحوي: ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس لغة من خمسين سنة. فاطرح عنك الكسل، واحرص على دراسة العلم وإحسان العمل، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].
نعود إليكم ونواصل معكم الحديث عن أحكام حمل الجنازة واتباعها ودفنها. ذكرنا أن حامل الجنازة ينبغي له أن يستشعر أن المحمول على كتفيه شخص قد أقبل على الله والدار الآخرة، يستشعر قصر هذه الدنيا وهوانها، يستشعر أن ما يقبل عليه الإنسان، وهو الآخرة، هو أعظم أجراً وأطول زمناً، وأنه لا مقارنة بين الدنيا والآخرة. إذا استشعر هذه المعاني لا شك أنه سوف يحمل هذه الجنازة وهو متذكر للآخرة، متذكر لحقيقة الدنيا وهوانها.
هنا عدد من التنبيهات التي نود التنبيه إليها، وهو أنه ربما أثناء حمل الجنازة صاح بعض الناس بقراءة سورة الفاتحة لميت أو قراءة سورة الإخلاص أو غير ذلك؛ هذا كله مما لم يؤثر عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته الكرام رضي الله تعالى عنهم أجمعين. كذلك مما ينبغي التنبيه إليه وهو أن حاملي الجنازة حين يدخلون إلى المقبرة ينبغي لهم التنبه، ألا يمشوا على القبور. وإذا أرادوا الدخول إلى المحل الذي يدفن فيه الميت، فإنه ينبغي لهم أن يسلكوا ممشى، ولو كان هذا الممشى ضيقاً، ممشى بين القبور بحيث لا يطأ هذه القبور؛ فقد جاء النهي عن وطئ القبور أو الجلوس عليها، وهذا فيه تكريم للميت، وقد ذكرنا من قبل أن حرمة الميت كحرمته حياً.
ثم بعد ذلك يبدؤون في دفن الجنازة. دفن الجنازة حقيقة له عدد من الآداب والأحكام؛ أول شيء نريد أن نذكره في دفن الجنازة وهو أنها تدفن في قبر معمق في الأرض يلحد لحداً. وسوف نذكر صفة هذا القبر؛ القبر هو حفرة في الأرض يوضع فيها الميت، وهو على نوعين: إما أن يكون شقاً، أي حفرة مجردة، وإما أن يكون لحداً، وهي حفرة تكون في باطن هذه الحفرة من أحد جانبيها. اللحد هو بعد أن يحفر القبر على شكل الشق في الأرض، يحفر في الجهة اليمنى منه أو اليسرى منه بحيث يوضع الميت في هذا الجانب ولا يوضع في الحفرة الأساسية، وإنما يوضع في هذه الحفرة الجانبية التي يسميها الناس اللحد. اللحد الأفضل أن يكون مما يلي القبلة، فلو فرضنا مثلاً أن القبلة سوف تكون بهذا الاتجاه، فإن حفرة القبر سوف تكون معترضة، حفرة القبر الأولى الأساسية الشق سوف يكون معترضاً. يشرع أن يكون اللحد مما يلي القبلة.
من التنبيهات المتعلقة بهذا الأمر أن يعمق القبر، وهذا في الحقيقة له عدد من الفوائد، منها أن هذا القبر لا ينبش مثلاً من الحيوانات أو لا ينبش لاحقاً. كذلك تعميق القبر فيه إبعاد ربما لنتن يخرج من هذا الجسد أو غيره، بخلاف ما لو كان ظاهراً على سطح الأرض. كلما استطاع المسلمون أن يجعلوا قبرهم على هيئة اللحد فهذا لا شك أنه أفضل وأوفق لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، إن لم يستطيعوا فإنه يجعل شقاً. مثال لعدم الاستطاعة مثلاً أن تكون طبيعة الأرض رملية، الطبيعة الرملية لا يمكن أن يأتي فيها اللحد إلا بصعوبة، إذا كان هناك لبن معين وبطريقة معينة يتم فيها لأن الرمل إذا حفرت هذه الحفرة الجانبية داخل الحفرة فإنه سرعان ما ينهال حتى يدفن هذه الحفرة التي حفرتها، فلذلك ربما في المناطق الرملية يكون الممكن هو الشق، لكن ننبه إلى قضية تعميق هذه الحفرة التي يوضع فيها الميت.
كذلك من التنبيهات المتعلقة بدفن الميت أن القبر ينبغي أن يكون موجهاً إلى القبلة، فإن القبلة يتوجه إليها المسلم حياً وميتاً. وقد جاء في القرآن الكريم: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس: 87]، وقد جاء في تفسيرها عدد من الأقوال، منها: أي صلوا في بيوتكم، ومما يوافق هذا التفسير قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة». وكذلك مما جاء في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾، أي اجعلوا قبوركم متجهة إلى القبلة، فإن القبور هي بيوت الآخرة. وقد جاء في القرآن الكريم تسمية القبور بيوتاً كما قد ذكرناه في قصة ثمود قوم صالح: ﴿تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ [الشعراء: 149]؛ البيوت المرادة هنا القبور. فقيل كذلك في تفسير قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾، أي اجعلوا قبوركم متجهة إلى القبلة. إذاً، المسلمون على مر الأزمان والعصور تكون قبورهم متجهة إلى القبلة، وهي سنة عملية من زمن النبي صلى الله عليه وسلم، القبور الموجودة القديمة مثلاً قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه، قبور الصحابة في البقيع، قبور الناس، سنة عملية يمكن أن ترقى إلى مستوى الإجماع العملي لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن قبورهم متجهة إلى القبلة.
كيف يوضع الميت في القبر؟ يوضع الميت في القبر في هذا اللحد إن كان ثمة لحد، أو في الشق إن كان ثمة شق، بحيث يكون كهيئة النائم المضطجع على شقه الأيمن الموجه وجهه تجاه القبلة. فلنفترض مثلاً أن القبلة في هذا الاتجاه أمامي، إذاً الميت سوف يكون رأسه هنا، ويكون وجهه متجهاً إلى هذه الجهة الأمامية أمامي، يكون مضطجعاً بهذا الشكل، وجهه إلى القبلة كهيئة النائم الذي يضطجع على شقه الأيمن ويوجه وجهه إلى القبلة. طيب، فإن جعل الميت مضطجعاً على شقه الأيسر؟ نقول كذلك لا بأس، وإن كان هو خلاف السنة وخلاف الأولى أنه يكون مضطجعاً على الشق الأيسر، لكن أهم شيء، وهو واجب، أن يكون وجهه متجهاً تجاه القبلة. إذاً هذا الأمر الواجب، أن يكون متجهاً إلى القبلة، وكونه على الشق الأيمن هذا أمر مستحب. كذلك من الأمور التي يفعلها بعض الناس وهي من الأمور الجائزة، فعلت أو لم تفعل إن شاء الله تعالى الأمر فيها واسع، أنه ربما وسد لرأس الميت وسادة من لبن مثلاً أو حجر أو شيء من هذا بحيث إنه يرفع رأسه ليكون مستوياً مع ظهره وجسده، لو ترك الميت بدون وسادة فالأمر فيها واسع، لو أنه وسد بوسادة لرأسه جعلت تحت رأسه لبناً مثلاً أو حجراً ليرفع رأسه فالأمر إن شاء الله تعالى واسع.
إذاً هذه صفة إدخال الميت. من الذي يدخل هذا الميت؟ الأولى حقيقة أن يدخله وصيه، إن كان أوصى أن يدفنه فلان فهذا الأولى أنه هو الذي ينزل فيدخل، فإن لم يوصِ أن يدفنه فلان مثلاً معين، فإنه الغالب المعتاد لدى الناس أنه ينزل الأقربون مثلاً أبناء الميت أو إخوانه مثلاً أو الأقربون منه هم الذين يتولون دفنه، فإن لم يكن فأي شخص من عامة المسلمين، لو أن إنساناً مثلاً مات في بلد بعيد عن أقاربه، فإن أي شخص من عامة المسلمين ينزل فيدفن هذا الميت. إذا دفن الميت وأدخل في هذا اللحد الذي يوضع له، فإنه يوضع شيء من اللبن، ثم بعد ذلك يهال عليه التراب حتى يدفن تماماً.
من الأشياء المسنونة والمستحبة أن يرفع القبر شيئاً يسيراً، قدره بعضهم بالشبر مثلاً أو أقل من الشبر، لماذا؟ حتى يتميز القبر عن غيره من الأرض؛ لأن القبر لا يجوز أن يجلس عليه ولا أن يمشى عليه، فلذلك لابد أن يتميز، إلا أن هذا الرفع يحرم أن يكون رفعاً يسمى بناء، لا يجوز أن يبنى على القبر بناء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن تجصيص القبور والبناء عليها. إذاً لاحظوا، وهنا حقيقة تنبيه مهم وهو أن القبور دائماً بحكم أنها متعلقة بالدار الآخرة، والنفوس فيها نوع من السكينة والخشوع، الأمر الثاني فيها نوع من المحبة وحب النفع للميت، وربما كان فيها نوع من التقديس والتعظيم لهذا الميت، فإذا اقترن هذا كله بالجهل نشأت كثير من البدع فيما يتعلق بالدفن والقبور وما يتعلق بها؛ لماذا؟ لأن النفوس تكون خاشعة ذليلة لأن هذه مرحلة ومنزلة من منازل الآخرة، فإذا اقترن هذا مع تقديس لهذا الميت لكونه رجلاً صالحاً مثلاً أو حباً لهذا الميت، اقترن هذا مع جهل فإن هذا ينشئ أنواعاً من البدع، لذلك ينبغي التنبيه إلى أنه ربما كان تقديس هذا الميت يؤدي إلى البناء عليه، فتنشأ عندنا أضرحة، وهذا لا شك أنه مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قال علي رضي الله تعالى عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه: «ألا يدع قبراً مشرفاً إلا سواه»، وأحسنا صنع علي رضي الله تعالى عنه في إنفاذه لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا يدع قبراً مشرفاً إلا سواه». إذاً هذا تنبيه حقيقة وهو أن كثيراً من البدع والشركيات أنشئت من الأموات والقبور وما يتعلق بها، لماذا؟ لما يحيط بها من التقديس والتعظيم المقترن بالجهل للأسف في كثير من الأحوال.
وذكرنا أن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلوس على القبر أو وطئه لا شك أن فيه تكريماً، لاحظوا إذاً هذه سنة شرعية متوسطة بين تعظيم الميت وتقديسه المؤدي للشرك والعياذ بالله، أو إهانته والجلوس على قبره، لا، هذه السنة النبوية هي سنة معتدلة متوسطة بين طرفي الأمور الذميمة.
بعد دفن الميت يشرع لمن دفنه أن يستغفر له، وقد جاء في الحديث أنه يسأل في قبره فيسأل له الثبات، ويستغفر له في هذه اللحظات. وهنا في الحقيقة تنبيه مهم وهو أن بعض الناس ربما إذا رأى شخصاً يسأل أو يدعو للميت في قبره ظن أن هذا الموطن من مواطن الدعاء التي يستحب فيها الدعاء ويستجاب فيها الدعاء؛ كلا هذا الموطن ليس كذلك، وإنما الإنسان يستغفر للميت ويسأل له الثبات، وليس هذا الموطن موطناً يدعو بحاجاته أو ما يرغبه هو أو يدعو مثلاً بما يريده في الدار الآخرة من الجنة والنعيم أو ما يريد هو من رزق أو وظيفة أو عمل؛ لا، هذه مقامه حقيقة أن يدعو الإنسان ليس عند القبر، وإنما يدعو في أي مكان آخر، في الأماكن التي يشرع فيها الدعاء، في الأوقات التي يشرع فيها الدعاء.
وينبغي الحذر الحذر أشد الحذر من الغلو في القبور وقصد التعبد لله سبحانه وتعالى عند هذه القبور؛ كلا، قد جاء في الشرع بعض العبادات التي تكون عند القبور ولكن هذه أحوال استثنائية، مثلاً مثل الصلاة على القبر لمن فاتته صلاة الجنازة يقوم على قبره فيصلي عليه صلاة الميت، أو أن يدعو للميت بعد دفنه استغفاراً له لأنه الآن يسأل، يدعو له بالاستغفار والتثبيت، لكن ليست القبور أو المقابر محلاً للتعبد لله سبحانه وتعالى، لماذا؟ لأنها باب من أبواب الشرك، وقد حصل هذا حقيقة في عدد من القرون والعصور أن الغلو في هذه القبور والتعبد لله سبحانه وتعالى عند هذه القبور يكون سبباً للإشراك بالله سبحانه وتعالى وصرف هذه العبادة.
العبادات إلى هذه القبور في وقت لاحق، فيتحول من دعاء لله عند القبر إلى أن يدعو هذا القبر، والعياذ بالله. هذا موجز أحبابنا نتحدث فيه عن أحكام حمل الميت واتباع جنازته ودفنه.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا برحمته الواسعة، وأن يغفر لنا ذنوبنا، وأن يتقبل منا أعمالنا الصالحة. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يا راغبا في كل علم نافع، متطلعا لزيادة الإيمان، وتريد نهلا نوالا ميسرا، يأتيك ميسورا بأي مكان. زاد زاد أكاديمية، ينبوعها صاف صافي، ليروي غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملا بالشرع دون تعصب لفلان. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي