تسجيل الدخول

المحاضرة 22 - أحكام التعزية

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، ربنا هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثاني والعشرون من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثاني في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك فيما نقول وما نسمع، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يجعل هذا العلم حجة لنا لا حجة علينا؛ حجة لنا ونحن نقوله ونسمعه، لا حجة علينا يا رب العالمين.

إخواني وأخواتي، كنا قد تحدثنا في سلسلة من الموضوعات المتعلقة بالجنائز: تحدثنا عن تغسيل الميت وتكفينه، ثم تحدثنا عن الصلاة عليه، ثم تكلمنا عن حمل الجنازة واتباعها حتى تدفن، ثم تحدثنا عن دفنها. نريد اليوم أن نتحدث إن شاء الله تعالى عن أحكام التعزية وما يتعلق بها، وأحكام الصبر على هذه المصيبة التي تنزل بهذه الأسرة أو بهذه العائلة أو بالمسلمين، وهي مصيبة الموت التي تنزل بأحدهم، كما قال الله سبحانه وتعالى؛ سماها في القرآن الكريم مصيبة الموت. لا شك أن هذه مصيبة عظيمة تقطع أمل الإنسان وحياته، تقطع عمله، وهذا مدعاة للعظة والاعتبار.

قبل أن نتحدث عما يتعلق بالتعزية وأحكامها، نريد في واقع الأمر أن ننبه إلى شيء مما يتعلق بالغلو في القبور، وهو في الحقيقة موضوع مهم جدا؛ لماذا؟ لأن الشرك ينشأ في واقع الأمر بسبب عدد من الذرائع والأسباب، ومن هذه الذرائع والأسباب تعظيم الأموات. وقد جاء في القرآن الكريم بيان لعدد من الأصنام التي كان يعبدها قوم نوح الذين أرسل إليهم نوح عليه السلام. جاء في سورة نوح عليه السلام: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23].

وهذه الخمسة هي أسماء لأصنام كان يعبدها قوم نوح. كيف نشأت عبادة هذه الأصنام؟ يروي لنا ابن عباس رضي الله تعالى عنه موقوفا عليه يقول: إن هذه كانت أسماء رجال صالحين قبل أن يبعث نوح عليه السلام، فلما مات هؤلاء العباد الصالحون الذين كانوا يعبدون الله سبحانه وتعالى، مثلوا لهم تماثيل وصورا ليستعينوا برؤيتها على تذكرهم وتذكر عبادتهم؛ فيتقوون بهذا التذكر على عبادة الله سبحانه وتعالى. ولا شك أن الإنسان إذا تذكر عبادة الصالحين، تذكر مثل عبادة السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم؛ تأتي في ذهنه قيامهم لليل وصيامهم للنهار، فيتقوى في العبادة. فهم أرادوا أن يتذكروا هؤلاء الأموات، طبعا ما كان ربما عندهم نوع من كتابة سيرهم ولا كان عندهم الصور الفوتوغرافية وغيرها، لا، مثلوا لهم تماثيل حتى يتذكروهم دائما، هذا جيل.

ولكن نشأ بعد هذا الجيل جيل آخر عبد الله سبحانه وتعالى عند هذه التماثيل، ثم نشأ بعد هذا الجيل جيل آخر عبد هذه التماثيل وصار يدعوها من دون الله. إذا لاحظوا كيف التدرج؟ وهذا يسميه ذرائع الشرك. إذا ذرائع الشرك حقيقة في واقع الأمر تكون قوية في حال الأموات الصالحين عند القبور لما يقترن بالقبور وحال الوفاة من الخشوع والسكينة، ولما في النفس من تعظيم الصالحين. فإذا اقترن هذان الأمران مع جهل أمر ثالث كذلك، وهذا الجهل لا يعرف الإنسان به كيف يتعبد لله سبحانه وتعالى، فإنه تنشأ عنده كثير من البدع والخرافات. لماذا؟ لأن نفسه مندفعة للعبادة، فيها نوع من الخشية والسكون وهذا ربما أنه صالح مدفون في الأرض، فإذا كان ثمة داع للنفس يدعوها للتعبد لله سبحانه وتعالى ولم يكن عندها من العلم ما يدلها على طريق العبودية لله، نشأت البدع والخرافات.

فصار يدعو مثلا الله عند القبر، أو يدعو هذا القبر مثلا، أو ربما يقرأ الفاتحة أو سور القرآن أو يستأجر من يقرأها عند هذا القبر مثلا، أو غير ذلك من الأشياء التي لم ترد عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، أو عن صحابته الكرام رضي الله تعالى عنهم أجمعين. إذا هذا في الحقيقة يدعونا إلى عدد من الأمور، وهو أنه ينبغي لنا أن نضبط تصرفنا مع هذه القبور ومع الأموات بضابط الشريعة، وأن نراعي في ضوابط الشريعة أن نسد ذرائع الشرك بهؤلاء الأموات. وكان الشرك الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، شرك قوم نوح عليه السلام، هو أول شرك حدث في الأرض؛ كما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن آدم عليه السلام عاشت بعده عشرة قرون كلهم على التوحيد، كان الناس أمة واحدة، فبعث الله النبيين منذرين؛ كانوا أمة واحدة على التوحيد، ثم بعد ذلك حصل هذا الشرك، ثم أرسل الله سبحانه وتعالى أول رسله نوح عليه السلام ليرد الناس إلى العبودية لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له.

تأملوا معي في هذه القضية، كيف كان الناس كلهم أمة واحدة على التوحيد؟ ثم بعث نوح عليه السلام في قوم كانوا على الشرك، ما آمن معه إلا قليل كما جاء في القرآن الكريم: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: 40]. وقال: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: 41]. إذا لاحظوا كيف حصل هذا الانقلاب في البشرية من التوحيد لله سبحانه وتعالى إلى أن صار التوحيد غريبا، وصار الشرك هو العام في القوم الذين بعث فيهم نوح عليه السلام. الأمر الثاني: تأملوا في تمكن هذا الشرك من قلوبهم ونوح عليه السلام حاول في دعوتهم ألف سنة إلا خمسين عاما كما جاء في القرآن الكريم. دعاهم سرا وجهرا، إعلانا وإخفاء، كله يدعو قومه عليه صلوات الله وسلامه على نبينا أتم صلاة وأتم سلام. إذا حاول مع قومه عليه السلام، قال: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح: 5-9]. حاول معهم عليه السلام بشتى الطرق ليردهم عن الشرك.

تمكن الشرك من قلوبهم، لا شك أن هذا تمكن خطير. واستحضروا كذلك أن الأمة التي كانت قبلهم كانت أمة تعبد الله سبحانه وتعالى، لاحظوا عشرة قرون كلها على التوحيد، إذا هذا في الحقيقة يدلنا على خطورة الشرك وعلى تمكن الشرك من قلوب هؤلاء القوم. الأمر الثالث الذي نريد أن ننبه له في قصة قوم نوح، ما هو منشأ الشرك في قصة قوم نوح؟ هو تعظيم الصالحين بعد وفاتهم. إذا هذا في الحقيقة يدعونا إلى الحرص على سد ذرائع الشرك. تأملوا كذلك في ما ذكره الله سبحانه وتعالى لنا في القرآن الكريم من غلو أهل الكتاب النصارى في عيسى ابن مريم عليه السلام، كيف أن الله سبحانه وتعالى لما رفعه إليه غلوا فيه غلوا عظيما، حتى عبدوه من دون الله، حتى جعلوه إلها مع الله، حتى جعلوه ابن الله، حتى جعلوه ثالث ثلاثة، كل هذا صور من صور الغلو والعياذ بالله، الغلو المقيت الذي جعله كفارا بعد أن كانوا مؤمنين بعيسى عليه السلام متبعين لشرعه. إذا لاحظوا كيف ارتدوا عن دينهم وتمكن الشرك والكفر من قلوبهم بسبب الغلو في نبي الله عيسى ابن مريم.

لذلك فإن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قد حذر أمته أيما تحذير من وسائل الشرك وذرائعه الظاهرة والخفية، وتحذير النبي صلى الله عليه وسلم في عدد من الأحكام الشرعية العملية التي مرت معنا في الفقه، وتمر معنا الآن، وستمر معنا لاحقا، من وسائل الشرك وذرائعه شيء عجيب حقيقة، لعلنا نقف معه وقفة بسيطة، ولكن بعد هذا الفاصل القصير.

(فاصل)

نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونود الحديث بإيجاز بسيط كيف سُدّت ذرائع الشرك. وسوف نتكلم نحن بحكم درسنا في الفقه عن بعض الأحكام الشرعية الفقهية التي ربما أنا ذكرناها في دروس سابقة أو في هذا الدرس، أو ربما يأتينا في دروس لاحقة، كيف أنها جاءت لسد ذرائع الشرك، حتى ولو كانت هذه الذرائع خفية أو بعيدة. ولكن بما أن الشرك هو أعظم ما يهرب منه الإنسان، وهو أعظم محظور وكبيرة توجب الخلود في النار، لذلك فإن سد الذرائع إليه تم بشكل محكم في شريعة الإسلام، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن عدد من الأمور.

فمن ذلك مثلا فيما يتعلق بالقبور، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يُجصص القبر وأن يُبنى عليه. إذا تمييز القبور والبناء عليها فيه نوع من التعظيم لها. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، أي الصلاة عند القبور أو الصلاة على القبور عندها وإليها أن تتخذ مساجد، يعني لا تقترن القبور بأن تكون محلا للعبادة، ولا أن يبنى عليها، ولا أن يجعل عندها السرج التي تنيرها وتعظمها، لا، كل هذا من المنهيات النبوية الكريمة فيما يتعلق بالقبور.

كذلك مر معنا في مواقيت الصلاة أوقات النهي؛ من أوقات النهي أن يصلي الإنسان عند طلوع الشمس أو قبل غروبها. أما بعد طلوع الشمس أو قبل غروبها فهذا من أوقات النهي الشديدة المغلظة كما ذكرنا، وقد ذكرنا أن من حكمته كما قد جاء في بعض الأحاديث أنه حين يسجد لها؛ أن هذا الوقت حين يسجد لها عبادها. الشاهد أيها الإخوة، لاحظوا كيف سد هذه الذريعة للشرك بالشمس والعياذ بالله سبحانه وتعالى.

كذلك لما استأذن النبي صلى الله عليه وسلم من شخص نذر أن ينحر إبلا ببوانة، سأله النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هل كان فيها عيد من أعياد الجاهلية؟ أو كان فيها وثن من أوثان الجاهلية؟» لماذا؟ لأنه ينبغي للمسلم ألا يتعبد لله سبحانه وتعالى في الأوقات وفي الأماكن التي يتعبد فيها لغير الله سبحانه وتعالى، سدا لذرائع الشرك. إذا هذه كلها نواهٍ نبوية وأوامر نبوية، كلها تحرص على ماذا؟ تحرص على سد كل ذريعة توصل إلى الشرك، وإن كانت هذه الذريعة بعيدة.

كذلك النهي عن التصاوير، النهي عن التصاوير له عدد من الحكم الشرعية، النهي عن التصوير والتماثيل لها عدد من الحكم الشرعية، فمن الحكم الشرعية أنها قد تؤدي إلى الشرك بهذه التماثيل، وهذا النهي متحقق في التماثيل المعظمة، مثلا مثل التمثال أو الصورة العظيمة التي تعظم مثلا لبعض الرؤساء أو الملوك أو غيرهم، أنه يجعل له تمثال عظيم. لا شك أن هذا التمثال الكبير مدعاة لتعظيمه، لذلك هذا داخل في النهي دخولا أوليا أصليا. وثمة حكم أخرى للنهي عن التصاوير والتماثيل، منها مضاهاة خلق الله سبحانه وتعالى كما قد جاء في بعض الأحاديث: «المصورون الذين يضاهون بخلق الله سبحانه وتعالى». هذه بعض الحكم الأخرى، لكن من الحكم الأساسية في تحريم التصوير سد ذرائع الشرك.

لذلك قد جاء النهي كذلك عن اتخاذ القبور مساجد، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ قبره عيدا صلوات الله وسلامه عليه، بمعنى أن يكون عيدا مكانيا يقصد. لذلك قرر أهل العلم أن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إنما تكون تابعة لمسجده صلوات الله وسلامه عليه؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنه لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، وذكر منها مسجده صلوات الله وسلامه عليه. لاحظوا تفريق الشريعة بين المساجد والقبور؛ المساجد يعبد الله سبحانه وتعالى فيها، أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار. بخلاف القبور التي نهي عن التعبد لله سبحانه وتعالى فيها.

لماذا؟ لأن التعبد لله سبحانه وتعالى عند القبور والمشاهد أو غيرها، هذه مدعاة لأن يعبد الإنسان بعد ذلك، أو جيل آخر أو الجهلة بعد ذلك يعبدون هذه القبور ويدعونها، وهذا في الحقيقة ما يقول الإنسان هذا توقع، لا، وإنما هذا واقع موجود؛ موجود من يدعو هذه القبور، ومن يسأل السيد البدوي، ومن يسأل السيد الجيلاني، ومن يسأل هذا موجود اليوم. أناس يطلبون من هؤلاء الأموات أن مثلا يكشف عنهم ضرا أو نجلب لهم نفعا، وغير ذلك من المسائل التي يسألها هؤلاء الأموات. لا شك أن هذا نوع من الشرك. فكيف وصل هذا الشرك؟ وصل هذا الشرك بتدرج؛ الإنسان لا ينتقل من التوحيد إلى الشرك دفعة واحدة، لا، وإنما ثمة ذرائع توصل إلى هذا الأمر وتوصل إلى هذه الحالة.

حتى يتمكن الشرك من قلب الإنسان، فتأتي حجج الله سبحانه وتعالى عليه البينة الظاهرة، فلا يقبلها؛ لماذا؟ لتمكن الشرك من القلب والعياذ بالله، كما تمكن من قلوب قوم نوح عليه السلام، لما أخبر الله سبحانه وتعالى أنه ما آمن معه إلا قليل، صلوات الله وسلامه عليه وعلى نبينا أتم صلاة وسلام. إذاً أيها الإخوة والأخوات، ينبغي لطالب العلم الشرعي أن يتنبه إلى هذه الثرائب.

وهنا في الحقيقة ننبه، بما أننا نتحدث في هذا المقام عن مقام سد ذرائع الشرك، أن ننبه إلى أصل سد الذرائع. وبما أننا في درس الفقه، ولعله إن شاء الله تعالى يأتيكم في درس أصول الفقه لاحقاً إن شاء الله تعالى ما يتعلق بدليل سد الذرائع، وسد الذرائع من الأدلة المعروفة في الكتاب والسنة. لكن مما أود أن أضيفه فيما يتعلق بسد الذرائع، وهو أنه كلما كان المحرم أعظم وأكبر وأشد، كانت الذرائع التي تسدها الشريعة للوصول إليه أبلغ وأكثر. فلا شك أن الشرك سدت من الذرائع المفضية إليه ما لم يفعل مثله مثلاً في تحريم الزنا؛ تحريم الزنا سدت إليه عدد من الذرائع، الربا مثلاً، القتل، هناك عدد من الذرائع التي توغر الصدور منعت وهي موصلة للقتل مثلاً. لكن أعظم شيء سدت إليه الذرائع الشرك، سدت الذرائع القريبة والبعيدة، الأكيدة والممكنة؛ لماذا؟ لأنه لا شك أن الشرك هو الموجب للخلود في النار، بخلاف هذه المحرمات الأخرى أو الكبائر الأخرى، فهي لا توجب الخلود، وإنما إذا دخلها الإنسان فإنه يخرج من النار بشفاعة الشافعين أو بفضل أرحم الراحمين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا وإياكم برحمته الواسعة.

نعود إليكم ونتابع الحديث عن أحكام الجنائز، ونريد أن نتحدث عن أحكام التعزية وزيارة القبور. التعزية هي نوع من التقوية والتصبير لأهل الميت وأقاربه وأصدقائه، نوع من تصبيرهم على هذه المصيبة التي نزلت بهم بعد أن مات قريبهم أو صديقهم. لا شك أن من حق المسلم على المسلم أن يقف معه في مثل هذه الظروف والأحوال التي تنزل به، وهذا نوع من تكاتف المسلمين وتعاونهم وتعاضدهم، فإن المسلمين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. فإذا نزل ببيت من بيوت المسلمين هذا المصاب وهذه المصيبة فإنه يقع عليهم الهم والحزن، فيأتي إليهم إخوانهم ليصبروهم ويواسوهم.

وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذه التعزية، ومما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لابنته حين مات طفلها أنه قال صلى الله عليه وسلم: «إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب». هذه الكلمة حقيقة إذا تأملناها لا شك أن فيها أبلغ التعزية للميت؛ (إن لله ما أخذ). ينبغي لنا تذكير أهل الميت بأن هذا الميت لله سبحانه وتعالى، كلنا لله ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]، كلنا ملك لله سبحانه وتعالى، وأن هذا الميت لله سبحانه وتعالى. لذلك ربما قال بعض الناس إن هذا الميت وديعة وقد أخذ الله وديعته، هذا لا شك أن فيه نوعاً من التصبير، كأنه يقول لأهل الميت إن هذا ليس ملكاً لكم وإنما هو ملك لله سبحانه وتعالى، وكون المالك يأخذ ملكه لا تثريب عليه ولا لوم، ولا ينبغي أن يكون هذا الحزن والأسى. نوع من التصبير، لذلك ربما عبر عن هذا المعنى بألفاظ عديدة كلها إن شاء الله تعالى طيبة، كلها تؤدي المقصود؛ المقصود هو تصبير أهل الميت وبيان أن الله سبحانه وتعالى هو مالك الأمر، حتى لا يتسخطوا على الله سبحانه وتعالى ولا يجزعوا.

سوف يأتينا إن شاء الله تعالى أن الحزن مقبول ولا بأس به، ولكن الممنوع هو التسخط والنياحة والتشكي والجزع. إذاً هناك حد مقبول من الحزن، وإن دمعت العين كذلك هذا مقبول لا بأس به، ﴿إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ﴾، هذا أمر في ضمن الحد الشرعي المقبول. لكن إذا تجاوز هذا الحزن إلى درجة الجزع والتسخط أو لطم الخدود كما يفعل بعض النساء يلطمن الخدود، أو شق الجيوب، الجيب هو هذه المنطقة التي من الثوب عند النحر، ربما شقت المرأة ثيابها، أخذت جيبها وشقت جيبها؛ نوع من أنواع الجزع والتسخط، هذا لا شك الإنسان يدخل هنا في دعوى الجاهلية المحرمة التي حرمها النبي صلى الله عليه وسلم.

إذاً هذا التصبير ربما عبر الناس عنه بألفاظ كثيرة وكلها إن شاء الله تعالى طيبة وحسنة، الإنسان يقول إن هذا الميت كان وديعة من الله سبحانه وتعالى، أو أن هذا الميت لله سبحانه وتعالى، أو أن الله سبحانه وتعالى يأخذ ما يشاء ويدع ما يشاء، أو أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يقبض وأن ينهي روحه وأن هذا الأمر مقدر من الله سبحانه وتعالى. كون الإنسان يصبر الميت بهذه الأمور كلها، هذا كله من الشيء إن شاء الله تعالى الحسن. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لابنته: «إن لله ما أخذ، وله ما أعطى»، بمعنى آخر أن حتى ما يعطي الله سبحانه وتعالى للناس ترى هذا لله سبحانه وتعالى، ما بأيدي الناس هو لله سبحانه وتعالى، فهذا تذكير لهم بملك الله سبحانه وتعالى على كل شيء، وكل شيء عنده بأجل.

كون الإنسان يذكر أهل الميت المصابين بأن هذا قدر ومكتوب، لأنه ربما تحسروا، كيف يتحسرون؟ يعني ربما قالوا مثلاً: لو أنه ما خرج بالسيارة في ذلك اليوم ما أصابه هذا الأمر، لو أنه مثلاً ما خرج لهذا المكان ما أصابه هذا، لو أنه أخذ الدواء الفلاني لما حصل هذا الموت، وهكذا ربما تحسروا. ينبغي له أن يبين في العزاء أن كل شيء بأجل مسمى، وأن عمر الإنسان قد كتب وهو في بطن أمه، كما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال لما ذكر مراحل تخلق الجنين، ثم قال بعد ذلك: «ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد». لذلك الإنسان يسعى إلى أجل مكتوب، ربما يقرأ لهم بعض الآيات التي تدل على هذا المعنى: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: 49]. لأن الإنسان لا يستقدم ولا يستأخر عن أجله لحظة واحدة، فلذلك هذه آجال مقدرة ومكتوبة، ينبغي له أن يذكرهم بهذه الأمور حتى ماذا؟ حتى يحصل عندهم الرضا والصبر، ويزول عنهم الجزع والتسخط.

فإذا علم المسلم أن هذا الأمر مقدر ومكتوب، وأن كل شيء لله سبحانه وتعالى، وأن الله سبحانه وتعالى يعطي ما يشاء ويأخذ ما يشاء سبحانه وتعالى، كون أن الله سبحانه وتعالى أعطى ليس معنى هذا أن هذه العطية ملك مطلق لنا عن ملك الله لا، وإنما هي تحت ملك الله. كون الله سبحانه وتعالى بعد ذلك يأخذها، هذا لا شك أنه كذلك ملك لله سبحانه وتعالى. إذاً الإنسان يتذكر هذه المعاني ويذكر بها أهل الميت؛ فإنه تسلو نفوسهم عند هذه المصيبة. وهذا في الحقيقة أمر مهم؛ لماذا؟ لأن الإنسان إذا نزلت به مصيبة معينة ربما يغيب ذهنه، ربما تذهب عنه هذه المعاني، يعني ربما هذه المعاني أعرفها، وهذا ربما الشخص هذا من أهل الميت ربما أنه هو قالها قبل أسبوع أو أسبوعين لأشخاص آخرين، ذكرهم في العزاء وغير ذلك، وأن لله ما أخذ وله ما أعطى، لكن هو لما نزلت به المصيبة يذهل عنها، لأن المصيبة لها وقع في النفس. فلذلك نعم نحن لا نعلم معلومة جديدة عليه، لا هذه معلومات معروفة، لكن نحن نذكره بها، لأن المصيبة إذا نزلت لها ذهول. يحتاج المسلمون أن يتكاتفوا مع أهل هذا الميت، إخوانهم فيذكروهم بالله سبحانه وتعالى، يذكروهم بقدر الله سبحانه وتعالى والرضا بقدرهم.

مما ينبغي التنبيه له حقيقة فيما يتعلق بأحكام التعزية وأحكام التصبير وما يتعلق بها، أنه لا ينبغي للمرأة أن تحد على ميت فوق ثلاث، الحداد هو نوع من ترك الزينة وإظهار الحزن، لا مانع منه لكن لا تحد فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً كما جاء في القرآن الكريم. إذاً الزوج هو الذي تحد عليه أربعة أشهر وعشراً، وهي فترة عدة المرأة بعد وفاة زوجها، ولكن كم تحد المرأة على وفاة مثلاً ابنها أو والدها؟ إنما يباح لها فقط ثلاثة أيام.

كذلك مما ينبغي التنبيه له وهو تحريم النياحة، النياحة نوع من البكاء مع نوح وصياح. إذاً دمع العين، البكاء البسيط دمع العين مع كتم للحزن هذا جائز، لكن إذا اقترن به صياح وولولة ورفع للصوت فهذا محرم. هذه النياحة، النياحة هي بكاء اقترن به نوح، مأخوذ من نوح الحمام؛ النياحة هذا أمر محرم. كذلك الندب، أن الإنسان يرفع صوته بهذه المصيبة، يرفع صوته ببيان ثبوره ومصيبته وتسخطه، وربما رفع صوته بذكر الميت "وفلاناه"، أو أنه يقول "واثبوراه"، أو أي من هذا، هذه واو يسمونها واو الندب، نوع من أنواع الندب والنداء، هذا والعياذ بالله كذلك من الأمور المحرمة.

كذلك من الأمور المحرمة الجزع والتسخط بلطم الخدود وشق الجيوب، إظهار هذا الجزع. إذاً الإنسان كونه يحزن، الحزن مباح، والنبي صلى الله عليه وسلم لما مات ابنه إبراهيم دمعت عينه صلى الله عليه وسلم وقال: «إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا». لاحظوا كيف النبي صلى الله عليه وسلم لا شك أنه حزن على وفاة ابنه، ولكن قال: «لا نقول إلا ما يرضي ربنا». كيف الإنسان يصبر على هذه المصيبة؟ ولا شك الإنسان كونه يصبر ويرضى عن الله سبحانه وتعالى لا شك أن أجره عظيم عند الله سبحانه وتعالى. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 156-157]. يكفي الصابر على مصيبة هذا الفضل العظيم الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة.

كذلك مما يشرع بعد دفن الميت عموماً زيارة القبور. زيارة القبور لها نوع شرعي ولها نوع بدعي محرم، اثنان قد يزوران القبور أحدهما مأجور والآخر مأزور والعياذ بالله. كيف تكون الزيارة الشرعية؟ الزيارة الشرعية هي التي يقصد منها تذكر الآخرة، «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة»، يقصد منها السلام مثلاً على الأموات كما جاء: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون»، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

الزيارة المحرمة هي التي يقصد منها التبرك بالأموات، حصول النفع من الأموات، أو التي يقصد منها التعبد لله عند هؤلاء الأموات، يظن أنهم وسائط تقربه إلى الله سبحانه وتعالى. وهناك الزيارة الشركية والعياذ بالله، وهي أن يذهب إلى القبر بقصد عبادته والعياذ بالله، هذه زيارة شركية. لكن لاحظوا كل هؤلاء يزورون القبور، لكن هناك زيارة شرعية، وهناك زيارة بدعية، وهناك زيارة محرمة، وهناك زيارة شركية والعياذ بالله. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجيرنا وإياكم من المحرمات والبدع والشرك.

كذلك مما أنبه إليه ألا وهو نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن زيارة النساء للقبور، بل إنه قد جاء فيه وعيد شديد من النبي صلى الله عليه وسلم لعن فاعله صلوات الله وسلامه عليه. أسأل الله سبحانه وتعالى في ختام هذا الدرس أن يجعلنا وإياكم موفقين ومباركين حيثما كنا، وأن يهدينا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا هو سبحانه وتعالى، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.