تسجيل الدخول

المحاضرة 23 - مقدمة كتاب الزكاة

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، ونعوذ بك من علم لا ينفع. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثالث والعشرون من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثاني في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، وأن يبارك في معلميها وطلابها ومستمعيها، وأن يبارك في القائمين عليها، وأن يبارك في عملها. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا مباركين حيثما كنا.

إخواني وأخواتي، كنا قد تحدثنا في الدروس السابقة عن عدد من الموضوعات في هذا الفصل الدراسي الثاني. أولاً: أتممنا ما يتعلق بموضوعات الصلاة، ثم تحدثنا بعد ذلك عن موضوعات الجنائز، وبينا أن الجنائز جُعلت بعد الصلاة باعتبار صلاة الجنازة، ثم بعد ذلك أُلحق بها عدد من أحكام الجنازة. الآن نريد أن ننتقل حقيقة إلى كتاب جديد من كتب الفقه، ألا وهو كتاب الزكاة.

الزكاة أحد مباني الإسلام وأركانه العظام، لذلك لا غرو أن تكون دائماً بعد الصلاة؛ لأنها قرينة الصلاة في كتاب الله سبحانه وتعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] تكررت كثيراً في القرآن: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. كذلك جاء في القرآن الكريم عدد من الآيات التي دلت على أهمية الزكاة، ووصف الذين لا يؤتون الزكاة بأوصاف شديدة عظيمة، كما جاء في القرآن الكريم: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: 6-7]. وجاء في القرآن الكريم: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 11]. لا شك أن هذه من الآيات العظيمة الشديدة في حق تارك الزكاة.

إذاً أيها الإخوة والأخوات، نريد أن نتحدث في هذا الكتاب أو في هذه الحلقات القادمة عن تعريف الزكاة، ثم عن وجوب الزكاة، وعن درجة هذا الوجوب، ثم نتحدث إن شاء الله تعالى عن أموال الزكاة، ومقدار الزكاة، وشروط الزكاة، والمستحقين للزكاة. هذه هي الأحكام المتعلقة إن شاء الله تعالى بموضوعات الزكاة.

أولاً، لماذا جاء في كتاب الفقه الحديث عن الزكاة مباشرة بعد الصلاة؟ ذكرنا لعدد من الأمور أنها قرينة الصلاة في كتاب الله سبحانه وتعالى، وأهمية الزكاة وعظم وجوبها. لذلك جاء في عدد من الأحاديث كذلك بالإضافة للقرآن الكريم اقتران الزكاة بالصلاة، من ذلك حديث ابن عمر: «بني الإسلام على خمس»، وذكر منها: «إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة». «شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام». هذا الاقتران مثلاً جاء كذلك في عدد من الآيات وحتى في الشرائع السابقة، مثلاً في: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: 54-55]. كذلك جاء على لسان عيسى بن مريم عليه السلام، أنه لما نطق في المهد قال: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: 31]. لاحظوا اقتران هاتين الشعيرتين حتى في عهد إسماعيل عليه السلام، وحتى في عهد عيسى عليه السلام، وفي عهد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، هذا كله يدل حقيقة على عظم شأن الزكاة، وأنها بعد الصلاة في رتبة أهمية الشرائع الدينية، أنها بعد الصلاة مباشرة في هذه الرتبة.

هذا في الحقيقة يقودنا إلى أمر آخر، وهو أننا حين نتحدث عن وجوب شيء أو عن تحريم شيء مثلاً، ينبغي لنا أن نعرف رتبة هذا الوجوب أو رتبة هذا التحريم. فمثلاً في الزكاة، لا شك أن رتبة وجوبها رتبة عظيمة؛ يكفينا أن نعلم أنها ركن من أركان الإسلام، ويكفينا أن نعلم أنها قرينة الصلاة، ويكفينا أن نعلم العقوبة الشديدة على تاركها في الحياة الدنيا وفي الآخرة التي توعد الله سبحانه وتعالى بها تارك الزكاة. يكفينا أن نعلم فضلها وعظمها: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103].

هذا فيه نوع من الحديث عن مصالح الزكاة، وهذا موضوع ثالث نرغب الحديث عنه، ألا وهو مصالح الزكاة ومقاصدها. من أهم مقاصد الزكاة ومصالحها للعبد المسلم أنها تطهر قلبه، وتبعد عنه الشح والبخل، تخرج من قلبه حب الدنيا. لذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: 103]. إذاً هذا من أعظم مقاصد الزكاة، وهو مقصد منصوص في القرآن الكريم، إن لم يكن هو أهم مقاصد الزكاة؛ لأنه هو المقصد المنصوص في القرآن الكريم، كون أن النفس تخرج من شحها وبخلها. لماذا أيها الإخوة؟ لأن النفوس جُبلت على الطمع وعلى الشح، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].

لذلك طاف عبد الرحمن بن عوف مرة بالبيت سبعاً، لم يزد على أن دعا: «اللهم قني شح نفسي». سبعة أشواط يطوف بالبيت عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه وهو يقول: «اللهم قني شح نفسي». سُئل: ما زدت على أن قلت اللهم قني شح نفسي؟ فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه: ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون. هذه الآية لا شك أنها آية عظيمة تبين لنا خطورة شح النفس، ولماذا شرع الله سبحانه وتعالى الزكاة؛ لماذا؟ لأنها تقي الإنسان هذا الشح في نفسه، وتجعله باذلاً لهذا المال.

شح النفس وحب الدنيا لا شك أنه ربما قاد الإنسان إلى مهالك في الدين؛ لماذا؟ لأنه يصير يقدم محبة المال على محبة الله سبحانه وتعالى. ربما قدم محبة هذا المال على شرائع الدين، ربما قدم حياة نفسه ورغبته في إطالة حياته على شرائع دينه، وهكذا. لذلك لا شك أن هذا أساس من أسس البلاء التي تصيب الإنسان في دينه، أن يكون -والعياذ بالله- شحيحاً في نفسه. ولا شك أن من أهم وأبرز علامات هذا الشح في نفسه هو تأخره ومماطلته أو امتناعه وعدم إخراجه للزكاة.

ما معنى الزكاة؟ نريد أن نتحدث إن شاء الله تعالى الآن عن تعريف الزكاة في اللغة وفي الشرع. يذكر أهل العلم أن تعريف الزكاة لغة هو النماء والزيادة، وأنها في الشريعة إخراج مال مخصوص ليكون لله سبحانه وتعالى. وسوف نفصل إن شاء الله تعالى في هذين التعريفين ومعناهما والمقصود منهما، ولكن بعد هذا الفاصل القصير.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل، وقلنا قبله إن تعريف الزكاة قال بعض أهل العلم إن تعريف الزكاة في اللغة النماء والزيادة، وأما تعريفها في الشرع فهي مال مخصوص يخرج من ملك العبد للأصناف التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم المستحقة للزكاة. نريد أن نقف حقيقة مع هذين التعريفين، فنقول: أولاً نريد أن نبين معنى قول أهل العلم إن الزكاة معناها النماء والزيادة.

إن الزكاة معناها في اللغة النماء والزيادة، ربما توهم بعض الناس أن تعريف الزكاة بأنها النماء والزيادة معناها أن العرب قبل دين الإسلام كانوا لا يعرفون إخراج المال المخصوص وأنه يسمى زكاة، وإنما إذا ورد عليهم لفظ الزكاة فيريدون به النماء فقط، حتى جاء دين الإسلام فوضع له أو نقل هذه اللفظة وجعلها بإزاء المعنى الذي ذكرناه، وهو أنه مال مخصوص يخرج لوجه الله سبحانه وتعالى. وفي واقع الأمر أن هذا خطأ.

ومعنى قول أهل العلم إن تعريف الزكاة لغة النماء والزيادة، معناه أن لفظ الزكاة أطلق في عدد من المعاني يجمعها النماء والزيادة، وليس مرادهم أن العرب قبل الإسلام لم تكن تعرف معنى الزكاة المخصوص؛ كلا، الزكاة المخصوصة معروفة عند العرب قبل الإسلام وهي أنها إخراج مال مخصوص، ولكن ربما أطلقوا هذا الاشتقاق -وهو الزاي والكاف والواو أو الياء- ربما أطلقوا هذا الاشتقاق على معانٍ تدور حول النماء والزيادة، أو ربما حول البركة مثلاً، أو ربما حول الفضيلة؛ فهذه معانٍ دار حولها هذا الاشتقاق.

هذا مرادهم بتعريف الشيء لغة، وهذا بالمناسبة ليس متعلقاً بالزكاة فقط، بل حتى مثلاً الصلاة؛ الصلاة مثلاً لغة قيل هي الدعاء، ليس المراد أنه العرب لم تكن تعرف الصلاة المخصوصة ذات الركوع والسجود قبل الإسلام، وإنما كانت معروفة وتسمى صلاة، ولكن كانوا يطلقون الصلاة على عدد من الإطلاقات يجمعها أنها نوع من الدعاء، لذلك ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، لذلك هذه الإطلاقات أصلاً جاءت قبل بعثة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وبعد بعثة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، كما جاء في القرآن الكريم ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، ليس المراد الصلاة المخصوصة التي هي ذات الركوع والسجود، وإنما المراد الدعاء.

إذاً لاحظوا ما معنى قولنا الصلاة لغة الدعاء؟ معناها أنها تطلق بعدد.. أن هذا الاشتقاق الصاد واللام والياء أو الواو يطلق في عدد من الإطلاقات يجمعها الدعاء. كذلك مثلاً الحج؛ إذا قيل إن الحج هو لغة القصد، وشرعاً مثلاً هو قصد البيت الحرام وقصد عرفة والمشاعر، كما سيأتينا إن شاء الله تعالى، ليس المراد هنا أن العرب لم تكن تعرف الحج المخصوص الذي يتحدث عنه الفقهاء، لا، كانوا يعرفونه ولكن كانوا يطلقون هذا الاشتقاق الحاء والجيم والجيم كانوا يطلقون هذا الاشتقاق الثلاثي على عدد من المعاني، ربما جاء بصيغة مثلاً فعل، ربما جاء بصيغة اسم فاعل، اسم مفعول، إلى آخره، كانوا يطلقون على عدد من المعاني يجمعها معنى القصد.

وإلا فإن الصلاة والزكاة والحج والعمرة كلها معروفة عند العرب قبل الإسلام بهذه الإطلاقات المخصوصة التي نتحدث عنها. بيان ذلك مثلاً أن العرب كانوا يعرفون حج البيت الحرام، وكانوا يقفون بعرفة ويبيتون بمزدلفة ويرمون الجمار؛ كانوا يعرفون هذا الحج، طبعاً لا شك أنه ليس مطابقاً للحج الذي نحجه اليوم، كان عندهم بعض المخالفات، مثلاً أنه كان الحمس مثلاً لا يخرجون إلى عرفة وإنما يقفون بالمزدلفة مثلاً، وربما أفاضوا من مزدلفة بعد شروق الشمس لا قبل الشروق كما أفاض منها النبي صلى الله عليه وسلم؛ النبي صلى الله عليه وسلم أفاض من مزدلفة قبل شروق الشمس مع الإسفار، كان العربي يفيض بعد شروق الشمس، كان هناك بعض المخالفات، لكن الحج جملة كانوا يعرفونه ويسمونه الحج.

العمرة، طواف وسعي، كانوا يعرفونه ويسمونها العمرة. الصلاة هي ذات ركوع وسجود يعرفونها ويسمونها الصلاة. الزكاة هي إخراج مال مخصوص وكانوا يعرفونه ويسمونه الزكاة، بل إن هذه الأمور هي في واقع الأمر من الشرائع السابقة القديمة التي معروفة عند العرب من جدهم إسماعيل عليه السلام، كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضياً كما قال الله سبحانه وتعالى عن إسماعيل عليه السلام، كما قال الله سبحانه وتعالى عن عيسى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: 31]. الصلاة التي كانت حتى معروفة عند المتقدمين وعند الأمم السالفة هي صلاة ذات ركوع وسجود كما قال الله سبحانه وتعالى لمريم: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]، هي صلاة ذات ركوع وسجود.

فالشاهد أن هذه المعاني إذا قال أهل العلم إن معنى الصيام لغة هو الإمساك، وأما اصطلاحاً أو شرعاً فهو التعبد لله بالإمساك عن الطعام والشراب، نقول إن هذا المعنى المخصوص كان معروفاً عند العرب، ولكن يطلق عندهم هذا الاشتقاق الصاد والواو والميم على عدد من الألفاظ، يجمع هذه المعاني -يجمع هذه الألفاظ- معنى واحد وهو الامتناع والإمساك، فلذلك يقولون الصيام لغة الإمساك، ليس مرادهم أن المعنى الشرعي لم يكن معروفاً عند العرب قبل الإسلام، لا.

وهذا في الحقيقة في عدد من الأمور؛ مثلاً الصلاة، الصيام، الزكاة، الحج، العمرة، وغيرها من الشرائع الدينية كانت معروفة عند العرب بهذه المصطلحات الخاصة. طيب، قد يقول قائل: إذاً ما هي الإضافة الشرعية ببعثة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم؟ نقول إن بعثة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لم تنقل هذه الألفاظ من معانٍ غير معانيها إلى معانٍ أخرى لا؛ يعني لم تنقل هذه الألفاظ من معانٍ إلى معانٍ أخرى جديدة عليها لا، بل ولم تخصصها ولم تقيدها، وإنما استخدمت في نفس معانيها، ولكن أضافت لها بعض الشروط والأحكام أو بعض الصفات.

فمثلاً كما ذكرنا في الحج أنه كان حجهم بطريقة معينة، النبي صلى الله عليه وسلم خالف المشركين الذين حرفوا حج إبراهيم، ورد الحج على شريعة وشعيرة إبراهيم عليه السلام. الصلاة مثلاً جاءت مثلاً عدد ركعاتها وأوقاتها ومواقيتها في الإسلام، لم تكن معروفة سابقاً. الصوم جاء أنه شهر رمضان، وقد جاء في شريعة الصوم مثلاً ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾.

كما كُتِبَ على الذين من قبلكم. إذا كان الصيام معروفاً عند الذين من قبلنا، والحج معروفاً عند من قبلنا، والصلاة معروفة عند من قبلنا، والزكاة معروفة عند من قبلنا كما ذكرنا في هذه الآيات والأحاديث؛ كذلك التوحيد والشهادتان معروفة عند من قبلنا. كل رسل الله وأنبياءه إنما بُعثوا إلى أقوامهم لتحقيق شهادة التوحيد والعبودية لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له.

فالشاهد أنه ربما توهم بعض الناس إذا قلنا التعريف اللغوي أنه ربما توهم أن العرب لم تعرف المعنى المخصوص الشرعي لهذه الشعيرة قبل بعثة النبي الكريم، وهذا خطأ؛ بل العرب كانوا يعرفون هذا المعنى الشرعي المخصوص.

قولنا: تعريف الزكاة شرعاً أنها حق مخصوص في مال مخصوص لطائفة مخصوصة. هذا المراد من التعريفات الشرعية في كتب الفقهاء هو البيان الجملي لما يتحدث عنه الباب أو لهذا المصطلح. فلما نقول: والله تعريف الزكاة شرعاً هو مال مخصوص يُخرج لطائفة مخصوصة، وهو حق مخصوص؛ هذا تعريف شرعي. لماذا بعض أهل الفقه أو المصنفين في الفقه اختاروا لفظ مخصوص؟ لأنهم لا يريدون أن يدخلوا في التفاصيل التي تبحث في ثنايا الباب.

بعض أهل التعريفات ربما دخل في التفصيل؛ فمثلاً قال: إنه حق يبلغ ربع العشر في النقدين، ويبلغ في الإبل شاة في خمس من الإبل، ويبلغ مثلاً في أربعين من الغنم شاة. فيفصل لك، ومقام التفصيل في التعريف هذا خطأ من أخطاء التعريفات، ولعلنا نبين إن شاء الله تعالى شيئاً من عيوب التعريفات، ولكن بعد هذا الفاصل القصير.

وظائف وأعمال، شاشات وألعاب، أشغال كثيرة مهمة وغير مهمة، فكيف نطلب العلم في زحمة الانشغالات؟ أما الأشغال الباطلة والمحرمة كالأفلام والمسلسلات فيجب الإقلاع عنها فوراً، وبذلك يتوفر وقت طويل لطلب العلم. والقناعة توفر الوقت المبذول في تحصيل النفقات الترفيهية، فيمكن إغلاق المحل يوماً في الأسبوع مثلاً وتخصيصه لطلب العلم، ويمكن التناوب مع زميل على طلب العلم، فيحضر أحدكما حين يغيب الآخر ثم تتبادلان المعلومات كما كان يفعل عمر بن الخطاب وجاره الأنصاري.

يمكن استغلال وقت المواصلات ذهاباً وإياباً في القراءة والسماع، وكذلك وقت الفراغ أثناء العمل وأيام الإجازات، واستفد بالتكنولوجيا الحديثة كالالتحاق بالتعليم المفتوح مثل منصة زادي، وعلى الأغنياء كفالة بعض النابهين وتفريغهم لطلب العلم. وفي الحديث: «من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا». فاعمل للآخرة يكفك الله هم الدنيا؛ قال صلى الله عليه وسلم: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة».

نعود إليكم بعد هذا الفاصل القصير، ونتابع الحديث معكم عن تعريف الزكاة. ذكرنا تعريفها لغةً وتعريفها شرعاً، وذكرنا التصور الخاطئ في فهم معنى قول أهل العلم أن تعريف الشيء لغةً هو كذا، ليس مرادهم أن العرب قبل الإسلام لم يعرفوا هذا المعنى الشرعي الذي نتحدث عنه؛ لا، لأن المعنى الشرعي الذي نتحدث عنه هو أحد المعاني اللغوية التي كانت معروفة عند العرب قبل الإسلام، وإنما مرادهم أن هذا الاشتقاق يدور حول هذا المعنى إذا أطلق في عدد من الإطلاقات، أنه يدور حول هذا المعنى.

من أخطاء التعريفات الشرعية أن أحياناً الذي يقوم بالتعريف يرجح في مسائل الباب كلها عند ذكره للتعريف، أو أتى بمسائل الباب كلها عند ذكر التعريف. فمثلاً يقول بدل أن يقول حق مخصوص: يقول هو حق يبلغ نسبة 2.5% في النقدين، وفي عروض التجارة، وفي الإبل بقدر كذا، وفي الغنم بقدر كذا، وفي البقر بقدر كذا، وهكذا، وهو حق يبلغ مثلاً في الركاز كذا. فيأتي بكل مسائل الباب في التعريف، هذا خطأ.

لذلك ربما قال بعضهم في الجهة المقابلة: يقول حق مخصوص، حتى يجتنب ذكر التفاصيل ويحيل فيما بعد على موضوع الباب. وهذا تصرف حسن، إلا أننا سوف نذكر النقد الذي عليه بعد قليل. قوله في مال مخصوص: طبعاً هو لا يريد أن يبين الأموال التي تجب فيها الزكاة؛ لا، الأموال التي تجب فيها الزكاة هناك أموال منصوصة وهناك أموال مختلف فيها، فكوني أقول الآن والله: أنا الأموال المنصوصة وأذكر رأيي في المسائل المختلف فيها كلها في التعريف، هذا فيه مشكلة؛ إذ صار التعريف بدل أن يكون خمس كلمات أو ست كلمات يصير صفحة كاملة وهو تعريف فقط، هذا مشكلة؛ يعني سوف أرجع في كل مسائل الباب في التعريف.

قال لطائفة مخصوصة، التي هي الطائفة التي ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في سورة التوبة، الذين تحق لهم الزكاة وهي الأصناف الثمانية؛ سميت بالأصناف الثمانية الذين يستحقون الزكاة. فبعض المصنفين يختصر في اللفظ بحيث لا يطيل في التعريف بذكر التفاصيل والمسائل، فيقول: حق مخصوص في مال مخصوص لطائفة مخصوصة. نقول: لا بأس بهذا التعريف، إلا أن ثمة عيوباً أخرى ينبغي تحاشيها عند ذكر هذه الألفاظ، وهو أنه لا ينبغي عند تعريف الشيء بشكل يُغمض ويجعله معمى لا يُعرف؛ حق مخصوص في مال مخصوص، إذا كثرت كلمة مخصوص فأنت تكثر الإحالة، فيصبح طالب العلم لما يقرأ التعريف ما يحصل من هذا التعريف له فائدة.

يعني الآن: حق مخصوص في مال مخصوص لطائفة مخصوصة؛ طيب الدين هو حق مخصوص، مثلاً غيرها من الحقوق الواجبة على العبد هي حقوق مخصوصة. إذاً كون الإنسان يرجع دائماً إلى مقصد التعريف، ما هو مقصد التعريف؟ مقصد التعريف هو التقريب للأذهان، وليس مقصود التعريف أن يكون حاداً جامعاً مانعاً، جامعاً لكل ما يدخل فيه، مانعاً لكل ما يخرج عنه من أن يدخل فيه؛ لا، ليس هذا هو المقصود الصحيح في التعريفات، لا، المقصود هو التقريب، تقريب الصورة لهذا الطالب أو لهذا المستمع، ثم بعد ذلك يدخل في تفاصيل المسائل المتفق عليها والمجمع عليها والمختلف فيها، يذكر في تفاصيل الأدلة وهكذا، الأموال، الطوائف التي تخرج الزكاة، الطوائف التي تأخذ الزكاة. إذاً نحن فقط نهتف في تعريفنا لشيء ما هو تقريبه للأذهان.

الزكاة بحكم اشتهارها عند المسلمين، حقيقة هذا الاشتهار أصلاً يجعلنا نحاكم هذا التعريف، وهو أظهر عندنا من معرفة هذا التعريف، هي مشتهرة عند المسلمين وهي المعلوم من الدين بالضرورة. لكن تخيلوا حتى نحاول أن نصوغ تعريفا: لو أنك دعوت شخصاً كافراً للإسلام فأسلم، ثم بعد ذلك بفضل الله سبحانه وتعالى صلى، بعد أن صلى تريد أن تخبره بشريعة الزكاة، فتقول له: إن ثمة واجب عليك في أموالك، مقدار محدد معين مخصوص، مقدار مخصوص في أموالك تخرجه لله سبحانه وتعالى في مصارف حددها الله، مصارف مخصوصة؛ كما ذكر التعريف مصارف مخصوصة. إذاً لاحظوا الهدف من هذا اللفظ هو تقريب الصورة له، أو ربما قربت الصورة له بمثال؛ فتقول مثلاً: مثل فلان أخرج من ماله البالغ كذا، أخرج زكاة بمقدار كذا للفقراء والمساكين. طيب هل معنى هذا أنه مقتصر على الفقراء والمساكين؟ تقول لا، الفقراء والمساكين وثمة أصناف أخرى وهكذا. فالمقصود منها التمثيل والتقريب، لماذا؟ لأن لو قصدنا إلى حد جامع مانع في التعريف ابتداءً لخرج معنا هذا التعريف، صار صفحة كاملة، وصار بدل أن يقرب المعلومة لسامع هذا التعريف أبعده عن المعلومة. لماذا؟ لأن مسائل الزكاة كثيرة، يأخذ الإنسان بتدرج شيء فشيء، لذلك التصور يبنى عند الإنسان شيئاً فشيئاً؛ مثل الطفل، يتصور الأشياء جملةً ثم يدخل في التفاصيل شيئاً فشيئاً وهكذا حتى يتصورها على التفصيل. فكونك أنت تبدأ مع إنسان بذكر التفاصيل كلها عند التعريف لا شك أن هذا مما يعيق تصوره الصحيح، لأن السنة الكونية التي فطر عليها البشر هي التدرج، أن الإنسان يأخذ العلم شيئاً فشيئاً؛ فأول شيء يبني التصور الإجمالي ثم بعد ذلك يبدأ في التصور التفصيلي شيئاً فشيئاً. إذاً هذه هي شريعة الزكاة، الزكاة هي حق مخصوص في مال مخصوص لطائفة مخصوصة، يخرجه الإنسان من ماله لله سبحانه وتعالى، التعبد لله سبحانه وتعالى بإخراج هذا المال.

طيب لو قال قائل: لماذا لم ننص مثلاً على الطوائف التي تخرج الزكاة؟ نقول: هذا كذلك من التفاصيل التي نحيل فيها على شروط إخراج الزكاة أو شروط هذا المال، كل هذه من التفاصيل التي نحيل فيها لاحقاً على أبواب وثنايا الباب.

نريد أن نتحدث بعد ذلك عن حكم الامتناع من إخراج الزكاة. لا شك أن عدم إخراج الزكاة جريمة من الجرائم الشرعية، كبيرة من كبائر الذنوب، وهو محرم من أعظم المحرمات، يكفي الإنسان أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: 6-7]. وقال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 11]، وهذا لا شك أنه خطير جداً، لأن هذه الآية مفهومها أن من لم يؤتِ الزكاة ليس بأخٍ لنا في الدين والعياذ بالله، وإنما يكون خارجاً عن مقتضى الأخوة في الدين. وهذا لا شك أيها الإخوة أن هذا مفهوم رادع للإنسان، محفز له لإخراج الزكاة، لأنه مخيف جداً؛ الإنسان تنفى عنه أخوة المؤمنين في الدين بسبب عدم إخراجه للزكاة والعياذ بالله. هذه الجريمة كما ذكرنا ربما ارتقت إلى مستوى الردة والكفر والعياذ بالله إذا أنكر وجوب الزكاة؛ فلو قال إنسان مسلم أن الزكاة ليست بواجبة نقول: إن هذا كفر وردة، لماذا؟ لأن وجوب الزكاة من الظهور والبيان في القرآن الكريم بما لا يمكن معه تأويل ولو بشكل ممكن، حتى لو كان هذا التأويل فاسد، ولو بتأويل فاسد لا يمكن أن يتأول وجوب هذه الزكاة ولو بتأويل فاسد، لماذا؟

لظهورها في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك وجوب الزكاة من الإجماعات العملية العلمية في أمة الإسلام منذ بعثة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، أطبق أهل العلم، الاجتهاد، أهل الاجتهاد العارفون بدين الله بسنة رسول الله بكتاب الله، أطبقوا على وجوب الزكاة، ليس ثمة تأويل يخرجها عن هذا الوجوب، لذلك يقول أهل العلم أن من أنكر وجوب الزكاة فهو في واقع الأمر منكر لشعيرة معلومة من دين الإسلام ضرورة، كل مسلم بضرورة إسلامه يعرف أن الزكاة واجبة، لماذا؟ لأنه يتلقى هذا الوجوب من كتاب الله ومن سنة رسول الله ومن أهل العلم ومن تصرفات أقاربه ومجتمعه، كل الناس يعرفون هذا الوجوب، هو وجوب مستقر بفضل الله سبحانه وتعالى في أمة الإسلام، كان مستقراً ولم يزل بفضل الله سبحانه وتعالى، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتم علينا عصور العلم بدين الإسلام وأن لا يوقعنا في عصور الجهل بدين الإسلام.

إذاً من أنكر وجوب الزكاة فهذا كافر مرتد والعياذ بالله. طيب من امتنع من إخراجها بخلاً، بمعنى أنه يعرف أنها واجبة ولكنه لا يريد إخراجها لبخله بماله، نقول والعياذ بالله لا شك أن هذا كبيرة من كبائر الذنوب، إن وصل به البخل والشح إلى أن يمتنع أو يماطل أو يؤخر إخراج زكاة أوجبها الله سبحانه وتعالى، الذي أعطاه هذا المال بقدر قليل بسيط هي ربع العشر في أمواله، فكون الإنسان يؤخر زكاة أو يماطل فيها أو أنه لا يخرجها لا شك أن هذا وصل في قلبه الشح والبخل إلى درجة والعياذ بالله درجة خطيرة جداً، يحتاج فيها أن يراجع نفسه وتدينه والتزامه بدين الله سبحانه وتعالى، إذا كان هذه النسبة الضئيلة الإنسان صار يؤخرها ويبخل بها على الله سبحانه وتعالى الذي أعطاه هذا المال العظيم. لذلك قال الله سبحانه وتعالى في قصة قارون: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: 76-77].

لسان التاجر المسلم إذا استشعر بالفعل أن هذا المال أُعطيه من الله سبحانه وتعالى فإنه لا يتردد في إخراج هذه الزكاة، لماذا؟ لأنه موقن أن هذا المال هو الذي الله سبحانه وتعالى هو الذي أعطاه، فكون أن الله سبحانه وتعالى أوجب عليه أن يخرج هذا القدر لا ينبغي له أن يتردد، لأنه موقن أن الله هو المعطي، لا شك أن يقين التاجر المسلم بأن الله هو المعطي يدفع لإخراج الزكاة، لا شك أن يقينه بأن الله سبحانه وتعالى هو المانع يردعه عن تأخره في إخراج الزكاة، فقد يسلب الله سبحانه وتعالى ثروته كلها وأمواله كلها بسبب تأخره عن إخراج الزكاة، وقديماً يقال أن مال الزكاة إذا بقي في مال الإنسان يمحق بركة هذا المال، وهو ماحق لها، لذلك هذا معروف وهو مشاهد أن الزكاة إذا بقيت في مال الإنسان بعد وجوبها أنها تمحق المال والعياذ بالله، وإذا أخرجها الإنسان في وقتها أنها تنمي المال وتزيده وتباركه.

إذاً نحن نفرق هنا بين مسألتين: بين مسألة من امتنع من إخراج الزكاة منكراً لوجوبها فهذا كافر مرتد والعياذ بالله، وبين من لم يعطِ الزكاة بخلاً فهذا يبقى تحت دائرة الإسلام ولكنه قد ارتكب كبيرة عظيمة من كبائر الذنوب، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجيرنا وإياكم من الذنوب صغيرها وكبيرها، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.