الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ربنا يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ربنا يا مفهم سليمان فهمنا. اللهم إنا نسألك أن تهدينا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم اصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.
إخواني وأخواتي في أكاديمية زاد، هذا هو الدرس الرابع والعشرون من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثاني، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك بهذه الدروس قائلها وسامعها ومن أعدها وساهم فيها، وأن يجعل هذا العلم الذي فيها من العلم الذي يكون حجة لقائلها ولسامعها، لا أن يكون حجة عليهم، يا رب العالمين.
إخواني وأخواتي، كنا قد شرعنا في الدرس السابق بالحديث عن الزكاة وأحكامها، وذكرنا تعريف الزكاة وأنها النماء والزيادة، وأنها في الاصطلاح الشرعي الذي يبحث في كتب الفقه هي الحق المخصوص في المال المخصوص الذي يخرج لطائفة وهي طائفة الأصناف الثمانية، يخرجه المسلم تعبداً لله سبحانه وتعالى. وذكرنا أن وجوب الزكاة وجوب مستقر عند المسلمين جميعاً، فهو من المعلوم من الدين بالضرورة، وذكرنا أن الزكاة قرينة الصلاة في كتاب الله سبحانه وتعالى.
وذكرنا أن من أنكر وجوب الزكاة فإنه كافر مرتد والعياذ بالله، وأما من امتنع عن أدائها بخلاً فإنه كبيرة من كبائر الذنوب، التي تدل على أن شح نفسه قد بلغ منه مبلغاً عظيماً جعله يعجز عن إخراج ربع العشر فقط من أمواله تعبداً لله سبحانه وتعالى. وإنه دليل على ضعف إيمانه بأن الله سبحانه وتعالى هو المعطي والمانع، دليل على ضعف إيمانه بحقيقة الدنيا والآخرة، دليل على ضعف إيمانه بالله سبحانه وتعالى. ضعف الإيمان إذا استقر في القلب فربما يبعث الإنسان على ارتكاب هذه الكبيرة، وربما أشد منها والعياذ بالله.
نريد أن ننبه هنا في الحقيقة في واقع الأمر، قبل أن ندخل في موضوع الأموال التي تجب فيها الزكاة، إلى التفريق بين نوعين من أنواع الامتناع عن أداء الزكاة. الأول هو الامتناع عن أدائها وإباء أدائها، عدم الانصياع لشريعة الله سبحانه وتعالى استكباراً وعناداً على شريعة الله سبحانه وتعالى، فهذا نوع من الامتناع والإباء الذي يخرج بالإنسان إلى حد الردة والعياذ بالله.
الأمر الثاني أو النوع الثاني من الامتناع هو الامتناع بخلاً، بمعنى أن الإنسان منصاع لشريعة الله سبحانه وتعالى، مقر بوجوب الزكاة عليه، إلا أنه قد طغى في نفسه حب الدنيا، فلم يخرجها مؤثراً للدنيا على الأخرى، فهذا كبيرة من كبائر الذنوب. إذاً نحن عندنا أنواع؛ النوع الأول من أنكر وجوبها فهذا والعياذ بالله كافر مرتد. النوع الثاني من أقر بوجوبها لكنه أبى دفعها عناداً واستكباراً على شريعة الله سبحانه وتعالى، يعلم أنها واجبة وربما أنه ليس عنده بخل؛ يعني ربما أنه يخرج أموالاً أخرى ويدفع الأموال لمشاريع أخرى أو لجهات أخرى، ولكنه يأبى الانصياع لشرع الله ودينه بوجوب الزكاة التي هو مقر بها، فهذا نوع من الكفر والردة، وهذا هو سبب قتال أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لمانع الزكاة.
ومانع الزكاة الذين قاتلهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنواع؛ منهم من لم يقر بوجوبها، ومنهم من امتنع عن أدائها لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، هذا الامتناع كون وصل إلى درجة القتال أنهم قاتلوا أبا بكر الصديق وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، دليل على أنه امتناع ناشئ إما عن عدم إقرار بوجوبها، أو امتناع ناشئ عن استكبار وعناد مع إقرار بالوجوب، ولكن ليس امتناعاً ناشئاً عن بخل. ولذلك قاتلهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، بل أجمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم على قتال هذه الفئة المارقة من دين الله سبحانه وتعالى، وقاتلهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قتال من كفر وارتد والعياذ بالله.
إذاً يمكن أن نجعل الامتناع على أنواع أو عدم دفع الزكاة على أنواع؛ الراجع إلى البخل لا شك أنه هذا راجع إلى ضعف الإيمان بالله سبحانه وتعالى، الذي ينبغي أن يذكر صاحبه بحقيقة الحياة الدنيا، يذكر صاحبه بأن ما عند الله خير وأبقى، يذكر صاحبه كذلك بأن الله سبحانه وتعالى هو المعطي والمانع، يقوى إيمانه حتى يخرج هذه الزكاة. وأما من امتنع عن أدائها عناداً واستكباراً على دين الله سبحانه وتعالى، فهذا ينبغي نصحه بالعبودية لله سبحانه وتعالى والإذعان له والخضوع لأمره سبحانه وتعالى، وألا يعاند وألا يستكبر على الله سبحانه وتعالى، وهذا راجع إلى أن الكفر والعياذ بالله، أجارنا الله وإياكم، الكفر قد يكون كفراً ناشئاً من عدم إقرار بالوجوب، وقد يكون أو تكذيب بالوجوب؛ هذا الأول عدم إقرار الوجوب أو تكذيب به. وقد يكون ناشئاً عن إباء للانصياع له، لذلك الكفر قد يكون كفر تكذيب، وقد يكون كفر إباء واستكبار، من كذب وأبى؛ التكذيب هو عدم الإقرار بالوجوب، والإباء هو الامتناع الناشئ عن عناد واستكبار على دين الله سبحانه وتعالى.
السبب الثالث من أنواع الامتناع الذي ذكرنا وهو البخل، فهذا يذكر صاحبه بالإيمان بالله سبحانه وتعالى وبحقيقة الدنيا، ولعل الله سبحانه وتعالى يرزقه من الإيمان ما يهيئ له إخراج الزكاة الشرعية التي شرعها الله سبحانه وتعالى. تأملوا معي في شأن الزكاة، كيف أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قاتل من استكبر وعاند عن الإذعان لشريعة الله سبحانه وتعالى في إخراجها، إذاً هذه لا شك أن الزكاة رتبة عظيمة قد بلغت رتبة عظيمة من رتب دين الله سبحانه وتعالى، ينبغي لنا أن نحرص عليها. نريد إن شاء الله تعالى بعد ذلك أن ندخل في الحديث عن الأموال التي تجب فيها الزكاة وأنواع هذه الأموال، ولكن بعد هذا الفاصل القصير.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل، وكنا قد تحدثنا عن مسألة مهمة وهي أنواع الممتنعين عن الزكاة، ورجوع امتناعهم إلى عدد من الاعتبارات؛ منها اعتبار التكذيب بوجوبها وعدم الإقرار بوجوبها، ومنها العناد والاستكبار مع الإقرار بوجوبها، والأمر الثالث راجع إلى البخل وهوى النفس والعياذ بالله. وفرقنا بينها في الأحكام الشرعية بما ينبغي أن يدرك معه طالب العلم أهمية النظر في الاعتبارات الدقيقة التي تفرق بين الناس، مع أنهم كلهم في ظاهر الأمر ممتنعين أو كلهم في ظاهر الأمر لا يدفعون الزكاة، ولكن كل شخص منهم له اعتبار آخر في الحكم عليه.
نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى موضوع الحديث عن الأموال التي تجب فيها الزكاة. الله سبحانه وتعالى قال في الكتاب الكريم: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: 19]، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: 19]. قبل أن ندخل في تفاصيل الأموال التي تجب فيها الزكاة، نقول إن الأموال من حيث النصوص الشرعية بوجوب الزكاة فيها وعدم وجوب الزكاة فيها على ثلاثة أصناف.
أموال نصت الشريعة على وجوب الزكاة فيها؛ فقد جاء مثلاً في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه، تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، كلما نفذت أخراها عادت إليه أولاها، حتى يقضى بين الناس». وفي رواية: «في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة». إذاً الإبل والبقر والغنم منصوص على الزكاة فيها، بل جاءت الشريعة وجاءت السنة بالنص على مقاديرها فيها.
النوع الثاني من الأموال، أموال جاءت الشريعة بالنص على عدم الزكاة فيها، ومن ذلك مثلاً ما جاء في الحديث: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة». استنبط منه أهل العلم أن الأموال التي يقتنيها الإنسان، سموها بأموال القنية، أنه لا تجب فيها الزكاة. فمثلاً لا يجب على الإنسان مثلاً زكاة في شماغه أو ثوبه الذي يلبسه، لا يجب على الإنسان مثلاً زكاة في الكرسي أو المكتب الذي هو جالس عليه أو السرير الذي ينام عليه، هذه أموال قنية يقتنيها الإنسان يستخدمها، فلم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة فيها. إذاً هذا هو النوع الثاني من أنواع الأموال.
النوع الثالث من أنواع الأموال، أموال مسكوت عنها من حيث أن الشريعة لم تنص على وجوب الزكاة فيها، ولم تنص على عدم وجوب الزكاة فيها. إذاً هذه أصناف الأموال من حيث نص الشريعة على وجوب الزكاة أو عدم وجوب الزكاة. مثلاً من الصنف الثالث هذا من الأموال مثلاً العسل، هل فيه زكاة وليس فيه زكاة؟ لذلك حصل مثلاً خلاف بين بعض أهل العلم هل تجب الزكاة في العسل أو لا تجب الزكاة في العسل. أو مثلاً الحيوانات الأخرى غير الإبل والبقر والغنم، وغير الحيوان الذي يتخذه الإنسان للقنية، مثلاً الفرس كانوا يتخذونه للتنقل، غير الفرس الذي هو للقنية، لو أن ثمة أنواعاً أخرى من الحيوانات مثلاً، هل فيها الزكاة أو ليس فيها الزكاة؟ هذه من النوع الثالث التي لم تأت الشريعة بالنص.
مثلاً نضرب مثالاً لذلك، مثل مزارع الدواجن مثلاً، الدجاج، هل تجب الزكاة فيها أو لا تجب الزكاة فيها؟ هذا من النوع الثالث الذي لم تأت الشريعة بالنص على وجوب الزكاة فيه، ولم تأت الشريعة بالنص على عدم وجوب الزكاة فيه، لذلك هذا نوع ثالث يحتاج إلى اجتهاد وقياس ونظر.
من المهم أن ننبه في بدء هذا الموضوع عن الأموال التي تجب فيها الزكاة إلى أن هذا الصنف الثالث في الحقيقة ينبغي لنا أن نرد رده إلى أصل من الأصول. هل نقول إن الأصل أن المال تجب فيه الزكاة إلا ما استثنته الشريعة، أم نقول إن الأصل أن المال لا تجب فيه الزكاة إلا ما استثنته الشريعة فأوجبت فيه الزكاة؟ هل هناك فرق بين المسألتين هذه أو بين التقريرين؟ نعم هناك فرق.
التقرير الأول يقول: إن الأصل في الأموال وجوب الزكاة فيها إلا ما استثنته الشريعة فنصت على عدم الزكاة فيه أو قيس عليه. لا، لسنا كالظاهرية الذين يقولون إنه لا يصح القياس فلا نستثني إلا ما نصت الشريعة على عدم الزكاة فيه، لا. نقول أصحاب التقرير الأول يقولون: إن الأصل أن الأموال أنها زكوية، فما جاءت الشريعة بالنص على أنه ليس فيه زكاة فليس فيه زكاة، كذلك ما قيس على هذا المنصوص أنه ليس فيه زكاة كذلك ليس فيه زكاة. هذا التقرير الأول، وبناءً عليه من قرر هذا التقرير الأول سيكون من الطبيعي في حقه أن الصنف الثالث وهو الأموال المسكوت عنها أن يغلب على هذا الصنف الثالث أن يكون عنده مالاً زكوياً؛ لاحظتم هذا الأصل؟ فمثلاً نجد أنه يقرر أن هذا المال فيه زكاة، هذا المال فيه زكاة، باعتبار الأصل وجوب الزكاة حتى يأتي عارض يمنع وجوب الزكاة، وهذا العارض مشتق من الأحاديث التي نصت على عدم وجوب الزكاة في بعض الأصناف، يحاول أن يقعد قواعد لهذه الأصناف التي لم تجب فيها الزكاة، لماذا لم تجب فيها الزكاة؟ مثلاً قال: لأنها قنية، إذاً كل ما كان قنية فإنه لا يجب فيه الزكاة. مثلاً الكرسي الذي يجلس عليه الإنسان، السرير الذي ينام عليه الإنسان، ملابس الإنسان، يقيسها على قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة»، وهكذا البيت الذي يسكنه الإنسان ليس فيه زكاة، وهكذا. لكن إذا ذهب هذا المانع أو هذه العوارض التي قررها مانعة للزكاة، فإن الأصل عنده يبقى هو وجوب الزكاة في هذه الأموال.
طيب، هذا التقرير الأول. التقرير الثاني أو الطائفة الأخرى من أهل العلم قالوا: إن الأصل هو عدم وجوب الزكاة في الأموال، أن الإنسان الأصل براءة ذمته، وأن الأصل أنه لا يجب عليه شيء إلا ما أوجبت فيه الشريعة الزكاة، وما يقاس عليها فيقول إنه تجب فيه الزكاة قياساً على هذه الأصناف التي أوجبتها الشريعة. طيب بناءً على هذا التقرير الثاني أو هذه الطائفة الثانية من أهل العلم، ماذا تتوقعون أن تكون أقوالهم؟
آراؤهم في الصنف الثالث المسكوت عنه الذي ذكرناه في بداية هذا المقطع: من الطبيعي أن تكون آراؤهم مغلّبة لعدم وجوب الزكاة في الأموال المسكوت عنها باعتبار أنها على الأصل، إلا إذا كان في بعض هذه الأموال شيء مقيس على الأموال الزكوية عندهم. أما الأموال التي تجب فيها الزكاة، فلا شك أن من اعتمد المنهج الظاهري فإنه لن يقيس في كلا التقريرين؛ فإذا قرر أن الأصل في الأموال الزكاة إلا ما استُثني فإنه سوف يستثني فقط النص ولن يقيس عليه شيئاً، وإذا قرر أن الأصل عدم وجوب الزكاة إلا ما استثني فإنه سوف يستثني النص فقط ولن يقيس عليه شيئاً. هذه طريقة المنهج الظاهري، وقد ذكرنا أن هذا المنهج في أكثر من درس أنه غير صحيح، وأن المنهج الصحيح هو منهج الاجتهاد الشرعي؛ لأن الشريعة جاءت بقواعد وعلل نبّهت عليها الشريعة في عدد من الآيات والأحاديث، وأن الأحكام الشرعية معقولة المعاني، لها مصالح مدركة، ولها علل ومناطات معقولة مناسبة يقاس عليها غيرها.
بناءً على هذين التقريرين اللذين شرحناهما: ما هي الأموال الزكوية؟ ما هي الأموال التي تجب فيها الزكاة؟ لا شك أن المنهج الأول في تقرير الأموال الزكوية، وهو منهج الأصل في الأموال أنها زكوية إلا ما استثني، سيترتب عليه أن الأموال الزكوية ستكون أكثر من خمسة أو ستة أو عشرة. والمنهج الثاني، أو الطريقة الثانية التي قررت أن الأصل أن الأموال غير زكوية ولا تجب فيها الزكاة إلا ما استثني، لا شك أنه سوف ينبني عليه أن الأموال الزكوية سوف تكون ربما خمسة أصناف أو أربعة أصناف أو ستة أصناف، وهي المنصوصة وما يقاس عليها. سوف نترككم مع فاصل قصير ونعود إن شاء الله تعالى بعد الفاصل للترجيح في هذه المسألة بإذن الله تعالى.
عدنا إليكم بعد هذا الفاصل، وكنا قد تحدثنا عن مسألة مهمة، وهي مسألة: ما هو الأصل في الأموال؟ هل الأصل أن كل مال تجب فيه الزكاة إلا ما جاءت الشريعة باستثنائه وما يقاس عليه، أم أن الأصل في المال أنه لا يجب فيه شيء إلا ما جاءت الشريعة بإيجاب الزكاة فيه وما يقاس عليه؟ لا شك أن هذين القولين بينهما فرق ظاهر وواضح يتبين في الأموال المسكوت عنها. ذكرنا أن الأموال إما أنه منصوص على وجوب الزكاة فيها، وإما أموال منصوص على عدم وجوب الزكاة فيها، أو أموال مسكوت عنها، وفي عقل أمر هذه الأموال المسكوت عنها نردها إلى الأصل مع مراعاة اعتبارات الاستثناءات المذكورة في كلا القولين.
من ذهب إلى اعتبار أن الأصل في الأموال أنها تجب فيها الزكاة، حقيقةً انطلق من عدد من الآيات والأحاديث، من ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: 24-25]، فيقول إن هذه الآية أطلقت، والآية الأخرى ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: 19]، هذه الآية أطلقت الأموال ما ذكرت مالاً دون مال، لذلك الأصل أن الأموال فيها حق معلوم، أي الأصل فيها أن فيها حقاً معلوماً إلا ما استثنته الشريعة أو قيس على مستثنيات الشريعة. كذلك ما جاء في حديث بعث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه إلى اليمن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «إنك ستأتي قوماً أهل كتاب»، ثم بيّن له تدرج في دعوتهم، أول ما يدعوهم إلى شهادة التوحيد، فإن هم أجابوا لذلك يعلمهم الصلاة، قال: «فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم»، فالنبي صلى الله عليه وسلم أطلق الحديث، ما بيّن له مالاً دون مال، فكونه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن هناك صدقة في أموالهم دون بيان لمال دون مال، هذا فيه نوع من الإطلاق المشابه للإطلاق الموجود في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾، فلذلك يقول: الأصل أن المال تجب فيه الزكاة ثم يستثنى بعد ذلك، مثلاً مال القنية: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة»، أو بعض ما يقاس عليه.
الاتجاه الثاني حقيقةً انطلقوا من أصول أخرى، كذلك قالوا إن الأصل هو براءة الذمة من الوجوب، معنى براءة الذمة من الوجوب أن الإنسان لا يجب عليه شيء إلا بنص شرعي أو بقياس شرعي صحيح، فيكون الأصل براءة الذمة هذا من حيث الذمم. ثم يقولون إن الأصل في الأموال أنها محترمة مصانة معصومة، لا يجوز تقرير حقوق فيها إلا بناءً على نصوص شرعية صريحة وواضحة، يقولون مثلاً مما يستدلون به قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا»، فيقولون الأموال لها حرمة مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، لها حرمة فلا ينبغي أن نوجب زكاة في مال مسكوت عنه لم توجب الشريعة فيه زكاة. إذاً لاحظوا، هؤلاء ينطلقون من أصل احترام الأموال، وهؤلاء ينطلقون من أصل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾.
والذي يظهر والله تعالى أعلم أن أصحاب القول الأول أقرب إلى الصواب، وأن الحق المعلوم وُصف ورُبط بالأموال، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾، كذلك «صدقة في أموالهم» كما جاء في حديث معاذ: «خذ من أموالهم تؤخذ من أغنيائهم»، والغني قد يكون حصل له وصف الغنى بالأموال المنصوصة الخمسة أو بغيرها من الأموال. إذاً أصحاب القول الأول انطلقوا من نصوص قررت أصولاً في موضوع الزكاة، وأما أصحاب القول الثاني فقرروا الأصل براءة الذمة، وهذا يقر به الجميع، الأصل براءة الذمة ولكن جاءت نصوص وجوب الزكاة لتنقل عن هذا الأصل. كذلك قولهم إن الأصل احترام الأموال وأنها مصونة محترمة، نعم هذا دليل صحيح أن الأموال مصونة ومحترمة، وهذا لا يخالف فيه أصحاب القول الأول، ولكن يقولون إن مما جاءت به الشريعة حق الزكاة في الأموال، وهذا لا يخالف أن الأموال مصونة ومحترمة ولا ينبغي الأخذ منها أو تقرير الحقوق فيها بخلاف حق الزكاة، أما حق الزكاة وما أوجبته الشريعة من الحقوق فهذا ينبغي استثناؤه.
وفي واقع الأمر أن كلا العمومين الواردين في الآيات الشريفة الكريمة كلاهما قد ورد عليه من الاستثناء ما يخصصه، ولكن التخصيص الوارد على العموم في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا» جاء التخصيص فيه كثيراً، فلذلك هذا العموم خصصت منه أفراد كثيرة، منها وجوب الزكاة في الأصناف المنصوصة هذه لا شك أنها نوع من الاستثناء، والحقوق الواجبة في هذا المال، كذلك مثل حق الضيف، مثل حق الدين، وفاء الدين، وهكذا، هذه كلها من الحقوق، ضمان المتلفات مثلاً أو غيرها من الحقوق، الغرامات التي تجب شرعاً، هذه كلها من الحقوق التي جاءت مستثنية لهذا العموم: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا». إذاً بخلاف الاستثناء من الأصل الآخر: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾، فإنه قد جاء الاستثناء فيه قليلاً، ليس كحجم الاستثناء الوارد من «أموالكم حرام كحرمة يومكم هذا»، وهذا في الحقيقة مما يقوي هذا العموم.
الأمر الثاني الذي يقوي هذا العموم أن هذا العموم خاص بموضوع الزكاة، وأما ذلك العموم فهو عموم في براءة الذمم وعموم في حرمة الأموال، هذا أصل الشريعة، لذلك براءة الذمم الأصل أن الذمم بريئة حتى يأتي في الشريعة ما يوجب عليها شيئاً ما أو يحرم عليها شيئاً ما، وقد جاء في الشريعة ما يوجب الزكاة في المال وهو قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾، ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: 11]، هذه العموم تخرج الذمم من براءتها الأصلية إلى نوع من الوجوب، ألا وهو وجوب الزكاة الذي سيأتي تفصيله. لذلك في واقع الأمر نحن نرى والله تعالى أعلم أن الاتجاه الأول الذي يقرر أن الأصل في الأموال أنها تجب فيه الزكاة، وأن غنى الناس يتفاوت، قد يكون بالأصناف الخمسة المنصوصة وقد يكون بأصناف أخرى من الأموال، وقد يستجد للناس من أنواع الأموال ما لم يكن موجوداً سابقاً ومن ذلك مثلاً الأسهم، مثلاً أسهم الشركات حقيقة نوع جديد من الأموال لم يكن موجوداً مسبقاً، فلذلك تقرير أن الأصل في الأموال هو الزكاة هو الأنسب والأظهر والله تعالى أعلم، وهو الأقرب دليلاً والله تعالى أعلم.
طيب ما هي الأموال التي جاءت الشريعة بالنص على وجوب الزكاة فيها؟ جاءت الشريعة بالنص على وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم. وجاءت الشريعة كذلك بالنص على وجوب الزكاة في النقدين، وبينت مثلاً في الفضة نصابها وما يخرج فيها، وجاء في الآية الكريمة قبل ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: 34]، يكنزون الذهب والفضة أي يحفظونهما لا يخرجون زكاتهما، لذلك جاء تفسير أصحاب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أن ما أديت زكاته فليس بكنز. لاحظ هنا تهديد ووعيد شديد في هذه الآية: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ لمن لم يؤدِ حق هذا الذهب والفضة. إذاً ويقاس عليها النقد، كل ما اتخذه الناس نقداً فإنه تجب فيه الزكاة. إذاً الصنف الأول قلنا بهيمة الأنعام، هذا صنف منصوص في الشريعة، ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها كما ذكرنا في الحديث سابقاً. الذهب والفضة: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
كذلك الخارج من الأرض، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 267]. قبل الخارج من الأرض خلونا نتكلم الترتيب في الآية: ﴿طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ عروض التجارة، هذا الصنف الثالث منصوص في القرآن الكريم: ﴿مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾. ومما أخرجنا لكم من الأرض، هذا الصنف الرابع والخامس: ﴿مِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾ الحبوب والثمار. الصنف الخامس المعادن والركاز، هذه كلها خارجة من الأرض. إذاً هذه خمسة أصناف منصوص على وجوب الزكاة فيها، والذي يظهر والله تعالى كما قررنا سابقاً أن الأصل في الأموال أنها تجب فيه الزكاة، وهذه هي الأموال الخمسة المنصوصة، لا يمنع النص عليها وجوب الزكاة في غيرها؛ لأن الأصل أن فيها الزكاة، الأصل في المال أن فيه الزكاة إلا ما جاءت الشريعة بالاستثناء منه.
خلاصة ما هي الأصناف المنصوصة في القرآن الكريم أو في سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟ الأصناف المنصوصة الخمسة: بهيمة الأنعام، الذهب والفضة، طيبات ما كسبتم قلنا هو عروض التجارة، ما أخرجنا لكم من الأرض هو صنفان الحبوب والثمار والمعادن والركاز. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في دينه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي