الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يا رب، علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. ربنا هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا. ربنا إن لم تغفر لنا وترحمنا نكن من الخاسرين، ربنا إن لم تهدنا وتعلمنا نكن من الضالين الجاهلين.
إخواني وأخواتي في أكاديمية زاد المباركة، ها نحن قد وصلنا إلى الدرس الخامس والخمسين من سلسلة دروس الفقه في هذه الأكاديمية في فصلها الدراسي الثاني. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في القائمين على هذه الأكاديمية، وأن يبارك في طلابها ومعلميها وإداريها ومن ساهم فيها. اللهم إنا نسألك أن تجزيهم جميعا خير الجزاء.
إخواني وأخواتي، كنا قد بدأنا من قبل في سلسلة دروس حول الزكاة، والزكاة كما قد ذكرنا هي الركن الثالث من أركان الإسلام، وهي قرينة الصلاة في كتاب الله. سوف نتحدث اليوم إن شاء الله تعالى عن شروط وجوب الزكاة. ما هي الشروط التي إذا وجدت فإن الزكاة تجب؟ وهذا يصطلح أهل العلم عليها بأنها شروط وجوب، وقد فرغنا من قبل بين ما يسمى شروط الوجوب وشروط الصحة.
ما هي شروط الصحة؟ شروط الصحة هي التي إذا تحققت فإن العبادة تصح. شروط الوجوب هي التي إذا تحققت فإن العبادة تجب. شروط الإجزاء هي التي إذا تحققت فإن العبادة تجزئ، أي أنها تسقط الفرض عن المكلف، وهذا معنى الإجزاء، وهو معنى أدق من معنى الصحة. نضرب لذلك مثلا يسيرا حتى يتضح الفرق بين هذه الأمور؛ فنقول مثلا إن من شروط وجوب الزكاة الإسلام والحرية والملك مثلا كما سنذكره الآن في هذا اللقاء، فإذا وجدت هذه الشروط وجبت الزكاة على العبد المسلم.
ما معنى شروط الصحة؟ معناها أن لا تصح الزكاة إلا إذا استتمت هذه الشروط. فمثلا لو قلنا إن من شروط الصحة أن يخرجها المكلف بنية الزكاة إذا كان من أهل النية؛ فمعنى ذلك أنه إذا أخرجها بغير نية الزكاة، فرضا أن مسلما أخرج صدقة من الصدقات بنية أن تكون من صلة الرحم، ثم بعد ذلك وجد أن هذا الرحم الذي وصله يجوز أن تخرج له الزكاة ووجد أن عنده زكاة، فقال: إذا فلا أحتسب ما أخرجته من قبل بأنه زكاة. نقول: لا، لم يتحقق شرط الصحة، وهو صحة إخراجها زكاة أو إجزاؤها زكاة، فلا تصح ولا تجزئ إخراجها عن الزكاة إلا إذا خرجت بنية الزكاة. أما إذا حصلت النية بعد الإخراج، فإن هذا غير معتبر، إذا هذا شرط صحة وشرط إجزاء، لكن ليس بشرط وجوب.
نضرب مثالا آخر، مثلا في الحج: هل يصح حج الصبي الصغير؟ جاء في الحديث، حديث ابن عباس، قال: «نعم، ولك أجر» للمرأة التي رفعت صبيا لها. إذا هذا دليل على صحة حج الصبي الصغير، والله أعلم إن كان هذا الصبي الصغير مميزا أو لم يكن مميزا. لكن دل على صحة حج الصبي دون البلوغ. طيب، هل يجزئه هذا الحج عن حجة الإسلام؟ نقول: لا، لا يجزئه، إذا بلغ عليه حجة الإسلام. إذا لاحظوا الآن، إذا أردنا أن نعبر فنقول: هل البلوغ شرط صحة أم هو شرط إجزاء؟ نقول: البلوغ شرط إجزاء، لا يجزئه إلا إذا كان بالغا.
لكن لو قلنا إن البلوغ في الحج شرط صحة، معنى ذلك أنه لا يصح منه إلا إذا كان بالغا، وليس هذا هو الصحيح الواقع. الواقع كما جاء في حديث ابن عباس صحة حج الصبي قبل بلوغه، إذا هذا دلنا على أن البلوغ ليس بشرط صحة، وإنما هو شرط إجزاء، فمن بلغ وحج أجزأه حجه عن حجة الإسلام وأسقط عنه الفرض، ومن حج غير بالغ لم يجزئه عن حجة الإسلام ولم يسقط عنه الفرض، ولكن يصح منه، كما ذكرنا أن صلاة الصبي تصح منه، وحج الصبي يصح منه. إذا هذا دليل حديث ابن عباس على أن لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، ولك أجر»، على أن حج الصبي صحيح ولكنه غير مجزئ عن حجة الإسلام.
إذا هذا حقيقة اصطلاح ينبغي لطالب العلم وطالبة العلم أن يتنبهوا له، وهو الفروق بين شروط الوجوب وشروط الصحة وشروط الإجزاء. فاعلموا أن هذه الشروط تتحدث عن حالة من الحالات المحددة والمعينة من هذه الأحوال. بعض الناس ربما قال شروط الصلاة، شروط الزكاة، شروط الحج، لم يفرق بين ما هو للوجوب وما هو للإجزاء. هنا في هذا العنوان عندنا شروط الزكاة، هذه الشروط المراد بها شروط الوجوب، أي إذا تحققت فإن الزكاة تكون واجبة على المكلف.
أول هذه الشروط شرط الإسلام. وهذا حقيقة شرط في كل العبادات وليس في عبادة الزكاة، فإن العبادة لا تصح من كافر ولا يقبلها الله سبحانه وتعالى. قال الله سبحانه وتعالى في شأن الزكاة: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 54]. وقال الله سبحانه وتعالى في حق الكافرين عموما: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
إذا الكافر لا يقبل منه عمل يوم القيامة. وقال الله سبحانه وتعالى في سورة النور يبين كيف أن عمل الكافرين يكون هباء منثورا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور: 39-40].
هذه الآيات دلتنا على أن الله سبحانه وتعالى لا يقبل من الكافر عملا يوم القيامة؛ لماذا؟ لأنه لا ذنب أعظم من الكفر، والكفر محبط وموبق لجميع الأعمال. لذلك لا شك أن شرط كل عبادة من العبادات شرطها الإسلام، وهذا الشرط عام كما ذكرنا في جميع العبادات، وربما أننا لا نحتاج إلى تكراره دائما، فإن الله سبحانه وتعالى لا يقبل إلا من عباده المسلمين الذين شهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأما من كفر بالله سبحانه وتعالى أو أشرك بالله غيره من المشركين، لا شك فإن هذا مردود عليه عمله، فإن الكفر والشرك محبط للأعمال.
ذكر بعض أهل العلم من شروط وجوب الزكاة الحرية، بمعنى أن الزكاة لا تجب على عبد؛ لماذا؟ لأنهم يرون أن العبد لا يملك. وهذه في الحقيقة مسألة ترجع إلى أصل مهم من الأصول، وهو: هل يمكن أن يملك المملوك؟ بمعنى أن شيئا مملوكا لغيره، هل يمكنه أن يملك أم لا يمكنه أن يملك؟ وهذه المسألة حقيقة قد يقول قائل لا داعي لمناقشتها باعتبار أننا في هذا الزمن وفي هذا العصر قد انتهى فيه الرق أو العبودية، وهذا صحيح من هذا الجانب. ولكن الأصل العام الذي ترجع إليه مسألة هل يملك العبد أو لا، هي مسألة هل يملك المملوك أم لا.
هذا الأصل العام مفيد لنا في عدد من المسائل الأخرى غير مسألة الرق والعبودية، وإنما هي مثلا مسألة الشركات المساهمة وغيرها، باعتبار أن هذه الشركات المساهمة مملوكة لمساهمين، وهي في نفس الأمر تملك عددا من الأشياء غيرها. فهل يصح أن يملك المملوك؟ لاحظوا، إذا لا نحتاج إلى مسألة هل العبد يملك أو لا يملك باعتبار أن هذه المسألة غير موجودة اليوم، لكن نحتاج إلى مسألة هل المملوك -وهي الأصل الذي ترجع إليه مسألة العبد- هل المملوك يملك أم لا يملك؟
وهذه المسألة قد اختلف فيها أهل العلم، فقال بعضهم إن المملوك لا يملك، ولا تكون الملكية مزدوجة، وقرر بعض أهل العلم -وهو الصحيح إن شاء الله تعالى- أن المملوك يصح ملكه. وعلى هذا تصح ملكية الشركات للأموال التي تحت يدها والتي قدمت لها من المساهمين، وتكون بهذا الاعتبار مملوكة للشركة، والشركة تعد مملوكة للمساهمين.
وهنا مسألة، لا شك أن من قرر عدم ملكية المملوك لما تحت يدهم من الأموال، فكونه غير مالك لا شك أنه لن يوجب على شخص غير مالك الزكاة، ولكن باعتبار أننا قررنا أن المملوك يملك، وهو الصحيح من كلام أهل العلم وهو الراجح إن شاء الله تعالى، باعتبار أننا قررنا أن المملوك يملك؛ فهل تجب الزكاة على هذا الشخص الاعتباري أو على هذه الشركة باعتبارها مالكة لما تحت يديها من الأموال؟
نقول إن هذه الشركة إذا أسست في بلد إسلامي فلا شك أن هذا يعطيها صفة الإسلام، ولا شك أنه يخول ولي الأمر في هذا البلد أن يجبى منها الزكاة باعتبارها شخصا مالكا لما تحت يديه من الأموال. لذلك فإن الصحيح والله تعالى أعلم أنه يقال إن المملوك يملك، وأن كونه مملوكا لا يعتبر مانعا من وجوب الزكاة في حقه، باعتبار أننا قررنا أنه يملك ما تحت يديه من الأموال.
وأما من قرر بأن المملوك لا يملك فلن يوجب الزكاة عليه. هل معنى هذا سقوط الزكاة تماما؟ لا، في الواقع الأمر هم يوجبون على مالكه، باعتبار يقولون هذا المملوك لم يملك وهذه الأموال التي تحت يديه مملوكة لسيده، فلذلك يوجبون الزكاة على السيد. ففي المحصلة ليس أحد من القولين إن شاء الله تعالى -على الصحيح- نافيا للزكاة في هذا المال، وإنما بعضهم يوجبها على هذا المملوك باعتباره مالكا، وبعضهم يوجبها على السيد باعتبار المملوك غير مالك.
إذا، هذان اعتباران، طبعا لا شك أن هناك قول ثالث وهو أن هذا المملوك يملك وأنه لا تجب عليه الزكاة، لكن الحقيقة هذا القول قول ضعيف. إذا نخلص من هذا فنقول إن الشركة المساهمة مثلا أو الشركة ذات المسؤولية المحدودة، باعتبارها مالكة لما تحت يديها من الأموال فإنه تجب الزكاة عليها، وتجبى منها الزكاة إذا كانت هذه الشركة مؤسسة في بلد إسلامي، تجبى منها الزكاة باعتبارها ذمة مالية اعتبارية مستقلة.
وهذا في واقع الأمر حتى نقرر هذا الحكم نحتاج أن نقرر مسألتين: المسألة الأولى: هل هذه الشركة مالكة ولها ذمة مالية مستقلة؟ وذكرنا أن الصحيح أنها مالكة وأن لها ذمة مالية مستقلة عن ذمم ملاكها. والمسألة الثانية: هل يمكن أن يقال بوجوب الزكاة على شخص اعتباري له ذمة مالية؟ أم أن الزكاة لا تجب إلا على الأشخاص الطبيعيين؟ وهذه مسألة حقيقة مهمة.
نحن في الحقيقة نرد هذه المسألة إلى مسألة أخرى أعظم منها وأهم منها، وهي: هل المغلب في الزكاة جانب الحق المالي أم جانب التعبد والعبادة لله سبحانه وتعالى؟ الزكاة عبادة جمعت بين أمرين: العبودية لله وهذا جانب شخصي يتوفر في الأشخاص الطبيعيين، وبين جانب الحق المالي أو كونها دين على المكلف. نضرب لذلك بعض المسائل التي تدل على الفرق بين تغليب أحد الأمرين.
مثلا الصبي -فلنفترض الرضيع- قد يكون مالكا لمال، فرضا أنه ورث من أبيه مثلا مليون من الدولارات، هذا الصبي وهو رضيع يملك هذا المال. هل تجب عليه الزكاة في هذا المال؟ بمعنى هل يجب على وليه القائم على أمره أن يخرج الزكاة من مال هذا الصبي الرضيع؟ لاحظوا هذه المسألة، قد إنسان يقول الصبي كيف يكون عنده مال؟ قد يكون يحصل له المال بالإرث، وهذا حاصل أنه صبي يرث مثلا من أبيه مالا، ويكون مات أبوه مثلا وهو لم يره، أو مات أبوه بعد أن ولد. طيب، كون هذا الصبي الآن له هذا المال.
المال يسأل الولي يقول: هل أخرج الزكاة أم لا أخرج الزكاة من مال هذا الصبي؟ لاحظوا الآن من غلب جانب العبادة في هذه الزكاة، يقول: لا تجب عليه، لا تجب عليه زكاة باعتبار أنه صبي صغير لا تصح منه العبادة في هذه الحال. ومن غلب جانب كونها حق مالي، فإنه يوجب عليه الزكاة ويقول: إن الزكاة هي حق المال تجب على من ملك هذا المال، بغض النظر هو صبي أو كبير أو غير ذلك. إذاً يقول: إن الزكاة حق مالي؛ لاحظوا غلب جانب الحق المالي. وهكذا، ولهذه المسألة عدد من الآثار في كتاب الزكاة، وهي: هل الزكاة يغلب فيها جانب الحق المالي أم يغلب فيها جانب العبودية لله سبحانه وتعالى؟ لا شك أن الزكاة تجمع بين الأمرين جميعاً، وهو جانب العبودية وجانب الحق المالي.
أما الصلاة فإنها عبودية محضة، وهذا هو الغالب فيها. الحج يجمع بين جانب العبودية والجانب المالي، لذلك هناك عدد من المسائل التي يفترق فيها الحال لو غلبنا جانب العبودية أو لو غلبنا جانب الحق المالي في الحج، وهذه ربما اصطلح أهل العلم على مسألة ويقولون: هل المغلب الجانب المالي أو الجانب التعبدي الشخصي في هذه العبادة؟ فربما عبر بعضهم قال: هل هذه عبادة مالية أم عبادة بدنية، مثلاً في الحج؟ لكن الزكاة لا شك أنها عبادة مالية، لكن هل المغلب في هذه العبادة المالية هو العبودية لله والإخلاص والنية وغيرها، أم المغلب فيها الحق المالي؟
لا شك أن من غلب الحق المالي، ما علاقة هذا بمسألة وجوب الزكاة على الشخصية الاعتبارية؟ لا شك أن من غلب في الزكاة جانب الحق المالي أنه لا مانع عنده أن يوجب الزكاة على هذا الشخص الاعتباري، باعتباره شخصاً موجوداً في بلد مسلم، وإن كان هو اعتبارياً افتراضياً لكن له ذمة مالية ويملك، فيقول: إذاً تجب عليه الزكاة. لكن لا شك ذلك أن من غلب جانب العبودية لله سبحانه وتعالى، بمعنى جانب التعبد، فإن هذا التعبد لا يتصور من هذه الشركة كما لا تتصور منها الصلاة مثلاً، فلذلك فإنه يسقط وجوب الزكاة عن هذه الشركة باعتبارها شخصاً غير مكلف شرعاً، أو لا يتصور منها العبودية. إذاً لاحظوا الفرق، وهذا كله راجع إلى أصل معين وهو: هل الأصل المغلب في باب الزكاة جانب العبودية أم جانب الذمة المالية؟ إذاً هذا ما يتعلق بالحديث عن كون المملوك هل يملك أم لا، وخرجنا بخلاصة وهي أن الشركات الاعتبارية والشخصيات الاعتبارية تملك ما تحت يديها من الأموال، وأنه يصح جباية الزكاة منها، وتجبى منها الزكاة إذا كانت مؤسسة في بلد مسلم باعتبارها شخصاً اعتبارياً مكلفاً مالكاً لما تحت يديه من الأموال.
فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد الفاصل للحديث عن شروط وجوب الزكاة.
يموج العالم بأنواع من المعاملات والعقود، منها الحلال ومنها الحرام، فهل تعلم هذا من ذاك؟ فيلزم التاجر أن يتعلم فقه البيوع وأركان البيع وشروطه حتى يكون بيعه صحيحاً، ويتجنب البيوع المحرمة، ويتعلم الربا وصوره، وما يشترط فيه التقابض والتماثل معاً أو التقابض فقط حتى لا يقع في الربا. ويلزمه معرفة البيوع المنهي عنها كبيع المحرمات كالخمر، والغرر كبيع الطير في الهواء وبيع ما لا يملك، والقمار. ويلزمه تعلم أنواع الخيار؛ كخيار المجلس وخيار الشرط وخيار العيب حتى لا يظلم المشتري. ويتعلم أحكام القرض، ما يصح إقراضه وما لا يصح، وكيف يتصرف مع المماطل حتى لا يقع في الربا أو الظلم. ويتعلم القبض وصوره، فقبض كل شيء بحسبه، فإن كان موزوناً فقبضه بوزنه، وإن كان ثياباً ونحوها فقبضها نقلها، وإن كان مما لا ينقل فقبضه بالتخلية.
ويتعلم أحكام الإجارة كحرمة مماطلة الأجير، قال صلى الله عليه وسلم: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه». ويتعلم أحكام الزكاة حتى يعرف كيف يزكي أمواله، وليعلم أن الضريبة لا تغني عن الزكاة. ومن احتاج معاملة تعلم فقهها حتى لا يقع في الحرام، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 115].
نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونتابع الحديث معاً عن شروط وجوب الزكاة. من شروط وجوب الزكاة ملك النصاب، ويشترط أن يكون هذا الملك ملكاً تاماً مستقراً، ولا تجب الزكاة على غير مالك النصاب. إذاً لاحظوا هنا يحتاج أن يكون مالكاً، هذا الجانب الأول، ويحتاج أن يكون مالكاً للنصاب، هذا الشرط الثاني، وأن يكون ملكه تاماً مستقراً. إذاً إذا لم يكن مالكاً لا تجب الزكاة عليه، إذا كان مالكاً ولكن لا يملك النصاب لا تجب الزكاة عليه، إذا كان مالكاً وبقدر النصاب ولكن ملكه غير مستقر ولا تام لا تجب عليه الزكاة. إذاً لاحظوا الآن هذا في واقع الأمر جمع لنا ربما ثلاثة شروط، أن يكون مالكاً لنصاب ملكاً مستقراً، وقد عبر عنه بشرط واحد وهو ملكية النصاب ملكية تامة ومستقرة.
وملك النصاب أمر ظاهر لا يحتاج إلى تعريف، قضية النصاب في كل مال من الأموال الزكوية نصاب مقدر. ما معنى النصاب؟ معنى النصاب أنه حد بين القدر من المال الذي تجب فيه الزكاة، والقدر الذي لا تجب فيه الزكاة. فلو فرضنا مثلاً أن إنساناً يملك دولاراً واحداً، هل تجب عليه زكاة؟ نقول: لا، هذا القدر دون النصاب. طيب لو أن إنساناً يملك مثلاً 10000 دولار، نقول: هذا الملك فوق النصاب. إذاً هناك في كل مال من الأموال الزكوية نصاب، ما هو النصاب؟ هو الحد الذي يفرق المزكي عن غير المزكي، فمن ملك هذا النصاب أو أكثر منه فإنه يزكي، ومن لم يبلغ ملكه هذا النصاب فإنه لا يزكي. مثلاً الذهب، نصابه 85 جراماً مثلاً، فالآن من ملك من الذهب فوق هذا المقدار فإنه يزكي، ومن ملك أقل من هذا المقدار فإنه لا يزكي. إذاً هذا هو معنى النصاب؛ حد الملكية الذي تجب فيه الزكاة.
طيب ما معنى الاستقرار في الملك؟ أحياناً قد يكون الإنسان ملكه للشيء غير مستقر. كيف يكون غير مستقر؟ بمعنى أنه عرضة للسقوط. ننظر لذلك بعض الأمثلة، من الأمثلة التي يضربها أهل العلم في هذا الشرط: دين الكتابة على العبد. العبد إذا كاتب على نفسه، ما معنى كاتب على نفسه؟ أي اشترى نفسه من سيده بمبلغ، مثل ما جاء في حديث عائشة مع بريرة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، أنها قالت بريرة: كاتبت أهلي على تسع أواق، فأعينوني يا عائشة رضي الله تعالى عنها، فكاتبت أهلها على تسع أواق في كل عام أوقية. الآن هذا دين عليها، طيب هل هو دين مستقر يزكيه سادتها وأهلها؟ نقول: لا، في واقع الأمر هذا ليس ديناً مستقراً؛ لأن المملوك يملك في أي وقت أن يسقط هذا الدين عن نفسه، ويقول: أنا رغبت عن عقد الكتابة ولا أريده، وأريد أن أترك هذا العقد، وهذا حق له من حقوقه. إذاً لاحظوا أن هذا الدين غير مستقر؛ يعني ليست هذه التسع أواق دين مستقر كما هو دين القرض مثلاً أو دين البيع، وإنما دين غير مستقر باعتبار أن هذا المملوك يملك تعجيز نفسه في أي لحظة ويقول: خلاص أنا لا أرغب في هذا العقد وأرغب العدول عنه، وليس عليه أي إشكال ولا مانع.
طيب قد يقول قائل مثلاً: أليس الدين في عقد البيع مثلاً، من باع هذه القطعة مثلاً من الأثاث، من باعها إلى أجل فرضا الأجل هذا مثلاً سنة بعشرة دولارات مثلاً؟ طيب الآن لاحظوا أن هذا دين، هل هو مستقر أو غير مستقر؟ نحن نقول: هذا دين مستقر، لأنه دين ثابت في ذمة المشتري. قد يقول قائل: أليس هذا الدين عرضة للسقوط؟ نقول له: كيف؟ نقول مثلاً لو رد هذه القطعة بخيار العيب مثلاً، أو طلب منه الإقالة فأقاله، أو كان له مثلاً شرط يرد به هذه السلعة. نقول: نعم، ولكن هذه الأمور نادرة أو قليلة الحدوث، والأصل أن هذا الدين دين مستقر، بخلاف دين الكتابة الذي شرحناه قبل قليل. دين الكتابة على الرقيق نقول: إن هذا الدين الأصل فيه عدم الاستقرار؛ لأن نفس بنية الدين تسمح بإلغائه، لكن هذا بنية الدين الأصل فيها تثبيته وبقاؤه. لاحظوا، ولكن قضية الرد بالعيب مثلاً أو الإقالة إذا اتفق عليها الطرفان، هذه ليست في بنية العقد، وإنما هذه أمور عارضة طارئة على العقد وعلى الدين. نعم تسقط هذا الدين، ولكن ليس معنى هذا أن هذا الدين غير مستقر، وإنما هو مستقر وإن كان ثمة بعض الأسباب التي تسقطه، ولكن هذه الأسباب نادرة، لذلك نحن نقول: ما هو الأصل في الدين؟ هل هو مستقر أو غير مستقر؟ ملكية المال هل هي مستقرة أو غير مستقرة؟ إذاً هذا معنى أن يكون ملكه ملكاً مستقراً، بمعنى أنه صحيح يمكنه التصرف فيه، وهو تام ومستقر وإن كان يوجد هناك بعض العوارض النادرة أو القليلة التي ربما تمنع ثبوته، ولكن لا ينظر إلى هذا النادر والقليل.
الشرط الرابع من شروط وجوب الزكاة، وهو في واقع الأمر الشرط الثالث على ترجيحاتنا هنا، هو حولان الحول على المال. وذلك بأن يمر على النصاب في حوزة مالكه 12 شهراً قمرياً، وقد جاء في الحديث: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول»، والحديث مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه ابن ماجه، وفيه كلام من حيث ثبوته وضعفه.
نحن نقول حولان الحول الحقيقة فيه جانبان: الجانب الأول اعتبار الحول في الجملة، وهذا أمر متفق عليه بين أهل العلم. اعتبار الحول في الجملة معنى فرضا أن الزكاة وجبت اليوم على شخص، هل نوجبها عليه غداً أو بعد غد أو نوجبها عليه بعد أسبوع؟ نقول: لا، الحول معتبر، فما دام وجبت عليك اليوم تجب عليك مرة أخرى بعد سنة. إذاً قضية اعتبار الحول في وجوب الزكاة هذا أصل يكاد يكون متفقاً عليه بين أهل العلم، ولا أحد يوجب الزكاة على المسلم في كل يوم، وإنما لا بد أن يكون هناك مقدار يدور فيه الحول لتجب الزكاة.
أما الاعتبار الثاني في قضية اشتراط الحول، هل تجب الزكاة في بدء الحول أم في آخر الحول؟ هذه مسألة نعم، نقول هذه خلافية. بمعنى الإنسان إذا استفاد مالاً اليوم، هل يقال له: زكّه اليوم ثم تزكيه بعد حول؟ هذا قول، القول الثاني أنه إذا استفاد مالاً اليوم نقول: لا زكاة عليك فيه حتى يحول عليه الحول. هذا فيه خلاف حتى بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعضهم قال: إن المال المستفاد يزكى أول ما يقبض، ثم يحول عليه الحول فيزكيه مرة ثانية، يحول عليه الحول يزكي مرة ثالثة وهكذا، فاعتبار للحول كأنه يرى أن الزكاة تكون في مقدمة الحول. وبعض أهل العلم، وهو الذي مشى عليه جمهور أهل العلم، وعليه بعض أصحاب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، أن الزكاة تجب في آخر الحول، بمعنى أنه يملك النصاب اليوم وتجب عليه الزكاة في آخر الحول.
طيب، هذا في واقع الأمر في المال المستفاد، مثلاً مثل الإرث وغيره، وإن كان هناك تفاصيل عند أهل العلم مثلاً في مال الأجرة مثلاً، أجرة العقارات أو غيرها، يفصلون فيها تفصيلاً آخر، وإن كان هناك مثلاً تفاصيل أخرى في قضية ربح التجارة، في قضية الرواتب أو غيرها، هذه مسائل حقيقة مختلفة، ولكن أصل مسألة المال المستفاد، مثلاً المال المستفاد مثل ماذا؟ مثلاً المال المستفاد بإرث مثلاً. لاحظوا أن هذا لا ينطبق عليه أنه أجرة ولا ينطبق عليه أنه ربح تجارة، ولا ما المستفاد بإرث أو بهبة. فهل يزكيه حين يقبضه أم يزكيه بعد حولان الحول عليه؟ الذي يظهر والله تعالى، الذي عليه جمهور أهل العلم من المذاهب الأربعة وغيرهم، أنه يزكيه بعد حولان الحول عليه، ثم يزكيه كل حول. إذاً لاحظوا قضية حولان الحول فيه جانب متفق عليه بين أهل العلم، وهو أن الحول معتبر في الزكاة. طيب أما قضية مضي حول فهذه غالب أو جمهور أهل العلم يراها، وبعض أهل العلم وذكرنا أنه حتى معهم بعض الصحابة، لا يرى مضي الحول وإنما يرى استقبال الحول. إذاً اعتبار الحول قدر متفق عليه بين جميع العلماء، فلا أحد يوجب الزكاة على الشخص في كل يوم، وهذا لا شك أنه متلف للمال، لا شك أنه عسير جداً، لا يأمر الله سبحانه وتعالى به، وإنما تجب عليه الزكاة في كل حول.
إذاً هذه مجمل الشروط التي تتعلق بشروط وجوب الزكاة. هناك بعض الأشياء مستثناة من حولان الحول وهي مثلاً قضية المعشرات، الخارج من الأرض، الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]. إذاً هذه المعشرات مستثناة وهي الحبوب والزروع والثمر. كذلك من المستثنى ربح التجارة لأنه يضم إلى أصله، كذلك يستثنى نتاج السائمة لأنه يضم إلى أصله، دائماً هذه قاعدة أن الفروع في المال تضم إلى أصلها. الفروع في المال مثلاً ما تنتجه الغنم، يضم إلى أصله في قضية الحول، ما تنتجه التجارة وأرباح التجارة، يضم إلى أصل رأس المال في الحول. إذاً هذه في واقع الأمر نقول: إن حولها حول أصلها.
أما المعشرات فليس لها حول أصلاً، وإنما يؤدى حقها في يوم حصادها، كما جاء في القرآن الكريم: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]. هذا بإجمال شروط وجوب الزكاة.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهلاً نوال ميسراً، يأتيك ميسور بأي مكان، زاد زاد أكاديمية، ينبوعها صافٍ صافٍ ليروي غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي