يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريده سهل النوال ميسرًا، يأتيك ميسورًا بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملًا بالشرع دون تعصب لفلان. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدًا، وآتنا من لدنك توفيقًا وسدادًا وصوابًا. اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأقوال والعلوم والمعارف والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس السادس والعشرون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في الفصل الدراسي الثاني. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس قائلها وسامعها، وأن يجعلها من العلم الذي يكون حجة لنا لا حجة علينا، اللهم آمين.
إخواني وأخواتي، كنا قد تحدثنا عن الزكاة، تحدثنا عن وجوبها وأهميتها وفضلها، وتحدثنا عن شروط وجوبها، وقلنا إن شروط وجوبها عند أهل العلم ترجع إلى الإسلام، وهذا أمر متفق عليه، وترجع إلى كونه غير مملوك، وهذا أمر ذكرنا أن فيه بعض كلام لأهل العلم وفيه بعض التطبيقات المعاصرة. وذكرنا أنها ترجع كذلك إلى ملكية النصاب ملكية تامة ومستقرة، والأمر الرابع حولان الحول.
وذكرنا أنه يرجع إلى اعتبارين، أما اعتبار حولان الحول في الجملة فهذا أمر متفق عليه بين أهل العلم، فلا أحد يوجب الزكاة على شخص في مال اليوم ثم غدًا ثم بعد غدٍ وهكذا، وإنما يعتبر الحول في الجملة. هل معتبر أوله أم آخره؟ في واقع الأمر أن جمهور أهل العلم يعتبرون مضي الحول لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان فيه كلام إلا أنه قد روي وأخذ به جمهور أهل العلم، أنه لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول. إذا هذا ما يتعلق بشروط وجوب الزكاة، ولكن ثمة بعض المسائل التي لابد أن ننوه عليها في هذا المقام، وهو أن بعض الأموال مستثناة من وجوب الحول واعتبار الحول، وإنما تجب الزكاة حين وجودها ثم لا تجب فيها بعد ذلك.
ما هي هذه الأشياء؟ مثل الزروع والثمار الخارج من الأرض لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]. إذا هذا يدل على أن وجوب زكاة الزروع والثمار تكون يوم حصادها، ثم لا تجب بعد ذلك. إذا هذه قضية، لاحظوا لا يوجد هنا اعتبار الحول.
المال الآخر كذلك مثلاً نتاج السائمة. لو أن المصدق -والمصدق هو الذي يرسله الإمام لجباية الزكاة- لو أن المصدق جاء لهذا الشخص صاحب الغنم في أول شهر محرم، وقال له: خلينا نعد رؤوس الغنم التي عندك ثم بعد ذلك نحسب فيها الزكاة. فلما عد رؤوس الغنم وجدها مثلًا أربعين رأسًا، فقال: إذا عليك شاة. فقال صاحب الغنم: كيف تحسب عليَّ شاة وهذه الغنمة الصغيرة التي تراها لم تضعها أمها إلا قبل أسبوع مثلًا أو قبل شهر؟
فيقول المصدق له حينئذ: نحسبها في النصاب باعتبار أن نتاج السائمة يضم إلى أصله في النصاب. ولكن هنا قضية مهمة حقيقة أن هذا المثال غير صحيح؛ لأنه لم يملك النصاب إلا من أسبوع، لكن المسألة مفروضة فيمن ملك النصاب من أول الحول. فمثلاً خلونا نعيد المثال بشكل صحيح: لو أن شخصًا جاء المصدق إليه فقال: كم عندك من الغنم؟ قال: أربعمائة رأس. قال: إذا عليك أربع شياه. قال: لِمَ تحسب علي أربعًا وهذا الرأس الأخير لم يولد لي إلا قبل أسبوع؟ فالمفترض أنك تحسب الزكاة على أساس أنها ثلاثمائة وتسعة وتسعون رأسًا؛ لأن هذه التي مضى عليها الحول من قبل، والوقص لا زكاة فيه، والوقص هو ما بين النصابين أو ما بين الحدين من حدود الزكاة. فالمفترض أنك تحسب عليه ثلاث رؤوس فقط. قال: لا، هذا يضم إلى أصله وأنت قد ملكت النصاب من أول الحول.
لاحظوا الفرق بين هذه المسألة والمسألة التي قبلها. المسألة التي قبلها لم يملك النصاب إلا قبل أسبوع، فهذا في هذه الحال يبدأ حوله، لكن في هذه المسألة الثانية لا؛ هو قد ملك النصاب من أول الحول، ولكن الاختلاف في قضية رتب وجوب الزكاة. إذًا نتاج السائمة يضم إلى أصله في الحول، هل يضم إلى أصله في قضية اشتراط ملكية النصاب؟ الظاهر لا؛ لأنه لا يبدأ حوله إلا بعد ملكية النصاب.
ربح التجارة؛ لو أن شخصًا كان يبيع ويشتري، بدأ تجارته نفترض بمائة ألف، فلما انقضى الحول صار رأس ماله في التجارة مع أرباحه تساوي مائتي ألف، تضاعفت بفضل الله سبحانه وتعالى وبركة الله سبحانه وتعالى. هل يزكي في نهاية الحول مائتي ألف؟ سيقول هذا الشخص: إنه لم يربح مثلًا إلا في الشهر الأخير، فلماذا تحسب في الزكاة؟ نقول: إنها تضم إلى أصلها لأن ما نما عن شيء ضم إليه، ما دامت نمت عن رأس المال فتضم إلى رأس المال في الأصل، ولا يشترط لهذا حول جديد، وإنما ترجع إلى حول أصلها. ما دام أنه قد بدأ الحول بمائة ألف، فإنه حينئذ في نهاية الحول ننظر كم صارت هذه المائة ألف مع ربحها؟ صارت مائتي ألف، إذًا يزكي مائتي ألف، وإن كان بعض المال من هذه المائتي ألف لم يربحه إلا في الشهر الأخير.
لاحظتم؟ إذًا هذا الربح لا نعتبر له حولًا مستقلاً. وهذا بخلاف المال المستفاد، فجمهور أهل العلم يرون أنه يبدأ حوله في كل وقت استفاد فيه هذا المال. فمثلاً لو أن إنسانًا ورث من قريب له مائة ألف دولار مثلًا، ثم ورث من قريب آخر عشرة آلاف دولار، هل يضم هذا إلى ذاك ونقول له: زكِّ عند تمام الحول واحسب الحول من حين وفاة القريب الأول؟ أم نقول: إن لهذا حولًا ولهذا حولًا؟ جمهور أهل العلم يرون أنه لا يضم بعضه إلى بعض باعتبار أن هذا مال مستفاد وهذا مال مستفاد بطريقة أخرى.
وإن كان من أجاز له أن يعتبر لهذا حولًا ولهذا حولًا يقول: إن الأيسر عليه أن يجعل له حولًا واحدًا في السنة يزكي فيه جميع ما يملكه من أموال. ولكن هذه الفتية من باب الأيسر له في حسابه حتى يتيسر عليه حساب الزكاة؛ لو استفاد أموالًا في أوقات متعددة. بعض الناس يستفيد المال مثلًا عشر مرات في السنة أو عشرين مرة في السنة أو ثلاثين مرة في السنة، فهل معنى ذلك أنه سيكون له ثلاثون حولًا في الزكاة؟ لا شك أن الأيسر له أن يعتبر هذه الأحوال بحول واحد منها، ثم يحسب فيه ماله.
وخصوصًا إذا قلنا -حقيقة- خصوصًا إذا قلنا بأن الأموال هذه النقدية موصوفة لا تتعين، وهو الصحيح في مسألة هل النقد يتعين أم لا يتعين؟ الصحيح أنه لا يتعين بالتعيين، فهو موصوف في ذمته. لاحظوا إذًا تختلط هذه الأموال بعضها ببعض، فكيف نقول: إن هذا الشخص صرف من المال الذي استفاده في الحول رقم أربعة، ولم يصرف من المال الذي استفاده في الحول رقم خمسة؟ وهذا هي أصلاً كلها أموال موصوفة اختلط بعضها ببعض في حساب واحد. لذلك في واقع الأمر كون الأموال النقدية موصوفة لا تتعين بالتعيين يقوي جانب القول بضم بعضها إلى بعض في حول واحد، ويزكيها في آخر الحول الأول زكاة واحدة باعتبارها مالًا واحدًا، وتقرب حينئذ من ربح التجارة، وهذا الذي يفعله حقيقة أغلب الناس. ولكن عادت المسألة هل هو من باب الأيسر لهم أو هو من باب الواجب عليهم؟ هذه في الحقيقة هي المسألة التي يطرقها أهل العلم. فأصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد الفاصل.
القرآن كنز عامر بالفضائل والخيرات، وللوصول إلى فوائد هذا الكنز لابد من استعمال مفاتيحه، وهي آداب تلاوة القرآن. فمنها إخلاص النية لله تعالى، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أوائل من تسعر بهم النار يوم القيامة قارئ للقرآن، يقال له: قرأت القرآن ليقال هو قارئ. ومنها التسوك والتطهر من الحدث الأصغر واستقبال القبلة. وعند البدء بالتلاوة يستعيذ بالله من الشيطان، فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم. ويرتل القرآن بتمهل وتبيين للحروف، وكان ابن عباس يقول: لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله. ويستحب تحسين الصوت بالقرآن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «زينوا القرآن بأصواتكم». وإذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ بالله من العذاب. ويستحب الاجتماع على تلاوة القرآن وتدبره وتدارسه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده».
نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونتابع الحديث معًا في مسألة شروط وجوب الزكاة وما بعدها من المسائل المتعلقة بهذا الباب.
مسألة الديون؛ هل ملكية الدين ملكية تامة مستقرة؟ وهل الإنسان إذا كان عليه دين تكون ملكيته لما تحت يده من الأموال ملكية تامة مستقرة؟ إذًا يمكن أن ننظر إلى مسألة الدين الذي للإنسان والدين الذي على الإنسان في ضوء استقرار الملك وتمامه. فنقول أولًا: نتحدث عن الديون التي للإنسان، هل يزكيها الإنسان أم لا يزكيها؟ الظاهر والله تعالى أعلم أنه يزكي هذه الديون، وليس معنى كون هذه الأموال بيد الآخرين أنه لا زكاة عليه فيها، نقول: لا زكاة عليك فيها إذا كانت دينًا على معسر أو مماطل؛ بمعنى أنك لا ترجو وفاء هذا الدين إلا بعد فترة طويلة من استحقاقه أو ربما لا يحصل لك.
إذا لاحظوا أن هذا المال أشبه بالمال التالف. الإنسان إذا دُين شخص وأفلس هذا الشخص أو أعسر أو كان هذا الشخص ثبتت مماطلته، أنه لا يسدد ما الفرق بين المعسر والمماطل؟ فلا يجوز للإنسان أن يتأخر في وفاء الدين الذي عليه، ولكن نحن حديثنا الآن ليس عن هذه المسألة، ولا شك أن وفاء الديون من الوفاء بالعقود الذي أوجبه الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]. إذا هذه قضية الديون التي للإنسان، هل يجب عليه أن يزكيها أم لا يجب عليه أن يزكيها؟ نقول: إذا كان هذا الدين على موسر باذل فإنه يجب عليه زكاته، أما إذا كان هذا الدين على معسر أو على مماطل فلا تجب عليه زكاته إلا إذا قبضه، حينئذ فإنه إما أن يزكيه لحول واحد وإما أن يستأنف به حولًا، ولكن لا تجب عليه الزكاة طالما كان هذا الدين في ذمة هذا المعسر أو المماطل.
طيب الدين الذي على الإنسان، هل يمنع وجوب الزكاة عليه؟ فرضًا أن إنسانًا يملك مثلًا عشرة آلاف دولار، ولكن عليه دين بقدر مثلًا ألف دولار، فالآن هل يزكي عشرة آلاف دولار باعتبارها في يده أم يزكي تسعة آلاف دولار باعتبار أنه مدين بهذا الدين الذي قدره ألف دولار؟ حقيقة أن هذه المسألة فيها اتجاه؛ الاتجاه الأول يقول: إن الدين الذي على الإنسان يسقط من الزكاة بقدره، إذا يخصم الإنسان الدين الذي عليه، والرأي الثاني يقول: إن الإنسان لا يخصم الدين الذي عليه. والأظهر والله تعالى أعلم أن الإنسان يخصم الدين الذي عليه، ولكن بضوابط.
ما هي هذه الضوابط؟ نقول: إن هذا الدين الذي على الإنسان ينبغي أولًا أن يقابل الأصول التي لا تُزكى عند هذا الشخص المكلف. كيف؟ نفترض مثلًا أن هذا الشخص عنده مثلًا سيارة أو أثاث أو منزل بعشرة آلاف دولار، وعنده كاش بعشرة آلاف دولار. فنقول: الآن هذا الشخص عنده عشرون ألف دولار، أسقطنا عليه من الزكاة أو ما يسمى بوعاء الزكاة، أسقطنا عليه من هذا الوعاء عشرة آلاف دولار باعتباره أصلًا مالًا غير زكوي، مثلًا أصول ثابتة كعقار أو كسيارة أو غيرها من أموال القنية، والقنية لا يجب فيها زكاة. وأوجبنا عليه زكاة في عشرة آلاف دولار باعتباره أنه مال يُزكى وأنه مال كاش سائل يُزكى. طيب قال هذا الشخص: أنا علي ألف دولار، نقول: هذه الألف دولار التي عليك تقابل مال أصل القنية الذي عندك، وبالتالي لا يخصم عليك من المال الكاش السائل مقدار ألف دولار، وإنما يجب عليك زكاة عشرة آلاف دولار باعتبار أن هذا الألف الذي عليك في واقع الأمر لا يقابل بالأموال السائلة التي تجب فيها الزكاة، وإنما يقابل بأموال القنية التي لا تجب فيها الزكاة.
لاحظتم؟ طيب لو قال هذا الشخص: أنا عندي الآن عشرة آلاف قنية، وعندي عشرة آلاف كاش سائل، وعليَّ دين بأحد عشر ألف دولار. لاحظوا الآن قال: عليَّ دين بمقدار أحد عشر ألف دولار. نقول: هذه الأحد عشر ألف دولار تقابل عشرة آلاف دولار القنية التي عندك، والألف الفائضة الزائدة تقابل ألفًا من أموال الكاش السائل الذي عندك، وبالتالي فيجب عليك زكاة بقدر تسعة آلاف دولار.
لاحظتم؟ إذًا هذا الصحيح والله تعالى أعلم في مسألة هل الدين الذي على الإنسان يسقط وجوب الزكاة عليه أم لا؟ نقول: إنه يسقط وجوب الزكاة بقدره، ولكن بعد أن يقابل بالأصول التي لا زكاة فيها عند هذا المسلم الذي يخرج الزكاة، إذًا.
الدين الذي على الإنسان يقابل بماذا؟ يقابل بالأصول غير المزكاة عنده ما فاض عن ذلك، فيخصم من الأصول الزكوية بقدره، وهذا المثال الذي ضربنا: لو كان عليه دين 1000، نقول تزكي الـ 10000 كاملة. لو كان الدين الذي عليك مثلاً 9000، تزكي الـ 10000 كاملة؛ لأن هذه التسعة تقابل الأصول غير الزكوية، وأنت عندك أصول غير زكوية بمقدار 10000، وعندك أصول زكوية كاش سائل بمقدار 10000 أخرى، فلما دام عليك 9000 قابلها بهذا.
طيب، إذا قال: والله أنا عليَّ الآن دين بمقدار مثلاً 15000 دولار، نقول: أحسنت، 10000 تقابل الأصول غير الزكوية، و5000 تقابل الأصول الزكوية، فتزكي الـ 5000 الباقية التي عليك. هذا هو أعدُّ الأقوال وأصحها وأرجحها والله تعالى أعلم في هذه المسألة، خلافاً لمن منع المدين من أن يسقط عنه شيئاً من الزكاة بالكلية؛ وهذا حقيقة اتجاه صعب؛ لأن يكون عليه دين، ويكون هذا المال في حقيقته في يده ثروته غير مستقرة؛ لأنه سوف يقابل بهذا الدين، وخلافاً لمن جعل هذا الدين الذي على الإنسان في مقابلة الأموال الزكوية، فهذا كذلك فيه هضم لحقوق الفقراء والمساكين.
هذا في الحقيقة القول الذي اخترناه هو أوسط الأقوال وأعدلها، فالإنسان يراعي فيه هذا القول حق الفقير ويراعي حق الغني؛ فمراعاته لحق الفقير أنه جعل هذا المال يقابل أولاً المال غير الزكوي؛ فلا يتلاعب الشخص المالك الغني أو المزكي فيجعل هذا المال في مقابلة المال الزكوي والمال غير الزكوي أصلاً لا تجد فيه زكاة؛ فبالتالي لا يخرج زكاة، لا، نقول: هذا المال الدين الذي عليك قابل به أصولك غير الزكوية أولاً، فما فاض فاجعله في مقابلة المال الزكوي. هذا الذي يظهر والله تعالى أعلم في هذه المسألة، وهذا حقيقة القول المعتدل والمتوسط بين هذين الرأيين، والله تعالى أعلم.
فصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد هذا الفاصل. ليس كل ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم صحيحاً، فكيف تعرف الصحيح من غيره؟ عن طريق علم مصطلح الحديث، والحديث النبوي هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو وصف. والحديث الصحيح هو ما رواه عدل تام الضبط بسند متصل وسلم من الشذوذ، أي مخالفة من هو أرجح منه، ومن العلة القادحة، وهي أمر خفي يقدح في صحة الحديث، ومثله الحديث الحسن، غير أن راويه خفيف الضبط، والحديث المقبول صحيحاً كان أو حسناً يجب العمل به في العقيدة والأحكام وغيرها. ويرد الحديث لسقط في إسناده أو للطعن في عدالة الراوي أو ضبطه، والحديث الضعيف لا يعمل به إلا بشروط: ألا يكون شديد الضعف، أن يندرج تحت أصل معمول به، ألا يعتقد عند العمل به ثبوتاً بل يعتقد الاحتياط. ويجوز رواية الحديث بالمعنى بشروط: أولاً أن تكون من عارف بمعناه، ثانياً أن تدعو الضرورة إليها، ثالثاً ألا يكون متعبداً بلفظه كالأذكار ونحوها. فاحذر من الأحاديث الباطلة ولا تنشرها في مواقع التواصل أو غيرها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين».
نعود إليكم بعد هذا الفاصل، وكنا قد تحدثنا قبله عن عدد من المسائل المتعلقة بزكاة الدين، الدين الذي للإنسان والتصرف في الدين الذي على الإنسان. إذاً عندنا مسألتان: هل يزكي الإنسان ما له من الديون عند الآخرين من الأموال عند الآخرين؟ وقلنا إنه يفرق بين الموسر الباذل وبين الطرف الآخر المعسر أو المماطل. طيب، المسألة الثانية: الديون التي عليَّ هل أخصمها من أموال الزكاة التي بين يديَّ أم أنني لا أخصمها؟ قلنا الاتجاه الأول يقول: إنك لا تخصم منها أي شيء، وهذا في الحقيقة فيه نوع من الإجحاف بهذا الشخص المزكي، فرض أنه يملك مثلاً مليوناً بين يديه كلها دين عليه؛ فالآن كيف يخرج الزكاة وهو أصلاً في واقع الأمر ثروته تساوي صفراً؟ لأن عنده مليوناً وعليه مليوناً، هذا قد يكون حقيقة أشبه بمن لا مال عنده؛ لذلك حقيقة الزكاة ينبغي فيها النظر إلى قضية جانب الغنى والفقر، جانب الغنى والفقر. إذا قلنا إن الصحيح والله تعالى أعلم أن هذا الدين الذي على الإنسان يخصم، ولكن في مقابل هذا لا يعني أن هذا إرفاق بالغني دون الفقير، لا، وإنما نجعل هذا الدين أولاً في مقابل الأصول غير الزكوية، في مقابل بيته، سيارته، أصوله الثابتة في الشركات مثلاً؛ الشركات الأصول الثابتة لا زكاة فيها، في مقابل الأصول الثابتة، ثم بعد ذلك ما يفيض يقابل بالأصول الزكوية وهي المال أو الكاش السائل عنده. فبالتالي إذا كان عنده كما قد ذكرنا في المثال 10000 دولار و10000 دولار وعليه دين 15000 دولار، فإن الـ 15000 دولار في واقع الأمر لا يخصم منها إلا بمقدار 5000 دولار، والله تعالى أعلم، ويزكي 5000 دولار. هذا القول كما ذكرنا أنه معتدل ومتوسط بين الرأيين.
طيب، نريد أن ننتقل حقيقة إلى مسائل أخرى، وهي المال المدخر تجب فيه الزكاة، نعم المال المدخر تجب فيه الزكاة إذا كان من الأموال الزكوية. تأتينا مسألة وهي نقصان النصاب في أثناء الحول، إذا نقص النصاب في أثناء الحول هل يستأنف حولاً جديداً أم أنه لا يستأنف حولاً جديداً؟ الظاهر والله تعالى أعلم أنه يستأنف حولاً جديداً من حين تمام النصاب. إذاً هذه مسائل كلها متعلقة بشروط وجوب الزكاة. نريد أن ننتقل الحقيقة بعد ذلك إلى الأموال الزكوية، الأموال الزكوية اصطلاح عند أهل العلم يعنون به الأموال التي تجب فيها الزكاة، وكنا قد ذكرنا من قبل أن الأموال من حيث وجوب الزكاة فيها أو عدم وجوب الزكاة فيها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول ما وجبت فيه الزكاة نصاً، وهذا لا إشكال في وجوب الزكاة فيه عند أهل العلم. النوع الثاني من الأموال ما سقطت فيه الزكاة نصاً، وهذا لا إشكال في عدم وجوب الزكاة فيه. النوع الثالث ما سكتت عنه الشريعة، وهذا قد ذكرنا فيه اتجاهين: الاتجاه الأول يرى أن الأصل في الأموال وجوب الزكاة إلا ما أسقطه الشرع، والاتجاه الثاني يرى أن الأموال لا تجب فيها الزكاة إلا ما أوجب فيه الشرع؛ إذاً هذه اتجاهان متباينان. لذلك سوف نلحظ في واقع الأمر أن الأموال المسكوت عنها غالباً ثمَّة فيها اتجاه بعض أهل العلم يرى وجوب الزكاة فيها، وبعض أهل العلم يرى عدم وجوب الزكاة فيها، بناءً على اختلاف في هذين الاتجاهين.
ونحن في الحقيقة قد رجحنا ومشينا على الاتجاه القائل بأن الأصل وجوب الزكاة في الأموال إلا ما سكتت عنه الشريعة كأموال القنية وغيره، وهذا راجع إلى قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: 24-25]، وقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: «صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم»، والغنى حقيقة قد يكون حاصلاً بالأموال التي لم ينص الشرع على وجوب الزكاة فيها، وبالتالي فإنه تؤخذ منه الزكاة والصدقة في هذا المال.
أول هذه الأموال سوف نتحدث الآن عن الأموال المنصوصة، وربما في ثناياها نتحدث عن بعض الأموال التي هي من القسم الثالث غير المنصوص على وجوب أو عدم وجوبه. أول هذه الأموال المنصوص على وجوب الزكاة فيها الذهب والفضة، وقد جاء النص على وجوب الزكاة فيها في القرآن الكريم، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: 34-35]، والعياذ بالله، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجيرنا وإياكم من النار ويعيذنا وإياكم من حرها وعذابها وسمومها. إخواني وأخواتي، فسر أصحاب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم هذه الآية بأن ما أديت زكاته فليس بكنز، ولا شك أن هذه الآية تخيف المؤمن، تخيف المؤمن الذي يتعامل بالدينار والدرهم الذهب والفضة، لا شك أنها شديدة في قضية تأخير الزكاة؛ لذلك يجب على المسلم إخراج الزكاة في الذهب والفضة، النقود التي عنده، وأن يبادر وأن يبادر إلى إخراجها، وألا يتأخر في إخراجها حتى لا يقع في هذه العقوبة التي هدد الله سبحانه وتعالى فيها بأن هذا المال الذي كنزه الإنسان ولم يؤدِّ زكاته أنه يحمى عليه في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، والعياذ بالله، إذاً يعذب بهذا المال الذي كنزه وجمعه ولم يؤدِّ حق الله سبحانه وتعالى فيه.
كيف يخرج الإنسان في واقع الأمر من هذه الآية؟ يخرج الإنسان بأداء الزكاة في هذا المال، أداء الزكاة في هذا المال. الإنسان الذي لا يؤدي الزكاة في هذا المال في واقع الأمر البخيل الذي يحب المال ويبخل بهذا المقدار وهو ربع العشر 2.5 بالمئة، يتكاثر هذا المال على الفقراء والمساكين، فإن الله سبحانه وتعالى يعذبه بهذا المال الذي أحبه والذي سيطر على قلبه والذي منعه من إخراج الزكاة، فيعذب أول شيء بهذا المال، والعياذ بالله. أسأل الله سبحانه وتعالى يجيرنا وإياكم من عذاب النار. لاحظوا الحكمة الشرعية الكونية في كونه يعذب بهذا المال الذي صرفه عن طاعة الله وعن عبادة الله. إذاً هذه الآية دلت على وجوب الزكاة في الذهب والفضة، وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «وفي الرقة ربع العشر»؛ الرقة هي الفضة المضروبة، الفضة المضروبة دراهم، ربع العشر أي مصطلح الناس اليوم على تسميته بـ 2.5%، العشر هو 10%، ربع العشر هو 2.5%، إذاً 2.5% أو واحد من 40، هذه كلها تعبيرات رياضية صحيحة، ربع العشر، واحد من 40، 2.5%. المهم أنه في كل 40 درهماً يجب عليه درهم، إذاً هذا الدليل يدل على مقدار المخرج أو مقدار الزكاة في الرقة.
طيب ما هو النصاب؟ جاء في الحديث: «في كل 200 درهم ربع العشر»، في كل 200 درهم ربع العشر، هذا الحديث دلنا على مقدار نصاب الزكاة في الرقة وهي الفضة، وأما الذهب فقد جاء في الحديث: «في كل 20 مثقالاً»، والحديث كذلك في سنن أبي داوود بخلاف حديث الرقة في الصحيح. إذاً نصاب الفضة ومقدار الواجب فيها كما جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم هو 200 درهم، والمقدار المخرج هو ربع العشر 2.5 بالمئة؛ يعني في كل 200 درهم كم؟ 5 دراهم؛ لأن في كل 100 قلنا 2.5، الإنسان الذي عنده مثلاً 1000 درهم فإنه يخرج منها 25 درهماً. طيب في الذهب: في كل 20 مثقالاً فإنه يخرج كذلك نصف أو بالأصح يخرج ربع العشر وهو 2.5 بالمئة.
طيب هذه الدراهم هي معيار في الفضة، معيار قديم زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ما الذي يعادله اليوم بالمعيار المعاصر؟ يعادل 595 جراماً من الفضة. طيب الذهب 20 مثقالاً، ما الذي يعادله اليوم في الموازين المعاصرة؟ يعادل 85 غراماً من الذهب. ما فائدة تحديد هذه الجرامات؟ فائدتها تحديد النصاب، نحن قد ذكرنا من قبل النصاب هو الحد الفارق، والحد الفارق الذي يجب على من ملكه الزكاة، ومن كان يملك دونه فلا يجب عليه الزكاة. فلو أن إنساناً مثلاً يملك 500 غرام من الفضة نقول لا يجب عليك زكاة فيها، يملك 600 غرام من الفضة نقول يجب عليك فيها الزكاة. طيب لو أن إنساناً يملك مثلاً 50 غراماً من الذهب نقول لا يجب عليك زكاة، يملك 100 غرام من الذهب يجب عليه حينئذ الزكاة، هذا هو معنى نصاب الذهب والفضة. وثمة بعض المسائل المتعلقة بنصاب الذهب والفضة ولكن نتطرق إليها إن شاء الله تعالى في درسنا القادم.
ربنا علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً وصواباً وسداداً، يا أرحم الراحمين يا رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي