يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهل النوال ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان، زاد زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. ربنا اهدنا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال والعلوم، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس السابع والعشرون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في فصلها الدراسي الثاني، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه الدروس حجة لنا لا حجة علينا، وأن يجعلها نافعة وبركة في حق قائلها وسامعها، وأن يعيذنا وإياكم أن نكون من العلم الذي يضر ولا ينفع. اللهم آمين.
إخواني وأخواتي، كنا قد وصلنا في حديثنا في أبواب الزكاة إلى مسألة الأموال الزكوية. تحدثنا عن وجوب الزكاة أصلاً وتعريفها، ثم تحدثنا عن بعض حكمها وآثارها، ثم تحدثنا بعد ذلك عن شروط وجوبها، ثم انتقلنا بعد ذلك إلى مسألة الأموال الزكوية. الأموال الزكوية اصطلاح يراد به الأموال التي تجب فيها الزكاة، والأموال غير الزكوية هي الأموال التي لا تجب فيها الزكاة. وكنا قد ذكرنا أن الأموال من حيث وجوب الزكاة فيها وعدم وجوبها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أموال وجبت فيها الزكاة بالنص، وأموال لم تجب فيها الزكاة بالنص، وأموال مسكوت عنها؛ ربما ألحقت بما يجب فيه الزكاة وربما ألحقت بما لا يجب فيه الزكاة.
ثم بدأنا في سرد الأموال التي تجب فيها الزكاة نصاً، وقلنا إن أول هذه الأموال الذهب والفضة. وقد جاء في قول الله سبحانه وتعالى في سورة التوبة وعيد شديد لمن لم يخرج هذه الزكاة في المال، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: 34-35].
ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أن عقوبتهم ستكون بالكي بالشيء الذي أحبوه ومنعهم من عبادة الله وطاعة الله والعياذ بالله، فهم قد منعهم حب المال وحب الذهب والفضة من إخراج الزكاة، فكانت عقوبتهم يوم القيامة بهذا الذهب والفضة الذي كنزه. انظروا هذا اللفظ التوبيخي: ﴿هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾؛ يوبخهم الله سبحانه وتعالى بهذا المال الذي أحبوه وعظم حبه في قلوبهم لدرجة أنه من شدة بخلهم منعهم من إخراج الزكاة. هذا ما كنزتم لأنفسكم؛ يعني هذا هو الذي أحببتموه وكنزتموه ومنعتم فيه حق الله، ذوقوا ما كنتم تكنزون، هذا هو الذي تعذبون به والعياذ بالله. لا شك أن هذا في حقيقته زيادة في توبيخهم وعذابهم، نسأل الله سبحانه وتعالى السلامة والعافية من النار.
ثم قد ذكرنا بعد ذلك أنه قد جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم بيان نصابهما، وقلنا إن الفضة نصابها مائة درهم، وهو ما يعادل 595 جراماً اليوم بالموازين المعاصرة، وأما الذهب فنصابه 20 مثقالاً، وهو ما يعادل 85 جراماً بالموازين المعاصرة اليوم. أما مقدار الزكاة الواجبة فهو ربع العشر، أو 2.5%، أو واحد على 40؛ كلها معادلات رياضية تفي بالغرض.
هذا ما يتعلق بزكاة الذهب والفضة. هنا بعض المسائل التي نرغب الحديث عنها فيما يتعلق بزكاة الذهب والفضة، من هذه المسائل المتعلقة بها: هل يضم نصاب أحدهما إلى الآخر أم أنه لا يضم نصاب أحدهما إلى الآخر؟ ما هذه المسألة؟ مثلاً قلنا إن إنساناً يملك فرضا 500 جرام من الفضة، لاحظوا أنه لم يبلغ النصاب، فلو بلغ 600 جرام من الفضة أو 595 جراماً لقلنا يجب عليك ربع العشر فيها. هذا يملك 500 دون النصاب، طيب في الذهب يملك مثلاً 200 جرام من الذهب، فالآن هل يقال إنه باعتبار أنه يملك في الذهب نصاباً يضم هذا إليه؟
لاحظوا أن من ضم هذا إلى هذا ينظر إلى الذهب والفضة كأنهما جنس واحد أو مال واحد وجبت فيه الزكاة من جنس واحد. فيقول: هو الآن مالك للنصاب، والنصاب عنده هو إما 595 جراماً من الفضة وإما 20 مثقالاً من الذهب و85 جراماً من الذهب، فما دام أنه قد بلغ نصاب أحدهما إذاً تجب فيه الزكاة. بل يقول هذا القائل: لو كان عنده من الفضة مثلاً 500 جرام، وعنده من الذهب مثلاً 20 جراماً، إذاً لاحظ أنه لم يكتمل النصاب لا هنا ولا هنا، لكن إذا ضممنا هما إلى بعضهما بلغا نصاباً في أحدهما؛ يعني كان النصاب عنده هو الأقل من الـ 595 أو الـ 20 مثقالاً.
لا شك أن 595 جراماً من الفضة اليوم في وقتنا المعاصر، باعتبار رخص الفضة رخصاً شديداً؛ فإذا اعتبرنا هذا الأمر فمعنى ذلك أنه ربما إذا ملك من الذهب 10 جرامات فإنها سوف تكمل نصاب الفضة، بل ربما أقل من 10 جرامات فإنها سوف تكمل نصاب الفضة من حيث القيمة، وبالتالي يرون أنه تجب الزكاة عليه حينئذ. إذاً لاحظوا أنه يضم أحد النصابين للآخر، هذا قول لبعض أهل العلم. والقول الثاني لا يرى ذلك، بل يرى أن كل جنس من هذين المالين على حدة؛ فما دام عنده 500 جرام من الفضة لم تبلغ نصاباً إذاً لا زكاة عليه، وعنده 80 جراماً من الذهب قال هذه لم تبلغ نصاباً إذاً لا زكاة عليه، ولا يضم أحدهما إلى الآخر ولا يعتبرهما من جنس واحد أو من مال واحد أو من باب واحد. وكلا القولين الحقيقة له وجهة قوية من النظر، يحتاج الترجيح بينهما إلى دراسة لأدلتهما وتأمل للآيات والأحاديث الواردة فيهما.
هذه مسألة ضم أحد النصابين للآخر. هناك مسألة أخرى وهي: ما الفرق بين هذا المال الزكوي وبين مثلاً زكاة بهيمة الأنعام؟ في زكاة بهيمة الأنعام كما سيأتينا فيها حدود، وهي واجبة على مراتب كما سيأتينا إن شاء الله تعالى بتفصيل، ولكن نعطيكم فكرة موجزة حتى نفرق بينها وبين زكاة الذهب والفضة. زكاة بهيمة الأنعام جاءت على مراتب أو على درجات، سلم درجات؛ في الأربعين شاة فيها شاة، وفي المائة وعشرين شاتان، وما زاد إلى دون الأربعمائة فيها ثلاث شياه، إذا وصلت إلى الأربعمائة تستقر الفريضة في كل أربعمائة، في الأربعمائة أربع شياه، ثم في كل مائة شاة لاحظتم؟ يعني في خمسمائة خمس، في ستمائة ست.
طيب لو أن إنساناً يملك 450 شاة، هل الواجب عليه أربع أو خمس أو أربع ونصف؟ نقول أخرج أربعاً وقيمة النصف مثلاً. في واقع الأمر في زكاة بهيمة الأنعام هناك مصطلح عند أهل العلم يسمونه الوقص، وهو ما بين الفريضتين، من الأربعمائة إلى الخمستائة هذا يسمى وقصاً، اللي يسمى اليوم في اللغة المعاصرة يقولون الكسور؛ واجب عليه أربع ونصف. هل هذا يجبر لصالح صدق المتصدق -الذي هو الغني- أم يجبر لصالح الفقير؟ عنده 450 هل نقول عليك خمس ولا عليك أربع؟ نقول لا، عليك أربع؛ إذاً الجبر هنا لصالح الغني الذي يملك المال، ويعفى عن النصف. هذا لاحظتم الآن؟ هذا يسمى وقصاً لا تجب فيه الزكاة.
في الذهب والفضة لا يوجد أوقاص، وإنما تحسب الزكاة بدون رتب؛ يعني ما في رتب والله في كل مثلاً أربعمائة فيها ربع العشر، أو في كل مائتين فيها ربع العشر ثم إذا جاءت المائتان الثانية فيها ربع العشر، ثم ما بينهما يكون جبر لصالح من؟ لا، يخرج من الزكاة بحسابها. إذاً إذا عنده والله مثلاً نفترض أن عنده 600 درهم يخرج منها ربع العشر، عنده 601 يخرج منها ربع العشر، 650 يخرج منها ربع العشر. إذاً زكاة الذهب والفضة ليس فيها أوقاص أو فرائض أو رتب أو سلم درجات، بخلاف زكاة بهيمة الأنعام كما سيأتينا إن شاء الله تعالى، أن فيها سلم درجات وما بين الدرجتين ليس فيه زكاة. وهذا فارق أساسي بين طريقة الزكاة في الذهب والفضة وبين طريقة الزكاة في بهيمة الأنعام. نقف عند هذا ونأخذ فاصلاً قصيراً ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد الفاصل.
للإيمان أركان لا يتم إلا بها، فإذا سقط منها ركن لم يكن الإنسان مؤمناً، وهي ستة: الإيمان بالله، ويشمل الإيمان بربوبيته أي بأنه الخالق المالك المدبر، وبألوهيته فلا معبود بحق إلا الله وكل معبود سواه باطل، وبأسمائه وصفاته فله الأسماء الحسنى والصفات العليا.
ونؤمن بالملائكة، وأنهم مخلوقون من النور، وأنهم عابدون لله مطيعون، ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾، ولهم أعمال كلفوا بها؛ فجبريل موكل بالوحي، وميكائيل بالمطر والنبات، وإسرافيل بالنفخ في الصور.
ونؤمن بالكتب أنزلها الله على رسله حجة على العالمين، ومحجة للعاملين، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]، ومنها التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى، وأعظمها وخاتمها القرآن العظيم: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48].
ونؤمن باليوم الآخر وهو يوم القيامة، ونؤمن بما فيه من البعث والحشر وصحائف الأعمال والميزان والحساب والصراط والحوض والشفاعة والجنة والنار.
ونؤمن بالقدر خيره وشره، وهو تقدير الله تعالى للكائنات حسب ما سبق به علمه واقتضت حكمته، وله أربع مراتب: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. فثبت إيمانك بالعلم والعمل، واحذر من شبهات المشككين: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 53].
نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونتابع الحديث عن زكاة الذهب والفضة، وقد بينا دليلهما ونصابهما ومقدارهما، وبينا بعض المسائل المتعلقة بهما. من الجيد الحديث في هذا المقام عن زكاة الأوراق النقدية؛ الورق النقدي الذي يتعامل به الناس اليوم، أو ما يسمى بالعملات: الدولارات، الجنيهات، الريالات مثلاً أو غيرها؛ هذه كلها أوراق نقدية أو عملات معاصرة. هذا الورق النقدي من المسائل الحادثة التي حدثت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، كان الناس سابقاً في زمن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يتعاملون بدنانير الذهب ودراهم الفضة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بالدنانير والدراهم الموجودة في زمانه، إلى أن قويت الدولة الإسلامية في عهد الأمويين في عهد عبد الملك بن مروان، فسك نقوداً خاصة للدولة المسلمة ديناراً ودرهماً؛ ديناراً ذهبياً ودرهماً فضياً، واستمر التعامل بهما إلى أن حدث بعد فترة من الزمن في القرن ربما الثالث والرابع الفلوس النحاسية التي يتعامل بها الناس، وبقيت هكذا إلى أن دخلت في القرن الأخير -في القرن الرابع عشر الهجري أو في القرن العشرين الميلادي- دخلت على بلاد المسلمين الأوراق النقدية.
الورق النقدي التعامل به جائز شرعاً إن شاء الله تعالى، وهو من المعاملات التي يكون الأصل فيها الحل والإباحة، وقد قال الإمام مالك: "لو اتخذ الناس الجلود ثمناً لأجزت الربا فيها". الشاهد أن هذا الورق مما يتعامل به الناس اليوم. فكرة الورق النقدي لما دخلت كانت في البداية أنه ورق نقدي يمثل بالذهب والفضة، ثم تطور هذا الورق النقدي وتخلص من الذهب كغطاء له شيئاً فشيئاً، والفضة أصلاً ربما لم تكن غطاءً له من البداية، بدأ يتخلص هذا الورق النقدي من غطاء الذهب والفضة شيئاً فشيئاً إلى أن صار عملة قائمة بذاتها بعد أن كسب ثقة الناس بسبب سهولة التعامل به، فصار الناس يتعاملون به كثمن أو كنقد.
ما هي خصائص وصفات الثمن أو النقد؟ النقد هو ما جمع خصائص؛ أولاً: أنه هو وسيط التبادل، بمعنى أن الإنسان إذا أراد أن يشتري شيئاً فإنه يشتريه بالنقد، إذا أراد أن يبيع شيئاً فإنه يبيعه بالنقد. ليس معنى هذا أن مثلاً لو أن شخصاً اشترى كيساً من الأرز بكيس من السكر أن أحدهما نقد، لا، وليس معنى هذا منع المبادلة بين العروض والسلع، لا، ولكن المراد به أن غالب تعاملات الناس تتم عبر وساطة النقد، فصاحب الأرز يبيع رزّه بالنقد ثم يشتري بالنقد السكر مثلاً، وهكذا؛ إذاً صار النقد وسيطاً للتبادل بين الناس.
الأمر الثاني من خصائص النقد أنه معيار للقيم، فأنت إذا أردت أن تقيم الأرز هل تقيمه بالسكر مثلاً أو تقيمه بالشاي أو تقيمه بالقطن أو تقيمه بالسيارات أم غيره؟ في واقع الأمر أن هذه الأشياء تقيم دائماً بالنقد، فيقال إن قيمة هذا كذا من الدولارات أو كذا من الجنيهات أو كذا من الريالات وهكذا. إذاً صار هذا النقد وسيطاً لتبادل الناس، وصار في نفس الأمر معياراً تقوم به أملاكهم وأصولهم، فيقال إن هذه الأرض الفلانية تساوي كذا من الدولارات، وهذه السيارة تساوي كذا من الجنيهات، وهذه السلع تساوي كذا من الريالات، وهكذا.
إذاً لاحظوا الآن الخصيصة الأولى أو الصفة الأولى من صفات النقد أنه وسيط في التبادلات، دائماً تبادلات الناس تمر بهذا النقد ثم يبيعونه ويشترون به شيئاً غيره. الأمر الثاني أنه معيار للقيم. الخصيصة الثالثة أو الصفة الثالثة أنه يقولون مستودع للثروات، كيف مستودع للثروات؟ بمعنى أنه تحسب به ثروات الناس ويحتفظون بثرواتهم في شكل هذا النقد السائل. هذه هي أوصاف النقد، هذه الأوصاف كانت تنطبق مائة بالمائة على دراهم الفضة ودنانير الذهب في التواريخ والأزمان السابقة، لكن هل تنطبق اليوم على دراهم الفضة؟
دنانير الذهب في واقع الأمر أن الناس اليوم صاروا لا يتعاملون إلا بالورق النقدي؛ يشترون به ويبيعون، ويثمنون به الأشياء ويقيمونها. أحياناً قد تضعف بعض خصائص الورق النقدي في حال الأزمات والحروب، فيرجع الناس مثلاً إلى الذهب والفضة فيدعون ثرواتهم بها، وربما قيموا بها في بعض أحوال الأزمات؛ لأن الورق النقدي يكسب قوته من اعتراف الدولة به، فإذا اهتزت ثقة الناس بالدولة فإنه تضعف قيمة الورق النقدي الذي أصدرته، وإذا قويت ثقة الناس بالدولة فإنه يقوى الورق النقدي الذي أصدرته. هذه معادلة اقتصادية معروفة ومشهورة، باعتبار الورق النقدي صار يمثل هذه الدولة، يمثل أصول هذه الدولة وناتجها المحلي وغيره، ولم يعد يمثل بغطاء ذهبي أو فضي يوازي الشيء الذي صدر به. هذا في الجملة تعريف وإيضاح لحقيقة الورق النقدي.
هنا سؤال: ما أحكام هذا الورق النقدي من حيث الزكاة مثلاً، ومن حيث جريان الربا، ومن حيث كونه رأس مال في شركة أو غيره من الأحكام الشرعية؟ الورق النقدي والله تعالى أعلم يحل محل الذهب والفضة قديماً في جميع التعاملات التي يتم بها. فمثلاً الورق النقدي يجري فيه الربا بعضه مع بعض، والورق النقدي تجب فيه الزكاة كما تجب الزكاة في الذهب والفضة سابقاً. بما أن حديثنا الآن عن الزكاة، نقول: ألم تجب الزكاة في الذهب والفضة؟ وذكر الله سبحانه وتعالى في الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: 34]. وذكر النبي صلى الله عليه وسلم فقال في الرقة ربع العشر، والرقة هي الفضة أو الدراهم المضروبة من الفضة. لاحظوا الآن، هل تجب الزكاة إذاً في الورق النقدي؟ نقول: تجب الزكاة في الورق النقدي باعتباره قائماً مقام الذهب والفضة، وسوف نأتي لتفصيل هذه الجملة.
نعود إليكم ونتابع الحديث معاً عن زكاة الذهب والفضة وما يلحق بهما. نقول إن الورق النقدي اليوم الذي يتعامل به الناس موغل في النقدية والثمنية أكثر من الذهب والفضة في واقع الأمر، نحن نتكلم في هذا الزمن في هذا الوقت المعاصر الذي نعيشه الآن، ولا شك أن إيغال الورق النقدي في الثمنية والنقدية أكثر من الذهب والفضة؛ لأن الناس اليوم لم يعودوا يتعاملون بالذهب والفضة كوسيط للتبادل أو كمعيار للقيم أو غيرها، وإنما يتعاملون بالورق النقدي، كل دولة لها ورقتها النقدية يتعامل الناس في هذه الدولة بهذا الورق. ما هي الأحكام المترتبة على هذا الأمر؟ نقول: بما أن الدراهم والدنانير الذهبية والفضية كان يجري فيها الربا، إذاً يجري الربا في الورق النقدي، وبما أن الدراهم والدنانير كانت تجب فيها الزكاة، فتجب الزكاة في الورق النقدي؛ لأنه معيار ثروة الناس.
يدل على هذا الحكم حقيقةً عدد من الأمور التي سوف نذكرها، النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قال: «صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم». افترضوا شخصاً مالكاً لمئة مليون دولار، لا شك أن هذا غني، عندهم الغنى والثراء ما يوجب عليه الزكاة، لو قال قائل: لا والله، إن هذا لا يعتبر غنى ولا ثروة لأنه ليس عنده مثلاً 85 جراماً من الذهب؛ نقول: واقع الأمر هذا إنسان ما نظر إلى المقاصد والحكم من تشريع هذه الزكاة، ولم ينظر إلى علة وجوب الزكاة. إذاً هذه الأدلة تدل على أن صاحب المال تجب عليه الزكاة، كذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: 24-25]. إذاً هذا صاحب مال.
كذلك من الأدلة التي تدل على هذا، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وفي الرقة ربع العشر». هذا الحديث حقيقة فيه إشارة إلى ماذا؟ إلى أن علة وجوب الزكاة في الفضة كونها دراهم مضروبة. والرقة هي الفضة، ولكن ليست أي فضة؛ لا تسمى حلي الفضة رقة، وإنما تسمى حلياً، الرقة هو اسم للفضة المضروبة. إذاً كونها مضروبة، قول النبي صلى الله عليه وسلم في الرقة دليل على قضية أن النقدية أو الثمنية مقصودة فيها، لذلك لا يمكن الاستدلال بهذا الحديث على وجوب الزكاة في الحلي؛ أعني زكاة حلي الفضة؛ لماذا؟ لأنها ليست داخلة ضمن مصطلح «وفي الرقة ربع العشر». لاحظوا إذاً، قول النبي صلى الله عليه وسلم «الرقة» دل على أن المضروب نقداً يكون فيه الزكاة بهذا المقدار، ولذلك تجب الزكاة كذلك في دنانير الذهب، نقول إن هذا إشارة لعله وجوب الزكاة، وهي كونهما نقداً والله تعالى أعلم.
إذاً هذه كلها يستفاد منها؛ لاحظوا أن هذه أدلة داخلة في النصوص، راجعة للنصوص. قد يقول قائل كذلك من الأدلة القياس، بمعنى أنها تقاس عليها باعتبار أنها ثمن، بل باعتبارها أبلغ في الثمنية من الفضة والذهب اليوم، وهذا يسمى قياس أولى أو قياس مماثل ونظير. الأمر الخامس من الأدلة أن الورق النقدي في الحقيقة قام مقام الذهب والفضة، وهذا في واقع الأمر راجع إلى نوع من القياس، ولكن نعبر بقولنا قام مقام الذهب والفضة. ما الفرق بين قولنا إن الورق النقدي يقوم مقام الذهب والفضة، لأن بعض الناس ربما قال إن الورق النقدي مغطى بالذهب والفضة فوجوب الزكاة فيه هو راجع إلى وجوب الزكاة في الذهب والفضة؟ ونحن نقول في واقع الأمر إن هذا خلل في التصور للورق النقدي؛ لأن الورق النقدي غير مغطى بالذهب والفضة، وإنما هو قائم مقام الذهب والفضة. إذاً هناك فرق بين الصورتين؛ أن يقول قائل إن الزكاة تجب في الذهب والفضة والورق النقدي ممثل لهما، أو أن يقول قائل لا، إن الزكاة تجب في الورق النقدي باعتباره أصلاً مالياً جديداً مستحدثاً اليوم تجب فيه الزكاة، وهذا هو الصحيح والله تعالى أعلم. وقد صدر بهذا حقيقة قرار مجمع الفقه العالم التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، ومجمع الفقه التابع لرابطة العالم الإسلامي، كذلك صدر به قرار، مثلاً هيئة كبار العلماء في عدد من البلدان من العالم الإسلامي، كلهم قرروا أن هذا الورق النقدي يقوم مقام الذهب والفضة.
طيب، كم مقدار الزكاة في الورق النقدي؟ لا إشكال أن مقدار الزكاة في الورق النقدي سوف تكون ربع العشر، وهي النسبة الموجودة والمقررة كزكاة في الذهب والفضة، أنها نسبة واحدة متفق عليها في الذهب والفضة وهي ربع العشر. طيب، يبقى عندنا سؤال وهو ما مقدار النصاب في الورق النقدي؟ أليس نصاب الفضة 595 جراماً؟ أليس نصاب الذهب 85 جراماً؟ فكم نصاب الورق النقدي الذي يعد مالكه ممن تجب عليه الزكاة، والذي يعد من يملك دونه لا تجب عليه الزكاة في الأوراق النقدية؟
لاحظوا الآن نحن نقول إن الورق النقدي مال جديد، ولكن الآن لا إشكال عندنا أن في مقدار الزكاة أنها ربع العشر، باعتبار أن الذهب والفضة أصلاً مقدار الزكاة فيها ربع العشر. لكن لاحظوا الإشكال عندنا جاء في النصاب؛ ما هو مقدار النصاب في الورق النقدي؟ من أين نشأ الإشكال؟ أن نصاب الفضة غير نصاب الذهب؛ نصاب الفضة 595 جراماً، ونصاب الذهب 85 جراماً، أو بالمعايير القديمة 200 درهم في الفضة و20 مثقالاً في الذهب. في واقع الأمر هنا عدد من الاتجاهات أو الاحتمالات الممكنة في هذه المسألة؛ نصاب الورق النقدي يمكن أن نلخصها في أربع اتجاهات. فنقول إن هناك من قرن نصاب الورق النقدي بنصاب الفضة، فقال إن الإنسان إذا ملك من الورق النقدي ما يعادل في قيمته 595 جراماً من الفضة فإنه تجب عليه الزكاة.
الاتجاه الثاني أو الاحتمال الثاني الممكن، أن نقرنه بنصاب الذهب، فنقول إن الإنسان إذا ملك من الورق النقدي ما يعادل في قيمته 85 جراماً من الذهب تجب عليه الزكاة. الاتجاه الثالث يقول: لن أربطه بالذهب ولن أربطه بالفضة، وإنما أربطه بالأحظ للفقراء، فمن ملك من الورق النقدي ما يعادل في قيمته الأقل من ما يساوي 595 جراماً من الفضة أو 85 جراماً من الذهب، فإنني أوجب عليه الزكاة باعتباره قد وصل إلى أحد النصابين، إذا كان 85 جراماً من الذهب أرخص فنعتبره، إذا كان 595 جراماً من الفضة أرخص فنعتبره، وهذا القول اصطلح أهل العلم على تسميته بالأحظ.
طيب، الاتجاه الرابع أو الاحتمال الرابع الممكن، أن يقول: لا، أنا أنظر إلى حظ الغني مخرج الزكاة فأربطها بالأعلى منهما؛ فإذا كان 595 جراماً من الفضة أعلى، إذاً نقرنها بالفضة، إذا كان 85 جراماً من الذهب أعلى، نقرنها بالذهب، وهكذا. إذاً يمكن أن نصطلح على أنها أربع اتجاهات؛ الأول يربطها بالفضة سواء كانت أغلى أم أرخص، لا ينظر إلى هذا. ما مستند هذا الاتجاه؟ قد يقول قائل: باعتبار أن نصاب الفضة ثبت في الصحيح، مثلاً بخلاف نصاب الذهب الذي ثبت في السنن ولا يبلغ من الصحة ما يبلغه نصاب الفضة. ومثل هذا أحد الاتجاهات، والاعتبار بهذه المسألة. ليس من عادتنا ذكر الخلاف، لكن لا مانع أن نمرن عقولنا بشيء من ذكر الخلاف في هذه المسائل المعاصرة التي نحتاج فيها إلى التخريج على المسائل القديمة، وهذا ما يسمى بالقياس والتخريج عند أهل الفقه؛ فلنعتبر هذه المسألة نوعاً من التمرين، وإلا فليس من عادتنا ذكر الخلاف والأدلة.
فمن قال مثلاً إني أربطها بنصاب الفضة، يقول: لأنه أصح وثابت في الصحيح، بخلاف نصاب الذهب فقد ثبت في السنن ولا يبلغ من الصحة ما يبلغه نصاب الفضة. طيب، من قال نربطها بنصاب الذهب، ما مستنده؟ قد يقول قائل إننا قد نجد له من المستندات مثلاً أنه الورق النقدي كان مغطى بالذهب في فترة من الفترات وتخلى عن الغطاء الذهبي، ولم تك الفضة غطاءً له، فهو أقرب للذهب في الهيئة في صدوره من الناحية الواقعية، فهذا مستند لربطه بالذهب. طيب لا مانع من هذا المستند. كذلك من قال: أنا لا أربطه لا بالذهب ولا بالفضة دائماً وإنما أربطه بالأحظ للفقراء، ما مستنده؟ قد يقول قائل إن مستنده إبراء ذمة الغني بيقين؛ إذا ربطناه بالذهب دائماً قد يكون نصاب الفضة هو الصحيح ووجبت الزكاة شرعاً وأنا لم أوجبها عليه باعتباري ربطتها بالذهب؛ فلذلك أنا أقول دائماً آخذ الأقل منهما فيكون نصاباً في القيمة. إذاً هذا القول المستند الثالث يحاول أن يبرئ ذمة الغني بيقين.
طيب ما مستند القول الرابع أو الاحتمال الرابع الذي يقول لا، ننظر للأغلى من الذهب والفضة؟ يقول مستنده مثلاً أن الزكاة في هذا المال الجديد لا تجب يقيناً على هذا الشخص المخرج الغني إلا إذا بلغ الأعلى منهما، أما لو أوجبتها في الفضة مثلاً قد يكون الذهب أعلى ولم تجب عليه الزكاة، فلذلك كيف أوجب عليه زكاة وهي لم تبلغ اليقين؟ فكأنه راعى قضية ماذا؟ أنه احترام مال الغني حتى تجب فيه الزكاة بيقين، بخلاف القول الثالث الذي يريد أن يبرئ ذمة الغني بيقين فأخذ بالأقل. إذاً لاحظتم هذه مثلاً اتجاهات عند أهل العلم، أربع اتجاهات في هذه المسألة؛ لاحظتم لماذا نشأت الاتجاهات هذه؟ لأن هذه المسألة من النوازل المعاصرة، الورق النقدي لم يكن موجوداً سابقاً؛ فمقدار الزكاة إذاً ليس فيه إشكال وهو ربع العشر، نصاب المال الذي تجب فيه الزكاة هل نقيس على الذهب أم نقيس على الفضة أم نقول الأحظ للفقراء أم نقول الأحظ للأغنياء؟ هذا في واقع الأمر يعني مما يحتاج إلى تحرير وبحث، والذي أفتى به حقيقة عدد من المجامع واللجان أنه ينظر دائماً في الأحظ للفقير، الأحظ للفقير، فيقول وهو الاتجاه الثالث: فيقول ننظر إذا ملك من الورق النقدي ما قيمته تساوي 595 جراماً أو 85 جراماً، الأقل منهما؛ فإنه يجب عليه أن يزكي ربع العشر، هذه مسألة نصاب الورق النقدي في رأي عدد من المجامع العلمية.
لاحظوا الآن هذه الاتجاهات الأربعة؛ لا شك أن كل اتجاه له ما يقويه وله ما يسنده، وهذا في الحقيقة يدلنا على أهمية الفقه في النوازل المعاصرة والمسائل المعاصرة، أنها تحتاج إلى نوع من الفقه الذي يتمكن به طالب العلم من دراسة أقرب الأشباه والنظائر لهذه النازلة المعاصرة، حتى يستبين فيها حكم الله سبحانه وتعالى. وقد حقيقةً صدر عدد من القرارات المجمعية التي أخذت بالأحظ للفقراء، بناءً على اجتهادات معتبرة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً للتفقه في دينه، وأن يجعلنا من أهل الفقه في دينه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الضمان وتعلم الفقه الميسر عاملًا بالشرع دون تعصب لفلان. بشرى لنا؛ زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي