تسجيل الدخول

المحاضرة 28 - زكاة الحلي، وعروض التجارة

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ربنا ألهمنا رشدنا، ربنا علمنا ما ينفعنا، ربنا انفعنا بما علمتنا، ربنا زدنا علماً. اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثامن والعشرون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في الفصل الدراسي الثاني. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية وفي هذه الدروس، وأن يبارك في طلابها ومعلميها والقائمين والمشرفين عليها وداعميها. اللهم إنا نسألك أن تجعل هذا من العلم النافع الذي يبقى للإنسان بعد وفاته، اللهم إنا نسألك أن تلهمنا وأن تعطينا البركة في علومنا ومعارفنا.

إخواني وأخواتي، كنا قد تكلمنا عن موضوع الزكاة، وتحدثنا عن عدد من الموضوعات المتعلقة بها، كان آخرها الأموال الزكوية؛ تحدثنا عن زكاة الذهب والفضة، ثم تحدثنا عن زكاة الأوراق النقدية. نريد أن نتحدث اليوم عن زكاة الحلي؛ حلي الذهب والفضة، هل تجب فيها الزكاة أم لا تجب فيها الزكاة؟ لاحظوا إخواني وأخواتي أننا عند حديثنا عن الأموال الزكوية، الأصل في الأموال الزكوية أن تكون أموالاً نامية، مثل الورق النقدي أو الذهب والفضة. والأصل كذلك في الأموال غير الزكوية هي أموال القنية التي يستخدمها الإنسان ويستعملها.

لاحظوا أنه حصل الخلاف في زكاة الحلي لأنها متوسطة بين أمرين؛ الأمر الأول أنها ذهب وفضة، وهذا اعتبار من الاعتبارات التي توجب الزكاة فيها. الجانب الثاني أنها حلي، وهذا اعتبار يقوي عدم وجوب الزكاة فيها؛ لأن الأصل في أموال القنية ألا تجب فيها الزكاة، مثلاً لا يجب على الإنسان زكاة في بيته ولا في سيارته ولا في ملابسه ولا في أثاث البيت؛ هذه الأعيان لا تجب فيها الزكاة لأنه يقتنيها ويستعملها. وهذا أصل عند أهل العلم أن المسلم لا تجب عليه الزكاة في أموال قنيته التي يستعملها، والأصل في هذا راجع إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة».

الأصل الثاني أن الذهب والفضة تجب فيها الزكاة. إذاً، الحلي الآن جاءت متوسطة؛ لأن المرأة مثلاً تقتنيها وتستعملها وهذا يشبهها بأموال القنية، وهي هذه الحلي ذهب أو فضة وهذا يشبهها بالذهب والفضة، فيقوي جانب اعتبار الزكاة فيها. من هنا حصل الخلاف حقيقة القوي بين أهل العلم في زكاة الحلي، هل تجب فيها الزكاة أم لا تجب؟ فذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الزكاة في الحلي المسبوك من الذهب والفضة، وأيدوا الوجوب فيها بحديثين خاصين في المسألة بالإضافة إلى عموم الأحاديث والآيات الواردة بالوجوب في الذهب والفضة.

إذا نحن نقول: ما هو دليل وجوب زكاة الحلي؟ دليل وجوب زكاة الحلي أولاً: الأحاديث والآيات الواردة في الذهب والفضة، مثلاً قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: 34]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها».

النوع الثاني خاص بهذه المسألة، وهو حديث قد روته لنا أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، وحديث رواه لنا عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد رواه عن عبد الله بن عمرو بن العاص حفيده عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، في وجوب الزكاة في الحلي، وهو خاص بمسألة زكاة الحلي. إذا نحن نقول: ما هي أدلة القائلين بوجوب زكاة الحلي؟ نقول نوع أول من الأدلة وهو نوع عام، والنوع الثاني من الأدلة نوع خاص في هذه المسألة.

القول الثاني الذي يرى عدم وجوب زكاة الحلي، أيدوا رأيهم هذا حقيقة بعدد من الأدلة العامة التي تدل على أن أموال القنية والاستعمال لا تجب فيها الزكاة. وأيدوا اتجاههم هذا بورود بعض الأحاديث التي دلت على أن الاعتبار في الذهب والفضة بنقديتهما، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في الرقة: «ربع العشر»، أو «في كل مئتي درهم ربع العشر»، فقالوا: إن الرقة هي الدراهم المضروبة، وهذا يخصص عموم الذهب والفضة فيجعلها الذهب والفضة، أما التبر الذي لم يسبك، وأما المسبوك دراهم ودنانير ذهبية أو فضية، وأما الحلي المعد للقنية والاستعمال فهو يرجع إلى أصل القنية والاستعمال. وأيدوا رأيهم هذا بعدد من الآثار والأحاديث كذلك الخاصة بهذه المسألة، والتي تدل على عدم وجوب الزكاة في الحلي، ومن أهمها بعض الآثار عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، مثل آثار عن عائشة رضي الله تعالى عنها وغيرها.

إذاً لاحظوا أن هذه المسألة لما كان محل الحديث هو زكاة الحلي، وكانت هذه المسألة في واقع الأمر يتجاذبها أصلان، وتقرب من هذين الأصلين، فبعض أهل العلم ربما شدها إلى هذا الأصل، وربما بعض أهل العلم رأى أنها أقرب وأوثق الصلة بهذا الأصل؛ لذلك حصل فيها الخلاف.

مما نمهد به النظر في هذه المسألة، نقول: لا شك أنه إذا ثبت حديث خاص في هذه المسألة، فلا شك أنه ينبغي المصير إليه، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم قاضية على كل شيء، والله سبحانه وتعالى قد أمر بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. فإذا ثبت حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وهو حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لامرأة: «أتؤدين زكاة هذا؟» قالت: لا، قال: «أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار؟»؛ السوارين الحلي. لا شك أنه إذا ثبت حديث عائشة أو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه يجب المصير إليه والعمل به، ولا إشكال في هذا. وهذا لا شك، صراحة هذين الحديثين أقوى من أي آثار لاحقة، آثار عن الصحابة موقوفة، وأقوى من أي قياس آخر، أما بالقنية أو بغيره.

إلا أن هذين الحديثين صريحان، ولكن في ثبوتهما إشكال؛ فقد رواهما أبو داود، وتكلم عليهما عدد من أهل العلم بالتضعيف. فلذلك في واقع الأمر هذين الحديثين لو لم يكن فيهما ضعف وفيهما كلام، لوجب المصير إليهما والعمل بهما، ولكن في الحقيقة لما ضعف هذان الحديثان احتجنا في النظر أن ننظر إلى القياس والأصول التي يرجع إليها كل من هذين الشبهين. ولعلنا نأخذ فاصلاً قصيراً ونعود إليكم بعد هذا الفاصل.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونواصل حديثنا معاً عن زكاة الحلي. وكنا قد ذكرنا قبل الفاصل أنها مسألة متوسطة بين أصلين، فلا شك أنه إذا كان في المسألة حديث صحيح صريح يجب المصير إليه، ولا إشكال في هذا، ولكن دائماً يكثر الاجتهاد والنظر إذا كان الحديث صحيحاً غير صريح، أو صريحاً ولكنه غير صحيح، فيحصل هناك اجتهاد ونظر وتجاذب، ويقوى الأخذ بجوانب القياس والأشباه والنظائر أيهما أقرب شبهاً. ولكن إذا كان الحديث صحيحاً وثابتاً وصريحاً، فلا إشكال عند أحد إن شاء الله تعالى أنه يجب المصير إليه.

فهذان الحديثان؛ حديث عائشة وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم أجمعين، عند أهل الحديث بعض أهل الحديث يثبت هذا الحديث، ومن هؤلاء مثلاً في المعاصرين اليوم -توفوا رحمهم الله تعالى- الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ الألباني رحمه الله تعالى، من أهل الحديث ممن يقوي هذا الحديث ويثبته، ولذلك لا شك أن من أخذ بقولهم في تثبيت هذا الحديث وتقويته، أنه يجب عليه القول بوجوب زكاة الحلي.

وبعض أهل العلم المتقدمين يضعفون هذا الحديث باعتبار ما فيه من الكلام، وباعتبار أن في إسناده رجالاً يتكلم فيهم، فضعفوا هذا الحديث وجعلوه من الأوهام، أما جعلوه ضعيفاً مرفوعاً أو جعلوه خطأ لم يثبت. وهؤلاء في واقع الأمر رجعوا إلى الأقيسة والنظائر، ووجدوا وغلبوا جانب قياس أنها أقرب إلى القنية؛ لذلك حصل خلاف بين أهل العلم. فذهب بعضهم إلى وجوب الزكاة، وذكرنا أن منهم مثلاً من المعاصرين الذين ثبتوا هذا الحديث وأخذوا به مثل الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، والشيخ الألباني، وتبعهم على تثبيت هذا الحديث وتقويته الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى، لما قوي هذا الحديث عنده بعد كلام الشيخين رحمهم الله تعالى، فإنه قد عمل به وأخذ به، وهذا هو الواجب لا شك على إنسان أن يعمل بالحديث متى ما ثبت عنده صحته وقوته.

وأما من لم يثبت هذا الحديث، فإن المسألة تكون عنده من مسائل النظر ومسائل الاجتهاد، والناظر في بعض آثار الصحابة رضي الله تعالى عنها، ومنهم أثر عن عائشة رضي الله تعالى عنها لا توجب زكاة الحلي، وتقول: «زكاته عاريته»، أي أن المرأة يكفيها أن تعير هذا الذهب لمن يحتاج إليه، وأن هذا يعد زكاة له، أي يعد من الصدقة فيه، ولا تجب عليه زكاة تخرجها المرأة مالكة الحلي في هذا الذهب بعينه. وقد جاء هذا اللفظ «زكاته عاريته» عن بعض الصحابة غير عائشة رضي الله تعالى عنها. كذلك شبهوه بأموال القنية التي مثل العبد والفرس، التي جاء فيها النص: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة».

إذاً هذه هي هذه المسألة، يعني قلنا إنه يتجاذبها الطرفان. حقيقة الترجيح فيها يحتاج إلى نظر قوي واستدلال وجمع للأدلة وجمع للأصول، ونظر في هذين الحديثين على وجه الخصوص: هل يثبتان أم لا يثبتان؟ إلا أنني يمكن أن أقول إنه ينبغي حقيقة على المسلمة أن تخرج زكاة حليها، إن لم يكن من الواجب عليها بيقين فإنه احتياط يقرب من اليقين لقوة هذه الأدلة.

الأمر الثاني الذي أقوله: إن إخراج زكاة الحلي على المرأة هو أولى من الصدقة التي تتصدق بها بعض النساء، ربما تقول: لا تجب زكاة الحلي ثم تتصدق بصدقات، نقول: إن إخراجها لزكاة هذا الحلي احتياطاً أولى من الصدقة التي تتصدقها نفلاً، فلذلك ينبغي اعتبار هذا الأمر.

التنبيه الثالث الذي ننبه إليه: أن زكاة هذا الحلي عند من قال بوجوبه إنما تجب على مالكته، فالمرأة التي تملك هذه الأساور أو الخواتم أو غيرها من الذهب هي التي يجب عليها زكاة الحلي.

الأمر الرابع الذي أنبه إليه: أنه ليس معنى زكاة الحلي أنها تخرج من هذا الحلي قدر ربع العشر، بل تخرجه من قيمة هذا الذهب، ولا يلزمها أن تتصدق بشيء من هذا الذهب، أو أن تبيع بعضه. لا، لو كان عندها مال فائض خارج عن هذا الذهب فإنها تخرج الزكاة منه، ولو أخرجت من هذا الذهب كذلك فإن إخراجه صحيح إن شاء الله تعالى. إذاً هذه أربعة تنبيهات متعلقة بزكاة الحلي عند من قال بوجوبه، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا في هذه المسألة.

طيب، هناك مسألة نريد أن ننتقل إليها بعد حديثنا عن هذا المال الزكوي. لاحظوا أننا تحدثنا الآن عن الأموال الزكوية، تحدثنا أولاً عن زكاة الذهب والفضة، انتقلنا بعدها إلى الحديث عن زكاة الورق النقدي، انتقلنا بعدها إلى الحديث عن زكاة الحلي، وهذه المسائل كلها داخلة تحت أصل من أصول الأموال الزكوية، ممكن أن نطلق عليه أصل الذهب والفضة وما يلحق بهما قياساً أو غيره. طيب، نريد أن ننتقل الآن إلى أصل ثانٍ من أصول الزكاة والأموال الزكوية، ألا وهو زكاة عروض التجارة.

عروض التجارة في واقع الأمر ليس مالاً بحد ذاته، وإنما هو وصف لغيره من الأموال. إذاً لاحظوا الآن عندنا الأموال الزكوية التي تجب فيها الزكاة: الذهب والفضة، بهيمة الأنعام، الخارج من الأرض، هذه أموال جاء النص بوجوب الزكاة فيها. طيب، غيرها من الأموال؛ مثلاً مثل هذا الأثاث، مثلاً مثل هذا الكأس، أو غيرها من الأشياء، مثلاً الكاميرات، العقارات، الأراضي، الأدوات الكهربائية، لاحظوا الآن هذه أموال أخرى ليست من هذه الأموال الثلاث. إذا اقترن بهذه الأموال جميعاً وصف التجارة، فإنها تصبح مالاً زكوياً، وهذا يكاد يكون شبه اتفاق بين أهل العلم؛ لا نقول اتفاقاً لأنه قد شذ مثلاً مثل الظاهرية رحمهم الله تعالى، لم يوجبوا فيها.

يكاد يكون شبه اتفاق بين أهل العلم على وجوب الزكاة في هذه الأموال إذا وصفت بأنها عروض تجارة. هل تجب الزكاة إذا لم تكن عروض تجارة؟ هذه مسألة أخرى، وكما قد تطرقنا يحتاج في بحثها إلى جانب آخر. نحن الآن نريد أن نتحدث عن أنه إذا اقترنت بوصف عروض التجارة فإنها تكون مالاً زكوياً، وهذا محل شبه اتفاق بين أهل العلم؛ دل عليها قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: 267]، ومن أهم الأكساب كسب التجارة. إذاً هذا دل على أصل وجوب الزكاة في عروض التجارة.

كذلك قد يقول قائل إنها تدخل في عموم قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ [المعارج: 24]. كذلك تدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم»، والذي يملك هذه الأصول التجارية يكون من الأغنياء غالباً إن شاء الله تعالى. فلذلك هذه الأدلة استدل بها أهل العلم على وجوب الزكاة في عروض التجارة، ونحن قلنا إن هذا شبه اتفاق بين أهل العلم.

هذا الحقيقة يقودنا إلى الحديث عن زكاة عروض التجارة: ما الفرق في التصور بين الذهب والفضة وبين عروض التجارة؟ نحن نقول إن الذهب والفضة مال زكوي في الأصل حقيقة؛ تم الاتجار به أو لم يتم الاتجار به، هذا مال زكوي يزكى. طيب، عروض التجارة أموال غير زكوية أو أموال من الصنف الثالث المسكوت عنه، ثم اقترن بها وصف التجارة. مثلاً الأرض إذا سكنها الإنسان وصارت قنية لا تكون فيها زكاة، إذا تاجر فيها الإنسان فإنه تجب فيها الزكاة. إذاً عروض التجارة في واقع الأمر هي ليست نوعاً من الأموال حقيقةً، وإنما هو وصف يقترن بالمال يجعله مالاً زكوياً.

بخلاف الذهب والفضة، هذا نوع من الأموال لا يحتاج أن يقترن به وصف آخر ليجعله زكوياً؛ الذهب والفضة حقيقتهما فيهما الزكاة. لكن الأرض نقول لا، إذا كانت قنية فليس فيها زكاة، وأما إذا صارت تجارية يراد منها بيعها وشراؤها، يشتريها الإنسان عند رخص الأسعار ويبيعها إذا غلت الأسعار، هذا نوع من العمل التجاري في الأراضي مثلاً، في الأجهزة الكهربائية، في غيرها، البقالات، المحلات، الأصل مثلاً نفترض الطعام إذا اقتناه الإنسان ليأكله لا يجب فيه زكاة، لكن إذا أخذه للتجارة فإنه تجب فيه الزكاة. إذاً عروض التجارة وصف يقوم بالمال يوجب فيه الزكاة، هذا فرق أساسي في التصور بين الذهب والفضة وبين عروض التجارة.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع الحديث معكم عن زكاة عروض التجارة، وهي الصنف الثاني من الأموال التي تجب فيها الزكاة، وقلنا إن عروض التجارة وصف يلحق بالمال غير الزكوي في الأصل فيجعله مالاً زكوياً لأجل أنه قد صار عرضاً من عروض التجارة. هنا عدد من المسائل التي نرغب الحديث عنها في مسائل عروض التجارة: هل يشترط أن يملك هذه السلعة بنية الاتجار، أم أنه لو ملكها بغير نية الاتجار؟ مثلاً ملكها لم يكن بفعل هذا الملك، وإنما ملكها إرثاً، ثم بعد أن ورثها رأى أن يتجر فيها، فهل كون ملكها بطريق الإرث لم يملكها بطريق الشراء مؤثر في المسألة؟ عند أهل العلم هذا مؤثر، والصحيح الظاهر والله أعلم أنه لا يؤثر؛ ما دام أنه ملكها بطريق الإرث أو بغير طريق الإرث، بالهبة أو بالشراء، سواء كان اشتراها بغرض التجارة أو اشتراها مثلاً لغرض أن يسكنها ثم بدا له أن يتجر فيها، فهذا كله والله تعالى طريق الملك.

طريق التملك، هل ملك بفعله أو بغير فعله، بنية كذا أم بنية كذا، إن هذا غير مؤثر. المؤثر هو نية التجارة، متى ما نوى التجارة بها وبدأ يتربص بها ارتفاع الثمن وعرضها للبيع، والآن ينتظر ارتفاع ثمنها ليبيعها، فإنه يبدأ حوله في قضية عروض التجارة. وهذه مسألة حقيقة يسأل عنها كثير من الناس في زكاة الأراضي. نحن نقول الأراضي إذا كانت للقنية والاستعمال فلا زكاة فيها، مثلاً إنسان اتخذ منزلاً يسكن فيه، فهذا الظاهر والله أعلم هذا لا إشكال فيه أنه لا تجب عليه فيه الزكاة.

طيب إنسان اتخذ أرضاً أو منزلاً اشتراه ليبيعه يتجر فيها، إنسان عنده مثلاً فائض نقدي، نفترض أن عنده مثلاً مليون دولار فجعله في تجارة العقار، يشتري الأرض الفلانية يتركها عنده شهرين، ثلاثة، أربعة، ستة أشهر، ثم يبيعها، يقلب أمواله في هذه التجارة، فالآن هنا تجب عليه زكاة عروض التجارة لأن هذه الآن صارت الأرض عرضاً من عروض التجارة. الناس حتى لهم مقاصد أخرى أحياناً في شراء الأراضي؛ منها مثلاً الادخار، منها التأجير، وهذه لها أحكام أخرى إن شاء الله تعالى لعلنا نتطرق لها لاحقاً بإذن الله تعالى، لكن الآن حديثنا حقيقة عن زكاة عروض التجارة.

المسألة الثانية التي نرغب الحديث عنها وهي: هل يشترط بلوغ النصاب؟ ما هو بلوغ النصاب؟ نفس الخلاف الذي ذكرناه في الورق النقدي ينطبق هنا، والظاهر والله تعالى أعلم أن الصحيح أن النصاب هو الأحظ للفقراء، فينظر هل يربط نصاب عروض التجارة بالذهب أم يربط بالفضة أم يربط بالأحظ. ذكرنا الخلاف بين هذه الأقوال وذكرنا بعض مستنداتها، والظاهر والله أعلم أنه يربط بالأحظ، فينظر إذا بلغت عروض تجارته ما يعادل في القيمة الأقل من 85 جراماً من الذهب أو 595 جراماً من الفضة، فإنه يعد قد بلغ النصاب والله تعالى أعلم.

المسألة الثالثة التي نرغب الحديث عنها في زكاة عروض التجارة وهي: كيف يقيم الإنسان تجارته؟ هل يعتبر الأصل الذي بدأ به أم يعتبر القيمة في رأس الحول؟ مثلاً إنسان بدأ تجارة الأراضي والعقارات بمليون دولار، ثم ربح في هذه التجارة وصارت قيمة العقارات التي يملكها بغرض التجارة مع الكاش الذي عنده لأجل التجارة يدوره في التجارة قيمته مثلاً في نهاية الحول صارت مليون ومئة ألف دولار، ربح 10%. فالآن هل يزكي المليون التي بدأ بها أم يزكي المليون مع ربحه المئة ألف دولار؟ يزكي المليون مع ربحه المئة ألف دولار. إذاً الزكاة المعتبر بها قيمة العروض في رأس الحول، قيمة العروض في رأس الحول.

طيب قد يقول هذا الشخص: لكن هذا الربح ما حصل لي إلا في الشهر الأخير ولم يحل عليه الحول، فكيف يجب عليه أن يزكي مليون ومئة؟ المفترض أن يزكي مليون والمئة هذه بعدين إذا حال عليها الحول. نقول لا، الحول غير معتبر لأنه نتج عن مال في الأصل قد بدأ حوله وقد بلغ نصاباً، فهذه المسألة تطرقنا لها وهي أن الحول لا يشترط في النماءات، في ربح التجارة، في نتائج السائمة؛ لا يشترط فيها الحول وإنما حولها حول أصلها. فلذلك نحن نقول حولك قد بدأ أصلاً من قبل، وهذا النماء الذي حصل لاحقاً طبيعي يكون تابعاً لأصله لأنه قد نتج عن هذا الأصل وهذا التقليب.

طيب في المقابل لو بدأ بمليون مثلاً وفي نهاية الحول خسر مثلاً مئة ألف، صار عنده تسعمئة ألف دولار بدل مليون دولار التي بدأ بها، فالآن كيف يحسب الزكاة في رأس الحول؟ نقول زكِّ تسعمئة ألف دولار؛ لأنها قيمة عروضك التجارية الآن. فرضا أنه اشترى عقارات انخفضت هذه العقارات، انخفضت قيمها، نقول أنت الآن تزكي عروض التجارة بقيمتها على رأس الحول، فتزكي فقط تسعمئة ألف دولار. إذاً هذا المبدأ يعمل به للإنسان أو على الإنسان؛ كونه ربح أو كونه خسر فإنه يزكي في رأس الحول بالقيمة التي يمثلها هذا العقار أو تمثلها هذه العروض التجارية على رأس الحول. وهذا في الحقيقة فرق بين المال المستفاد وبين عروض التجارة في قضية اعتبار الحول.

هنا تنبيهات وهي أن الشيء الذي يملكه الإنسان للقنية لا تجب فيه الزكاة، الشيء الذي يملكه الإنسان للتأجير للادخار هذا باب آخر نتطرق إن شاء الله تعالى له في وقت لاحق. طيب هناك مسألة: هل يضم هذا المال، وهو عروض التجارة، إلى النصاب، نصاب الورق النقدي الذي عنده أم لا؟ لاحظ قد تكلمنا من قبل في مسألة ضم نصاب الذهب والفضة بعضهما إلى بعض، هل يضم نصاب عروض التجارة إلى نصاب الورق النقدي؟ الظاهر والله أعلم أنه يضم، لأنهما من جنس واحد وهو هذا المال النامي المتحرك، فيضم بعضهما إلى بعض.

هنا مسألة أخرى وهي أن الإنسان إذا اشترى سيارة أو أرضاً بغرض القنية، ثم بدا له أن يتجر فيها، مثلاً رأى ارتفاعاً في الأسعار فبدا له أن يتجر في هذه الأرض أو في هذه السيارات التي اشتراها، فهل نقول ليس عليك زكاة باعتبار أنك قد اشتريت للقنية؟ أم نقول عليك زكاة باعتبار أن نية التجارة قد حدثت عندك؟ الظاهر والله أعلم الثاني. فنقول ما دام قد حدثت عندك نية التجارة والاتجار فيها والربح والتقليب بغرض الربح منها، أنك تريد أن تبيعها ثم تشتري شيئاً آخر ثم تبيعه وهكذا، حدثت لديك التجارة، فإنه كما قد ذكرنا سابقاً لا ينظر إلى أصل طريق الملك سواء كان بشراء أو بإرث أو بهبة أو غيرها، ولا ينظر إلى النية في حال التملك، وإنما متى ما حدثت نية الاتجار فإنه يصير هذا المال عروض تجارة تجب فيه الزكاة. لذلك الظاهر والله أعلم أنه تجب الزكاة فيما اشترى للقنية ثم بدا له أن يتجر فيه.

هذه أهم المسائل المتعلقة بزكاة عروض التجارة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يقوم بهذا الحق الواجب عليه وهو الزكاة، وأن يجعلنا ممن يتصدق وينفق في سبيله سبحانه وتعالى. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.