تسجيل الدخول

المحاضرة 29 - زكاة الزروع والثمار

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علمٍ نافعٍ، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهل النوال ميسراً، يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصبٍ لفلان، بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً، وآتنا من لدنك توفيقاً وسداداً وصواباً. ربنا إن لم تعلمنا وتهدنا نكن من الضالين، ربنا إن لم تغفر لنا وترحمنا نكن من الخاسرين.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس التاسع والعشرون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في فصلها الدراسي الثاني. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس وفي هذه الأكاديمية، وأن يبارك في طلابها وفي معلميها والقائمين عليها، وأن يبارك في هذه الدروس قائلها وسامعها، وأن يجعلها من العلم الذي يكون حجة لنا لا علينا.

إخواني وأخواتي، كنا نتحدث عن كتاب الزكاة وأبواب الزكاة، تحدثنا عن الزكاة وتعريفها وشروطها، ثم تحدثنا عن بعض الأموال الزكوية، وتكلمنا عن الأموال الزكوية أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام في الجملة: فمن المال ما نصت الشريعة على وجوب الزكاة فيه، ومنها ما نصت الشريعة على عدم وجوب الزكاة فيه، ومنها ما سكتت عنه الشريعة، وذكرنا أن هذا المسكوت عنه محتمل لوجوب الزكاة أو عدمها بناءً على الاجتهاد والقياس والنظر.

الآن نريد أن نتحدث عن نوع من الأموال ألا وهو زكاة الزروع والثمار. الحبوب التي تخرج من الأرض، والثمار التي تخرج من الأرض، الأصل في زكاتها وارد في القرآن الكريم، فقد جاء في القرآن الكريم قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 267]. فقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾ فيه دلالة على وجوب الزكاة في الحبوب والثمار الخارجة من الأرض، ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: 267].

بين الله سبحانه وتعالى في تتمة هذه الآية أنه لا يجوز أن يخرج الإنسان زكاة ماله من أدنى المال، وقد جاء في حديث النبي ﷺ لما أرسل معاذاً إلى اليمن قال: «إياك وكرائم أموالهم»؛ فحذر معاذاً رضي الله تعالى عنه أن يأخذ الزكاة من أعلى المال. استنبط منه أهل العلم أن الزكاة تخرج من وسط المال، فلا تكون من أعلاه ولا تكون من أدناه. فإذا أراد المزكي المسلم الذي يخرج الزكاة أن يخرج من أعلى المال تطوعاً فهذا خير وبركة، ولكن لا يجب عليه ذلك. لذلك يحرم على الذي يجبي المال أن يأخذها من أعلى المال، ويحرم على الذي يدفع الزكاة أن يدفعها من أدنى المال. لكن لو أراد الشخص المزكي الذي يدفع الزكاة أن يدفع من أعلى المال تطوعاً وإحساناً فهذا إن شاء الله تعالى خير وبركة.

كذلك في القرآن الكريم في سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: 141]. فهذه الآية كذلك تدل على وجوب الزكاة في هذه الجنات المعروشات وغير المعروشات التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم.

إذاً، هاتان الآيتان أصل في وجوب الزكاة في الخارج من الأرض من الحبوب والثمار. هنا سؤال: هل تجب الزكاة في جميع الحبوب والثمار الخارجة من الأرض أم في بعضها دون بعض؟ هناك أنواع تجب فيها الزكاة، وهناك أنواع من الحبوب والثمار لا تجب فيها الزكاة. سوف نتطرق الآن إلى هذه الأنواع، ولا شك أن الاحتمال يرد عليها جميعاً؛ فهناك من الحبوب والثمار ما يجب فيه الزكاة باتفاق، وهناك من الحبوب والثمار ما اختلف فيه أهل العلم ولم يتفقوا على وجوب الزكاة فيه.

فأما القدر الذي اتفقوا على وجوب الزكاة فيه فهو الحبوب المقتاتة والمدخرة؛ البر، الشعير، الأرز، هذا متفق على وجوب الزكاة فيها. هذه حبوب مقتاتة ومدخرة، لا بد أن نبين معنى مقتاتة ومدخرة، سوف يأتينا كذلك هذا المصطلح في عدد من أبواب الفقه، مثلاً سيأتينا إن شاء الله تعالى في زكاة الفطر، وسوف يأتينا كذلك في عدد من الكفارات وغيرها.

ما معنى قولنا مقتات ومدخر؟ القوت والادخار؛ القوت بمعنى أن هذا الطعام أو هذا الحب أو هذا الثمر قوت، بمعنى أنه وجبة تؤكل لتقيم البدن؛ لأن هناك بعض المأكولات تؤكل لأجل التفكه وليست لإقامة البدن. فمثلاً اللحم، الرز، هذه تقيم البدن لذلك تكون وجبة رئيسية، لكن مثلاً الشوكولاتة هذه لا تؤكل لإقامة البدن وإنما من باب التفكه، مثلاً اللوز هذا يكون للتفكه، مثلاً بعض الأشياء التي تؤكل للتفكه مثل بعض الفاكهة كالرمان أو غيره، هذه تؤكل لأجل التفكه وليست قوتاً للبدن.

ما معنى قولنا مدخر؟ مدخر بمعنى أنها يمكن أن تحفظ وتستمر فترة طويلة بنفسها، ليس بالتدخل البشري؛ مثلاً بالمواد الحافظة أو بالثلاجات أو غيرها، لا، وإنما هذه الحبوب يمكن حفظها. مثلاً مثل الرز، الرز لاحظ أنه مدخر، البر مدخر، الشعير مدخر، إذاً هذه يمكن ادخارها. الزبيب مدخر، العنب غير مدخر؛ لماذا؟ لأن العنب يتلف لأجل الماء الذي فيه، فإنه إذا لم يجفف هذا الماء الذي فيه يتحول إلى زبيب فإنه لا يمكن ادخاره. أصل الادخار أن تتحول هذه الحبوب أو الثمار إلى شيء جاف، يعني تخرج السيولة التي فيه، الماء الذي فيه، فإذا جف أمكن ادخاره؛ لأن هذه السيولة مصدر أو سبب للتعفن مع طول الزمن. لذلك مثلاً الرطب لا يدخر لكن التمر يدخر، العنب لا يدخر لكن الزبيب يدخر، وهكذا.

بهذين الوصفين قوت ومدخر ينتج لنا أربعة أقسام في الطعام أو في هذه الحبوب والثمار: هناك منها ما هو قوت ومدخر، ومدخر غير قوت، وهناك ما ليس بقوت ولا مدخر. فما هو القوت المدخر؟ مثلاً نضرب به مثالاً فنقول البر، الشعير، الرز، هذه قوت ومدخر؛ بمعنى أنها تؤكل لإقامة البدن ومدخرة في نفس الأمر.

ما هو القوت الذي لا يدخر؟ هو قوت ولكنه لا يدخر، مثلاً مثل اللحوم؛ اللحوم قوت يأكلها الإنسان لإقامة بدنه، لكنها ليست بمدخرة، اللحوم تفسد، لا يمكن ادخارها إذا استمرت مثلاً يومين أو ثلاثة أيام تتعفن، هذا مثال. لو أردنا شيئاً قوتاً ولا يدخر، مثلاً في الحبوب والثمار، قلنا مثلاً مثل العنب أو الرطب في حالته الرطبة، هذا قوت يقيم البدن ولكنه ليس بمدخر.

ننتقل للمدخر الذي ليس بقوت؛ بمعنى أنه يدخر ولكنه لا يقيم البدن، مثلاً مثل الفستق، اللوز، هذا يدخر لفترات طويلة لأنه جاف، لا يتعفن، لكن هل يأكله الناس قوتاً يقيم أبدانهم؟ لا، إذاً هذا مدخر وليس بقوت.

ما هو القسم الرابع؟ مثال له الذي ليس بقوت ولا مدخر، مثل بعض الفواكه التي لا تكون لا قوتاً ولا تدخر، مثلاً لو قال الإنسان مثل الكمثرى؛ الكمثرى لا تقيم البدن، ليست قوتاً، ولا تدخر، لو تركت خارج الثلاجة مثلاً أياماً فسدت بحكم ما فيها من الرطوبة والسيولة، فلاجل هذا تفسد وتتعفن. إذاً هذا مثال للأشياء التي لا تعد قوتاً ولا مدخراً.

ما هو النوع من هذه الأنواع الذي يجب فيه الزكاة؟ هذا ما سوف نتطرق إليه إن شاء الله تعالى، ولكن بعد فاصل قصير.

أين أنت من العلم وقد قال النبي ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»؟ فهناك مقدار من العلم يجب أن يتعلمه المتخصص وغير المتخصص؛ فعلى كل مسلم أن يتعلم ما تصح به عقيدته وعبادته، وعلى غير المتخصص أن يبدأ بالكتب الميسرة ثم يتدرج. ففي التوحيد مثلاً يبدأ بالأصول الثلاثة والواسطية ثم كتاب التوحيد ثم الطحاوية، وهكذا سائر العلوم، ويسأل العلماء عما يشكل عليه ويقلدهم في الفتوى لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: 7].

وليتواصل مع طالب علم متخصص ليشرح له ما صعب عليه فهمه إن لم يتيسر له التواصل مع العلماء في كل حين، ويهتم بوسائل التقنية الحديثة لتعوض انشغاله عن حضور مجالس العلم أو الالتحاق بالكليات الشرعية، ويحتاج غير المتخصص إلى علو الهمة وقوة العزيمة، فمع ضيق الوقت لن يحصل العلم إلا بالمواصلة، وليستفد من تخصصه في إتقان العلم الشرعي؛ فالطبيب مثلاً تسهل عليه مسائل الحمل والجراحات، والمهندس تسهل عليه الفرائض لإتقانه الرياضيات، ويسخر ذكاءه في فهم دينه وخدمته، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43].

نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونتابع حديثنا عن زكاة الزروع والثمار. ذكرنا أن الأصل فيها آيتان في كتاب الله، وذكرنا أنواع الثمار من حيث كونها قوتاً ومدخرات أنها تنقسم إلى أربعة أقسام، وهذه الأربعة أقسام هي قسمة منطقية لها من حيث القوت والادخار، وضربنا مثالاً لكل قسم.

نريد أن ننتقل الآن: ما هو النوع من هذه الأنواع الذي تجب فيه زكاة الحبوب والثمار؟ في الحقيقة أغلب أهل العلم أو جمهور أهل العلم على أن الزكاة إنما تجب في الزروع والثمار المقتاتة المدخرة، وأما ما لا يقتات ولا يدخر أو لا يدخر فإنه لا تجب فيه الزكاة. ولذلك نجد مسألة عند أهل العلم: هل في الفواكه والخضروات زكاة باعتبار أنها ليست مدخرة، وإنما تتلف بسرعة أو تفسد بسرعة؟ وذكرنا أن جمهور أهل العلم على اعتبار الادخار أنه شرط أساسي في الأموال التي تجب فيها الزكاة في الزروع والثمار.

إذاً بناءً على هذا، نقول إن الفواكه والخضروات لا تجب فيها الزكاة، وبناءً على هذا نقول إن البر والشعير والتمر والزبيب تجب فيها الزكاة باعتبارها مدخرة. قد يقول قائل: إن التمر والزبيب لا يزرع ولا يحصد تمراً وزبيباً، وإنما يحصد عنباً ويحصد رطباً، يؤخذ رطباً؛ فنقول: نعم، هذا تجب فيه الزكاة إن كان مما يصلح أن يكون تمراً وزبيباً، إن كان مما يمكن ادخاره. وأما بعض الأنواع التي لا يمكن ادخارها، لا يمكن أن تتحول إلى تمر أو لا تتحول إلى زبيب، فالظاهر والله تعالى أعلم أنها لا تجب فيها الزكاة، مثلاً مثل التين؛ التين إذا جفف فإنه يبقى ويدخر، فالظاهر كذلك والله أعلم أنه تجب فيه الزكاة باعتبار أنه يمكن تجفيفه.

إذاً، المعتبر في الادخار هو التجفيف والادخار دون التدخل الآلي؛ مثلاً لأن هناك الآن أحياناً يحصل ادخار من خلال المواد الحافظة، يحصل ادخار من خلال التثليج، أو يحصل ادخار من خلال الكتمان في علبة معينة بحيث إنه لا يدخله هواء يفسده، اللي هو استخراج الهواء أو الأكسجين من هذه العلبة؛ فهذه أنواع متقدمة الآن من الادخار، الظاهر والله أعلم أنه لا ينظر إليها. لأنه بهذا الاعتبار معنى ذلك أن كل شيء يمكن ادخاره، يعني اللحم الآن يمكن ادخاره بتثليج مثلاً، فيبقى أياماً أو شهوراً طويلة وهو مثلج، هذا لا ينظر إليه، هذا ممكن أن نقول إنه ادخار بتدخل آلي من خلال الفريونات وغيرها، لكن نحن نتكلم عن الادخار الطبيعي، الادخار الطبيعي الذي يحصل بهذه الحبوب والثمار من خلال تجفيفها وإزالة السيولة الموجودة فيها، وليس بسبب مواد حافظة مثلاً فيها أو شيء من هذا.

على أن حقيقة هذه المسألة تحتاج إلى مزيد من البحث والنظر؛ لأننا لو تأملنا مثلاً في بعض الأشياء، مثلاً في زكاة الفطر، عندنا تجب الزكاة في الأقط، يصح إخراج زكاة الفطر من الأقط كما جاء في السنة، كونها تخرج الزكاة من الأقط، جاء في حديث أبي سعيد إخراجها طعاماً، بر أو شعير أو تمر، فهذه أشياء كلها مقتاتة ومدخرة، جاء فيه الأقط، الأقط أصله لبن، واللبن لا يمكن ادخاره، لكن لما جفف وملح أضيف له الملح صار مدخراً، وصح إخراجه في الفطر.

هذا في الحقيقة قد يفتح لنا أفقاً وتساؤلاً: هل بالفعل يمكن أن نعتبر الادخار الحاصل بالمواد الحافظة أنه معتبر في الزكاة؟ فبالتالي يجوز أن يخرج في زكاة الفطر مثلاً أشياء مدخرة من خلال المواد الحافظة قياساً على الملح مثلاً، باعتبار أن الملح كان لما أدخل على اللبن صار أقطاً وصار صنفاً من الأصناف التي يجوز إخراجها في زكاة الفطر لكونها قوتاً مدخراً؟ لاحظتم، وهذا لعلنا نتطرق له إن شاء الله تعالى في زكاة الفطر، لكن قد يقال كذلك في هذا المقام في مقام الزكاة هنا: هل تجب الزكاة في نوع من الحبوب والثمار الذي يدخر من خلال مواد حافظة باعتبار أنه بهذه المواد الحافظة صار مدخراً في واقعنا؟ هذه مسألة تحتاج إلى مزيد من التأمل والدراسة والبحث.

النوازل المعاصرة التي نحتاج إلى مناقشتها حتى يتبين لنا هذه الأصناف الزكوية. لاحظوا إذا قلنا بهذا القول: أنه نعتبر هذه المواد الحافظة، فمعنى ذلك أن من الأصناف ومن الأموال التي لم تكن تجب فيها الزكاة بسبب أنها لم تكن مدخرة، صارت مدخرة بهذه المواد الحافظة، وصارت تجب فيها الزكاة. إذا هذا النوع من الحبوب والثمار لم يكن مدخراً وصار مدخراً، لم يكن فيه زكاة ثم صار فيه زكاة بسبب هذه المواد التي اخترعت لحفظه لادخاره. فمعنى ذلك أن هذه الأنواع من الحبوب والثمار صارت من فترة إلى فترة تجب الزكاة في شيء لم تكن واجبة فيه، بسبب أنه قد تطورت وسائل ادخاره وحفظه. هذا كله إذا قلنا بصحة وجوب الزكاة في مال تم ادخاره من خلال الوسائل الحديثة والمعاصرة، لكن على العموم المعتبر حقيقة عند جمهور العلماء المعاصرين اليوم أن الادخار المعتبر فيه هو الادخار في زمن النبوة؛ ما كان مدخراً في زمن النبوة فإنه تجب فيه الزكاة، وما لم يكن مدخراً في زمن النبوة في ذلك الزمن فإنه لا تجب فيه الزكاة. فكان هذا هو الذي مشى عليه جمهور العلماء المعاصرين، كما ذكرت أن هذه المسألة تحتاج إلى مزيد من التحرير والنظر.

نريد أن ننتقل بعد هذا الحقيقة إلى عدد من المسائل الأخرى، ألا وهي: ما هو نصاب الحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة، بحيث أنها إذا جاوزت النصاب هذا أو بلغته فإنها تجب الزكاة، وإذا كانت دونه فلا تجب الزكاة؟ هذا الأمر الأول. والأمر الثاني: ما هو مقدار الزكاة التي تخرج من الحبوب والثمار؟ والأمر الثالث: ما هو وقت إخراجها؟ وهل يشترط لها حولان الحول أم لا؟ هذه المسائل سوف نناقشها إن شاء الله تعالى بعد هذا الفاصل القصير.

الحلف تعظيم للمحلوف به لذا لا يجوز إلا بالله وأسمائه وصفاته، وفي الحديث: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت». والحلف بغير الله شرك، وهو شرك أكبر إن قصد تعظيمه كتعظيم الله، وإلا فهو أصغر. ومن حلف على ترك شيء ثم رأى فيه الخير فليفعل وليكفر عن يمينه؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 224]، أي لا تجعلوا أيمانكم مانعة من فعل الخير. ومن حلف غير قصد فلا كفارة عليه؛ قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89]. واليمين على نية الحالف إلا أن يخشى ظالماً فله أن يتأول، ومن فعل ما حلف على تركه ناسياً أو مكرهاً فلا شيء عليه. والكذب في اليمين من صفات المنافقين، وغصب المال به من الكبائر؛ قال صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة». والنذر عبادة، والوفاء به واجب، ومن نذر لغير الله كقبر أو ولي فقد أشرك شركاً أكبر. ونذر اللجاج والمباح يخير بين فعله وبين كفارة اليمين، ونذر المعصية يحرم فعله وتجب الكفارة، ونذر الطاعة المطلق يجب فعله، وكذا المعلق إذا حصل الشرط؛ فاحرص على الوفاء لتكون ممن قال الله فيهم: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: 7].

نعود إليكم بعد هذا الفاصل متابعين الحديث عن زكاة الزروع والثمار. عند حديثنا عن نصاب زكاة الزروع والثمار، هناك حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة». هذا دلنا على سقوط الصدقة أو الزكاة عما لم يبلغ هذا القدر، هذا القدر اصطلح أهل العلم على تسميته بالنصاب. مثل قولنا مثلاً في نصاب الذهب أنه عشرون مثقالاً، 85 جراماً بالموازين المعاصرة، أو قلنا في نصاب الفضة بأنها مائتا درهم، وهي 595 جراماً بالموازين المعاصرة؛ هذه أنصبة، فإذا لم يبلغ المال هذا القدر فمعنى ذلك أنه لا زكاة فيه. إذا لم تبلغ الحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة في كل نوع منها لم تبلغ خمسة أوسق، فمعنى ذلك أنه ليس فيها صدقة.

ما هو مقدار الوسق؟ الوسق في واقع الأمر هو مكيال، ما معنى قولنا مكيال؟ ليس ميزاناً، الوسق مكيال، مكيال بمعنى أنه يقيس الحجم. كقولك اليوم مثلاً اللتر، الكرتون، هذه أشياء تقيس الحجم، المساحة بالمتر المكعب هذه أشياء تقيس الحجم. عندنا اليوم مقاييس معاصرة مثلاً أشياء تقيس المساحة مثل المتر المربع، أشياء تقيس الحجم مثل المتر المكعب أو اللتر، هذه أشياء تقيس الحجم. أو أن يقول الناس مثلاً الكرتون أو الصندوق، أنه والله بعتك عشرين صندوقاً، هذه أشياء مقدرة، الصندوق حجم. في المقابل هناك أشياء تقيس المساحة كأن يقال مثلاً متر مربع، هذه لا علاقة لنا بها هنا. الآن هناك أشياء تقيس الوزن، فتقول هذا الشيء مثلاً رطل أو كيلوغرام، الكيلوغرام هذا يقيس الوزن، أو الجرامات، هذه موازين معاصرة لقياس الوزن. هناك مقاييس كثيرة التي تقيس الطول مثلاً مثل الكيلومتر أو المتر أو السنتيمتر أو المليمتر أو الميل، هذه أشياء تقيس الطول، سابقاً كان عندهم يقيسون الطول مثلاً الفراسخ، يقول كذا فرسخ، هذه أشياء تقيس الطول.

إذا أردنا الحديث، رجعنا إلى الحديث: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة». هل الوسق آلة أو مقياس لقياس الوزن أم هو مقياس لقياس الحجم؟ في واقع الأمر أنه مكيال من المكاييل بمعنى أنه يقيس الحجم. إذا قلنا أن هذا راجع إلى الكيل فمعنى ذلك أنه يقيس الحجم، إذا قلنا أن هذا راجع إلى الوزن فمعنى ذلك أنه يقيس الثقل. مكيال، ما هي المكاييل القديمة التي كانوا يقيسون بها الحجم؟ كانوا يقيسون الحجم بالصاع أو بالمد أو بغيرها، فالوسق قدر سابقاً بأنه 60 صاعاً. لاحظوا سابقاً لم يكن هناك تقدير لهذه الأصوع بالسنتيمتر أو المليمتر التي تقيس مثلاً أطوالها وارتفاعها طولها وعرضها وارتفاعها حتى تعطينا مساحة معينة أو حجماً معيناً يمكن قياسه فيقال والله أنها لتر أو كذا. كيف كانوا ينقلون لنا هذه الأصوع؟ قدروها لنا بالوزن، لماذا؟ لأنه باعتبار عدم وجود الآلات في ذلك الزمن التي تصنع مثلاً أصوعاً متساوية، كانوا في كل بلد عندهم صاع معين، وفي كل بلد عندهم نوع معين من المكيل. فهناك مد وصاع مصري، وهناك مد وصاع بغدادي أو غيرها، وهناك مد وصاع مثلاً شامي وعراقي ويمني ومدني، الحجاز فيه أصوع، وهكذا. لماذا؟ لأنها كانت تصنع بشكل يدوي وبشكل بسيط.

فإذا قيل مثلاً أن الوسق ستون صاعاً، احتار الناس هل هو الصاع الذي كان يتداول في المدينة أو في مكة أم الذي يتداول في العراق أم الذي يتداول في الشام؟ ما هو الصاع؟ فلذلك عمد أهل العلم دائماً إلى تقدير هذه المكاييل بماذا؟ تقديرها بوزن البر الرزين الجيد، هذا نوع من أنواع الأطعمة، البر الرزين الجيد، فيقال مثلاً الصاع هو كيلوان وأربعون جراماً من البر الرزين الجيد، هذا مقدار الصاع. فلذلك لأن الصاع هو مثل القدر اليوم، فأنت مهما ذهبت إلى بلد من البلدان يمكنك أن تأخذ براً رزيناً جيداً، تحسب 2 كيلو و40 جراماً، 2 كيلو و400 جرام، ثم تنظر ما هو الصاع؟ ما هو القدر؟ ما هو الإناء الذي يتسع لهذا؟ هذا هو الصاع النبوي الذي قدرت به الزكوات. لاحظتم؟ سوف يأتينا إن شاء الله تعالى في زكاة الفطر أن مقدار زكاة الفطر صاع، هذا هو الصاع، هو ما اتسع، هو الإناء الذي يتسع لكيلو فاصل أربعة من البر الرزين الجيد.

بناء على هذا كم مقدار الزكاة؟ مقدار الزكاة إذا حسبنا 2.40 وقلنا أن الوسق ستون صاعاً، وقلنا أن النصاب خمسة أوسق، 5 في 60 معناها 300 صاع. 300 صاع إذا ضربناها في 2.4 خرج لنا هذا، وهو قرابة 600 أو ما يزيد على 600 كيلوغرام. لاحظوا، ليس النصاب ليس النصاب 600 أو ما يزيد على 600 من الكيلوغرامات من هذه المادة، لا. وإنما هو، لاحظوا معي وهذه قضية تحتاج إلى تركيز، النصاب هو إناء يتسع لـ 600 وشيء من كيلوغرامات البر الرزين الجيد. واضح الفرق؟ إذا نحن الآن في واقع الأمر لا نحدد نصاب الزروع والثمار بالكيلوغرام، فنقول أن نصاب مثلاً التمر هو 600 كيلوغرام، نصاب البر هو 600 كيلوغرام، نصاب الشعير هو 600 كيلوغرام؛ خطأ. أو أن نقول مثلاً نصاب الرز هو 600 جرام، خطأ. هذا خطأ، لكن نحن نقول أن النصاب هو إناء، إناء، لماذا؟ لأن نصاب الزروع والثمار مكيال لقياس الحجم وليس نصابها مثقال يقاس به الوزن.

وهذا فرق أساسي بين زكاة الزروع والثمار من جهة، وبين زكاة الذهب والفضة من جهة أخرى. الذهب والفضة ذكرنا أن نصابه بالوزن مثاقيل ودراهم سابقاً وقسناها بالجرامات المعاصرة، وهذا لا إشكال فيه إن شاء الله تعالى. زكاة الزروع والثمار نصابها في واقع الأمر هو مكيال، مكيال يقيس الحجم، ولكن لما كان في التاريخ السابق القديم الأصوع تتفاوت من بلد إلى بلد، قدروها بالوزن؛ لماذا التقدير بالوزن؟ لأجل أن الوزن دائماً مضبوط، وربما والله أعلم أنهم لم يخترعوا لم يكن عندهم شيء يقيسون به هذه المسافات أو الأحجام بشكل آخر، فلذلك كانوا يقدرونها دائماً بالوزن، لماذا؟ لأنه آلة التقدير عندهم، الكيل التي يكيلون بها صاع، الصاع متفاوته من بلد إلى بلد؛ هناك صاع مثلاً عراقي، هناك صاع مصري، هناك صاع شامي، هناك صاع مدني. فلذلك إذا قال والله 30 صاعاً، ما كان عندهم مثلاً وحدة مقياس مثلاً مثل اللتر يتفق عليها أو المتر المكعب يتفق عليها تقاس بها الأصوع، لا، وإنما كان يقال هذا كذا صاع، كذا صندوق مثلاً.

لو أنا أقرب لكم الصورة: هل يمكن أن نقدر الزكاة فنقول أن نصاب الزروع والثمار هو 40 كرتوناً؟ طيب، 40 كرتون، واحد يقول والله يا أخي الكراتين متفاوتة، في كراتين كبيرة وفي كراتين صغيرة، هذه إشكالية الصاع. هناك كراتين... طيب لو قال قائل لا يا أخي المعتبر هو مثلاً الصاع النبوي، نقول لا شك فيه، لكن ما مقدار الصاع النبوي؟ الناس لما تناقلوا الصاع يزيد وينقص ويختلف في البلدان، فلذلك قدروا الصاع النبوي بالوزن حتى يعرف ويقاس عليه الأصوع الجديدة، واضحة الفكرة هذه؟ إذا نحن نقول أن نصاب الزروع والثمار هو إناء ووعاء يقيس الحجم، وليس وزناً يقيس الثقل. طيب ما هو هذا الوعاء؟ قلنا هو خمسة أوسق، والوسق 60 صاعاً، والمراد 300 صاع نبوي. هذا هذا المقياس.

طيب الآن هذا المقياس ما تقديره اليوم في المقاييس المعاصرة؟ نقول تناقل الفقهاء تقديره بالوزن، فقالوا أن الصاع هو ما اتسع لكيلو وشيء من البر الرزين الجيد، فبناء على هذا نقول أن الوسق أو الخمسة أوسق تساوي إناء يتسع لـ 600 جرام من البر الرزين الجيد وشيء، طبعاً هنا هناك تفاصيل رقمية لكن لن نذكرها هنا الآن اللي هي الفاصلة وما بعد الفاصلة. لكن نحن نقول 600 وشيء من البر الرزين الجيد إذا ملأت إناء هذا يعد خمسة أوسق، إذا هذا هو هذا هو المقدار الذي تجب فيه الزكاة، وليس المراد أن النصاب 600 جرام من الثمار والزروع، لا ليس كذلك، ليس كذلك. إذاً نصاب الزروع والثمار هو مكيال يقيس الحجم، أرجو أن هذه المسألة إن شاء الله تعالى واضحة، ولعله إن شاء الله تعالى تتضح إن شاء الله لنا في لقاء آخر. نقف عند هذا القدر ونختم لقاءنا هذا الدرس، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.