الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ربنا اهدنا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا أنت. ربنا اصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت. اللهم اهدنا لأفضل العلوم والمعارف وأتقاها وأصحها وأصوبها يا رب العالمين. ربنا وفقنا للسداد والصواب.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثالث من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في فصلها الدراسي الثاني. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه الأكاديمية أكاديمية مباركة ونافعة في حق معلميها وطلابها ومشرفيها ومن دعمها يا رب العالمين.
كنا قد تكلمنا في سلسلة دروس عن الزكاة؛ تعريفها وشروطها والأموال الزكوية، ثم دخلنا في زكاة النقدين، ثم دخلنا في زكاة الأوراق النقدية، ثم تحدثنا عن زكاة الزروع والثمار. تحدثنا أن الزروع والثمار تجب فيها الزكاة لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]، وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 267]. فدل ذلك على وجوب الزكاة في الزروع والثمار.
إلا أننا قيدنا هذا الوجوب بأنه فيما كان خمسة أوسق فأعلى، وقيدناه بالوجوب في الأقوات المدخرة من الحبوب والثمار، ولا تجب في الخضروات والفواكه زكاة على الصحيح، وهو رأي جمهور أهل العلم. انتقلنا بعد ذلك إلى بيان مقدار النصاب، وقلنا إنه خمسة أوسق، وأن ما دون خمسة أوسق لا تجب فيه الزكاة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة».
ونبهنا إلى قضية مهمة؛ وهي أن المقاييس تختلف، فهناك مقاييس تقيس الحجم، فمثلاً ما هو الحجم؟ هو الطول في العرض في الارتفاع، يقيس لنا حجم شيء معين، وهذا اصطلح أهل العلم على تسميته بالكيل، فيقال هذا كيل. وأما الوزن فهو قياس للثقل، فيقال هذا مثلاً كيلوغرام، هذا غرام، هذا مثلاً 20 غراماً، إذاً هذا يقيس الوزن. وقلنا إن نصاب الذهب والفضة وزني فيقاس بالموازين، وأما نصاب الحبوب والثمار فهو كيلي، يقاس بالمكاييل؛ أي بالأشياء التي تقيس الحجم.
وذكرنا أن الوسق 60 صاعاً، والصاع أربعة أمداد، وذكرنا أن تقدير حجم الصاع هو إناء يملؤه كيلوان وشيء من البر الرزين الجيد. وبناءً عليه فإن الوسق أو خمسة الأوسق تساوي 300 صاع. وبالتالي فإن هذه الـ 300 صاع تساوي تقريباً إناءً يتسع لـ 600 كيلو وشيء من البر الرزين الجيد. فإذا قدرنا هذا الإناء فحينئذٍ هذه خمسة أوسق وتجب فيها الزكاة، وليس المراد أن نصاب الزروع والثمار هو 600 غرام وشيء لا، وإنما هو إناء يسعه 600 غرام وشيء من البر الرزين الجيد. وهذا فرق بين زكاة الحبوب والثمار وزكاة الذهب والفضة.
نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى شرط ثالث كذلك من شروط الزكاة، وهو ملك النصاب في وقت وجوب الزكاة. ما هو وقت وجوب الزكاة؟ يتعلق وجوب الزكاة حقيقة بذمة المكلف إذا بدا صلاح الثمرة، ولكن لا يجب عليه إخراجها إلا يوم حصادها؛ يوم الحصاد يجب عليه إخراجها، أما قبل ذلك فلا يجب عليه. لماذا نحن نقدر وقت وجوب الزكاة؟ نفترض أن شخصاً باع هذا الحائط، النخل، المزرعة، باعه بما فيه لشخص آخر. نقول إذا كان هذا البيع قد تم بعد بدو الصلاح للزرع والثمر وكذا، بعد بدو الصلاح، فإن الزكاة قد تعلقت بذمة البائع؛ لماذا؟ لأنه قد باع بعد وجوب الزكاة.
وإن كان البيع قبل بدو الصلاح -طبعاً لا يجوز بيع الثمرة منفردة قبل بدو الصلاح كما سيأتينا إن شاء الله تعالى في كتاب البيع لاحقاً- لكن لو باع الأرض الأصل مع الثمار فهذا يجوز قبل بدو الصلاح؛ لأن الثمار هنا صارت تابعة، فإذا باعها قبل بدو الصلاح وبدا صلاح الثمرة في ملك المشتري فحينئذٍ تجب عليه الزكاة.
إذاً هذا هو الحد الفاصل. ما هو مقدار الزكاة؟ جاء في البخاري ما يبين لنا مقدار هذه الزكاة، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «فيما سقت السماء أو كان عثرياً، العشر». إذاً ما سقي أو كان سقيه بلا مؤونة من المزارع، ما هي المؤونة؟ بمعنى الكلفة. هناك ما يسقى بالنضح؛ كيف بالنضح؟ بمعنى أن يكون بئر ينضح منه الماء فيسقي هذا الزرع، إذاً هذا يحتاج إلى مؤونة النضح، فهذا فيه نصف العشر. أما ما سقي من السماء بالأمطار، أو كان عثرياً وهو بمعنى الذي يسقى بلا مؤونة، فهذا فيه العشر.
إذاً مقدار الزكاة يتفاوت، وهذا فرق ثانٍ بين زكاة الزروع والثمار وزكاة الذهب والفضة. الفرق الأول قلنا إنه زكاة الزروع والثمار مكيال للحجم، وأما النصاب في الذهب والفضة فهو ميزان يقيس الوزن. هذا فرق أول. الفرق الثاني أن نصاب الذهب والفضة ثابت، وهو 2.5% ربع العشر، وأما نصاب الزروع والثمار فليس ثابتاً بل هو متردد بين العشر ونصف العشر. ما معنى العشر؟ أي 10%. نصف العشر معناه 5%، نصف العشر هو خمسة بالمائة. إذا كانت هذه الزروع والثمار تسقى بدون كلفة ولا مؤونة، فإن على المزارع أن يخرج العشر. إذا كانت تسقى بكلفة ومؤونة فإن عليه نصف العشر. قال أهل العلم كذلك إذا كان بعض الحول مثلاً يسقى بمؤونة ونصف يسقى بلا مؤونة، فإن عليه ثلاثة أرباع العشر؛ النصف بينهما، بمعنى أن يكون مقدار الزكاة 7.5%. إذاً هذا مقدار الزكاة في الحبوب والثمر. وقلنا إن هذا فرق ثانٍ بينها وبين زكاة الذهب والفضة أو غيرها من الأموال، أن هنا مقدار الزكاة متفاوت مبني على كلفته ومؤونته.
وقت إخراج الزكاة؛ ما هو وقت إخراج زكاة الحبوب والثمار؟ في واقع الأمر أن وقت إخراج زكاة الحبوب والثمار نستطيع أن نستنبطه من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]، فيجب عليه إخراجها حين حصادها. هل يُحسب حولاً؟ لا، لا يُحسب الحول. إذاً هذا فرق ثالث بين زكاة الحبوب والثمار وبين زكاة الذهب والفضة؛ وكنا قد تكلمنا عن زكاة الذهب والفضة يشترط فيها الحول، حولان الحول، أما زكاة الزروع والثمار فلا يشترط لها حول، وإنما تؤخذ الزكاة يوم الحصاد ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] مباشرة.
هنا مسألة وهي أنه إذا كان الآن يجنيها شيئاً فشيئاً طول العام، وطول العام إذا حُسب ما جناه طول العام بلغ نصاباً، ولكن في كل مرة يجني لا تبلغ نصاباً، هذه مسألة هل يضم بعضها إلى بعض في النصاب في تكميل النصاب أم لا؟ وهو ما سوف نجيب عنه إن شاء الله تعالى بعد فاصل قصير.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونتابع حديثنا عن زكاة الزروع والثمار. تحدثنا عن نصاب الزروع والثمار وقلنا إنه خمسة أوسق، وتحدثنا بعد ذلك عن مقدار الزكاة وقلنا إنه يتفاوت بين العشر ونصف العشر، ثم بعد ذلك تحدثنا عن وقت إخراج الزكاة وقلنا إنه يوم الحصاد. طيب لو قال قائل إن ما يحصده يتفاوت؛ فهذا يحصد اليوم قليلاً وبعده قليلاً وبعده قليلاً، لكن إذا حسبنا في السنة وضممنا بعضه إلى بعض فإنه يكون نصاباً. نقول هل يضم بعضه إلى بعض في النصاب؟
لاحظوا عندنا قاعدة، نقول إن الزرع الذي يكون من جنس واحد فإنه يضم بعضه إلى بعض إذا خرج خلال السنة؛ لأن دائماً السنة لها اعتبار عندنا، باعتبار أن الحول له تأثير في الزكاة، فلذلك نرجع إليها دائماً. الزكاة لها علاقة بالحول، نعم نحن نقول لا يشترط لها حول في زكاة الزروع والثمار، بمعنى أنه لا ينتظر بها حولاً، ولكن هل معنى هذا أن الحول ليس له أي اعتبار في زكاة الزروع والثمار؟ نقول لا، له اعتبار في ضم النصاب بعضه إلى بعض.
طيب هل يضم نصاب شيء إلى شيء؟ مثلاً إنسان زرع ثلاثة أوسق من البر وثلاثة أوسق من الشعير، هل يخرج الزكاة؟ نقول أنت الآن زرعت ستة أوسق وبلغت النصاب، أو أننا ننظر إلى كل جنس على حدة؟ فنقول أنت زرعت الآن براً بمقدار ثلاثة أوسق فليس عليك زكاة فيه، زرعت الشعير بمقدار ثلاثة أوسق فليس عليك زكاة فيه لأنه لم يبلغ الوسق، أو أننا نضمهما بعضهما إلى بعض؟ نقول ما داما جنسين مختلفين فلا يضم بعضه إلى بعض. إذاً المعتبر خمسة أوسق من جنس واحد.
طيب نحن ضممنا التفاوت الزماني؛ إذا جنى شيئاً الشهر هذا، وأخذ شيئاً الشهر الذي بعده، وأخذ شيئاً الشهر الذي بعده، ضممنا بعضها إلى بعض باعتبار أنها جنس واحد وباعتبار الحول. لو قال قائل لا تبلغ عندي نصاباً إلا إذا ضممنا سنتين، نقول لا، غير معتبر، المعتبر هو أن تضم بعضه إلى بعض في سنة واحدة؛ لأن السنة الواحدة لها نظر شرعي في الزكاة، والحول له اعتبار في الزكاة فبناءً عليه نقلنا هذا الاعتبار.
هل هناك ضم مكاني؟ بمعنى إنسان زرع ثلاثة أوسق من البر في بلد وعنده مزرعة أخرى في بلد آخر فيها ثلاثة أوسق من البر، الآن بلغت ستة أوسق. لو ضممنا مكانياً لقلنا تجب عليك الزكاة باعتبار أنها بلغت نصاباً ستة أوسق، ولو أننا لم نضم مكانياً لقلنا إذاً لا تجب عليك الزكاة في البلد الأول ولا تجب عليك الزكاة في البلد الثاني. الظاهر والله أعلم نقول إنه يضم إذا كانت لمالك واحد، يضم ملكه بعضه إلى بعض وتفاوت الأمكنة والله تعالى أعلم أنه غير مؤثر، لذلك كونه زرع في هذا البلد ثلاثة أوسق وفي هذا البلد ثلاثة أوسق، إذاً نقول تجب عليك الزكاة باعتبار أنك مالك الآن لستة أوسق من البر.
هناك مسألة رابعة أو خامسة في مسائل الضم، وهي لو أن إنساناً زرع أنواعاً مختلفة من جنس واحد، رطب عنده مثلاً شيء برني، شيء مثلاً من الصفري، شيء من السكري إلى آخره، فهل يضم بعضها إلى بعض لتبلغ نصاباً؟ نقول يضم بعضها إلى بعض، لماذا؟ لأنها جنس واحد وإن اختلفت أنواعه، فلا يشترط أن يبلغ النصاب في كل نوع منها حتى يخرج الزكاة، لا، وإنما ما دامت هذه الأنواع مختلفة ضمن جنس واحد فإنه يضم بعضها إلى بعض في النصاب.
وهذا في الحقيقة له أصل، فمسائل الفقه مترابطة، إذا رجعنا مثلاً إلى باب الربا، باب الربا إذا باع نوعاً من الرطب بنوع آخر، فإن اختلاف الأنواع لا يؤثر في اختلاف الجنس، فاشترط حينئذٍ التماثل عند مبادلة بعضها ببعض وإن كان النوعان مختلفين. مثلاً لو أن إنساناً باع تمراً أو رطباً رديئاً بتمر أو رطب جنيب ممتاز، هل يجوز له أن يبيع صاعاً من الجيد الممتاز بصاعين من الرطب الجمع؛ الجمع الذي يشمل الرديء وغيره؟ نقول لا يجوز له ذلك، بل يجب التماثل بينهما إذا بيعا مع بعضهما البعض.
قد يقول قائل إذاً هذا فيه لنا فائدة وقاعدة، وهي أن اختلاف الأنواع إذا كانت من جنس واحد غير معتبر، فلا يؤثر اختلاف الأنواع. هذه القاعدة ننقلها من باب الربا إلى باب الزكاة، فنقول اختلاف الأنواع في هذه الأنواع من الرطب أو في هذه الأنواع من البر لا يؤثر ما دامت من جنس البر، ما دامت من جنس الشعير، إذاً لا يؤثر تفاوت هذه الأنواع ضمن هذا الجنس الواحد. لاحظوا أننا نقلناها من باب الربا، لماذا؟ لأنه ورد فيها نص حديث بلال المزني أنه قال: نشتري الصاع من هذا -أي الجنيب، ما معنى التمر الجنيب؟ معناه المجنب الذي يُصطفى ويُختار الجيد- بصاعين من الجمع. الجمع ما هو التمر الجمع؟ هو المجموع الذي يجمع الجيد والرديء. فقال: ألناخذ الصاع من هذا بصاعين من هذا؟ فقال: «لا تفعل». إذاً لماذا نهاه النبي صلى الله عليه وسلم؟ باعتبار أنه يقع هنا ربا الفضل لأنه صاع بصاعين، فدل على أن اختلاف الأنواع، اختلاف الجودة، اختلاف الرداءة غير مؤثر ما دامت من جنس واحد. إذاً نحن طرقنا مسائل في ضم الزروع.
تضم الثمار بعضها إلى بعض لتبليغ النصاب إذا كانت من جنس واحد في بلدين. وإذا كانت من جنس واحد في أزمان متفاوتة، فإن كانت هذه الأزمان ضمن الحول يضم بعضها إلى بعض، أما إذا كانت هذه في حول وتلك في حول آخر فلا يضم بعضها إلى بعض؛ لأن المعتبر هو الحول في ضم النصاب. إذا كانت أنواع مختلفة ضمن جنس واحد يضم بعضها إلى بعض لتكميل النصاب في هذا الجنس. أما إذا كانت أجناساً مختلفة؛ كبُر وشعير ورطب، فلا يضم بعضها إلى بعض، والله تعالى أعلم.
هذه المسائل المتعلقة بتكميل النصاب في الحبوب والثمار. الأصل أيها الإخوة أن الزكاة تخرج من أصل المحصول، فإذا كان محصوله شعيراً فإنه يخرج الزكاة من الشعير، ويخرجها من أوسطه، والبر يخرجه من أوسطه. ولا يجوز للإنسان أن يختار الرطب الرديء فيخرجه؛ لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 267]، يعني لن تقبلوا إلا بنوع من الإغماض والتجاوز. ولكن يجب على الإنسان أن يخرج من أوسط ماله، فإن زاد فبفضل الله تعالى خير وبركة، والله سبحانه وتعالى يبارك في المال. «ما نقص مال من صدقة»؛ بل تزيده، لذلك لا ينبغي على العبد المسلم أن ينظر إلى هذه الزكاة باعتبار أنها تنقص المال، ولا ينبغي أن ينظر إليها باعتبار أن هذا نوع من الاستثمار. لذلك لما جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها لما تصدقت بالشاة فقالت: يا رسول الله، ذهبت كلها إلا كتفها، أبقت الكتف للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه يحب أن يأكل الذراع فأبقته للنبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم صحح مفهومها وصحح اللفظ وقال: «لا، بقيت كلها إلا كتفها». لماذا النبي صلى الله عليه وسلم صحح المفهوم واللفظ؟ لأن في واقع الأمر ما تصدق به الإنسان وأنفقه في سبيل الله هو الذي يبقى للإنسان، وما يأكله ويبقيه لنفسه هذا في الحقيقة هو الذي يفنى. ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27]، ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: 46]؛ هي التي تؤمَّل للمسلم في حياته الآخرة.
إذاً أيها الإخوة، لا يجوز أن تخرج الزكاة من رديء المال وهذه قاعدة عندنا. لذلك حتى مثلاً سياتينا إن شاء الله تعالى في زكاة النقود، نفترض أن الإنسان يملك ألف ريال، كم الزكاة؟ نقول إن الزكاة ربع العشر بمعنى أنها خمسة وعشرون ريالاً. هل يجوز أن يقول: هذه الألف ريال حاضرة عندي، ولي دين على فلان، ولن يسددني وهو مماطل وفقير ومعسر، فأنا سأحسب الدين الذي عليه، نفترض الدين الذي عليه مثلاً خمسة وعشرون ريالاً أو خمسون ريالاً، فقلت: إذاً هذاك الدين سوف أعفو عنه وأجعل هذا صدقة؟ نقول: لا، ما يجوز؛ لأن هذا من أردأ مالك. أنت الآن عندك ألف حاضرة موجودة، وعندك دين رديء في ذمة معسر، فكيف تخرج عن المال الحاضر مالاً رديئاً؟ ما يجوز لك أن تخرج هذا المال. قال: يا أخي هو من أهل الصدقة! نقول: هو من أهل الصدقة نعم، لا مانع أخرج خمسة وعشرين ريالاً من المال الحاضر وأعطِ ذلك الشخص من الصدقة، لا تطلب منه أن يسددك، لا، أعطه، تصدق عليه، لا مانع من هذا كونه من أهل الصدقة، لكن كونك تقول: والله أنا سأتنازل عن ديني هذا أعتبره صدقة، أقول: لا، أنت أخرجت من المال الحاضر الجيد مالاً رديئاً، وهذا لا يجوز والله تعالى أعلم. إذاً هذه مسألة يسأل عنها بعض الناس، وهو حكم التصدق أو إخراج الزكاة من هذه الديون؛ لا يخرج عن المال الحاضر ديناً؛ لأن الدين دائماً أقل في الجودة من الزكاة. الإنسان يخرج دائماً من أوسط ماله، وهذا ذكرناه في الحبوب والثمار وفي غيرها. فاصل قصير ونعود إليكم بعد الفاصل إن شاء الله تعالى.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل، وكنا قد تحدثنا عن زكاة الزروع والثمار بشيء من التفصيل. نريد أن ننتقل الآن إلى زكاة العسل. العسل لم يثبت فيه حديث صحيح صريح في وجوب الزكاة فيه، كذلك زكاة المعادن، لم يثبت مثلاً في زكاة المعادن على أنواعها، مثلاً المعادن السائلة كالنفط مثلاً والغاز أو غيرها، أو الجامدة كالحديد والنحاس وغيرها، لم يثبت فيها حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي تعد من القسم الثالث المسكوت عنه من حيث وجوب الزكاة أو عدمها نصاً. هناك شيء وجبت فيه الزكاة نصاً، وشيء لم تجب الزكاة فيه نصاً، وهناك شيء مسكوت عنه في واقع الأمر، والاجتهاد يقتضي إلحاقه إما بهذا أو بهذا. والظاهر والله تعالى أعلم، بناءً على ما قعدناه سابقاً وهو أن الأصل في الأموال على اختلافها وتنوعها وجوب الزكاة، فنقول بناءً على ذلك إنه تجب الزكاة في العسل، وتجب الزكاة في المعادن، وفي غيرها من المعادن السائلة والمعادن الجامدة. يبقى عندنا حقيقة مبحثان أو مسألتان مهمتان: المسألة الأولى ما هو النصاب، ما هو نصاب العسل مثلاً؟ لا شك أنه سوف يحصل اختلاف في الاجتهاد لتقدير نصاب العسل باعتباره غير منصوص، قاسوا مثلاً إما على هذا الشيء أو على ذلك الشيء. الأمر الثاني ما هو مقدار الزكاة فيه؟ لاحظوا أن هذه الأشياء مثلاً المعادن والعسل يتجاذبها أمران: عندنا نحن مقدار زكاة الذهب والفضة والنقود وهو ربع العشر، وعندنا مقدار زكاة الزروع والثمار وهو العشر أو نصفه.
الآن العسل أو المعادن، خلونا نتحدث عن العسل، قد يقول قائل إنه من الأموال التي لا زكاة فيها، فأصله يكون في ربع العشر، وقد يقول قائل بحكم أنه خارج من النحل ففيه شبه من الثمر الخارج من الشجر فتقدر زكاته فيقال العشر، هذا لاحظوا وجهي شبه. المعادن فيها شبه من الذهب والفضة باعتبار أن الذهب والفضة معدن من المعادن، وهذه المعادن النفط والغاز والنحاس والحديد وغيرها، قد يقول قائل إن فيها ربع العشر لشبهها بالذهب والفضة، وقد يقول قائل: لا، أنها باعتبار أنها خارجة من الأرض ففيها شبه بالزرع والثمار ففيها العشر، وبما أن إخراجها له مؤونة ففيها نصف العشر مثلاً. إذاً لاحظوا أن هذه تقديرات اجتهادية في تقدير الزكاة، وعلى كلٍّ حقيقة كل قول من هذه الأقوال، سواء في النصاب أو في مقادير الزكاة، كل قول من الأقوال فيه اجتهادات لأئمة الإسلام تحاول أن تتلمس مقدار الزكاة في هذه الأشياء. إلا أن ننبه هنا إلى عدد من التنبيهات: العسل فرض فيه الزكاة الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه، وهو الخليفة الراشد الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاقتداء به، وفرضها وجعلها العشر رضي الله تعالى عنه وأرضاه في العسل، فهذا أصل حقيقة يمكن الرجوع إليه. التنبيه الثاني في المعادن؛ هناك دول منتجة للنفط، هل يقال إن هذا النفط فيه زكاة؟ نحن نقول طالما أن هذا النفط مملوك للدولة فالظاهر والله تعالى أعلم أن أموال الدولة لا تجب فيها الزكاة؛ باعتبار أنها ليست مملوكة لمالك معين محدد ينتفع بها، وإنما هذه مملوكة أصلاً للدولة، والدولة أصلاً كلها قامت هي وأموالها لأجل القيام على مصالح الناس، لأجل القيام على مصالح الناس؛ فإذاً أصلاً من واجباتها بدون أن نقول فيها زكاة أو غيرها من واجباتها رعاية الفقراء والقيام عليهم في المصارف المذكورة.
لكن قد يقول قائل إن فائدة وجوب الزكاة على الدولة أنه بمعنى ذلك أن هذا المقدار من الزكاة يجب أن يصرف إلا في مصارف الزكاة، لكن الظاهر والله تعالى أعلم أن الزكاة لا تجب في ذمة الدولة؛ باعتبار أنها أصلاً ذمة خيرية، ومثالها حقيقة مما يقاس عليها كذلك الجمعيات الخيرية، لو أن هناك جمعية مثلاً جمعية خيرية لإنشاء المساجد، جمعية لرعاية الفقراء، جمعية لنشر العلم أو غيرها، هل تجب الزكاة عليها في أموالها، نفترض أن عندها أموالاً أو استثمارات معينة أو وقفية أو غيرها، هل تجب الزكاة عليها؟ نقول: لا، لا تجب عليها الزكاة؛ لأن هذه الجمعية كالدول كغيرها هي مؤسسات هدفها خيري، وإنما تجب الزكاة على الأشخاص الذين يملكون وينتفعون بهذا الملك انتفاعاً شخصياً. فتجب الزكاة على الأفراد الطبيعيين، وتجب الزكاة على الشركات التجارية أو على المؤسسات التجارية؛ باعتبار أنها مؤسسات ربحية وتجارية، أما الجمعيات الخيرية والدولة فالظاهر أنه لا تجب عليها الزكاة؛ باعتبار أنها مؤسسات قامت أصلاً للنفع العام وللمصلحة.
إذاً هذا لماذا تطرقنا إليه؟ لأنه مثلاً سياتينا إن شاء الله تعالى في قضية مسألة أموال الزكاة، نفترض أن ثمة دولة تملك نفطاً، تملك غازاً، تملك غير ذلك، تملك نقداً، ليس معنى هذا عدم وجوب الزكاة عليها أن النقد أو النفط أو الغاز ليس فيه زكاة، لا، نحن نقول إذا كان مملوكاً ملكاً خاصاً فإنه تجب فيه الزكاة، وإذا كان مملوكاً ملكاً عاماً فإنه لا تجب فيه الزكاة. نريد أن ننتقل حقيقة بعد هذا كله إلى ما يسمى بالركاز، جاء في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وفي الركاز الخمس». ما هو الركاز؟ الركاز هي الكنوز التي وُجدت وعليها آثار أو علامات الجاهلية، بمعنى أنها دفائن موجودة مدفونة في الأرض سابقاً أيام الجاهلية، طبعاً ما كان عنده بنك يودع أمواله فيه، لا، وإنما كانوا يدفنون أموالهم، يدفنونها تحت بيوتهم خوفاً عليها من السرقة أو غير ذلك، فكانوا يدفنون أموالهم وربما أحياناً كانت ظاهرة، ولكن لأي أسباب تاريخية أو جغرافية أو بيئية أو غيرها حصل أن هداماً، حصل أي شيء من هذا فصارت الآن تحت الأرض. فإذا وجد شخص شيئاً من دفائن الجاهلية عليه علامات جاهلية معينة، هذا الكنز ما الواجب فيه؟ الواجب فيه كما جاء في الحديث: «وفي الركاز الخمس». هل هذا الخمس حقيقة من باب الزكاة، أو أنه واجب من الواجبات الشرعية في هذا المال ليس من جنس الزكاة وإنما هو من جنس الفيء؟
ما معنى الفيء؟ الفيء هو ما يحصل للمسلم المجاهد دون قتال. هذا الفيء في واقع الأمر إذا تأملنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وفي الركاز الخمس»، وجدناه أقرب إلى الفيء من الزكاة، لذلك حقيقة لو أننا ألحقناه مثلاً بأبواب الفيء والغنيمة كان أجود من إلحاقه بأبواب الزكاة؛ لعدة اعتبارات: الخمس هذا هو مقدَّر في الفيء، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41]. الفيء كذلك ما حصل للمسلمين بدون قتال، وهذا حصل للمسلم بدون قتال، حصل للمسلم من الكافر، وهذا دفائن الجاهلية. إذاً هذه ثلاث اعتبارات، حقيقة الأمر الرابع قد نقول كذلك أنه ليس في أنصبة الزكاة شيء غير الركاز فيه الخمس، وإنما المعتبر الخمس هذا معتبر في الغنيمة وفي القتال، لذلك قد يقال والله تعالى أعلم إن الركاز وجوبه ليس من جنس وجوب الزكاة. ما فائدة هذا الخلاف كله إذا نحن اتفقنا على إخراج الخمس؟ هذا الخمس أين يصرف؟ هل يصرف في مصالح المسلمين العامة كالفيء، أو يصرف في المصارف الثمانية كالزكاة؟ نحن الظاهر والله تعالى أعلم أنه يصرف في مصالح المسلمين العامة كالفيء. نقف عند هذا القدر، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي