تسجيل الدخول

المحاضرة 31 - زكاة بهيمة الأنعام

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت. اللهم يا رب العالمين وفقنا للخير، واجعلنا ممن ينتفع بالعلم.

أما بعد، إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الحادي والثلاثون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في فصلها الدراسي الثاني. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، وأن يبارك في هذه الدروس قائلها وسامعها، وأن يجعلها من العلم النافع، وأن يجعلها حجة لنا لا حجة علينا.

إخواني وأخواتي، كنا قد تكلمنا في الدروس السابقة عن موضوعات متعلقة بالزكاة؛ تحدثنا عن الزكاة تعريفها وشروطها، والأموال التي تجب فيها الزكاة، تحدثنا عن النقدين والورق النقدي، تحدثنا عن الحبوب والثمار، ثم تحدثنا عن بعض المعادن والعسل. نريد أن ننتقل اليوم إلى نوع مهم من الأموال الزكوية، ألا وهو زكاة بهيمة الأنعام.

زكاة بهيمة الأنعام ثابتة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من صاحب غنم لا يؤدي حقها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما تكون، تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها». والعياذ بالله، فهذا فيه وعيد شديد لمن لم يخرج ويؤدي حق الله سبحانه وتعالى في بهيمة الأنعام.

بهيمة الأنعام سميت بهيمة لأنها تبهم؛ أي لا تنطق. ولا شك أن الحيوانات كلها لا تنطق، ولكن خُصت بهذا الاسم، وهذا نوع من التخصيص الاصطلاحي أو العرفي. ما هي بهيمة الأنعام؟ هي الواردة في قول الله سبحانه وتعالى الذي جاء في سورة الأنعام: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: 143]. الضأن والمعز اصطلح أهل العلم واصطلح الناس على إدراجها ضمن مصطلح الغنم، ضأن ومعز، والصنفان الآخران البقر والإبل؛ قال الله سبحانه وتعالى بعد قوله: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ قال الله سبحانه وتعالى بعد في الآية التي تليها: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ [الأنعام: 144]. إذاً هذه هي أنواع بهيمة الأنعام، ثمانية أزواج؛ كل نوع من هذه الأنواع الأربعة ذكر وأنثى، فهي إذاً أربعة أنواع، وإذا اعتبرناها بذكرها وإناثها صارت ثمانية أزواج. هذه هي بهيمة الأنعام التي ذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، والتي بين النبي صلى الله عليه وسلم وجوب الزكاة فيها.

في زكاة بهيمة الأنعام هناك جوانب نرغب الحديث عنها. أولاً: ما هي شروط زكاة بهيمة الأنعام؟ أول شرط، وهو شرط يتكرر معنا دائماً وقد ذكرناه في أموال الزكاة عموماً، بلوغ النصاب الشرعي. بلوغ النصاب الشرعي متفاوت في بهيمة الأنعام؛ فالنصاب الشرعي في الغنم أربعون رأساً، وفي البقر ثلاثون رأساً، وفي الإبل خمس رؤوس. وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة»، هذا دلنا على النصاب في الإبل. وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «وفي الغنم في سائمة في أربعين شاه شاه»، وفي الأربعين شاه يؤخذ منها شاه. وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاه فليس فيها شيء»، إذاً هذا دلنا على أن ما دون الأربعين -أي لم يبلغ النصاب الشرعي- لا زكاة فيه. وقال النبي: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة»، الذود الإبل؛ فإذا كان عند الرجل أربع من الإبل فليس فيها صدقة. إذاً يبدأ نصاب الإبل من خمس، ويبدأ نصاب الغنم من أربعين. وجاء في حديث معاذ رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن معلماً ومصدقاً -مصدقاً يعني جابياً للصدقة والزكاة- أنه قال له: «وأمرني أن آخذ في ثلاثين من البقر تبيعاً، وفي أربعين مسنة»، فدل على أن الثلاثين من البقر هي النصاب الذي في البقر، وليس فيما دون ذلك صدقة. إذاً أربع من الإبل ليس فيها صدقة، وتسع وثلاثون من الغنم ليس فيها صدقة، وتسع وعشرون من البقر ليس فيها صدقة؛ بمعنى أنه ليس فيها صدقة واجبة وهي الزكاة. هذا إذاً شرط من شروط الزكاة، وهي أن تبلغ النصاب الشرعي المبين. وسوف نبين إن شاء الله تعالى هذه الأنصبة والواجب فيها ومقادير الوجوب لاحقاً.

الشرط الثاني: أن تكون بهيمة الأنعام سائمة. معنى سائمة أي أنها ترعى الكلأ المباح الذي نبت بفعل الله سبحانه وتعالى، لا تعلف، يعني لا يُشترى علفها. ما اشترى علفه اصطلح العلم التسمية بالمعلوفات، سائمة وهي التي ترعى الكلأ، وأما أن تكون معلوفة فالمعلوفات جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاه فليس فيها صدقة». إذاً قول النبي صلى الله عليه وسلم «سائمة الرجل» هذا دليل على أن السوم شرط معتبر. وقال النبي صلى الله عليه وسلم كذلك في الحديث: «وفي صدقة الغنم في سائمة إذا كانت أربعين شاه شاه». إذاً قول النبي صلى الله عليه وسلم «في سائمة» دليل على أن الذي تجب فيه الزكاة بهيمة الأنعام السائمة. السائمة ذكرنا التي ترعى الكلأ، وأما إذا كانت عُلفت فالظاهر والله تعالى أعلم عدم وجوب الزكاة فيها.

الشرط الثالث من شروط وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام: هي أن يكون مالكاً للنصاب من أول الحول إلى آخره. إذاً متى يبدأ احتساب النصاب؟ متى يبدأ الاحتساب؟ نقول: إذا بلغت النصاب يبدأ الاحتساب. فلو أن إنساناً مثلاً اشترى غنماً لينميها وكانت ثلاثين رأساً، اشتراها في المحرم، فلما دخل شهر ربيع الآخر صارت أربعين رأساً، فلما جاء شهر محرم من السنة التي تليها وجد أن عنده مثلاً خمسين رأساً، لما جاء ربيع الآخر الذي يليه نفترض أنها صارت عنده ستين رأساً. الآن تأملوا معي، متى تجب عليه الزكاة؟ وكم مقدار الزكاة؟ كم مقدار الزكاة نتطرق له إن شاء الله تعالى، لكن هل نحسب الزكاة من حين شرائه للثلاثين رأساً في محرم أم نحسبها من حين اكتمالها أربعين في ربيع الآخر؟ نقول: نبدأ احتساب الحول من حين بلوغها النصاب وهو أربعون رأساً في ربيع الآخر. إذاً متى تجب عليه الزكاة؟ تجب عليه الزكاة في ربيع الآخر من السنة التي تليها. وأما احتساب الحول من حين اشتراها قبل بلوغها النصاب فهذا خطأ، لا نحتسب الحول من بداية المحرم وإن كان هو اشترى النصاب، اشترى ثلاثين ولم تبلغ نصاباً وجاء إكمال النصاب بعد ذلك. هنا مسألة نريد أن نفرق فيها بين نتاج السائمة الذي لا يشترط له حول، وبين نتاج السائمة الذي يشترط فيه الحول، ولكن التفريق يكون بعد هذا الفاصل القصير.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل، وكنا قد تحدثنا في زكاة بهيمة الأنعام، وبينا أن من شروط وجوبها أن تبلغ النصاب الشرعي، والأمر الثاني أن تكون سائمة. وبينا أن معنى السائمة التي ترعى الكلأ المباح ولا تُعلف. لو قال قائل: فإذا كانت سائمة ومعلوفة، يعني مثلاً يجعلها سائمة ولكن إذا نقص المطر علفها مثلاً شهراً أو شهرين؟ نقول: العبرة بأغلب الحول؛ فإن كان أغلب الحول مثلاً سبعة أشهر سائمة ففيها زكاة، أما إذا كان أغلب الحول معلوفة، مثلاً سبعة أشهر معلوفة أو ثمانية أشهر معلوفة ويجعلها سائمة مثلاً ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر باقي من السنة، فالظاهر والله تعالى أعلم أنه لا زكاة فيها. إذاً العبرة بأغلب الحول.

طيب، الشرط الثالث: أن يكون مالكاً للنصاب، ويبدأ الحول من حين ملك النصاب. تأملوا معي ذكرنا مثالاً قبل الفاصل، وقلنا إنسان اشترى ثلاثين رأساً من الغنم في محرم، فنتجت وصارت أربعين رأساً في ربيع الآخر؛ هنا يبدأ الحول، وتجب عليه الزكاة في ربيع الآخر من السنة التي تليها. طيب لاحظوا، لو جاء المصدق في ربيع الآخر يأخذ منه الزكاة قال: كم عندك رأس؟ قال: والله مثلاً عندي كذا من الرؤوس، هل نحسب عليه نتاج السائمة الذي حصل له قبل شهر أو شهرين؟ أو أن نحسب لكل نتاج حولاً جديداً؟ نقول: لا، نتاج السائمة يضم بعضه إلى بعض. قد يقول قائل: هذا واضح فلماذا لم تضمه فجعلت الحول يبدأ من محرم؟ نقول: لا يضم بعضه إلى بعض إلا بعد اكتمال نصابه. إذاً نتاج السائمة لا حول له وإنما حوله حول أصوله بشرط أن يكون قد بلغ نصاباً؛ بشرط أن يكون قد بلغ نصاباً. فإذاً نفترض أن الإنسان عنده مثلاً مائتي رأس ونتجت صارت ثلاثمائة رأس، فإنه في نهاية السنة يزكي الثلاثمائة، يزكي الأربعمائة، يزكي الخمسمائة، وإن كان بعض هذا النتاج لم يستمر حولاً، وهذا معنى قولنا: نتاج السائمة لا يشترط له حول، ولكن بشرط أن يكون الحول قد بدأ من حين اكتمال النصاب.

فإذاً النتاج الذي قبل اكتمال النصاب نقول لا يعتبر فيه زكاة حتى يكتمل النصاب، ثم يبدأ احتساب الحول، ثم يبدأ احتساب الحول. هذه مسألة مهمة لأن أحياناً قد يقول قائل: لما تفرقون في النتاج فبعضه تقولون إنه لا يشترط فيه الحول وبعضه يشترط أن ينشأ الحول؟ نقول: العبرة بالنصاب، متى ما اكتمل النصاب بدأ الحول مباشرة، بدأ الحول مباشرة.

طيب، إذاً هذه ثلاثة شروط بيناها في زكاة بهيمة الأنعام التي ذكرت في سورة الأنعام؛ فيقول سبحانه وتعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾، بينا الشرط الأول أن تكون مملوكة له بنصاب شرعي، يبدأ هذا الحول بعد اكتمال النصاب. الأمر الثاني: أن تكون سائمة، أما الحول كاملاً وإما أغلب الحول، العبرة بالأغلب دائماً. والأمر الثالث الذي ذكرناه بلوغ النصاب الشرعي، وبينا أن الأنصبة تتفاوت وأنه ليس فيما دون خمس ذود صدقة، ولا تسع وثلاثين من الغنم صدقة، ولا تسع وعشرين من البقر صدقة.

طيب، كذلك من الأشياء التي ننبه إليها -وهذا قد يغني عنه شرط السوم أن تكون سائمة وقد لا يغني عنه- وهو أن نقول إن ما كان خاصاً بالإنسان يحتاجه لنفسه لبيته؛ مثلاً إنسان عنده أربع من الإبل سائمة، وعنده رأس من الإبل يتنقل به، يحمل عليه متاعه، يستخدمه في التنقلات، هل الآن عليه زكاة ولا ما عليه زكاة؟ نقول: الظاهر والله أعلم أن هذه الواحدة التي يتنقل عليها لا تحسب؛ لا تحسب في النصاب لأنها عاملة، ليست سائمة، عاملة ليست سائمة. شمعنى عاملة؟ بمعنى أنه يستخدمها لشخصه لتنقله، وهذا حقيقة مبني على أصل في الأموال الزكوية، وهو أن ما كان يستخدمه الإنسان للقنية فإنه ليس فيه زكاة، ليس فيه زكاة، فالآن هذه انتقلت حقيقة عن كونها سائمة من الأموال الزكوية إلى كونها عاملة للإنسان، صارت أشبه بمتاع وأثاثه الذي ليس فيه زكاة، لذلك نحن نقول والله تعالى أعلم: أن العاملة لا زكاة فيها؛ اللي هي الإبل المخصصة لحمل متاع الإنسان وأثاثه ونقله وغير ذلك.

طيب، هناك نوع آخر كذلك نريد أن ننبه إليه: لو أن إنساناً يتاجر في الغنم؛ يتاجر في الغنم بمعنى أنه يشتري ويبيع في الغنم، لا يملكها قنيةً يعني ينميها عنده، الناس بعض الناس طلع على تسميتها يقولون هذا مقتنٍ بمعنى أنه يقتنيها لتنميتها وتكثيرها، وإنما يشتري ويبيع، يشتري ويبيع، وهذا نوع من التجارة في الغنم. هناك بعض الناس مثلاً يشتري قبل عيد الأضحى بحكم أن العيد هذا يرغب الناس فيه في الأغنام لأجل الذكاء، لأجل أن يذبحوها يوم العيد الذبح الشرعي المأمور به شرعاً، الضحية الشرعية المأمور بها شرعاً أو الهدي الشرعي الواجب في الحج المأمور به شرعاً؛ فربما بعض الناس بحكم أن الأغنام دائماً ترتفع أسعارها في هذا الوقت في بلدان العالم الإسلامي لأن الناس يشترون لأجل ضحيتهم وغيرها، فربما بعض الناس دائماً يكون تجارته أنه يشتري والله قبل الموسم هذا بالجملة ثم يبيعها بالتجزئة. فالآن هذا الشخص الذي يشتري ويبيع في الغنم، هل نقول إن الواجب عليك زكاة بهيمة الأنعام؟

الأنعام بالمقادير التي سوف نذكرها الآن، أم من الواجب عليك أن تعاملها معاملة عروض التجارة؟ الظاهر والله أعلم، لاحظوا الآن يتنازعها أمران؛ أنها بهيمة أنعام فتجب الزكاة فيها بمجردها ولو لم يتجر فيها أصلاً، هي مال زكوي بنفسه. الأمر الثاني الذي يجذبها أنها عروض تجارة. إذاً عندنا هنا بهيمة أنعام يتجر فيها، هل نغلب فيها جانب أنها بهيمة أنعام فبالتالي نقول في كل أربعين شاة شاة، أو أن نغلب فيها أنها عروض تجارة فبالتالي نقول حتى لو عندك عشر أو عشرين أو ثلاثين، شوف كم قيمتها وزك 2.5% الذي هو ربع العشر، باعتبار أن هذه عروض تجارة؟ لاحظتم هذه في واقع الأمر حقيقة مسألة يتجاذبها شبهان، وهذه المسائل يسميها أهل أصول الفقه مسائل قياس الشبه.

لماذا؟ لأن لها شبهاً، هناك أصل في هذه المسألة الجديدة يشبه هذا الأصل ألف، في بعض الأمور وتشبه أصلاً باء في بعض الأمور، أخذت بعض خصائص ألف وبعض خصائص باء. فهل نغلب فيها ألف أم نغلب فيها باء؟ الظاهر والله تعالى أعلم أنه ما كان دون الأربعين هذا ينبغي أن يكون فيه عروض تجارة لأنه أصلاً ليس فيها أصل آخر. ما كان دون الأربعين هذا يزكى زكاة عروض التجارة، ما فوق الأربعين هنا يتجاذب في واقع الأمر الأصلان، والظاهر والله أعلم أنه يزكى زكاة عروض التجارة باعتبار أنها غلبت على هذا المال فصار مالاً تجارياً يقلب.

فبناءً على ذلك نقول: إذا كانت هذه بهيمة الأنعام إنسان يتاجر في الإبل أو في البقر أو في الغنم تجارة بيع وشراء، يعني لا ينميها عنده، لا تبقى عنده فترة طويلة تنمو عنده، لا، وإنما يشتري ويبيع يشتري ويبيع يقلبها بالتجارة، فهذا الظاهر والله أعلم أنه يعاملها معاملة عروض التجارة ولا يعاملها معاملة زكاة بهيمة الأنعام، والله تعالى أعلم.

ما أوثق العلاقة بين العلم والعمل! العلم شجرة والعمل ثمرة، والعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «القرآن حجة لك أو عليك»، أي تنتفع به إن تلوته وعملت به، وإلا فهو حجة عليك. وإنما يراد العلم لأجل العمل، قال أبو الدرداء: "لا تكونوا بالعلم عالمين حتى تكونوا به عاملين". وقد ذم الله تعالى من لا يعملون بالعلم، فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44].

وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه، كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه». والعلم النافع يورث خشية الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. قال ابن مسعود: "ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية"، والخشية تنير العقل، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]، أي أن تقوى الله وسيلة إلى حصول العلم. فمن صدق العلم بالعمل كان قدوة للمتعلمين، ومن خالف فعله قوله كان من الممقوتين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].

نعود إليكم بعد هذا الفاصل القصير، ونتابع حديثنا عن زكاة بهيمة الأنعام. كنا قد تحدثنا عن شروط وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام، وبينا المسائل المتعلقة بهذه الشروط. ما هو مقدار الزكاة الواجبة في بهيمة الأنعام؟ مقدار الزكاة الواجبة في بهيمة الأنعام يتفاوت؛ فهناك مقادير في الغنم، وهناك مقادير في الإبل، وهناك مقادير في البقر. إذا أردنا الحديث عن هذه المقادير وعن أنواع الزكاة فيها، حقيقة تحتاج منا إلى حفظ وضبط لتحفظ جداولها، لكن نريد أن ننبه تنبيهات عامة قبل البدء في مقادير الزكاة الواجبة سواء في الإبل أو في البقر أو في الغنم. ما هي الأشياء التي تشترك فيها بهيمة الأنعام مع غيرها من الأموال الزكوية؟ هناك أشياء تشترك فيها وهناك أشياء تختلف فيها.

فمثلاً، وجه من الأوجه وهو أن نتاج السائمة يضم إلى أصله في عدم اعتبار النصاب. لاحظوا أن هذا فيه شبه من عروض التجارة؛ لأن عروض التجارة الربح يضم إلى أصله في عدم اشتراط النصاب. إذاً هذا وجه من أوجه الشبه، وهي تخالف الذهب والفضة مثلاً أو غيرها التي يعد المال المستفاد الجديد له حول جديد؛ لأن الذهب والفضة لا يتكاثر بنفسه، إلا إذا قُلب الذهب والفضة صار عروض تجارة. لكن إذا جاء ذهب جديد أو فضة جديدة أو غيرها، هل يكون لها حول جديد أو أنها تضم إلى أصلها في الحول؟ هذه مسألة خلافية كنا قد تطرقنا بإشارة بسيطة لها، وهناك أشياء تقوي أنها تضم وتعامل مثل عروض التجارة، وهناك شيء تقوي حقيقة أنها تفصل ويكون لها حول جديد. الشاهد أن هذه من أوجه المقارنة.

هناك وجه مقارنة آخر وهو أن مقدار الواجب متفاوت في زكاة بهيمة الأنعام. الزكاة الواجبة فيها على نوعين: نوع أول يسمى قبل استقرار الفريضة، والنوع الثاني بعد استقرار الفريضة. فمثلاً في زكاة الغنم؛ فالأربعون شاة فيها شاة واحدة، فإذا بلغت إلى 120 فيها شاتان، فإذا بلغت إلى 399 فيها ثلاث شياه، فإذا صارت 400 تستقر الفريضة في كل مئة شاة شاة. لاحظوا الآن أن زكاة بهيمة الأنعام ليست مطردة بنسبة مئوية واحدة إلا بعد استقرار الفريضة، وهذا يسميه أهل العلم استقرار الفريضة أو استقرار الواجب.

متى تستقر الفريضة في الدرجة الرابعة في الغنم؟ لكن قبل استقرار الفريضة ليست آتية على سياق واحد، يعني ليس في كل أربعين شاة فيها رأس. لو قلنا إن في كل أربعين شاة رأس معناها الثمانون فيها رأسين، والمئة وعشرون فيها ثلاثة، لكن لا، الدرجة الأولى من الفريضة في كل أربعين شاة شاة واحدة. الدرجة الثانية من الفريضة إلى أن وصلت إلى 120 لاحظوا أن الدرجة الثانية 80 شاة صار فيها شاة واحدة، و40 فيها شاة، صارت الـ 120 فيها شاتين. إذاً الـ 120 كم فيها شاة؟ فيها شاتان؛ الأربعون الأولى منها فيها شاة، والثمانون التي تليها فيها شاة.

إذاً ليست زكاة بهيمة الأنعام مطردة من حيث النسبة المئوية للزكاة، بخلاف زكاة عروض التجارة والذهب والفضة؛ أنت تقول الواجب فيها ربع العشر أياً كان المقدار. كان مثلاً عندك 100 غرام فالواجب 2.5، 200 غرام الواجب 5، 1000 غرام الواجب 25؛ مضطردة زكاة عروض التجارة وزكاة الذهب والفضة. إذاً هذا من الفروق؛ أن زكاة بهيمة الأنعام ليست مطردة في مقدار الواجب ونسبته إلى الوعاء الزكوي. الوعاء الزكوي هذا في 40 شاة الواجب شاة، الوعاء الزكوي في 120 الواجب شاتان، بينما لو كانت سائرة باطراد لكان الاطراد يقتضي أن الـ 120 فيها ثلاثة.

لاحظوا أن مثلاً إذا وصلت 500 شاة تستقر الفريضة فيكون في كل 100 شاة شاة. إذاً زكاة بهيمة الأنعام جاية على مرحلتين: المرحلة الأولى قبل استقرار الفريضة وهذا معناه أن الفريضة ليست مطردة ومتناسقة بنسبة مئوية، وإنما في كل 40 شاة إلى أن تصل إلى 120 فيها شاتان وهكذا. هذه المرحلة يسميها أهل العلم قبل استقرار الفريضة. بعد استقرار الفريضة، بعد استقرار الواجب، هذا مضطرد مثل زكاة الذهب والفضة وعروض التجارة؛ وهي أنه يقال في كل 100 شاة شاة، إذا صار عندك 1000 فيها عشرة، صار عندك 2000 فيها 20؛ في كل 100 شاة شاة، إذا صار 2000 معناته صار عندك 3000 فيها 30 وهكذا.

استقرت الفريضة، إذا استقرت الفريضة لاحظوا أنها تشبه زكاة الذهب والفضة من حيث أنه صار مستقرة ومتسقة بنسبة مئوية. كذلك الإبل تستقر الفريضة فيها بعد 120، البقر تستقر الفريضة فيها بعد الستين. إذاً استقرار الفريضة معناها أنها تطرد وتصبح تحسب وفقاً لنسبة مئوية محددة ومعينة.

هناك أمر ثالث أو وجه ثالث نحب أن ننبه إليه قبل النظر في الواجب في زكاة الإبل والبقر والغنم، وهو أن الإبل والبقر والغنم شرعاً فيها ما يسمى بالوقص. ما هو الوقص؟ هو مقدار لا تجب فيه زكاة. فمثلاً الأربعون، صاحب الأربعين شاة كم عليه؟ عليه شاة واحدة. طيب صاحب الخمسين عليه شاة واحدة، صاحب الستين عليه شاة واحدة، صاحب السبعين عليه شاة واحدة. لاحظوا إذاً هذه الأربعون فيها شاة، التي فوق الأربعين إلى الدرجة التي تليها 120 لاحظوا لو كان مالكاً لـ 100، هذه الـ 60 زائدة ما فيها شيء. في كل 40 شاة، وهكذا. هناك الوقص هذا، الوقص الذي هو ما بين الفريضتين لا يجب فيه شيء.

إذاً هذه مسألة، الآن فيها شاتان، طيب الـ 130 فيها شاتان، 140 فيها شاتان، لا تزيد. هذا الوقص مهم لنا أن نعرف أنه من خصائص زكاة بهيمة الأنعام. مثلاً في كل خمس من الإبل فيها زكاة شاة، طيب من كان مالكاً لعشر فيها شاتان، طيب من كان مالكاً لسبع أو ثمان أو تسع كم عليه؟ نقول فيها شاة مثل زكاة الخمس. طيب قد يقول قائل: يا أخي لماذا لا تأخذون الزكاة على الأربعة الزائدة على الخمس؟ نقول هذه وقص، ليس فيها زكاة بين الفريضتين؛ الفريضة الأولى خمس من الإبل فيها شاة، الفريضة الثانية عشر من الإبل فيها شاتان، ما بينهما وقص لا زكاة فيه.

لاحظوا ليش قلنا إن هذه تتميز بها زكاة بهيمة الأنعام؛ لأن زكاة الزروع والثمار وزكاة الذهب والفضة محسوبة بنسبة مئوية لا يوجد فيها أوقاص. لا يوجد فيها وقص؛ عندك مثلاً نفترض أن الإنسان عنده من الزروع والثمار مثلاً 100 وسق، نقول الواجب عليك عشرها إذا كانت تسقى بدون مؤونة فيجب عليك عشرة أوسق صدقة، إذا كنت تسقيها بمؤونة فالواجب عليك نصف العشر فيجب عليك تخرج خمسة أوسق صدقة. طيب والله كان عنده مثلاً مالك لـ 90 وسق، نقول عليك العشر تسعة أوسق، أو نصف العشر أربعة ونصف وسق إذا كنت تسقيها بمؤونة، وهكذا. إذاً كل ما زاد عندك صاع فأنت تخرج من الزكاة بقدره.

كذلك في الذهب والفضة النقود، تخرج من الزكاة بقدرها 2.5%، لو زاد عندك ريال تخرج 2.5، لو زاد عندك 1000 تخرج 2.5، لو زاد عندك مليون تخرج 2.5 وهكذا، لا يوجد فيها أوقاص، بينما في بهيمة الأنعام فيها أوقاص. وهذا من الأشياء التي تميز بهيمة الأنعام. إذاً زكاة بهيمة الأنعام حقيقة تختلف عن الزكوات الأخرى في عدد من الأمور؛ أول شيء بالوقص وهو ما بين الفريضتين أنه لا زكاة فيه، الأمر الثاني أن عندنا مرحلتين في الواجب: المرحلة الأولى تسمى قبل استقرار الفريضة وهذه المرحلة تتميز بعدم الاطراد، يعني لا تستطيع أنك تقول في كل 40 شاة شاة، لا، هذه الفريضة غير مستقرة فيها تفاوت. والمرحلة الثانية من زكاة بهيمة الأنعام هي مرحلة استقرار الفريضة وهذه تقاس بنسبة مئوية.

ولعلنا إن شاء الله تعالى نبين هذا إن شاء الله بتفصيل في حلقتنا وفي درسنا القادم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.