يا راغبا في كل علم نافع متطلعا لزيادة الإيمان، وتريده سهلا نوال ميسرا يأتيك ميسورا بأي مكان، زاد زاد أكاديمية ينبوعها صاف ليروي غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملا بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا. اللهم يا رب العالمين، يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثاني من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في فصلها الدراسي الثاني. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، وأن يبارك في طلابها ومعلميها وداعميها، وأن يجعل هذا العلم الذي نقوله ونسمعه حجة لنا لا علينا.
إخواني وأخواتي، كنا قد تحدثنا في الدرس الماضي عن زكاة بهيمة الأنعام، وقد تحدثنا قبله عن عدد من الأموال الزكوية، إلا أننا عند حديثنا عن زكاة بهيمة الأنعام قلنا إن زكاة بهيمة الأنعام لها عدد من الشروط، وبينا شروط وجوبها، وهي: أن تبلغ نصابا، وأن يبتدئ حساب الحول بعد بلوغها النصاب، وأن تكون سائمة في الحول أو في أكثره.
وذكرنا أن مقدار الزكاة الواجبة في بهيمة الأنعام تتميز بعدد من الأمور: أول أمر منها أن هناك مرحلتين في وجوب الزكاة، مرحلة اصطلح أهل العلم على تسميتها بالزكاة قبل استقرار الفريضة، والمرحلة بعد استقرار الفريضة. وقلنا إنه بعد استقرار الفريضة تكون مطردة متناسبة، وأما قبل استقرار الفريضة فإنها لا يكون فيها نفس الاضطراد، وإنما تكون متفاوتة في الدرجات.
الأمر الثاني الذي تتميز به زكاة بهيمة الأنعام ما ذكرناه وهو الوقص؛ والوقص معناه الواجب بين فريضتين، وهذا الوقص لا زكاة فيه. وقلنا إنها بهذا تخالف بهذين الأمرين زكاة عروض التجارة وزكاة الذهب والفضة؛ لأن زكاة عروض التجارة والذهب والفضة مطردة بنسبة مئوية من حين تبلغ النصاب إلى أن تبلغ ما تبلغ، فلا يوجد فيها مرحلة تسمى قبل استقرار الفرض أو بعد استقرار الفرض، كما أن زكاة عروض التجارة والذهب والفضة ليس فيها وقص، وإنما تجب الزكاة مهما زادت بنسبة مئوية، وإن زادت شيئا يسيرا أو شيئا كثيرا أو شيئا متوسطا تجب الزكاة فيها بالنسبة المئوية الواجبة فيها. إذا، هذا أمر يميز زكاة بهيمة الأنعام عن زكاة عروض التجارة وعن زكاة الذهب والفضة وعن زكاة الزروع والثمار، لا يمكن أن نضع نسبة مئوية معينة لزكاة بهيمة الأنعام من أول الزكاة إلى آخرها، لا، وإنما هي متفاوتة كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
كذلك من الأشياء المهمة التي ننبه إليها في زكاة بهيمة الأنعام أنها في جانب الإبل والبقر يتفاوت المخرج والسن، فالسن له اعتبار. إذا، زكاة الإبل والبقر السن له اعتبار؛ فمرة يكون الواجب رأسا ولكن هذا الرأس ينبغي أن يكون بنت مخاض، أو يكون الواجب رأسا ويكون هذا الرأس بنت لبون، أو يكون الواجب رأسا ويكون هذا الرأس حقة أو جذعة، وسنأتي إن شاء الله تعالى لبيان تفاصيل هذه. في البقر يكون الواجب رأسا ويكون هذا الرأس تبيعا أو تبيعة، ويكون الواجب رأسا مثلا ويكون مسنة، إذا سن البقر والإبل تفاوت مؤثر.
وهذا بخلاف زكاة بهيمة الأنعام في الغنم؛ الغنم السن غير مؤثر، المعتبر هو الرؤوس، لذلك يقال: في كل أربعين شاة شاة، ما يقال والله سنها كذا مثلا جذع أو ثني، غير مؤثر هذا في زكاة الغنم. لكن في زكاة البقر والإبل الأسنان مؤثرة. إذا، نحن الآن نبحث في الفروض داخل زكاة بهيمة الأنعام نريد أن نبين الفروق بين هذه الأنواع.
الأمر الثاني الذي نريد أن ننبه له أن زكاة الغنم ضأن ومعز جنس واحد، إذا هي -وإن جاءت في القرآن بأن ثمانية أزواج وفصلت جنسين- إلا أنها في الزكاة تعامل كجنس واحد. البقر كجنس، والغنم كجنس. إذا، هذه المسألة الثانية.
المسألة الثالثة التي نريد أن ننبه لها هو أن الإبل والغنم لها مرحلتان: مرحلة قبل استقرار الفريضة ومرحلة بعد استقرار الفريضة، وأما البقر فالفريضة مستقرة. إذا، هذه فروق ضمن زكاة بهيمة الأنعام، نلخصها فنقول: إن زكاة بهيمة الأنعام عموما تتميز عن الزكوات الأخرى بأن فيها وقصا، وأن فيها مرحلتين: قبل الاستقرار وبعد الاستقرار.
لكن داخل بهيمة الأنعام هناك فروق من جنس متعلقة بالأسنان التي فيها، أو متعلقة بذكرها وإناثها، سنأتي إليها إن شاء الله تعالى، وهو أن في الإبل والبقر تتميز عن الغنم بأن أسنان المخرج مؤثرة. فلذلك لا نقول والله الإبل خلاص عندك مثلا خمسة وأربعون إذا فيها كذا، لا، فيها رأس، لازم ما سنه؟ هل هو بنت مخاض؟ هل هو بنت لبون؟ هل هو حقة؟ هل هو جذعة؟ إذا أسنانها مختلفة، هذا جانب.
في البقر كذلك ما تقول والله مثلا الأربعون فيها رأس، لا، الثلاثون فيها رأس تبيع، والأربعون فيها رأس ولكن مسنة، إذا الأسنان مؤثرة. لكن في الغنم غير مؤثرة، في كل أربعين شاة شاة، تخرجها من أواسط السن، غير مؤثر في الغنم، لكن في الإبل والبقر مؤثر.
الأمر الثاني أن ذكرانها وإناثها فيه اختلاف بينها، لذلك قد يقال مثلا إن تجب عليك مثلا بنت مخاض، فإن لم تجد فابن لبون، تنتقل للدرجة الأعلى منها وهو ابن لبون. اللبون هي أو بنت اللبون هي ما كان له سنتان، فالآن الواجب مثلا في خمس وعشرين من الإبل فيها بنت مخاض، بنت مخاض هي الناقة التي لها سنة، إن لم تجد فيمكنك أن تخرج ذكرا له جمل له سنتان ابن لبون، درجة أعلى، ولكن لكونه ذكرا جبرت النقص، بدل الأنثى إلى ذكر برتبة من السنين، برتبة من السنين كما سنفصله إن شاء الله تعالى.
فالشاهد أن ذكرانها وإناثها مختلفان، وأسنانها مختلفة، الإبل والغنم فيها مرحلتان قبل استقرار الفريضة وبعد استقرار الفريضة، لكن البقر مستقرة الفريضة فيها منذ بداية النصاب، لذلك حفظ نصاب البقر والواجب فيها سهل، لكن الإبل والغنم تحتاج إلى حفظ وإلى تركيز. لعلنا نأخذ فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد الفاصل لبيان أنصبة الإبل وفرائضها والواجب فيها، فاصل قصير ونعود.
هل أنت حريص على رأس مالك؟ هل تحافظ عليه من الضياع؟ فرأس مالك الحقيقي هو الوقت. قال الحسن البصري: يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك. ومن أهمية الوقت أقسم الله به في كتابه، فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: 1-2]، وسوف نسأل عن الوقت يوم القيامة. قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه». وإذا أراد الله بالعبد خيرا أعانه بالوقت، وإذا أراد به شرا جعل وقته عليه.
وفي سيرة السلف أروع الأمثلة على استغلال الوقت، فقد كان داوود الطائي يستف الفتيت ويقول: بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية. قال ابن القيم: أعرف من أصابه مرض وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فإذا غلب وضعه. ومن آداب الطالب ألا يسوف في تحصيل فائدة؛ لأن للتأخير آفات، ولأنه في الزمن الثاني يحصل غيرها. ومن المحافظة على الوقت البعد عن البطالين الذين يقضون أعمارهم في المسامرات. فلا تكن ممن لا يشكرون نعمة الوقت؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».
نعود إليكم بعد الفاصل، وكنا قد بينا قبل هذا الفاصل ما يميز زكاة بهيمة الأنعام عن غيرها من أنواع الزكاة، ثم بينا بعض الفروق داخل زكاة بهيمة الأنعام بين زكاة الإبل والبقر والغنم. نريد أن نبدأ بزكاة الإبل؛ زكاة الإبل: في كل خمس من الإبل فيها شاة. لاحظوا، أول ما نبدأ الآن هذه قضية مهمة تميز زكاة الإبل عن غيرها من بهيمة الأنعام وعن غيرها من الزكوات، دائما في الزكاة يكون الواجب من جنس المال، بمعنى الذهب يكون الواجب من الذهب، الفضة يكون من الفضة، إذا أخرج القيمة جائز إن شاء الله تعالى، إذا أخرج القيمة في عروض التجارة جائز إن شاء الله تعالى، ولكن الأصل نقول إن الزكاة تكون من جنس المال الذي أو من جنس الوعاء الذي أخرجت منه الزكاة.
هنا خمس من الإبل فيها شاة، لاحظوا الآن أن أخرج شيئا آخر، لماذا؟ لأن خمسا من الإبل في الحقيقة تعد مالا أو نصابا، ولكن إيجاب واحدة منها فيه نوع إثقال على هذا العبد، وفيه زيادة في قدر المخرج، يعني قد يكون فيه نوع من التكليف عليه، صار أخرج مقدار الزكاة صار الخمس، لأن عنده خمسا من الإبل، صار الخمس هذا لا شك أن هذه النسبة نسبة عالية، فلذلك وجب على صاحب الخمس من الإبل وجب عليه إخراج شاة لماذا؟ تخفيفا عليه. إذا، هذه الدرجة الأولى في النصاب، في الفريضة، الدرجة الأولى أن في كل خمس من الإبل، طيب ما دون خمس من الإبل؟ نقول هذه لم تبلغ النصاب إذا ليس عليه شيء فيها. وصلت خمسا عليه شاة، فإذا بلغت عشرا ففيها شاتان، ما بين الخمس والعشر ما بين فريضتين، هذا يسمى وقصا وليس فيه زكاة. الإنسان عنده سبع، يساوي الشخص الذي عنده خمس، يساوي الشخص الذي عنده ست، يساوي الشخص الذي عنده تسع، كلهم عليهم شاة واحدة. إذا الخمس هذه فيها زكاة شاة، اللي فوق الخمس هذا يسمى وقصا إلى الفريضة التي تليها.
الدرجة التي تليها، الدرجة الثانية: عشر من الإبل هذه فيها شاتان، ما بين الدرجتين وقص لا زكاة فيه، يعني لو قال الآن الشاة هذه التي وجبت عليه بسبب خمس، طيب وهذه السادسة والسابعة الاثنتان من الإبل أو الثلاثة من الإبل الزائدة؟ نقول ما عليك فيها شيء، خلاص هذه وقص لا زكاة فيه. طيب، إذا هذه الدرجة الثانية.
الدرجة الثالثة من الفريضة: إذا صار عنده خمس عشرة من الإبل، فهذه فيها ثلاث شياه. الدرجة الرابعة: إذا صار عنده عشرون من الإبل هذه فيها أربع شياه. لاحظوا الآن هذه أربع درجات، فإذا صار عنده خمس وعشرون من الإبل هل فيها خمس شياه؟ نقول لا، الآن صار عدد هذه الإبل من الكثرة بما يمكنه أن يخرج منها، فيخرج منها بنت مخاض. إذا لاحظوا الآن عندنا في زكاة الإبل عندنا مرحلة يكون المخرج فيها من غير جنس الإبل، وهي الأربع درجات الأولى من الزكاة، خمس، عشر، خمس عشرة، عشرون، هذه المرحلة الأولى.
إذا وصلت إلى خمس وعشرين وصلت إلى خمس وعشرين من الإبل، الآن بدأ يخرج من جنسها، هل استقرت الفريضة؟ لم تستقر الفريضة بعد، لا تستقر الفريضة في الإبل إلا في الدرجة الحادية عشر، الدرجة الحادية عشر تستقر الفريضة، تستقر الفريضة أن في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، تستقر الفريضة. لكن قبل ذلك لم تستقر الفريضة، قبل الدرجة الحادية عشر، عشر درجات لم تستقر فيها الفريضة بعد.
أول أربع درجات منها من الغنم قلنا: خمس إبل فيها شاة، عشر فيها شاتان، خمس عشرة فيها ثلاث شياه، عشرون من الإبل فيها أربع شياه، فإذا وصلت إلى خمس وعشرين ففيها بنت مخاض. ما معنى بنت المخاض؟ هي التي لها سنة. لماذا سميت بنت مخاض؟ لأنه غالبا أن الناقة أمها تكون ماخضا أي حاملا، يعني يمكن أن يقال بدل أن يقال بنت مخاض يقال بنت ماخض أي حامل، الناقة أمها سوف تكون حاملا، ما تم له سنة، لاحظ، وصفت هذه الناقة بأنها نسبة إلى أمها بأنها بنت مخاض، وهذا وصف من العرب لأن هذا الغالب، لو قال قائل: يا أخي، طيب هل أخرج ناقة عمرها سنة ولكن أمها ليست حاملا؟ نقول نعم سوف تخرج هذه الناقة، لكن العرب تسمي ما تم له سنة تسميه بنت مخاض، أنها بنت الماخض التي تحمل.
طيب، هذا من خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين، من خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين، بمعنى أن هذا التسعة بين الرقمين هذا وقص، هذا وقص، فريضة خمس وعشرين وفريضة خمس وثلاثين واحدة، فريضة خمس وعشرين وفريضة خمس وثلاثين واحدة، لاحظوا تفاوت، لو صار عنده ست وعشرين أو سبع وعشرين أو ثلاثين أو أربع وثلاثين أو خمس وثلاثين كلها فريضتها واحدة، كلها فريضتها واحدة وهي بنت مخاض.
ننتقل بعد ذلك، هذه الدرجة الخامسة في الفريضة، الدرجة الخامسة في الفريضة، فإذا ارتقى بعد ذلك من ست وثلاثين إلى خمس وأربعين من ست وثلاثين إلى خمس وأربعين، هذه الدرجة السادسة في الفريضة وفيها بنت لبون. بنت لبون معناها أن ناقة لها سنتان، عمرها سنتين. لماذا سميت بذلك؟ لأن الغالب أن أمها تكون ذات لبن، بنت المخاض أمها تكون حاملا، لكن هذه أمها ذات لبن، تكون قد وضعت حملها وترضع فصيلها أو ناقتها.
طيب إذا هذه الدرجة السادسة في الفريضة، حقيقة أنا أنصحكم أنكم تضعوها ضمن جدول بحيث تكتبوها، الدرجة الأولى، الدرجة الثانية، الدرجة الثالثة إلى أن تصل لمرحلة استقرار الفريضة، إذا استقرت الفريضة تحفظ القاعدة التي تنظم إخراج الزكاة فيها. طيب، إذا نحن الآن أخذنا أربع درجات الفريضة فيها غنم، الدرجة الخامسة الفريضة فيها رأس واحد من الإبل ولكن بنت مخاض، الدرجة السادسة رأس واحد ولكن هذا الرأس أسن، يعني ما يخرج سنة، يخرج سنتين، الأسنان متفاوتة ويفرق بعضها عن بعض كما ذكرنا، اللي هو في الفريضة السادسة يخرج رأس واحد.
ولكنها بنت لبون. الفريضة السابعة من 46 إلى 60 يخرج فيها حقة، وهي التي استحقت أن يطرقها الفحل، أي حقة أن يطرقها الفحل، وهو ما تم له ثلاث سنين. لاحظوا الفرائض في الابتداء كانت في كل خمس فريضة، وهي في الأربع درجات الأولى. الدرجة الخامسة من 25 إلى 35، وهذا 11 رقماً بينهما كانت فريضة واحدة. ثم بعد ذلك المرحلة التي تليها، وهي الدرجة السادسة، ابتدأت من 36 إلى 45، هذه 10 أرقام؛ هذه تختلف عن الفريضة التي قبلها. الفريضة التي قبلها كانت 11 رقماً، هذه الفريضة 10 أرقام، فيها رأس واحد، ولكن اختلف السن.
الآن الفريضة التي تليها 15 رقماً من 46 إلى 60، وهذا معنى قولنا إن الفرائض غير مضطردة، وإن الفرائض غير مضطردة، وبما تحتاج منك إلى حفظ وتركيز في حفظها حتى تضبط هذه الفرائض؛ متى تبدأ تطرد؟ هذا ما يسمى مرحلة استقرار الفريضة التي سوف نبينها إن شاء الله تعالى بعد قليل.
عن أي شيء تبحث؟ وفي أي شيء ترى؟ وماذا تطلب؟ وما هي همتك في هذه الحياة؟ فالمسلم يحب المعالي ويسعى إليها، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها». واعلم أن طلب العلم لا ينتهي، بل هو مستمر إلى آخر العمر. قيل للإمام أحمد وهو يحمل محبرة: إلى متى؟ فقال: مع المحبرة إلى المقبرة. ولا يعوق كبر السن عن طلب العلم إذا توافرت الهمة، فلا أن تموت طالباً للعلم خير من أن تموت قانعاً بالجهل.
وذو الهمة في الطلب يهتم بجمع الفوائد وقراءة المطولات، قال أبو عبيد: ربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال فأضع في الكتاب فأبيت ساهراً فرحاً بتلك الفائدة. وقال الخطيب البغدادي: قرأت على إسماعيل بن أحمد صحيح البخاري جميعه في ثلاثة مجالس. ومن المهم المداومة على طلب العلم، فالقليل مع المداومة خير من الكثير مع الانقطاع. قال عكرمة: طلبت العلم 40 سنة، وقال أبو العباس النحوي: ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس لغة من 50 سنة. فاطرح عنك الكسل، واحرص على دراسة العلم وإحسان العمل، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].
نعود إليكم بعد الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن فرائض الإبل، وقلنا إن الأربع درجات الأولى في كل خمس منها شاة. ثم بعد ذلك إذا وصلت إلى 36، صارت الدرجة الخامسة من 25 إلى 35، فهذه فيها بنت مخاض. من 36 إلى 45 هذه فيها بنت لبون. ننتقل بعد ذلك إلى الدرجة السابعة وهي من 46 إلى 60، هذه الدرجة فيها 15 رأساً، الفرق التفاوت الوقص، صح ولا لا؟ كم الواجب فيها؟ قلنا الواجب فيها حقة، وهي التي استحق للفحل أن يطرقها، وهي ما كان له من الإبل ثلاث سنين، ما كانت الناقة التي لها ثلاث سنين.
ننتقل بعد ذلك إلى الدرجة التي تليها، وهي الدرجة الثامنة، وهي من 61 إلى 75، وهي الجذعة وهي ما تم لها أربع سنين. ننتقل بعد ذلك إلى الدرجة التاسعة وهي من 76 إلى 90، ويجب فيها في هذه الحالة بنت لبون. لاحظوا هنا الوقص كم مقداره؟ 15، الوقص الذي قبلها 15. الدرجة العاشرة من 91 إلى 120، فيها حقتان، من 91 إلى 120 فيها حقتان، كم الوقص هنا؟ الوقص هنا 30، وهذا الذي عنينا في البداية بقولنا عدم الاطراد. إذاً هذه عشر درجات قبل استقرار الفريضة، إذا وصلت إلى 120 فيها حقتان كما ذكرنا.
بعد ذلك بعد 120 تستقر الفريضة، تصبح مضطردة، وهو معنى الاستقرار؛ في كل 40 بنت لبون، وفي كل 50 حقة. فلو كان الإنسان عنده مثلاً 400 نقول في كل 40 بنت لبون، إذاً عليك عشر بنات لبون. قال: والله إنسان عنده 500، نقول إذاً عليك في الـ 500 في كل 50 حقة، عليك عشر حقاق.
عذراً قلنا ليست مسنة وإنما حقة. إذاً نقول الذي عنده 500 عليه عشر من الإبل من التي بلغت ثلاث سنين، وهي حقة طروقة الفحل. لاحظوا معنا الآن لو أن إنساناً عنده 200 أو 400 مثلاً؛ 200 نقول أنت مخير، إن أخرجت من التي عمرها سنتين (بنت لبون) فكم تخرج؟ في كل 40 بنت لبون، إذا عندك 200 تخرج خمس بنات لبون. إذا قال: لا أبغى أخرج حقة طروقة الفحل، نقول إذاً عليك أن تخرج أربعاً، لأنه في كل 50 رأساً فيها حقة طروقة الفحل، فأنت الآن بما أن عندك 200 رأس فتخرج أربع حقاق طروقة الفحل. إذاً لاحظوا أحياناً بعض الأرقام يحصل فيها فريضتين، إما أنك تخرج هذه أو هذه.
لو أن إنساناً عنده 240، نقول إلى الـ 200 أنت عندك التخيير هذا، الـ 40 الزائدة هذه يجب عليك أن تخرج بنت لبون، فإن أخرجت حقة فهذا فضل وزيادة. قال: 250، نقول إلى الـ 200 هذا أنت مخير، بعد ذلك الـ 50 يجب أنك تخرج حقة طروقة الفحل، وهكذا تستقر الفريضة بعد الـ 120؛ فيكون عليه في كل 40 بنت لبون، وفي كل 50 حقة.
نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى نصاب البقر، نصاب البقر سهل؛ لأنه مستقر من ابتدائه كما ذكرنا، يختلف عن الإبل والغنم. نصاب البقر في كل 30 تبيع، وفي كل 40 مسنة. إذا صار عنده مثلاً 60 نقول تبيعان. صار عنده 70 نقول 30 فيها تبيع و40 فيها مسنة. صار عنده 80 نقول مسنتان. صار عنده 90 نقول ثلاث من ذوات الـ 30 (تبيع). صار عنده 100 نقول تبيعان، هذه تغطي 60، ثم مسنة تغطي الـ 40، غلقنا 100، وهكذا.
صار عنده 110 نقول ناخذ مسنتين، هذه بتقفل 80، ثم يبقى 30 عليك تبيع، إذاً مسنتان وتبيع. إذا صار عنده 120، أحسنتم، الآن 120 تلتقي الفريضتين، نقول أنت مخير؛ إن أردت أن تخرج تبيعاً فإنك تخرج أربعاً لأن الـ 30 لها تبيع، وإن أردت أنك تخرج مسنات فإنك تخرج ثلاثاً لأن كل مسنة تغطي 40 رأساً، فبالتالي إلى 120 يكفيها ثلاثة رؤوس، هذا معنى استقرار الفريضة في البقر.
في الغنم، تستقر الفريضة فيها في الدرجة الرابعة، وقد فهم بعض الناس أنها تستقر في الدرجة الثالثة وهذا خطأ، الصحيح أنها تستقر في الدرجة الرابعة. الدرجة الأولى في كل 40 شاة، إذا زادت على 120 فيها شاتان؛ إذاً لاحظ من 40 إلى 120 هذه شاة، و80 رأساً هذا وقص، ليس فيه شيء. اللي عنده 120 يخرج مثل الذي عنده 40، الـ 80 وقص، وهذا الذي قلنا إيش معناه؟ عدم الاطراد، وأنها ما تطرد وتستقل الفريضة إلا بعد الـ 400.
40 فيها شاة، الـ 120 فيها شاة، ما زاد على 120، من 121 إلى 200 هذه فيها شاتان. 201 فيها ثلاث شياه، ثلاث شياه إلى 399، هذا أعلى وقص في بهيمة الأنعام وهو الدرجة الثالثة في الأغنام. لماذا أعلى وقص؟ قلنا لأن هذا الوقص مقداره من 201 إلى 399، 199 رأساً فرق، يخرج فيها ثلاث شياه سواء كان عنده 201 أو 399. فإذا بلغت 400 ففيها أربع شياه، بلغت 500 فيها خمس شياه، وهكذا يستمر الوقص 99 رأساً، 99 رأساً وهكذا.
أعلى وقص هو الدرجة الثالثة في الغنم، هذا أعلى وقص في بهيمة الأنعام. إذاً نعيد الغنم باختصار: 40 فيها شاة، ثم عندنا وقص 80 رأساً إلى 120 هذه فيها شاة. 121 فيها شاتان، تستمر هكذا إلى 200 هذه فيها شاتان. إذا صارت 201 نقول فيها ثلاث شياه، إذا صار عنده 300 فيها ثلاث شياه، 399 فيها ثلاث شياه، إلى أن تصل 400 تستقر الفريضة في الدرجة الرابعة. فيقال حينئذ في كل 100 رأس شاة.
إذاً متى تستقر الفريضة في الإبل؟ تستقر الفريضة في الإبل في الدرجة الحادية عشرة، العشر درجات الأولى لم تستقر فيها الفريضة، ينبغي لطالب العلم أن يضبط الأرقام. في الإبل عدم استقرار الفريضة في العشر درجات الأولى فيها مرحلتان كذلك: مرحلة الواجب في الزكاة المخرج غير جنس الإبل، وهي الأربع درجات الأولى، ثم يكون من جنس الإبل وهي الست درجات اللاحقة، ثم بعد ذلك تستقر الفريضة وتكون من جنس الإبل.
البقر مستقرة من أول شيء، في كل 30 تبيع وتبيعة، وفي كل 40 مسنة، مستقرة من البداية. الغنم تستقر في الدرجة الرابعة، الثلاث درجات الأولى غير مستقرة. إذاً زكاة بهيمة الأنعام؛ أنا أنصحكم حقيقة ما يتعلق بدرجات الزكاة قبل استقرار الفريضة تحتاج إلى حفظ، وما يتعلق باستقرار الفريضة تضبط قاعدته. إذا استقرت الفريضة فإنك تضبط القاعدة، وبهذا تضبط أنصبة وفرائض وأوقاف زكاة بهيمة الأنعام. الله سبحانه وتعالى يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي