تسجيل الدخول

المحاضرة 33 - زكاة الفطر الجزء الأول

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علمٍ نافعٍ، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهل النوالِ ميسراً، يأتيك ميسوراً بأي مكان، زاد زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصبٍ لفلان. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. ربنا يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثالث من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في فصلها الدراسي الثاني. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس، وأن ينفع بها قائلها وسامعها، وأن يجعل هذا العلم الذي فيها حجة لنا لا حجة علينا. إخواني وأخواتي، كنا قد بدأنا في سلسلة دروس عن الزكاة، تحدثنا عن هذه الشعيرة العظيمة شعيرة الزكاة، وعن تعريفها وشروطها، وعن الأموال الواجبة فيها الزكاة، وعن مقادير الزكاة الواجبة في عدد من الأموال. تحدثنا عن الأموال التي يكثر الحديث عنها، أو التي تهم عموم الناس، والتي جاء النص عليها. نريد اليوم حقيقة أن ننتقل إلى موضوع آخر، ألا وهو موضوع زكاة الفطر.

زكاة الفطر هي التي تجب بسبب الفطر ليلة عيد شوال؛ إذا أفطر الناس آخر يوم من رمضان، أكملوا العدة عدة شهر رمضان المبارك، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185]. فإذا أكمل المسلمون عدة شهر رمضان، فلا شك أن هذه نعمة عظيمة، وهي تمام هذا الشهر، وقد شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها تمام هذا الشهر، وأوجب على المسلمين هذه الفريضة ألا وهي زكاة الفطر. يخرجونها ليلة العيد أو صبيحتها قبل خروجهم إلى الصلاة؛ هذه هي إذاً زكاة الفطر.

زكاة الفطر يلاحظ هنا أنها تختلف عن زكاة الأموال من حيث المواقيت، فهي تجب في ميقات محدد، إذاً هي مخالفة لزكاة الأموال من هذا الوجه وهو ميقات الوجوب. زكاة الفطر شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث ابن عمر وفي حديث أبي سعيد، ورواه جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، قالوا: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما جاء في حديث أبي سعيد في الصحيح-: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعاً من طعام». قال أبو سعيد: وكان طعامنا يومئذ الشعير والزبيب والتمر والأقط. والحديث في البخاري، فهذا إذاً فرض زكاة الفطر. حكمها كما جاء في هذه الأحاديث: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر أو صدقة الفطر صاعاً من طعام»، إذاً حكمها الوجوب.

نقول إنها واجبة على كل مسلم، حر أو عبد، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، فهي تجب بحسب الرؤوس، ولذلك سماها بعض أهل العلم زكاة الرؤوس تفريقاً لها عن زكاة الأموال التي تجب على الأغنياء دون الفقراء. كل شخص يجد قوتاً له في تلك الليلة فاضلاً عن قوته فإنه تجب عليه الزكاة، ما دام عنده قوت شيء فاضل عن قوت يومه وليلته فإنه تجب عليه الزكاة، لذلك تجب حتى على الفقراء والمساكين الذين عندهم ما يفيض عن قوت يوم وليلة. إذاً نطاق وجوب زكاة الفطر أوسع، تجب على الصغير والكبير، على الحر والعبد، تجب على كل مسلم، بل إن السلف رضي الله تعالى عنهم استحبوا إخراجها حتى عن الجنين في بطن أمه إذا نفخت فيه الروح بعد الأربعة أشهر، فإنه تخرج عنه زكاة الفطر استحباباً، والله تعالى أعلم.

من الذي يخرج زكاة الفطر أو يجب عليه الإخراج؟ نقول إنها تجب على كل من يعول نفسه أو غيره، فمثلاً رب الأسرة يخرج زكاة الفطر عن نفسه وعن أسرته بعدد أفراد أسرته، وبما أن هذا الجنين في بطن أمه في واقع الأمر تعوله أمه ويتغذى من دمها في رحمها فهو كذلك ممن يعال، وتخرج عنه زكاة الفطر كما ذكرنا استحباباً. إذاً تخرج زكاة الفطر من قبل هذا المنفق الذي يعول هذه الأسرة، يخرجها عن كل فرد في أسرته. إذاً لاحظوا هذا وجه ثانٍ، فالتفريق بين زكاة الفطر وزكاة الأموال يحتاج طالب العلم أن يتنبه لهذا؛ أن زكاة الأموال تجب على الأغنياء وفيها أنصبة، فمثلاً أنصبة المال: الذهب 85 جراماً، ونصاب الفضة 595 جراماً، ونصاب الغنم مثلاً 40 شاة، وهكذا فيها أنصبة، فإذا بلغ المال نصاباً وجبت فيه الزكاة، ومن لم يملك هذا النصاب لا تجب عليه الزكاة، بخلاف زكاة الفطر فإنها تجب على الرؤوس ولا ينظر فيها إلى مقدار الثروات.

زكاة المال تزيد بحسب الثروة، هي 2.5% من المال، فالغنم إذا وصلت إلى 121 فيها شاتان، 201 فيها ثلاث شياه، 400 فيها أربع شياه، وهكذا تزيد مع زيادة الثروة، أما زكاة الفطر فهي تجب على الرؤوس دون نظر إلى الثروات، يعني سواء كان غنياً أو فقيراً، سواء كان حراً، عبداً، ذكراً، أنثى، صغيراً، كبيراً، الزكاة الواجب عليهم متساوية. إذاً هذا من الفروق. لاحظوا أن زكاة الفطر المغلب فيها جانب الشخص، لذلك سموها زكاة الرؤوس؛ على الرؤوس، كم في رأس في البيت؟ مثلاً نفترض أن والله في أربعة رؤوس، خمسة رؤوس، ستة رؤوس، إذاً يخرج ستة أصع من زكاة الفطر، بخلاف زكاة الأموال، ما يقال كم رأس كم شخص في البيت، وإنما يقال كم ثروتك، فتنظر في هذه الثروة فتخرج زكاة المال.

إذاً لاحظوا أن زكاة الفطر تخالف زكاة الأموال في عدد من الأوجه أو عدد من الفروق، أول شيء من حيث الميقات، زكاة الفطر تجب في ميقات محدد ليلة عيد الفطر، زكاة الأموال تجب عند حولان الحول أو عند يوم الحصاد على التفصيل المذكور، ولكن تختلف، ليست في ميقات محدد في السنة؛ إذا حصد اليوم، إذا حصد بكرة، إذا حصد بعد شهر ليست في ميقات محدد، إذا اكتمل الحول اليوم أو بعد شهر أو بعد شهرين تجب الزكاة وهكذا. الفرق الثاني أن هذه زكاة معتبر فيها ومغلب فيها جانب الرؤوس الأشخاص، بينما زكاة الأموال المغلب فيها جانب الثروات، فينظر كم الثروة التي تجب فيها الزكاة.

طيب كذلك من الفروق أن زكاة الأموال الغالب فيها أن المخرج من الزكاة يكون من جنس المال إلا في بعض الاستثناءات البسيطة، مثلاً الإبل قلنا إذا كانت دون 25 فإنها تخرج زكاتها غنماً، عروض التجارة تخرج زكاتها نقوداً، هذه استثناءات من الأصل، الأصل هو أن الزكاة تخرج من جنس المال، لكن هنا لاحظوا في زكاة الفطر، زكاة الفطر طعام، طعام بغض النظر عن نوع ثروتك وما تملكه، لا، زكاة الفطر مخصصة بأنها طعام، وهذا حقيقة مناسب لمعاني سوف نذكرها إن شاء الله تعالى، ولكن بعد هذا الفاصل القصير.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونتابع حديثنا معكم عن زكاة الفطر، وقد بينا كما جاء في حديث ابن عمر وحديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر صاعاً من طعام، وبينا أن هذه الزكاة تخالف زكاة الأموال في أوجه محددة. نريد أن نتطرق إلى الحكمة من إيجاب زكاة الفطر، جاءت هذه الحكمة أشار إليها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في حديث عنه قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين». نلاحظ هنا أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أشار إلى حكمتين في زكاة الفطر؛ الحكمة الأولى متعلقة بمخرج زكاة الفطر، والحكمة الثانية متعلقة بمن يأخذ زكاة الفطر. إذاً فيها جانب أول شيء شخصي لمن يخرجها وهو أنها تطهره، تطهره مما قد يقدح صومه من لغو أو رفث أو غير ذلك، هذا جانب طهرة للصائم من اللغو والرفث، فيها كذلك تطهير للنفس من الشح والبخل.

الجانب الثاني والحكمة الأخرى ما يتعلق بالمجتمع، أن فيها مواساة للمجتمع، فيها مواساة للفقير: «طعمة للمساكين». لن تخرج قبل صلاة العيد، فكون الفقير لا يجد في يوم العيد طعاماً ولا قوتاً، لا شك أن هذا في المجتمع المسلم خطأ؛ أن بعض الناس يجدون قوتهم وفاضلاً عن قوتهم، وبعض الناس لا يجدون قوتاً له حتى في يوم العيد، لا شك أن هذا خطأ فادح في المجتمع، أي مجتمع كان. لذلك كونها طعمة للمساكين، لاحظوا في قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «طعمة للمساكين» فيه إشارة إلى أنها طعام، وأنه ليس المراد فيها ترفيه المسكين بشيء آخر غير الطعام، لا، وإنما المراد أنها تكون طعمة لهم.

إذاً لاحظوا أيها الإخوة والأخوات، الجانب الأول هو ما يتعلق بنفس المزكي، وهذا قد أشار الله سبحانه وتعالى له في القرآن الكريم في قوله سبحانه وتعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103]. إذاً الصدقات والزكوات هي طهارة للنفس، هي طهارة للنفس ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾، تزكيهم أي تهذب نفوسهم وتصفيها وتربيها وتحملها على الخير. الزكاة والذكاء والحسن والنماء هو الزيادة، هو الفضل، هو الصفاء، لا شك أن زكاة الفطر أو زكوات الأموال فيها هذا النوع من الخير والإحسان، فيها تطهير للنفس من الشح والبخل، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].

طاف عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه مرة بالبيت سبعاً، ما زاد في دعائه على أن قال: "اللهم قني شح نفسي". كان يطوف بالبيت سبعاً لا يزيد على هذا الدعاء، فلما قضى طوافه وقيل له يرحمك الله ما زدت على أن دعوت "اللهم قني شح نفسي"؟ فقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وهذا من فقهه رحمه الله تعالى ورضي عنه، قال: ألم تسمعوا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. لا شك أن إخراج الأموال طيبة بها النفس في الزكوات، في صدقة الفطر، في صدقات التطوع والإحسان، لا شك أنه من خير ما يذهب عن النفس شحها وبخلها. ومواساة المجتمع، وقد جاء في بعض الآثار كذلك "أغنوهم عن السؤال هذا اليوم"، وهذا الحديث وإن كان لا يثبت إلا أن فيه إشارة لحكمة صحيحة، وهي أن الفقير يغتني عن السؤال في هذا اليوم الذي هو يوم العيد، يوم عيد الفطر. إذاً لهذه الأحاديث بيان للحكمة في هذه الأحاديث، بيان لحكمة شرعية صدقة الفطر.

يبقى عندنا موضوع مهم ومسألة مهمة ألا وهو موضوع مقدار الواجب وما هي الأصناف التي تخرج منها زكاة الفطر؛ أي نوع الواجب ومقداره ونوعه. جاء في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه في الصحيح قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعاً من طعام، وكان طعامنا يومئذ الشعير والتمر والزبيب والأقط». طيب، لاحظوا الآن هذا الحديث حديث أبي سعيد بين لنا المقدار والنوع، «صاعاً من طعام». صاعاً هذا المقدار، والنوع قال: من طعام. لاحظوا في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: «وكان طعامنا يومئذ كذا وكذا وكذا وكذا»، هذه الأربعة أصناف الشعير والتمر والزبيب والأقط، هذا يسميه أهل العلم تحقيق المناط. بمعنى آخر، هل الواجب أن يخرج المسلم في صدقة الفطر في كل زمن وفي كل بلد أن يخرج صاعاً من تمر أو شعير أو زبيب أو أقط، أم أن الواجب عليه أن يخرج صاعاً من طعام أهل بلده الذي يختلف في كل زمن وفي كل بلد بحسبه؟ فمثلاً في بعض البلدان ينتشر فيها مثلاً أكل الرز، مثلاً لاحظوا أن الرز غير منصوص هنا، كذلك بعض البلدان أو كل البلدان لا يوجد استثناء حقيقة، القمح، القمح نعم، يعني انتشر في بلاد المسلمين لكن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في فتوحات الشام وفي غيرها، لذلك اتفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على جواز إخراج القمح.

لاحظوا هنا نحن نريد أن نقف حقيقة مع اتفاق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على إخراج القمح وقفة؛ ما هي هذه الوقفة؟ لاحظوا اجتهاد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عدم اقتصاره على المنصوص عليه في زمن النبوة، في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

كان القمح قليلاً أو نادراً ولم يكن موجوداً، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل خبز الشعير صلوات الله وسلامه عليه. فالآن لا شك أن القمح فيه نوع من الترفه الذي لم يدركه النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، بل قبضه الله سبحانه وتعالى قبل أن يرى هذا الترفه الذي عاشه الناس من بعده. كانوا ينخلون هذا القمح ويصفونه وينخلون الشعير ويصفونه، اليوم بفضل الله سبحانه وتعالى لا شك الناس اليوم قليل النادر هم الذين يأكلون الشعير، أغلب الناس صاروا في شتى أقطار العالم منتشر عندهم القمح بفضل هذا الترفه، هذا التنعم الذي دخل فيه الناس.

فالشاهد أيها الإخوة أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفقوا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبعد فتوحات الشام والعراق ومصر، انتشر القمح لأن هذه البلدان ينتشر فيها القمح بسبب كثرة المزارع والأنهار التي فيها، بخلاف جزيرة العرب التي يغلب عليها الطبيعة الصحراوية، لم يكن ينتشر فيها مثل هذه الزراعة، كان ينتشر فيها التمر والشعير. الشاهد أنه لما كثر القمح اتفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على إخراجه في الفطرة، بل رآه أغلبهم أفضل، ما عدا بعض الصحابة مثل ابن عمر رضي الله تعالى عنه الذي قال: لا، أنا لا أزال أخرجها كما كنت أخرجها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يخرجها تمراً رضي الله تعالى عنه وأرضاه. لكن جمهور أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يرون إخراج القمح أفضل؛ لأنه هو القوت، وهو الطعام الأفضل من القوت الذي كان سابقاً، وهو قوت الشعير.

ما هي الوقفة؟ الوقفة هي الاجتهاد المناسب لزمانهم، بحسب ذلك الزمان وبحسب ما يطعمه الناس في ذلك الزمن. هنا وقفة أخرى: نلاحظ كذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخرجوا نقداً عندما لم يتوفر عندهم مثلاً الشعير أو لم يأكل الناس الشعير، لا، وإنما بقوا في إطار فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صدقة صاعاً من طعام، لكن عدلوا في أنواع الطعام بحسب ما يتناسب مع زمانهم ومكانهم والبلدان التي يسكنون فيها. إذاً لاحظوا هذا اجتهاد في تحقيق المناط، ولكن لم يعدلوا مناط الحديث النبوي الذي فرضه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دام فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام بقوا على إخراج الصاع من طعام. هل معنى هذا أنه لما لم يأكل الناس الشعير أو الأقط أنهم عدلوا عن الطعام إلى غيره؟ نقول لا، هذا مخالفة للحديث النبوي الشريف، لكن أخرجوا صاعاً من طعام بحسب طعامهم يومئذ. إذاً يختلف الطعام في كل زمان وفي كل بلد بحسبه، وسوف نتطرق لهذه النقطة إن شاء الله بالتفصيل.

هل تظن أن أهل العلم يتعمدون مخالفة السنة؟ كلا، بل لهم في ذلك أعذار كاعتقاد ضعف الحديث أو نسخه. لكن كيف يتعامل العامي مع اختلاف العلماء؟ الراجح أنه يأخذ بفتوى أوثق المفتيين في نفسه وأعلمهم؛ لأن قول المفتي للعامي كالدليل للمجتهد. ويعرف العامي الأعلم بإخبار الثقة، وبمشاهدة الآخر فتواه بالدليل، وتوافق أكثر العلماء على أحد القولين، وتصريح كثير من العلماء بتخطئة أحدهما في هذه الفتوى، ومنها تخصص أحدهما في موضوع السؤال كأن يشتهر بعلم الفرائض والسؤال في توزيع تركة وهكذا.

وإذا تساوى عند المستفتي المفتيان من كل وجه أخذ بالأيسر؛ لأن هذا موافق ليسر الإسلام، ولأن الأصل براءة الذمة، ولا يجوز للسائل أن ينتقي من الأقوال بهواه ولا أن يتتبع رخص العلماء. قال سليمان التيمي: لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله. وإذا عمل السائل بالفتوى ثم ترجح بعد ذلك غيرها فلا تنقض الفتوى الأولى، لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله. فاتبع العلماء الربانيين واحذر الجهلاء وأصحاب الهوى، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18].

نعود إليكم ونتابع حديثنا معكم عن مقدار زكاة الفطر ونوعها من حيث نوع الطعام المخرج. قلنا إن مقدارها صاع، وقد بينا سابقاً أن الصاع إناء ومكيل يقاس به الحجم وليس ميزاناً يقاس به الثقل. فصاع إناء يتسع لكيلو وأربعين جراماً من البر الرزين الجيد، إذاً 2.04 كيلوجرام من البر الرزين الجيد تملأ صاعاً، لا نقول إن زكاة الفطر هي كيلوين مثلاً من الشعير أو من التمر أو من الرز، لا، نحن نقول صاع يملاه هذا المقدار من البر الرزين الجيد. إذاً هذا هو مقدار الصاع النبوي الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراجه أو تقدير زكاة الفطر به.

ما هو نوع الطعام المخرج؟ لاحظوا من زكاة الفطر كما جاء في حديث أبي سعيد قال: فرضها الرسول صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام. في حديث أبي سعيد قال: وكان طعامنا يومئذ، يعني كنا نخرج يومئذ هذا النوع من الطعام، لكن لم تفرض أن تخرج من هذا النوع من الطعام، لا، وإنما فرضت من الطعام. ما هو تطبيق الطعام؟ ما هو تحقيق مناط الطعام في زمن النبوة؟ يحكيه لنا أبو سعيد رضي الله تعالى عنه قال: كان طعامنا يومئذ الشعير والتمر والأقط والزبيب، إذاً كانوا يخرجون زكاة الفطر من هذه الأنواع الأربعة. إذاً عندنا عدة أمور تدلنا على جواز إخراجها من غير هذه الأصناف الأربعة، أولاً أنها تندرج الأطعمة الأخرى، لو قال قائل ما الدليل على جواز إخراجها من الرز مثلاً أو القمح؟ نقول إن دليل جواز إخراجها من الرز أو القمح وغيرها قول أبي سعيد صاعاً من طعام، أنها داخلة في مسمى الطعام. الدليل الثاني اتفاق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على جواز إخراجها من القمح بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

إذاً نحن نقول إن تحقيق مناط الطعام يختلف في كل بلد وفي كل زمان وفي كل مكان بحسبه. فمثلاً ينتشر في بلاد المغرب البرغل أنهم يأكلونه ويتغذون به، ينتشر في بلاد الخليج وما جاورها الأرز ويكون هذا غالب قوتهم وطعامهم وهكذا. وينتشر في جميع بلدان الأرض القمح باعتباره مادة أساسية في غذائهم وقوتهم، يستخدمونها في الخبز وفي غيره من أنواع الأطعمة. القمح لا شك يؤخذ منه أنواع أطعمة كثيرة، مثلاً الرز، المكرونة، الشابورة، أنواع الكعكات، هذه كلها أصلها من القمح، أو كانوا كما جاء في حديث معاوية رضي الله عنه سمراء الشام، اللي هو البر أو القمح.

الشاهد أيها الإخوة والأخوات أن صدقة الفطر تكون صاعاً من طعام. هل يجوز إخراجها من أي طعام؟ نلاحظ، هل يجوز إخراجها مثلاً من اللحم؟ هل يجوز إخراجها من السمك؟ هل يجوز إخراجها مثلاً من الدجاج؟ الظاهر والله تعالى أعلم إذا نظرنا في كلام أهل العلم وجدنا أن بعضهم يجوز إخراجها من هذه الأجناس، وبعضهم لا يجوز إخراجها من هذه الأجناس. والذي يظهر والله تعالى أعلم أنه لا يجوز إخراجها من كل طعام، بل لا بد أن يكون هذا الطعام قوتاً مدخراً؛ لماذا؟ لأننا نلحظ في الأصناف التي جاءت في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه وصف الادخار، فمثلاً قال التمر ولم يقل الرطب، قال الزبيب ولم يقل العنب، قال الأقط ولم يقل اللبن، والشعير طبعاً مدخر دائماً. لكن لاحظوا الثلاثة الأصناف الأخرى أخرجت في صورة مدخرة. لذلك لو قال لنا قائل هل كانوا يخرجون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده الرطب أو العنب أو اللبن؟ أقول لا، كانوا يخرجون التمر والزبيب والأقط، والتمر هو المجفف من الرطب، والزبيب هو المجفف من العنب المدخر، والأقط هو المجفف المدخر من اللبن.

قد يقول قائل: الحقيقة أن وصف الادخار وصف معتبر، وبناء عليه نقول أنها لا تخرج من اللحم؛ لأن اللحم غير مدخر، لا تخرج من السمك؛ لأن السمك غير مدخر. طيب لو قال قائل إن ثمة مثلاً لحم مجفف أو لحم مدخر بطريقة ما أو معلب بطريقة ما أو محفوظ بطريقة ما، فهذه حقيقة مسألة قابلة للاجتهاد والنظر، لكن نحن نقول إنه يخرج في صورة مدخرة. المكرونة جائزة باعتبار أنها جافة جفوفاً يسمح بادخارها، والأمر الثاني أنها قمح، هي أصلاً المكرونة أصلها قمح قاسٍ أو سميد القمح القاسي، فكونها أصلها ترجع إلى القمح هذا إن شاء الله تعالى جائز، وهي أصلاً نوع من أنواع إخراج القمح ولكن أخرجت في صورة مدخرة. هل معنى هذا أنه يجوز إخراج الخبز؟ نقول لا، الخبز إذا كان يتلف غير مدخر فإنه لا يجوز إخراجه، لكن المكرونة أخرجت في صورة قمح، نعم هي طبخت بطريقة معينة وأعدت بطريقة معينة إلى أن صارت في هذا الشكل الذي يشتريه الناس اليوم، هذا الشكل صورة مدخرة.

إذاً نحن العبرة عندنا بالقوت والادخار. الجانب الثاني: لو أراد الإنسان أن يخرج المكرونة في زكاة الفطر نقول إن شاء الله تعالى أن هذا صحيح وجائز، ولكن ما هو مقدارها؟ هل هو صاع من المكرونة؟ الظاهر والله تعالى أعلم نقول لا، يكون صاعاً من القمح، ينظر كم يعطينا جرام من المكرونة، فإذا وجدنا مثلاً أن صاع القمح يعطينا 3 كيلو من المكرونة فتخرج 3 كيلو، إذا يخرج لنا صاع القمح 4 كيلو من المكرونة فنخرج 4 كيلو من المكرونة وهكذا. إذاً لا ندخل المكرونة هذه في الصاع ثم بعد ذلك ننظر كم مقدار المكرونة المخرجة، لا، وإنما إذا أردنا أن نقدر المكرونة فنقدر بالقيمة الغذائية الأساسية التي تشكلها المكرونة وهي القمح، القمح هو القيمة الغذائية الأساسية فيها، فننظر كم صاع القمح ينتج لنا مكرونة فنخرج منه. كذلك صاع الرز، ننظر إذا أردنا أن نخرج الرز ننظر كم الذي يساوي صاعاً فنخرج. التمر إذا أردنا أن نخرج تمراً نزنه، نشوف كم مقدار صاع التمر ونخرجه.

هل يجوز إخراج الأقط اليوم؟ الظاهر أن نقول الأقط اليوم في عدد كبير من البلدان لم يعد قوتاً ولا طعاماً، وإنما يؤكل للتفكه، الأقط والزبيب، لذلك فالأظهر والله تعالى أعلم أنه لا يصح إخراج الأقط والزبيب اليوم لأنها فاكهة وليست قوتاً اليوم. ما الفرق بين القوت والفاكهة؟ القوت هو الذي يقيم البدن يكون وجبة رئيسية أساسية مثلاً مثل الرز، اللحم، الخبز، هذه الأنواع هذه أقوات، سواء كانت مدخرة أو لا. أما الأشياء التي يتفكه بها بمعنى الناس يأكلونها كنوع من التفكه وليست قوتاً أساسية، أي ليست وجبة أساسية عندهم، فهذا الظاهر والله تعالى أعلم أنه لا يخرج في زكاة الفطر.

إذاً زكاة الفطر تكون صاعاً من طعام، يكون هذا الطعام غالب قوت البلد، يكون قوتاً مدخراً، يكون هو القوت المدخر الذي يغلب في هذا البلد. هذه هي الأوصاف المعتبرة في الطعام المخرج في زكاة الفطر، وبناء عليه فإننا نقول يصح إخراج مثلاً الرز في بلدان الخليج وما حولها، أو البرغل في بلدان المغرب مثلاً وما حولها باعتبار أنهم يعتبرونها وجبة أساسية عندهم، أو الرز. يجوز إخراج القمح في كل هذه البلدان إن شاء الله تعالى باعتبار أن القمح مادة أساسية للغذاء في العالم كله، كذلك يجوز إخراج التمر في البلدان التي تتغذى وتأكل على التمر لأنه التمر يتغذى به الناس، يفطرون عليه، يأكلونه في وجباتهم. طيب الزبيب والأقط؟ نقول كان قوتاً في زمن النبوة، ولكن حقيقة اليوم في بعض البلدان أو في كثير من البلدان ليس بقوت. إن كان ثمة بلد يتغذى أهله على الزبيب والأقط باعتباره قوتاً فيجوز إخراجه حينئذ.

إذاً العبرة عندنا بكونه قوتاً، وكونه مدخراً، وكونه من قوت البلد أو غالب قوت البلد. هذه الأوصاف الثلاثة إذا كان قوتاً مدخراً مستخدماً في هذا البلد، فهذا معناه أن هذا من طعام الفطرة، فيخرج الإنسان منه صاعاً، وذكرنا أن الصاع إناء يتسع لكيلو وأربعين جراماً من البر الرزين الجيد، فالإنسان إذا وزن، إذا قدر هذا الصاع، فإنه يخرج من الطعام ومن القوت بقدره، والله تعالى أعلم. نقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.