تسجيل الدخول

المحاضرة 34 - زكاة الفطر الجزء الثاني

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا ورسولنا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه وأزواجه أجمعين. أما بعد، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ربنا ألهمنا رشدنا، ربنا اهدنا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال والعلوم والمعارف، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الرابع والعشرون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في فصلها الدراسي الثاني. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في الأكاديمية، ويبارك في الدروس، قائلها وسامعها، وأن يجعلها من العلم النافع في حقنا جميعاً.

إخواني وأخواتي، كنا قد تحدثنا في الدرس الماضي عن زكاة الفطر، وبينا تعريفها وحقيقتها، وبينا مقارنة سريعة بين زكاة الفطر وزكاة الأموال. تتلخص هذه المقارنة في أوجه شبه وأوجه اختلاف؛ فوجه الشبه الأساسي أن كليهما واجب وفرض. وهناك فروق أخرى بين زكاة الفطر وزكاة الأموال، لخصناها في عدد من الأمور: أن زكاة الفطر زكاة على الرؤوس، وزكاة الأموال هي زكاة على الثروات والأموال. أن زكاة الفطر تجب في ميقات محدد معين وهو ليلة العيد، بينما زكاة الأموال تجب إذا حال الحول، أو يوم الحصاد في زكاة الزروع والثمار. إذاً، تجب وفقاً لتواريخ مختلفة. زكاة الفطر لها مقدار محدد وهو صاع من طعام، بينما زكاة الأموال تختلف باختلاف الثروة؛ فتزيد كلما زادت الثروة، وتنقص كلما نقصت الثروة.

نريد أن نتحدث بعد ذلك عن موضوع مهم، ألا وهو موضوع إخراج زكاة الفطر قيمة. تحدثنا في درسنا السابق عن أن الواجب إخراجها طعماً، وبينا الأصل في هذا، وبينا اجتهاد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية رضي الله تعالى عنهم أجمعين؛ كيف أنهم أخرجوها قمحاً. وهو اجتهاد راعى أمرين: الأمر الأول الذي راعوه أنهم لا زالوا ضمن دائرة الطعام، وهذه قضية مهمة، إذاً لم يخرجوها نقداً، ولم يؤثر عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أخرجها نقداً. الجانب الثاني أنهم غيروا الطعام الذي كان في زمن النبوة بالطعام الذي استجد في زمانهم.

هذه حقيقة معلم من معالم الاجتهاد التي ينبغي لنا أن نتدرب عليها نحن طلبة العلم وطالبات العلم، ألا وهو الاجتهاد بتحقيق المناط بما يوافق الزمان والمكان ضمن إطار النص الشرعي. لماذا نقول هذا الكلام؟ لأن ثمة أحياناً بعض الاجتهادات التي تخرج عن النص الشرعي بزعم أنها تريد أن تحقق المصلحة، وإن شاء الله تعالى لا نتهمهم في نياتهم، ولكن نقول: إن المصلحة ينبغي أن تنطلق من النصوص الشرعية، وترجع إلى النصوص الشرعية، لا ننظر إلى مصالح نعارض بها النصوص الشرعية ثم نحاول أن نحققها ونصنع معارضة بين النص والمصلحة. كلا، بل المصالح التي نذكرها والتي نبتغيها يجب أن تكون خاضعة وراجعة للنصوص الشرعية، وينبغي لنا أن نتهم عقولنا ونرجع إلى النص الشرعي ونحاول أن نتلمس حكمته ومصالحه.

سوف نتطرق إن شاء الله تعالى لمثال لهذا المعلم من معالم الاجتهاد؛ لاحظوا أنه اجتهاد فيه مراعاة للزمان والمكان ضمن إطار النص الشرعي، وضمن ما فرضته الشريعة، وتحقيق ما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم به. إذاً، هذا حقيقة درس لنا في الاجتهاد، درس لنا في فقه النوازل، درس لنا نتعلم منه تحقيق المناط. وقد ذكرنا اتفاق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على إخراج القمح، وهذا يبين لنا فقه الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

كيف نجيب على من قال بأنه يجوز إخراج زكاة الفطر نقداً؟ نجيب عنه حقيقة بعدد من الأجوبة. طبعاً قبل أن نجيب عنه فلنستعرض شيئاً مما يراه سانداً له؛ فيقول: لماذا نخرجها نقداً؟ يقول: لأن الناس اليوم تحتاج النقد، ولأن إخراج النقد أفضل. ربما يقول: لأن بعض الناس إذا أخرج له الطعام ذهب فباع الطعام وخسر مثلاً نصف قيمته ولا ربع قيمته، فكوني أعطيه القيمة مقدمة كاملة أفضل من أني أعطيه مثلاً صاعاً من الرز، ثم يذهب الشخص هذا ويبيع الرز بنصف قيمته ويحصل على نصف القيمة، فيقول: الأولى أن أعطيه القيمة كاملة. لا شك أننا إذا نظرنا إلى بعض هذه الحجج والمستندات قد يكون لها وجه بادي الرأي.

لكن دعونا نتأمل حقيقة بشيء من التفصيل وشيء من التعقل في ضوء ما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم. أولاً، نحن نريد أن نتحدث عن المصالح ونقابل المصالح التي ذكروها بالمصالح التي شُرعت والتي أخذت من النصوص. جاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر طهرة للصائم وطعمة للمساكين. إذاً لاحظوا أن زكاة الفطر كان فيها "طعمة"، كلمة طعمة للمساكين كان فيها إشارة إلى ماذا؟ إلى أن المقصود بها إقامة أبدانهم.

الجانب الثاني: لاحظ المناسبة بين الصيام؛ صيام شهر رمضان وطعمة الفطر. لذلك أصلاً هذا العيد يسمى عيد الفطر، وهذه الزكاة تسمى زكاة الفطر. ما معنى كلمة الفطر؟ الفطر هو الشيء المخالف للصيام، والحالة المخالفة للصيام، الفطر طعام. لذلك يوم العيد يشرع للإنسان أن يطعم في بيته قبل أن يخرج للصلاة، لماذا؟ لأجل أن تتحقق مخالفة الصيام، إنهاء الصيام. لذلك كون زكاة الفطر واجبة طعاماً له مناسبة؛ لماذا؟ لأنها ترفع الصيام وتنقي الصيام. ما هو الصيام؟ هو إمساك عن الطعام، لذلك كون الإنسان يخرج هذا الطعام في ليلة العيد لا شك أن فيه نوع مناسبة بين شهر رمضان -شهر الصيام- وبين زكاة الفطر.

كذلك من المصالح الشرعية المرتبطة بهذا أن زكاة الفطر من مقاصدها الشرعية أن تكون طعمة، بمعنى أن تغطي حاجة الفقير الأساسية التي تقيم بدنه. تخيلوا لو أني أعطيت نقداً، قد يصرفها الفقير مثلاً في اتصالات الجوال، قد يصرفها مثلاً الفقير في نوع من الأثاث والملابس، قد يصرفها في شراء نوع من الحلويات مثلاً باعتبار أنه يوم عيد وغير ذلك. نحن نقول: لا، زكاة الفطر المقصود بها أن تكون طعمة -لاحظوا- قوتاً أساسياً مدخراً، إذاً لها مقصد وحكمة من تشريعها، وهي إقامة بدنه من خلال القوت الذي يغذيه. وليس المقصود منها مثلاً إلباسه، ليس المقصود منها مثلاً إغناءه، ليس المقصود منها مثلاً ترفيهه، لا، لها مقصود خاص. لذلك من أخرجها نقداً في واقع الأمر وإن زعم أن هذه هي المصلحة، نقول: أنت في واقع الأمر خالفت المصلحة الشرعية التي شُرعت لأجلها زكاة الفطر. نحن الآن نتكلم وفقاً للمصالح ولم نأتِ بعد للنصوص الشرعية التي ترد على هذا القول، ولعلنا نتابع الحديث إن شاء الله تعالى بعد هذا الفاصل القصير.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل القصير، ونريد أن نتابع معكم الحديث عن نوع المخرج في زكاة الفطر. وقلنا إن الصحيح أنها تخرج طعاماً، وإن كان الطعام هذا يتنوع بحسب كل بلد وكل زمان ومكان. ولكن قال بعض الناس بجواز إخراج قيمتها نقداً. في الحقيقة أن ممن ينتقد هذا الرأي وزعم هؤلاء القائلون بجواز إخراج قيمتها زعموا أن هذا هو الأصلح للفقراء والمساكين. وفي واقع الأمر نحن نقول إن هذا ليس هو الموافق للمصلحة الشرعية. وردنا عليهم يتلخص في مقامين: المقام الأول رد عليهم بأدواته المصلحية، فنقول إن المصالح الشرعية المعتبرة والعقلية خلاف ما ذكرتم. الأمر الثاني، المقام الثاني نرد عليهم بالنصوص التي ينبغي للجميع أن يرجع إليها عند الاختلاف: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59].

فنقول أولاً من حيث المصالح: إن المصالح المعتبرة هي المصالح الشرعية، ولا شك أن هناك مناسبة بين كون زكاة الفطر طعاماً وبين شهر الصيام. لا شك كذلك هناك مناسبة، هذه المناسبة اقتضت تسمية زكاة الفطر باسم الفطر، كذلك اقتضت تسمية هذا العيد بعيد الفطر. إنها مناسبة كون لميقاتها -وهو عيد الفطر- أنها تخرج طعاماً؛ هناك مناسبة بين الصيام الذي قبلها وبين اليوم الذي تخرج فيه وهو يوم الفطر، لذلك اختيرت أن تكون طعاماً.

الأمر الثالث: أننا ذكرنا أن المقصود الشرعي الأساس من زكاة الفطر هو إقامة الحاجة الأساسية أو الغذاء الأساسي الذي يتغذى به الفقير، وليس المقصود بها ترفيهه في هذا اليوم، أو المقصود بها مثلاً إعطاء حلويات أو اتصالات أو غيرها. لا، المقصود بها إغناؤه عن السؤال في هذا اليوم، والسؤال يكون لحاجة بدنه الأساسية، لطعامه. هذا المقصود بها، خلونا نقول: الحد الأدنى للحاجات الأساسية أن تُغطى. لو قال قائل: من أين أخذت هذا؟ نقول: هذا مأخوذ مثلاً من حديث ابن عباس لما قال: "طعمة للمساكين".

كذلك الأمر الرابع في المصالح الشرعية المعتبرة: أن نقول إذا وزعت زكاة الفطر نقداً تطلع لها من ليس من أهلها؛ باعتبار أن الناس كثير منهم يحب النقد ويريد النقد. لكن إذا وزع صاع من طعام لم يتطلع لها إلا المحتاج إلى الطعام، فهذا فيه نوع مصلحة.

كذلك نقول أمراً خامساً نضيفه على هذه الأمور الأربعة: نقول إن زكاة الفطر تسمى عند أهل العلم -وكما وجبت في النصوص- زكاة الرؤوس، لذلك كان الأنسب لها ما يقيم هذه الرؤوس، ما يقيم هذه الأبدان، وتجب على الحر والعبد، والغني والمسكين، وتجب على الصغير والكبير، وتجب على الذكر والأنثى. إذاً ليس فيها اعتبار للنقود، ليس فيها اعتبار للثروات، وإنما الاعتبار الأساس فيها للأبدان، فلذلك ناسب أن تخرج مما يقيم هذه الأبدان. لكن زكوات الأموال، لاحظوا أن المعتبر فيها الثروات، لذلك قد يقول قائل إن الصحيح الراجح والله تعالى أعلم أن الإنسان يجوز له أن يخرج نقداً إذا لم يتيسر له أن يخرج من جنس الواجب، فمثلاً من كان عنده ذهب ولم يخرج ذهباً نقول لا بأس، أخرج قيمتها مثل العروض مثلاً، من كان عنده فضة نقول أخرج نقداً لا مانع من هذا. لكن لاحظوا في زكاة الفطر، زكاة الرؤوس، نقول لا؛ لأن هناك ارتباطاً بين الأبدان والطعام، وليست هذه الزكاة زكاة الثروات. لذلك من الخطأ حقيقة أن نتعامل مع هذين النوعين من الزكوات -زكوات الأموال والثروات وزكاة الفطر- أن نتعامل معهما بمنظار واحد.

الصحيح بعد هذا كله أن نقول إنه لا يجوز إخراج زكاة الفطر قيمةً ونقداً، وإنما الصحيح -والله تعالى أعلم- أنه يجب إخراجها طعاماً كما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم. ننبه إلى اجتهاد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

طيب، نريد أن نأتي للأدلة الأثرية التي دلت على هذا الأمر؛ من الأثر الحقيقة عدد من الأدلة: حديث ابن عمر "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعاً من طعام"، حديث أبي سعيد "صاعاً من طعام"، حديث ابن عباس قال: "صاعاً من طعام". كل هذه الأحاديث دلت على أن المخرج صاع من طعام. كذلك من الأدلة الأثرية إجماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على جواز إخراج القمح، وعدم وجود صحابي واحد أخرجها نقداً، إذاً هذا كذلك دليل آخر، وهو هدي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتهادهم. كل هذه الأمور مجتمعة -هذه المصالح التي ذكرناها- لاحظوا أن هذه المصالح شرعية منطلقة من النصوص، بخلاف المصالح العقلية التي لم تنطلق من هذه النصوص.

طيب، قد يقول قائل: أليس الأولى أن أخرجها نقداً بدل أن يعطيه طعاماً ثم يبيع هذا الطعام فيحصل على نصف قيمته؟ كون يعطيه القيمة ابتداءً أفضل؟ نقول: لا، لا تستدل بالخطأ وتبني عليه خطأ.

أنت أصلاً إذا أعطيت الطعام لمن لا يحتاجه ويبيعه، فمعنى ذلك أنك أعطيت شخصاً خطأ. المفترض أنك من الابتداء لا تخرج زكاة الفطر إلا لمن يأكلها ويحتاجها، لذلك كون يطعمها هذا أمر مقصود، وقول ابن عباس: «طعم للمساكين»، يطعمها أي يأكلها، ولا المراد به أن يتجر فيها. ليس معنى هذا أن نمنعهم من بيعها إذا احتاج إلى بيعها، فإن شاء الله تعالى هذا أمر جائز، ولكن لا نقول هذا خلاف الأصل، الأصل أنها تعطى لمن يأكلها ويطعمها.

وهذا الحقيقة فيه جانب لابد أن نتحدث عنه، وهو أنه كيف نحل هذه المشكلة؟ قال والله يا أخي الآن الفقير حصل له الرز، كيف نحل هذه المشكلة؟ حل هذه المشكلة بتنويع الطعام، تنويع الفطرة المخرجة. بدل أن تعطيه رزاً ما دام عنده رز، أعطه براً، أعطه القمح، بدل أن تعطيه هذا وذاك أعطه المكرونة مثلاً. كونك تنوع الفطرة وتملا عليه بيته غذاء يحتاجه ويأكله، خير من أنك تقول خلاص أنا بعطيه نقداً، والنقد هذا قد يصرفه مثلاً في أمور أخرى، وقد يصرفه في حاجيات، وقد يصرفه في كماليات أصلاً لا يحتاج إليها، وقد لا يأخذها أصلاً من يستحقها، لأن النقد أصلاً تتطلع إليه عين كل شخص، بخلاف الطعام؛ الطعام تتطلع إليه من يحتاجه. وهذا حقيقة ملاحظ ومشاهد، الناس إذا جئت توزع نقداً جاءك من يحتاجه ومن لا يحتاجه، جاء من يحتاج الطعام ومن لا يحتاجه، جاءك طبقات كثيرة من الناس. إذا جئت توزع الطعام مثلاً فإنه غالباً يأتيك من يحتاجه.

إذاً لأجل هذه الأمور المجتمعة، النص النبوي، وهدي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمصالح الشرعية المنطلقة من النصوص المتعلقة بزكاة الفطر، كل هذا يجعلنا نقول: إنه يجب إخراج زكاة الفطر طعاماً، يجب إخراج زكاة الفطر طعاماً، والله تعالى أعلم. إلا أننا نبهنا وننبه مرة أخرى أنه ينبغي أن يكون هذا الطعام متنوعاً، وهذا اجتهاد ضمن حدود النص المقبولة شرعاً، وليس اجتهاداً مخالفاً للنص الذي فرضها من طعام، والطعام تختلف أنواعه باختلاف البلدان والأزمنة والأمكنة.

قد يقول قائل: أليس القول بعدم جواز إخراج الأقط والزبيب مخالفاً للسنة؟ نقول: لا، ما هو مخالف للسنة؛ لأن السنة فرضت صاعاً من طعام، لكن الزبيب والأقط كان طعاماً في المدينة سنة حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ودخل على الناس أغذية كثيرة صار هذا ما هو بطعام ولا قوت عندهم، صاروا يتفكهون به. اليوم الناس يأكل الفاكهة، يأكل يتفكه بالزبيب مثلاً مع القهوة أو مع الشاي، يأكل شيئاً من الزبيب يتفكه به، ما هو بقوت، ما هو بوجبة أساسية، ليس قوتاً، فلذلك لا يخرجه، وإنما يخرج القوت المدخر.

ما هو ضابط الطعام الذي يخرج في زكاة الفطر؟ ذكرنا أن الأساس هو القوت. بعض أهل العلم رأى أن الادخار ليس صفة أساسية، فجوز إخراج اللحم والسمك باعتبار القوت؛ فهذا كافٍ. لكن الصحيح الذي يظهر والله تعالى أعلم أن وصف الادخار وصف معتبر، لذلك في هذه الأصناف التي ذكرها أبو سعيد نلاحظ أن هناك ثلاثة أصناف لها هيئة غير مدخرة ولها هيئة مدخرة: ذكرت هيئتها المدخرة، ذكر التمر ولم يذكر الرطب، ذكر الزبيب ولم يذكر العنب، ذكر الأقط ولم يذكر اللبن، إذاً ذكر الصفة المدخرة دليل على أن الادخار وصف مقصود. فبناءً عليه والله تعالى أعلم لا يصح إخراج اللحم في الفطر، لا يصح إخراج السمك في الفطرة.

قد يقول قائل: ما حكم إخراجها في صورة مدخرة، مثلاً لحم مجفف أو سمك مجفف، مثلاً الذي يسموه مثلاً الفسيخ عند إخواننا المصريين، اللي هو المجفف هذا، هل يجوز ولا لا يجوز؟ أقول حقيقة هذه مسألة ينبغي لها اجتهاد ونظر، وهو هل يجوز إخراج هذه الأشياء اللحم أو غيرها أو السمك في هيئة مدخرة؟ بادي الرأي نقول الظاهر والله تعالى أعلم جواز إخراج الأقط الذي هو لبن مملح مجفف؛ الظاهر أنه يجوز إخراجها إذا كانت قوتاً وخرجت في صفة يمكن ادخارها، فالظاهر والله تعالى أعلم أنه جائز. أقول هذا بادي الرأي وإن كانت هذه المسألة تحتاج إلى اجتهاد ونظر يجتمع عليه طائفة من أهل العلم، والله تعالى أعلم.

نقف عند هذا الفاصل القصير ونعود إليكم بعد الفاصل.

للإيمان أركان لا يتم إلا بها، فإذا سقط منها ركن لم يكن الإنسان مؤمناً وهي ستة: الإيمان بالله ويشمل الإيمان بربوبيته أي بأنه الخالق المالك المدبر، وبألوهيته فلا معبود بحق إلا الله وكل معبود سواه باطل، وبأسمائه وصفاته فله الأسماء الحسنى والصفات العليا. ونؤمن بالملائكة وأنهم مخلوقون من النور، وأنهم عابدون لله مطيعون، ﴿وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: 19-20]، ولهم أعمال كلفوا بها، فجبريل موكل بالوحي، وميكائيل بالمطر والنبات، وإسرافيل بالنفخ في الصور. ونؤمن بالكتب أنزلها الله على رسله حجة على العالمين، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]، ومنها التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى، وأعظمها وخاتمها القرآن العظيم، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48]. ونؤمن باليوم الآخر وهو يوم القيامة، ونؤمن بما فيه من البعث والحشر وصحائف الأعمال والميزان والحساب والصراط والحوض والشفاعة والجنة والنار. ونؤمن بالقدر خيره وشره، وهو تقدير الله تعالى للكائنات حسب ما سبق به علمه واقتضت حكمته، وله أربع مراتب: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. فثبت إيمانك بالعلم والعمل واحذر من شبهات المشككين: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 53].

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن زكاة الفطر. ما هو وقت إخراج زكاة الفطر؟ نقول: يتعلق الوجوب بذمة المكلف بغروب شمس آخر يوم من رمضان، هنا تجب عليه، بمعنى آخر من توفي في أثناء رمضان قبل غروب شمس آخر يوم منه نقول هذا لا تجب عليه زكاة الفطر، لكن إذا غربت الشمس على شخص حي فمعنى ذلك أنها قد وجبت عليه زكاة الفطر، مثلاً لو شخص مات في ليلة العيد قل تخرج زكاة الفطر من ماله. لاحظوا هذا وقت تعلق الوجوب بالذمة.

متى تخرج؟ نقول آخر موعد لإخراجها هو خروج الناس لصلاة العيد، تؤدى زكاة الفطر قبل صلاة العيد، من أخرها بعد صلاة العيد فهو آثم، وهي صدقة من الصدقات، وتخرج عن كونها زكاة فطر. إذاً لاحظوا هناك تعلق الوجوب بالذمة، هذا يحدد لنا الأشخاص الذين تجب عليهم الزكاة، يعني باختصار نقول: من كان حياً في غروب شمس آخر يوم من رمضان هذا تجب عليه زكاة الفطر، من مات قبلها لم تجب عليه، من مات بعدها وجبت عليه، فتخرج من تركته أو يخرج أهله عنه هذه الزكاة.

طيب متى تخرج؟ نقول لا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد، وهي بعد الصلاة صدقة من الصدقات، قبل الصلاة يجب أن تخرج. هل يجوز إخراجها قبل تعلق الوجوب بذمة المكلف؟ بمعنى آخر أنه وقت الأداء الطبيعي أنه بعد أن تجب عليه في غروب شمس آخر يوم من رمضان، غروب شمس يوم 29 أو غروب شمس يوم 30 من رمضان، خلاص الآن تعلق الوجوب بذمته ووجبت فيجوز إخراجها إلى وقت خروجه لصلاة العيد. هل يجوز قبل أن يتعلق الوجوب بذمته؟ نقول يجوز إخراجها تخفيفاً قبل تعلق الوجوب بالذمة بيوم أو يومين، لا مانع، وقد جاء هذا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه يجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين.

إذاً هذا هو وقت إخراج زكاة الفطر، عندنا ثلاثة أوقات نلخصها عشان نعرف الفروق بينها: الوقت الأول وقت تعلق الوجوب بالذمة، وهذا يفيدنا في تحديد من يجب عليه زكاة الفطر ومن لا يجب عليه. الوقت الثاني هو آخر وقت للأداء وهو خروج الناس لصلاة العيد. الوقت الثالث وقت الجواز، وهو قبل تعلق الوجوب بالذمة بليلة أو ليلتين. هل يجوز دائماً تقديم الزكاة قبل وقتها؟ وهذا سوف نأتي له إن شاء الله تعالى في درس لاحق بإذن الله تعالى، وهو حكم تعجيل الزكاة قبل وقتها، يجوز تعجيل الزكاة قبل وقتها حتى زكوات الأموال والثروات، ببعض الضوابط التي سوف نذكرها إن شاء الله في درس لاحق. لكن هذا مثل تلك، إن زكاة الفطر عجلت قبل وقتها بيوم أو يومين هذا حقيقة فيه تيسير على الناس، خصوصاً الآن مع كثرة زكوات الناس؛ أحياناً بعض الجمعيات تريد التوزيع فتريد أن تجمع الزكوات في وقت مبكر حتى يتسنى لها توزيعها وتفريقها على الناس. ونحن هنا حقيقة في هذا المقام نوصي الجمعيات الخيرية بالالتزام بوقت إخراج زكاة الفطر، وعدم التساهل في تأخيرها بعد صلاة العيد مهما كانت الأحوال أو الظروف أو الأسباب؛ لماذا؟ لأن من مقاصد هذه الزكاة أن يحصل الفقير على طعمه يوم العيد، فلذلك الحرص حقيقة على أدائها قبل الصلاة هو واجب شرعاً وهو محقق للمصلحة الشرعية التي شرعت لأجلها زكاة الفطر.

وهذا في الحقيقة يقودنا إلى مسألة أخرى وهي هل يجوز التوكيل في إخراج زكاة الفطر؟ الظاهر والله أعلم أنه يجوز التوكيل في إخراج زكاة الفطر. هل الأفضل أن يخرجها الإنسان بنفسه أو أن يوكل في إخراجها؟ نقول الأفضل أن يخرجها الإنسان لمستحقها، إذا استطعت أنت أن توصلها لمستحقها فالحمد لله رب العالمين، أخرجها أنت بنفسك. لكن إذا كنت أنت سوف تأخذ هذه الزكاة وتخرجها لأقرب شخص تراه في الشارع وهو يجمع الزكوات من الناس بزعم أن هذا الشخص فقير وأنه محتاج، فلا، أعطها جمعية أو وكل بها شخصاً يدفعها إلى من يطعمها ويأكلها. للأسف بعض الناس الذين يجمعون هذه الزكوات يتعرضون للناس في طرقهم وفي شوارعهم يجمعون هذه الزكوات، كثير منهم لا يطعمها وإنما يجمع أكثر من حاجته التي يطعمها فيبيع الباقي ويتصرف بهذا النقد؛ لا، كونك تدفعها لمن يطعمها فهو خير وأفضل. فلذلك لو قال قائل: هل الأولى أني أخرجها أنا بنفسي ولا أوكل؟ نقول الأولى أن تخرجها إلى من يستحقها، فإن كنت أنت سوف تسعى بنفسك إلى من يستحقها فهذا الأتم والأكمل إن شاء الله تعالى في جميع الأحوال. وإن كنت لا، سوف تعطيها لأي شخص قريب منك في الشارع ولا تعلم هل هو مستحق ولا لا؟ نقول لا، إذا أعطها وكل بها جمعية خيرية أو مركزاً إسلامياً يبحث عن المستحقين ولديه قاعدة بيانات بالفقراء والمحتاجين حتى تصل إلى مستحقها بشكل صحيح وسليم.

هل تصرف زكاة الفطر نفس مصارف زكاة المال؟ زكاة المال سياتينا إن شاء الله تعالى أنها تصرف في مصارف ثمانية: الفقراء والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل؛ سوف نتعرض للمصارف الثمانية إن شاء الله في درس لاحق. نقول الظاهر والله تعالى أعلم أن صدقة الفطر تخرج للفقراء والمساكين فقط وليست في المصارف الثمانية، وهذا من الفوارق بين زكاة الفطر وزكاة الأموال، لاحظوا دائماً استحضروا دائماً أن زكاة الفطر هي زكاة الرؤوس وليست زكاة ثروات، لذلك المغلب فيها ما يقيم الأبدان من الطعام، هذا جانب؛ لذلك يأخذ الزكاة من يحتاج الطعام وهم الفقراء والمساكين. إذاً ما يعطى الإنسان بأوصاف أخرى، مثلاً لا يعطى الإنسان بوصفه مديناً، نقول إذا كان هذا المدين فقيراً مسكيناً ليس عنده الطعام فهذا يعطى، لكن إذا كان عنده مثلاً قوته وعمله ويشتغل وكذا ولا يحتاج، ليس فقيراً ولا مسكيناً وإنما عليه دين مثلاً، فنقول لا، لا يعطى، إذاً يعطاها الفقراء والمساكين الذين لا يجدون قوتهم أو لا يجدون ما يكفيهم من القوت. لماذا قلنا هذا الرأي؟ لأن المغلب في زكاة الفطر جانب الرؤوس والأبدان، إقامة الأبدان، الطعام مغلب فيها، فيعطى من يحتاجه.

إذاً هذا فيما يتعلق بالأحكام. هنا مسألة: هل المسكين إذا كان عنده شيء فاضل عن قوته وقوت عياله هل يخرج الزكاة؟ نقول نعم، يخرج الزكاة. لذلك قد يقول قائل: كيف تجيز أن يأخذ الفقير الزكاة وتوجب عليه أن يخرج الزكاة؟ قد يرى إنسان يقول كيف نقول لا؛ الفقير هذا يأخذ الزكاة باعتباره فقيراً، لكن يجب عليه إخراج الزكاة لأنه ليس المعتبر في من تجب عليهم إخراج الزكاة أن يكون غنياً، لا، أن يجد طعاماً فاضلاً عن قوته وقوت عياله من ينفق عليهم، إذا كان عنده شيء فاضل فيجب عليه الإخراج. ما هو لازم الإنسان ما يخرج زكاة الفطر إلا الغني، لا، لذلك حتى العبد يخرج الزكاة، حتى العبد يخرج عنه زكاة؛ الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير كلهم يخرجون زكاة الفطر، المعتبر فيها الرؤوس، فلذلك حتى هذا الفقير الذي عنده قوت فاضل عن قوت عياله فإنه يخرج الزكاة باعتباره أنه واجد للقوت. وهل يستحق أن يأخذ الزكاة؟ نقول نعم، يستحق أن يأخذ من الزكاة، ولكن لا يعمل مقاصة فيقول خلاص أنا بدل لا آخذ، لا، أنا ما بآخذ ولا بعطي، نقول لا، يجب عليك أن تخرج.

الزكاة، إن أحد أعطاك الزكاة فبها ونعمة، لم يعطك أحد الزكاة فالحمد لله رب العالمين. هذه إذاً أحكام زكاة الفطر. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا في علمنا، وأن يبارك لنا فيما قلناه وفيما سمعناه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهل النوال ميسراً، يأتيك ميسوراً بأي مكان.

زاد، زاد أكاديمية، ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا، زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.