الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا، اللهم وفقنا لكل خير واجعلنا هداة مهتدين، واجعلنا من حملة العلم الذين يقومون بحمله ويقومون بحقه يا رب العالمين.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الخامس من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في فصلها الدراسي الثاني. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس، وأن ينفع بها قائلها وسامعها، وأن يجعلها من العلم الذي يكون حجة لنا لا علينا.
كنا قد تحدثنا عن سلسلة موضوعات في زكاة الأموال، ثم انتقلنا بعد ذلك إلى زكاة الفطر وبينا عدداً من الأحكام المتعلقة بها. نقول إننا لما تحدثنا عن زكاة الفطر قلنا إنها تخرج للفقراء والمساكين فقط، ولا تدفع إلى جميع أصناف المستحقة لزكاة المال وهم الأصناف الثمانية المذكورون في سورة التوبة. ولعلنا نقرأ الآية إن شاء الله تعالى ونستعرض هذه الأصناف، إذاً هناك فرق بين من تدفع إليهم زكاة الفطر ومن تدفع إليهم زكاة الأموال. زكاة الفطر تدفع للفقراء والمساكين باعتبار أنها زكاة الرؤوس، والمعتبر فيها الطعام والمعتبر فيها ما يقيم البدن والمعتبر فيها الأشخاص، لذلك سميت بزكاة الرؤوس فتدفع للفقراء والمساكين. أما زكاة الأموال فهي زكاة للثروات، تدفع وتكون قيمتها بحسب ثروة الإنسان وماله، فتزيد الزكاة إذا زادت ثروته وتنقص الزكاة إذا نقصت ثروته.
من هم أهل الزكاة؟ جاء في القرآن الكريم في آية سورة التوبة قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: 60]. هذه ثمانية أصناف ذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة براءة. استفتح الله سبحانه وتعالى هذه الآية بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾. وبالمناسبة، في لفظ القرآن الكريم الزكاة تسمى صدقة وتسمى زكاة، فمن لفظ الزكاة جاء في القرآن الكريم قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ في حق إسماعيل عليه السلام. وسميت كذلك بالصدقة كما جاء في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾. كذلك في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ في سورة التوبة. إذاً الزكاة المفروضة أحياناً تسمى في القرآن الكريم باسم الزكاة، وأحياناً تسمى باسم الصدقة، لذلك الصدقة اسم صحيح؛ انتشر عند الناس اليوم أن الصدقة لا تطلق إلا على صدقة التطوع، وهذا خطأ. الصدقة لفظ يراد به صدقة الفرض ويراد به صدقة التطوع، ويعرف المراد أياً من هذا أو هذا بحسب السياق الذي جاءت فيه الآية أو جاء فيه النص الشرعي.
نرجع إلى موضوعنا، ألا وهو أهل الزكاة أو المستحقون للزكاة الذين تصرف فيهم الزكاة. استفتحت هذه الآية بقول الله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّمَا﴾، و"إنما" عند أهل اللغة أداة من أدوات الحصر، ومعنى الحصر أن هذا الحكم ينحصر في المذكورين لا يشركهم غيرهم. فلو قلت مثلاً "إنما المجتهد زيد"، كأنك حصرت المجتهدين في زيد؛ لو كان عندك أمامك مثلاً زيد وعبد الله وعبد الرحمن وغيرهم، فقلت: "إنما المجتهد زيد"، هذا يساوي قولك: "ما مجتهد إلا زيد". أدوات الحصر إما أن تكون "إنما" أو تكون النفي والاستثناء فتقول: "لا يوجد إلا كذا". فالشاهد أن قول الله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّمَا﴾ دل على حصر صرف الزكاة في هذه الأصناف الثمانية الذين ذكروا.
الصدقات؛ ما الذي أدرانا وأعلمنا أن الصدقات المراد في هذه الآية بها الزكاة؟ نقول إن صدقات التطوع لا تحصر في هذه الأصناف الثمانية، بل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن في كل كبد رطبة أجراً، أليس كذلك؟ وفي الحديث قص النبي صلى الله عليه وسلم قصة الذي نزل بئراً فملأ خفه ماءً فسقاه كلباً فشكر الله له فغفر له، فقيل للرسول صلى الله عليه وسلم: إن لنا في البهائم أجراً؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «في كل كبد رطبة أجر». لاحظوا، هذه صدقة من الصدقات العامة التطوعية. إذاً الصدقات التطوعية حقيقةً لا حصر لأوجه الخير والبر فيها، لا ثمانية ولا 80 ولا 100، بل أكثر من ذلك. صدقات التطوع قد تكون في الآبار، قد تكون في المساجد، قد تكون في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، قد تكون في الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى، قد تكون في الفقراء، قد تكون في المساكين، قد تكون في التعليم. أوجه كثيرة لصرف صدقات البر والإحسان. أن تعين صانعاً هذه صدقة، أو تعين أخرق في صناعته هذه صدقة، تبسمك في وجه أخيك صدقة كما جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم، كف أذاك عن الناس صدقة منك على نفسك، هذا الإنسان إذا كف أذاه هذا نوع من الصدقة. أنواع صدقات التطوع والإحسان إلى الناس، بدؤهم بالسلام هذا صدقة. إذاً الإحسان التطوعي الصدقات حقيقةً لا تنحصر لا في ثمانية ولا في 80، أكثر من ذلك. إذاً قول الله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ ثم الأصناف الثمانية المذكورة هنا، دليل على أن الصدقات المراد بها الزكاة المفروضة. إذاً عرفنا معنى "إنما" معناها الحصر، و"الصدقات" معناها الزكاة المفروضة. أول صنف ذكر في هذه الآية الفقراء، وثاني صنف المساكين.
هل هناك فرق بين الفقير والمسكين؟ الأصل حقيقةً في نصوص الكتاب والسنة أن الفقير إذا أطلق يراد به الفقير والمسكين، والمسكين إذا أطلق يراد به الفقير والمسكين، وهذا الغالب اليوم في لفظ الناس. ولكن إذا اجتمع اللفظان في سياق واحد فمعنى ذلك أن بينهما فرقاً. لاحظ مثلاً لما أقول أنا مثلاً "طلبة العلم"، فهذا مثلاً أقصد به أمراً وهو كل من طلب العلم، سواء كان مثلاً يبحث في الأبحاث الشرعية أو يؤلف الكتب الشرعية، أو كان ممن يطلب العلم مثلاً ويدرسه من خلال أكاديمية أو من خلال جامعة، ويشمل كذلك من يطلب العلم في المساجد وفي غيرها. لكن إذا قلت مثلاً "طلبة العلم وطلبة الجامعات" جمعتهما في سياق واحد، فمعنى ذلك أني أريد بطلبة الجامعات من يدرس في الجامعة، وطلبة العلم أريد به من لا يدرس في الجامعة، بينما إذا ذكرت لفظ طلبة العلم مجرداً فيدخل فيه الذين يدرسون العلم في الجامعه وفي خارج الجامعة. هذه الألفاظ يسميها أهل العلم: الألفاظ التي إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت. ما معنى هذه العبارة؟ نبينها لكم إن شاء الله تعالى بعد فاصل قصير.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن الفقراء والمساكين. ذكرت الآية ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾. نريد أن نتحدث عن معنى الفقراء والمساكين. ذكرنا حتى قبل الفاصل أن الفقير في لغة العرب يطلق على الفقير والمسكين ومن لا يجد قوته والمحتاج، كلها بمعنى واحد. المسكين كذلك يطلق في لغة العرب ويراد به الفقير والمسكين وغيرها، لكن كونها تجتمع في سياق واحد دليل على أن المراد بهما مختلف. مثل ما ذكرنا المثال قبل الفاصل؛ إذا قلنا طلبة العلم وطلبة الجامعات، إذا قلت طلبة العلم فهذا يشمل الجامعات وغيرها، لكن لما أقول في سياق واحد "طلبة العلم وطلبة الجامعات" فمعنى ذلك أن طلبة الجامعات يراد بهم طلبة العلم داخل الجامعة، وطلبة العلم في هذا السياق المراد بها طلبة العلم خارج الجامعة؛ لأنها جاءت في سياق واحد. كذلك الفقراء والمساكين، هذه الألفاظ يسميها أهل العلم فيقولون: الألفاظ التي إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت. ما معنى هذه اللفظة؟ معناها إذا اجتمعت في سياق واحد افترقت في المعنى، صار لكل واحد منها معنى، الفقير له دلالة والمسكين له دلالة. وإذا افترقت اجتمعت؛ بمعنى إذا افترقت في السياق اجتمعت في المعنى. فلو جاء مثلاً قلت لك "أعطِ الفقراء" -لم أقل المساكين- في لفظي مطلقاً، فإن لفظ الفقراء يشمل الفقراء والمساكين والمحتاجين وغيرهم. طيب لو قلت "أعطِ المساكين"، فإن لفظ المساكين يشمل الفقراء والمساكين والمحتاجين وغيرهم؛ يعني يكون أشبه بالمترادفين لأنهما افترقا في اللفظ فاجتمعا في المعنى، مادام أني نطقت بكل واحد منهم مفترقاً عن الآخر في سياق مستقل فهو يشمل الآخر في معناه. فإذا قلت "أعطِ الفقراء"، فمعنى هذا أنه... لكن إذا قلت لك اجتمعا في السياق، فيفترض قلت "أعطِ الفقراء والمساكين" أو "أعطِ الفقراء ولا تعطِ المساكين"، فمعنى ذلك أنني أريد بلفظ الفقراء معنى غير الذي أريد بلفظ المساكين. هذا معنى قولهم: إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت؛ يعني إذا اجتمعت في السياق افترقت في المعنى، وإذا افترقت في السياق اجتمعت في المعنى.
فالشاهد أنها بما أنها جمعت في سياق واحد، قول الله سبحانه وتعالى ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾، دل على أن لكل منهما معنى. فما هو معنى الفقير وما هو معنى المسكين؟ الفقير والمسكين كلاهما يجتمع في معنى العوز والحاجة، كلاهما محتاج. لكن من الأشد حاجة من الآخر؟ بعض الناس يقول: المسكين هو الأشد حاجة، وبعض الناس يقول: الفقير هو الأشد حاجة. والظاهر والله تعالى أعلم أن الفقير أشد حاجة من المسكين، لذلك قول الله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ معناها المحتاجون حاجة شديدة جداً. المساكين هم الذين يحتاجون حاجة، ولكن حاجتهم أقل من حاجة الفقير، لذلك بعض الناس يقول الفقير مثلاً هو المعدم تماماً، والمسكين هو الذي يكون عنده شيء ولكنه لا يزال محتاجاً، لا يزال محتاجاً بمعنى لم تغطَّ حوائجه الأساسية والضرورية. إذاً من الأشد حاجة؟ الفقراء. من أين أخذنا هذا التفريق؟ الظاهر والله أعلم بناءً على ماذا قلنا إنه جاء في بعض نصوص الكتاب والسنة بيان بعض المحتاجين الذين سموا مساكين ولكن كان عندهم بعض الأملاك؟ ومن ذلك قول الله سبحانه وتعالى في قصة الخضر مع موسى عليه السلام: ﴿قَالَ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾. فقول الخضر عليه السلام ﴿فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾، فالآن كونهم مساكين دليل أنهم محتاجون، وكونهم يملكون سفينة دليل على أن عندهم شيئاً، عندهم شيء يقيم أودهم، وعندهم عمل، ولكن لا يسد حاجتهم، فلذلك هم مساكين. لكن لو لم يكن عندهم شيء مطلقاً لسموا فقراء، لسموا فقراء. إذاً الفقير هو الأشد حاجة من المسكين.
أمثلة للفقير اليوم مثلاً الذي لا يجد مسكناً، لا يجد طعاماً إلا من خلال السؤال. أمثلة للمسكين اليوم، شخص مثلاً نفترض أنه موظف ولكن راتبه لا يكفي مثلاً سكنه وحاجته الأساسية. طبعاً نتكلم عن الحاجات الأساسية، يعني لا نتكلم عن شخص مترف ولا يسكن في شقة فارهة ولا يستطيع سداد إيجارها، لا، نحن لا نتكلم عن هذا الشخص، نتكلم أنه راتبه لا يكفي سكناه وحاجاته الأساسية، فلذلك يحتاج أنه يسأل، لكن لا يسأل كل الحاجة وإنما يسأل ما يغطي هذه الحاجة، هذا مسكين.
طيب ما هي الحاجات التي نتكلم عنها في حق الفقراء والمساكين؟ هناك عدد من الحاجات الأساسية للفقراء والمساكين يجب على الناس تغطيتها. ما هي؟ أولاً السكن؛ أن يسكن في مكان مناسب. طبعاً لا يلزم أنه يسكن والله في شقة فارهة ولا فلة فارهة، لا، وإنما يسكن في مكان مناسب، في غرفة مثلاً، غرفتين مناسبة له ولعياله بحسب عددهم في المكان المناسب في الحي المناسب لهم. لا يترفع الإنسان باعتباره أصلاً لا يصرفه من مال خاص، وإنما هو يصرف من أموال الزكوات. إذاً المسكن أو المأوى. المطعم؛ الإنسان لا بد أن يطعم، كيف يقوم بدنه إلا بالطعام؟ الملبس؛ لا بد له من شيء يستر به عورته ويلبسه، يكون شيئاً مناسباً. إذاً هذه حاجات أساسية: مسكن ومطعم وملبس. طيب هناك كذلك حاجات أساسية أخرى، من هذه الحاجات الأساسية الأخرى، الظاهر والله أعلم كذلك الزواج، بمعنى لو كان عندنا شاب فقير، نقول هل يجوز أن يعطى من الزكاة لأجل تزويجه؟ نقول الظاهر والله تعالى أعلم أنه يجوز، لكن ينبغي لنا أن نراعي عدداً من الأمور سوف نذكرها إن شاء الله تعالى لاحقاً، وهي أن الشاب القوي المقتدر لا يجوز إعطاء الزكاة له؛ لا تحل الزكاة لقوي مكتسب، يعني يستطيع الاكتساب، وهذه قضية سوف نذكرها إن شاء الله تعالى في موانع أخذ الزكاة. موانع أخذ الزكاة، لكن نفترض أن ثمة شاباً مثلاً ليس مكتسباً، نفترض أنه...
هل تستطيع أن تكتسب وأنت في هذه الحالة؟ بمعنى أنك تعمل عملاً مكتبياً، يجب عليك أن تعمل عملاً مكتبياً، ويجوز لنا أن نعطيك من الزكاة ما يكفي حاجتك إلى أن تجد لك عملاً مكتبياً مثلاً بحكم أنك مقعد لا تستطيع الحركة وهكذا. لذلك يجب على الشخص قبل أن يطلب الزكاة أن يسعى هو ويكتسب هو، ولا يجوز له أن يأخذ الزكاة وهو قادر على أن يجد له عملاً أو وظيفة مناسبة له، فهذا مثال.
الزواج كذلك من الحاجات الأساسية التي تدخل، ويدخل كذلك والله تعالى أعلم في زماننا هذا التعليم الأساسي. التعليم الأساسي الضروري يتمثل حقيقة في عدد من المراحل الدراسية، وهي الابتدائي والمتوسط والثانوي، هذا تعليم عام. اليوم حقيقة أصبح من الضروريات، والأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب ولا يعرف الحساب ولا يعرف هذه العلوم الأساسية، هذا الظاهر أنه لن يستطيع أن يعمل ولن يستطيع أن يتعامل مع الناس بشكل مناسب وبشكل جيد. لذلك نعم قد يكون في مرحلة من المراحل التاريخية لم يكن هناك ضرورة إليه ولا يعد من الحاجات الأساسية، لكن حقيقة اليوم التعليم الأساسي هذا الذي هو التعليم العام يعد من الحاجات الأساسية التي يجوز أن يصرف فيها لأجلها الزكاة.
فمثلاً لو أن هذا الفقير قال: والله أنا من حاجاتي الأساسية كذلك أن أولادي يروحون للمدرسة، نقول: نعم هذا من الحاجات الأساسية، فبناءً عليه يصرف من الزكاة له ما يحتاجه مثلاً من كتب أو كراسات أو أقلام أو أشياء مثلاً أو غيرها مما يحتاجه في واجباته المدرسية لأجل أن يقوم بهذه الحاجة الأساسية. إذاً هذا الفقير والمسكين، الفقير أشد حاجة من المسكين، ما هي الحاجات الأساسية؟ ذكرنا المسكن، الملبس، المطعم، الزواج، ويدخل كذلك والله تعالى أعلم في زماننا هذا التعليم العام الذي يحتاجه كل إنسان ليخرج من الأمية ويستطيع أن يكتسب. في واقع الأمر حقيقة إذا نظرنا لها نظرة مصلحية مقاصدية، فلا شك أن كونه يتعلم مما يعينه فيما بعد على التكسب وأن يخرج من حالة الفقر، لذلك في واقع الأمر أنت تعطيه شيئاً يخرجه من حالة الفقر إلى الأبد، بخلاف كونك تطعمه وتسكنه وتلبسه دون أن تعلمه، فلا شك أن هذا سوف يبقى في حالة الفقر فترة أطول.
أين أنت من العلم؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». فهناك مقدار من العلم يجب أن يتعلمه المتخصص وغير المتخصص، فعلى كل مسلم أن يتعلم ما تصح به عقيدته وعبادته. وعلى غير المتخصص أن يبدأ بالكتب الميسرة ثم يتدرج؛ ففي التوحيد مثلاً يبدأ بالأصول الثلاثة والواسطية ثم كتاب التوحيد ثم الطحاوية، وهكذا سائر العلوم، ويسأل العلماء عما يشكل عليه ويقلدهم في الفتوى؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. ويتواصل مع طالب علم متخصص ليشرح له ما صعب عليه فهمه إذ لا يتيسر له التواصل مع العلماء في كل حين، ويهتم بوسائل التقنية الحديثة لتعوض انشغاله عن حضور مجالس العلم أو الالتحاق بالكليات الشرعية، ويحتاج غير المتخصص إلى علو الهمة وقوة العزيمة، فمع ضيق الوقت لن يحصل العلم إلا بالمواصلة. وليستفد من تخصصه في إتقان العلم الشرعي، فالطبيب مثلاً تسهل عليه مسائل الحمل والجراحات، والمهندس تسهل عليه الفرائض لإتقانه الرياضيات، وليسخر ذكاءه في فهم دينه وخدمته، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43].
نتابع الحديث معكم عن أصناف المستحقين للزكاة وهم الذين اصطلح أهل العلم على تسميتهم بأهل الزكاة أو الأصناف الثمانية. ذكرنا الفقراء والمساكين وذكرنا الحاجات الأساسية التي تغطى لهم، ثم بعد ذلك جاء في الآية: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 60]. العاملون عليها هم الذين يعملون في جباية الزكاة، يبعثهم الإمام لجباية الزكاة. لاحظوا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ أي على الزكاة، "على" تفيد الاستعلاء، أي أنهم يجبون هذه الزكاة، والأصل في الزكاة أنها شعيرة يتعبد بها المسلم، ويجب على الإمام جبايتها في البلد المسلم. إذاً الجباية بمعنى تحصيل هذه الزكاة وصرفها للمستحقين. العاملون عليها هم الذين يجبون بالسلطان، وليس العاملين فيها؛ فالعاملون فيها هم الذين يعملون في مجال الزكاة، لكن هذه "العاملين عليها" بمعنى أن "على" تفيد معنى الاستعلاء وفيه معنى الجباية.
لماذا نقول هذا الكلام؟ حتى نفرق بين العامل عليها وبين الوكيل؛ مثلاً لو أنا وكلت شخصاً لإخراج زكاتي قلت: يا أخي أنا عندي زكاة مثلاً 10000 دولار فآمل أنك تخرجها للفقراء والمساكين، هل يجوز له هو هذا الوكيل الذي أمرته بإخراجها أن يأخذ من الزكاة أو أن أعطيه من الزكاة؟ نقول: لا يجوز؛ لأن هذا وكيل أعطيه أجرة أنا من خارج الزكاة، لكن الزكاة تصرف للمستحقين؛ لأنه ليس من العاملين عليها. العاملون عليها بمعنى الذين يبعثهم الإمام لجباية الزكاة، ولتوزيع الزكاة، ولحفظ الزكاة، هم أصناف العاملين عليها؛ إما جباية وإما حفظ وإما توزيع، ولكنهم مبعوثون من الإمام لتحصيل هذه الزكاة بخلاف الأجير أو الوكيل.
هناك حقيقة مسائل مترددة بين العاملين عليها وبين الوكلاء، هم في مرحلة متوسطة بينهما، مثل الجمعيات الخيرية أو المراكز الإسلامية في الخارج؛ هذه جمعيات مرخصة حكومياً أو مراكز إسلامية مرخصة أو غيرها تقوم مقام الإمام في الجباية والتوزيع، ولكن ليس لها السلطة الإجبارية على الناس. فلذلك هي مرحلة متوسطة، يتجاذب النظر هل هم من العاملين عليها أو ليسوا من العاملين عليها؟ الحقيقة هذه من المسائل التي تحتاج إلى اجتهاد علمي من أهل العلم وبحث ونظر للحكم في هذه المسألة.
الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم. المؤلفة قلوبهم هم الذين يعطون مالاً إما لتحصيل مصالح شرعية منهم أو لدفع ضرر واقع منهم؛ مثلاً كافر يخشى منه فيعطى من الزكاة لدفع ضرره؛ لأن المال قد يدفع بعض الناس ويردهم عن حروب أو غيرها، أو بعض المشكلات، أو بعض السياسات المعادية للإسلام ولدينه. فكونه يعطى شيئاً من المال يدفع به أذاه وضرره، هذا نوع من تأليف القلب، أو يحصل به مصلحة إسلامهم، مثلاً بعض زعماء القبائل، بعض الشيوخ، بعض الذين لهم تأثير في المجتمعات؛ كونه يعطى من المال ما يتألف به قلبه ويحصل بهذا مصلحة أنه يسلم هذا الشخص أو يسلم أتباع له، فلا شك أن هذا من المصالح الشرعية المعتبرة، وهي تأليف القلوب.
وفي الرقاب؛ الرقاب المراد به عتق الرقاب بمعنى تحرير العبيد. وبحكم اليوم عدم وجود الرق بالمعنى المعروف في المجتمعات أو في الأرض، فإننا نتحدث إذاً عن معنى آخر وهو يدخل في عتق الرقاب، ألا وهو فكاك الأسير المسلم. وفكاك الأسير المسلم هذا أصلاً داخل في معنى الرقاب، لاحظوا لأنه تحت نوع من العبودية والذل والقهر ألا وهو الأسر، فكونه يفك أسره بالزكاة، الظاهر والله تعالى أعلم أن هذا داخل في "وفي الرقاب".
والغارمين؛ الغارم هو المدين. هل يعطى الغارم لأداء دينه الواجب عليه أو الدين المستحق عليه في ذمته؟ نعم يعطى من الزكاة ولكن بضوابط، منها أنه لا يجد هو ما يخرجه لأداء دينه؛ فلو أن مثلاً الإنسان أخذ تمويلاً مصرفياً من المصارف ويسدد من خلال راتبه، نقول: هذا ليس من الغارمين الذين يستحقون الزكاة؛ لأن هذا الدين لا يحل عليه إلا شهراً فشهراً قسطاً بقسط، وفي كل قسط يؤخذ من راتبه بقدره، إذاً هذا لا يؤدى عنه من الزكاة. لكن نفترض أنه شخص استدان ديناً فحل هذا الدين ولا يجد له وفاءً، هنا نقول: هذا ممن يدخل في الغارمين.
الأمر الثاني الذي ننبه إليه في مبدأ الغارمين أن نقول: لا بد أن يكون هذا الدين قد ثبت في أمر جائز شرعاً أو مستحب شرعاً؛ كيف في أمر مستحب أو جائز؟ نقول مثلاً استدان ليتزوج، مثلاً استدان ليصلح بين اثنين، استدان لنفقة عياله. لكن لو أن الدين هذا ثبت عليه لأجل أمر محرم، استدان ليسافر للسياحة في بلد مثلاً فيه معاصي وفيه كفار، نقول: هذا إذاً كونك تستدين لهذا السفر الذي هو سفر معصية هذا أصلاً فيه إشكال، فكيف أصلاً يؤدى عنك من الزكاة؟ لذلك الصحيح والله تعالى أعلم أنه لا يؤدى عنه من الزكاة إلا إذا تاب، إذا تاب فإن الله سبحانه وتعالى يقبل توبته، وبالعكس يساعد من الزكاة لأداء هذا الدين الذي عليه تحريضاً له ومساعدةً له في إبراء ذمته.
ثم المصرف السابع قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: 60]. في سبيل الله المراد به الجهاد في سبيل الله، وقد جاء معنى في سبيل الله بكثرة في القرآن الكريم ويراد به الجهاد. والمراد هنا بقولنا الجهاد ما يشمل الجهاد العسكري والسياسي والإعلامي والدعوة والعلم ونشر العلم ومحاربة البدع والخرافات، هذه كلها داخلة تحت مصطلح الجهاد الشرعي إن شاء الله تعالى، وهي مما يصح صرف الزكاة إليه؛ خلافاً لمن قصر الجهاد على الجهاد العسكري فقط، وخلافاً لمن عمم قول الله سبحانه وتعالى "في سبيل الله" على كل أنواع الخير والبر والإحسان من حفر الآبار وبناء المساجد وغيره. نقول لا، الناس حقيقة في كلمة في سبيل الله بين طرفين والصحيح الوسط؛ الطرف الأول هو الذي يقصرها فقط على الجهاد العسكري، والطرف الآخر هو الذي يجعلها شاملة لكل بر وإحسان وخير، يقول: هذا بر وإحسان وخير في سبيل الله. نقول: لا، في سبيل الله تشمل الجهاد، ولكن الجهاد هذا لا يقتصر على الجهاد العسكري، بل هو الجهاد العسكري والعلمي والسياسي والإعلامي والاقتصادي وغيرها الذي يدفع به شر الأعداء عن أمة الإسلام. طيب، الجهاد العسكري كذلك لا يقتصر على أن يعطى الغزاة فقط، وإنما يشمل إعطاء الغزاة وتوفير السلاح، كذلك فيما يحتاجه الغزاة في سبيل الله، هذا ما يتعلق في سبيل الله.
ابن السبيل، المصرف الثامن من مصارف الزكاة، ابن السبيل هو المسافر الذي انقطع به الطريق. سابقاً لم تكن الحوالات البنكية والمصارف وغيرها موجودة، فكان الإنسان بالفعل إذا حمل معه نقداً في جيبه سرق منه هذا النقد أو انقضى هذا النقد، فإنه خلاص تنقطع به الطريق؛ يعني ليس في جيبه بطاقة صراف يأخذ بها ماله من أي مكان، لا، فلذلك نشأ هذا المصرف "ابن السبيل" لمعالجة حال الذي انقطعت به السبيل، فيعطى ما يبلغه إلى بلده وإن كان هو في بلده غنياً غير محتاج للزكاة، لكن يعطى ما يبلغ به بلده. لا شك أن المصرف الثامن هذا ضعف في زماننا هذا، لا نقول إنه ألغي تماماً، لا، وإنما نقول ضعف في زماننا هذا بسبب كثرة سهولة حوالات الأموال وسهولة وسائل الاتصال؛ فبإمكانه أن يرفع السماعة على قريب أو صديق يطلب منه تحويل مال له. إذا لم يكن عنده مال فإنه يستحق ليس بوصف ابن السبيل، وإنما يستحق بوصف الفقراء والمساكين، نحن نتكلم عن ابن السبيل الذي عنده مال في بلده فهذا يعطى ما يبلغه إلى بلده. فهذا الشخص الذي عنده مال في بلده حقيقة اليوم يمكنه الاتصال بوسائل الاتصال المختلفة ويمكنه تحويل الأموال إليه بوسائل تحويل الأموال المختلفة، لذلك نقول حقيقة أن الحاجة إلى هذا المصرف ضعفت ضعفاً كبيراً في زماننا هذا.
هذه هي المصارف الثمانية للزكاة، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا وإياكم ممن يقيم شعائر دينه على الوجه الأتم والأكمل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي