الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا ورسولنا وحبيبنا محمد، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، ربنا هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس السادس من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في فصلها الدراسي الثاني. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس التي ألقيناها وسمعناها، وأن يجعلها من العلم النافع في حقنا، وأن يجعلها حجة لنا لا حجة علينا.
إخواني وأخواتي، كنا قد تحدثنا في سلسلة من الحلقات والدروس عن موضوعات الزكاة، وتنقلنا بين موضوعاتها شيئا فشيئا، وكان من آخر هذه الموضوعات موضوع الأصناف الثمانية المستحقة للزكاة. وذكرنا أن الله سبحانه وتعالى حصر الأصناف التي تصرف فيها زكاة الأموال بثمانية أصناف بأداة الحصر "إنما"، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60]. هذه إذا أصناف الزكاة كما جاءت في سورة براءة، وتحدثنا عن كل نوع من هذه الأنواع؛ تحدثنا عن الفقراء والمساكين، وأن الفقير أشد حاجة، وتكلمنا عن الحاجات الأساسية التي يجب تغطيتها من الزكاة للفقراء والمساكين، وتحدثنا عن العاملين عليها والفرق بينهم وبين الأجير والوكيل، وتحدثنا عن المؤلفة قلوبهم، والرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل.
نريد أن نتحدث حقيقة اليوم عن مسائل نختم بها كتاب الزكاة، تتعلق بوقت إخراج الزكاة، وبأهل الزكاة، ومسائل تتعلق بتعلق الزكاة بذمة المكلف. فنقول أولا من هذه المسائل: هل يشترط استيعاب الأصناف الثمانية في الزكاة؟ فلو كان الإنسان زكاته مثلا 80 دولار، هل يجب عليه أن يخرج 10 دولار في كل صنف مثلا، أو هل يجب عليه أن يستوعب هذه الأصناف الثمانية في الزكاة فيخرج لها جميعا، أم يكفيه أن يخرج لمصرف منها فقط للفقراء أو للمساكين أو للعاملين عليها أو المؤلفة قلوبهم أو للغارمين وغير ذلك؟ نقول الظاهر والله تعالى أعلم أنه لا يشترط استيعاب هذه الأصناف الثمانية، بل يجوز أن يخص بها صنفا من هذه الأصناف، فتدفع مثلا في سبيل الله، أو تدفع لابن السبيل، أو تدفع للفقراء، أو للمساكين.
إلا أن هناك تنبيها وهو أن هناك صنفا من هذه الأصناف وهو صنف العاملين عليها، لا يجوز أن يخص بالزكاة كلها بخلاف الأصناف السبعة الأخرى؛ إذ يجوز أن تدفع مالك كله للفقراء أو للمساكين أو للمؤلفة قلوبهم أو في الرقاب أو الغارمين أو في سبيل الله أو ابن السبيل، فهذا جائز. أما أن تدفع الزكاة كاملة للعاملين عليها فإن هذا الظاهر والله تعالى أعلم أنه لا يجوز ولا يصح. لماذا؟ لأن استحقاق العاملين عليها استحقاق وسيلي وليس استحقاقا مقصودا لذاته، فالأصناف السبعة هذه استحقاقها مقصود لذاته، أما العاملون عليها فاستحقاقهم وسيلي لأجل أنهم يجبون الزكاة ويعملون فيها. فلذلك الظاهر والله تعالى أعلم أنه لا يستحق العاملون عليها مال الزكاة كله، وإنما لا يعطون من مال الزكاة إلا بقدر معين يعين على إخراج الزكاة في الأصناف الباقية.
وهذا أمر إن شاء الله تعالى واضح، التفريق بين من كان استحقاقه أصليا وبين من كان استحقاقه تبعيا. لذلك الظاهر والله تعالى أعلم بناء على هذا أنه لا يجوز أن يعطى العاملون عليها أكثر من ثمن الزكاة؛ إذا الزكوات التي يجبونها نفترض أنها 800، نقول لا يجوز لهم أن يزيدوا على 100 دولار إذا جمعنا 800 دولار مثلا؛ جبيت الزكاة من الناس 800 دولار، العاملون عليها لا يجوز أن يزيد نصيبهم عن 100 دولار وهو الثمن. الـ 700 الباقية نقول يجوز أنها تصرف في صنف واحد أو في صنفين أو في ثلاثة، ولا يشترط استيعاب هذه الأصناف الثمانية.
الجانب الثاني أن العاملين عليها يعطون من الإمام الذي يجبى هذه الزكاة، بينما الشخص الذي يخرج زكاته في بلد ما لا يعطي الأجير الذي دفع إليه الزكاة ليخرجها، هناك فرق بين الأجير والعامل عليها قد نبهنا عليه، وقلنا إن الجمعيات الخيرية والمؤسسات الخيرية والمراكز الإسلامية المتخصصة في جمع الزكاة وتفريقها حقيقة متوسطة بين الأجير والوكيل وبين الإمام. يعني هي فيها معنى من معاني الإمامة، لماذا؟ لأنها تقوم بوظيفة شرعية يقوم بها الإمام وهي التفريق والتجميع؛ تجميع الزكاة وحفظها. وفيها نوع من أنواع الوكالة لأنها من الناس وهي مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني وليست مؤسسة من مؤسسات المجتمع الحكومي، فلذلك هذا حقيقة يجعلها في مرحلة وسط. هل تعد من العاملين عليها أو لا تعد؟ حقيقة هذه مسألة تحتاج إلى تحرير ونظر، وتحتاج إلى اجتهاد فقهي من أهل العلم الشرعي يوازنون بين هذين الشبهين، ويرد هذه المسألة إلى أحد الشبهين ويعطوها الأحكام المتعلقة بأحد هذين الشبهين؛ لأننا ذكرنا أن الوكيل أو الأجير لا يأخذ من مصرف العاملين عليها وإنما يأخذ أجرته ممن أعطاه هذه الزكاة ليفرقها.
أما العامل عليها الذي نوبه الإمام لجمع الزكاة وللتفريق، هذا يأخذ من الإمام ويجوز للإمام أن يدفع له من الزكاة، وقلنا إن هذا الدفع دفع تبعي ليس دفعا أصليا، بمعنى أنه لا يجوز أن يدفع إليه كل الزكاة، بل الصحيح والظاهر والله تعالى أعلم أنه لا يجوز أن يدفع للعاملين عليها من الإمام أكثر من ثمن الزكاة. إذا هذا الثمن هو الحد الأقصى لاستحقاق العاملين عليها.
من المسائل المتعلقة بإخراج الزكاة: هل يجوز نقل الزكاة من بلد إلى بلد؟ الأصل شرعا أن الزكاة إذا خرج الإنسان أن يخرجها في بلده؛ أهل مكة يخرجونها في مكة، أهل جدة يخرجونها في جدة، أهل المدينة يخرجونها في المدينة، أهل دمشق مثلا يخرجونها في دمشق، أهل القاهرة يخرجونها في القاهرة، وهكذا. لكن يجوز مخالفة هذا الأصل للمصالح الشرعية، بل قد يستحب مخالفة هذا الأصل، لماذا؟ لأنه قد يكون الناس في بلد من البلدان أحوج من البلد الذي تخرج فيه الزكاة، أو نزلت بهم نازلة من النوازل، أو وقعت لهم حرب من الحروب أو غير ذلك، فاحتاجوا حاجة شديدة، فيجب على المسلمين أن يعينوهم. إذا كان عندنا مال زكاة فائض فإننا نخرج مال الزكاة إلى هذا البلد الذي يحتاج الزكاة في هذا الحين، إذا نقلها من بلد إلى بلد نقول جائز، بل قد يكون مستحبا، بل قد يكون هو الأفضل إذا كان ذلك البلد في حاجة شديدة أو نزلت به نازلة شديدة كحرب نزلت بهم، أو فاقة شديدة نزلت بهم، فإنه يشرع للمسلمين أن ينقلوا الزكاة إليهم لرفع الفقر عنهم أو لإعانتهم على الجهاد في سبيل الله أو على دفع العدو الصائل عليهم. إذا هذه أمثلة للمصالح الشرعية المترتبة على نقل الزكاة من بلد إلى بلد.
كذلك مسألة ثالثة وهي الزكاة للأقرباء، ولكن نتطرق لها إن شاء الله تعالى بعد أن نأخذ فاصلا قصيرا.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونريد أن نتحدث عن المسألة الثالثة من مسائل كتاب الزكاة، وهي مسألة الزكاة للأقارب: هل يجوز أن يخرج الإنسان زكاته إلى أقاربه أم لا يجوز؟ نحن نقول هؤلاء الأقارب على نوعين: أما نوع يجب أن تنفق عليهم مثل زوجك وولدك؛ هؤلاء يجب أن تنفق عليهم فلا يجوز إخراج الزكاة لهم. وأما نوع لا يجب أن تنفق عليهم مثل ابن العم، ابن الخالة، بنت العم، بنت الخالة، أو غيرها ممن يوجد من ينفق عليها ولكن لا زالت في حالة الفقر والمسكنة، فهذا القريب الظاهر والله تعالى أعلم أنه يستحب دفع الزكاة إليه لأمور؛ أول شيء أن الإنسان يجمع بين الصدقة ودفعها وبين الصلة، فهو نوع من الصلة. الأمر الثاني حقيقة أن عدم دفع هذا الشخص زكاته لأقاربه قد يضر هؤلاء الأقارب، كيف؟ تصوروا معي أن شخصا تاجرا لا يخرج الزكاة لأقاربه، فالناس سوف يقولون لن يدفعوا لهم الزكاة، يقولون أكيد أن هذا ابن عم التاجر الفلاني أكيد أنه ما هو محتاج، وأكيد أن أقاربه مكفونه، وهذا ابن عم فلان أكيد أنهم لن ينسوه. ففي واقع الأمر الناس تمتنع عن دفع الزكاة لأقارب هذا الشخص التاجر الثري أو الغني لماذا؟ باعتبار أنهم أقاربه وباعتبار أنهم أكيد أن هذا لن ينساهم. فتخيلوا معي لو أن هذا التاجر أهمل أقاربه، فقد حصل هناك تفويت للمصلحة؛ مصلحة الصلة، وحصل نوع من الضرر عليهم لأن الناس لا يتوقعون أن يكون هؤلاء محتاجين باعتبار أنهم أقارب، بينما الإنسان حقيقة قد يكون ثريا ويكون أخوه فقيرا محتاجا؛ لأن سبحان الله هذا يحصل أحيانا لعدد من الأسباب، ما هو بالضرورة معنى أن إنسانا غني أن يكون أقاربه كلهم أغنياء مثله. فالشاهد أن صدقة الإنسان وإخراج الزكاة على القريب أولى من إخراجها على البعيد، لماذا؟ لأن القريب يجمع بين الصدقة والصلة.
طبعا نحن نقول هذا في الأصل، ولا شك أن هذا الأصل أحيانا قد يخالف؛ إذا كان مثلا هذا الشخص البعيد معدما تماما أو نزلت به نازلة حرب فأفقرته تماما، فنقول هنا في هذه الحالة أخرجها لهذا الشخص. الإنسان حقيقة ينبغي له أن يوازن في إخراج الزكاة، خصوصا من فتح الله سبحانه وتعالى عليه بأنواع التجارات وغيرها من الأموال، ينبغي له أن يحسن تدبير إخراج الزكاة، فيخرجها في الأصناف المحتاجة بقسمة جيدة، وينوع في هذه المصارف؛ يعطي أقربائه ويصلهم، ويعطي الناس في البلاد المحتاجة، ويعطي الفقراء والمساكين، ويعطي في سبيل الله، ويعطي مثلا في العلم، في الدعوة، في الجهاد في سبيل الله؛ هذه كلها داخلة في مصرف في سبيل الله، يفك بعض الأسرى في الرقاب، يسدد عن بعض المدينين؛ ينبغي له أن يكون عنده تنويع في مصارف الزكاة ولا يقتصر على مصرف واحد إذا فتح الله سبحانه وتعالى عليه مالا.
إذا نحن نبهنا الآن إلى ثلاث مسائل: لا يشترط الاستيعاب إلا أننا نبهنا أن العاملين عليها حدهم الأقصى هو الثمن. المسألة الثانية: يجوز نقلها من بلد إلى بلد بحسب المصلحة والحاجة، بل يستحب أحيانا. المسألة الثالثة: أنه يجوز دفعها للأقارب.
هل يجوز وهذه هي المسألة الرابعة: هل يجوز أن تدفع المرأة الغنية زكاتها لزوجها الفقير؟ خلونا نبحث هذه المسألة في ضوء المسألة الثالثة، نقول ذكرنا الأصل في الأقرباء أنهم على نوعين: من يجب عليك أن تنفق عليهم هؤلاء لا تزكي عليهم، لماذا لا يجوز أن تزكي على من تجب عليك نفقتهم؟ لأنك في واقع الأمر تحمي مالك من النفقة الواجبة، يعني أنت واجب عليك أمران: واجب عليك الزكاة وواجب عليك النفقة، فكون يجب عليك أن تنفق على زوجتك وولدك هذا معناه أنه يحرم عليك أن تعطيهم من الزكاة لأنك إذا أعطيتهم من الزكاة قللت في واقع الأمر حميت النفقة، حميت مالك من أن تنفق فيه النفقة الواجبة. فلذلك نحن نقول إذا كان هذا الشخص يجب أن تنفق عليه لا يجوز أن تعطيه من الزكاة، فلا يجوز للرجل أن يعطي الزكاة لزوجه؛ لأن زوجته أصلا يجب أن ينفق عليها، وإنما يعطي الزكاة لقريبه الذي لا ينفق عليه. هل الزوجة يجب عليها أن تنفق على زوجها؟ نقول لا، لا يجب عليها أن تنفق على زوجها، إذا في واقع الأمر كون الزوجة تعطي زوجها من الزكاة هذا جائز؛ لأنه ينطبق عليه الضابط الشرعي الذي ذكرناه، بل إن هذا إن شاء الله تعالى يجمع بين الصدقة والصلة.
وقد استفتت امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه عن إعطاء الزكاة لزوجها، فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إعطاء الزكاة لزوجها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لها: «زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم». لاحظوا، لماذا؟ لأنه أصلاً لا تجب عليها النفقة، فمعنى هذا أنه يجوز لها أن تدفع الزكاة إليهم. إذاً، هذه هي المسألة الرابعة، وهي جواز أن تعطي المرأة الغنية من زكاتها لزوجها الفقير.
المسألة الخامسة التي نريد أن نتطرق لها، وهي أنه لا يجوز تأخير الزكاة عن وقتها الواجب شرعاً. مثلاً إنسان حال عليه الحول في شهر ربيع، يجب عليه أن يخرج الزكاة مباشرة. إنسان حال حول المال أو يوم الحصاد كان مثلاً في شهر صفر، فإنه يجب عليه أن يخرج الثمار الواجبة عليه في شهر صفر، وهكذا. يحصل خطأ عند بعض الناس؛ أحياناً يؤخر زكاته إلى رمضان، نقول هذا لا يجوز شرعاً. بعض الناس يحرص أنه يخرج زكاته في رمضان، فتكون الزكاة قد وجبت عليه في صفر أو في ربيع أو في ربيع الآخر، فيؤخر إلى رمضان ابتغاء إخراج المال في هذا الوقت الفاضل، نقول هذا لا يجوز شرعاً. إذا أردت أنك تزكي في رمضان، فيجوز لك أن تخرج زكاتك في رمضان تعجيلاً قبل وقتها، أما التأجيل فلا يجوز. التعجيل جائز، ما الفرق؟ أنه يجوز إخراج الزكاة معجلة وسوف نبين إن شاء الله أحكام التعجيل الآن، ولكن لا يجوز تأخير إخراجها.
وهذا للأسف يقع فيه بعض الناس، يتطلبون إخراجها في رمضان. لا، الزكاة لها وقت محدد؛ رمضان فيه فضيلة الصدقات والتطوع، ولكن ليست الواجبات المؤقتة بوقت معين يستحب تأخيرها إلى رمضان. لا، الزكاة إذا حال الحول وجبت فيجب إخراجها. أضرب لكم مثالاً: لو أن إنساناً مثلاً توفي له قريب في شهر شعبان وقال: والله نحن الآن بنضعه في الثلاجة شهر حتى يجي رمضان ثم نغسله ونكفنه ونصلي عليه في رمضان عشان تقع الصلاة عليه في رمضان، نقول: خطأ يا أخي، الصلاة عليه واجب له وقت وهو بعد وفاة الميت، فما فيه فضيلة أنك تأخرها إلى رمضان، هذا التأخير غير جائز، هذا واجب مؤقت مثل الزكاة.
إذاً ما الذي يستحب فعله في رمضان؟ الصدقات التطوعية، مثلاً العمرة التطوعية، النوافل التطوعية، هذه يفعلها الإنسان في رمضان وهي في رمضان أفضل منها في غيرها، لكن الزكاة الواجبة عليك التي تجب في محرم أو في صفر أو في ربيع، لا يجوز لك أنك تؤخرها إلى رمضان. طيب لو قال الإنسان: أنا أريد دائماً أني أخرج زكاتي في رمضان؟ نقول: أخرجها تعجيلاً قبل وقتها، يعني الآن وجبت عليك زكاة محرم، أخرجها الآن. إذا جاء رمضان أخرج في رمضان زكاة محرم القادم اللاحق، وليس زكاة محرم السابق ولا زكاة صفر السابق، وإنما أخرج زكاة صفر اللاحقة أو زكاة محرم اللاحقة إذا أردت أن تخرج زكاتك في رمضان. هذه مسألة حقيقة ننبه لها إخواننا جميعاً.
المسألة السادسة: ما هي أحكام تعجيل الزكاة قبل وقتها؟ نتطرق لها إن شاء الله تعالى، ولكن بعد أن نأخذ فاصلاً قصيراً. القرآن الكريم هو أصل الأصول، فمن علم أحكامه ووفق للعمل بها فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، ونورت في قلبه الحكمة وصار إماماً في الدين. وقد كان العلماء سلفاً وخلفاً يبدؤون طلب العلم بحفظ القرآن. قال ابن عبد البر: ولا أقول إن حفظه كله فرض، ولكن ذلك شرط لازم على من أحب أن يكون عالماً فقيهاً. وطالب العلم يحرص على فهم القرآن وتعلم معانيه. قال سعيد بن جبير: من قرأ القرآن ثم لم يفسره كان كالأعمى أو كالأعرابي. وبالتدقيق تطبيق القرآن على الواقع بشكل صحيح وبه يحصل الخشية والخشوع. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29].
لذا ينبغي أن نهتم بمدارسة القرآن في المساجد والمدارس والدور المتخصصة في تحفيظ القرآن وتعليمه، وينبغي أن نستخدم التكنولوجيا الحديثة في تعلم القرآن وتعليمه من خلال الإنترنت والفضائيات. فاعلم يا طالب العلم أن القرآن الكريم هو رأس مالك وهو أربح التجارات. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر: 29].
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن مسألة تأجيل الزكاة وتعجيل الزكاة. فقلنا إنه لا يجوز تأجيل الزكاة بعد وقتها الواجب شرعاً. متى يجوز تأخيرها؟ نقول إذا كان هناك مصلحة كالبحث عن مستحقين مثلاً، فيجوز للإنسان أن يؤخرها حتى يبحث عن من يستحقها، وإن كان حقيقة نحن نوصي دائماً أن الإنسان يبرئ ذمته أولاً بأول؛ هذه الزكاة حقيقة بقاؤها في مال الإنسان يمحق هذا المال. الزكاة بقاؤها في مالك يمحق المال، لذلك تخلص منها أولاً بأول؛ يعني مباشرة ادفع، فابحث أنت عن المستحقين دائماً قبل الوقت.
طيب، قد يقول قائل إنه مثلاً بعض المستحقين أنا أصرف لهم على شكل راتب شهري، بحيث إني أضمن أنه يصرفوها دائماً في الطعام، لو أعطيتهم المال كله في بداية السنة، جاء نصف السنة ولا ربع السنة ولا ثلثها وهم محتاجين. أقول: لا مانع، هذا إن شاء الله مصلحة طيبة، ولكن احرص أن هذه الرواتب الشهرية تكون تعجيلاً للزكاة قبل وقتها، بحيث إنه ما يجي آخر السنة إلا وأنت لما حسبت الزكاة قد أخرجتها كاملة؛ مو تخرج الزكاة مقسطة شهرياً مؤخرة، احرص دائماً على إبراء ذمتك فأخرجها. إذا أردت أنك تخرجها مقسطة شهرياً هذه فكرة طيبة وجميلة تفيد المستحقين حتى لا يبذروا الأموال، تخرجها مقسطة شهرياً ولكن أخرجها قبل وقتها بتقسيط شهري، بحيث إذا حلت الزكاة عليك يكون آخر قسط خلاص انتهى؛ برئت ذمتك.
لكن تصوروا أنه يأتي هذا اليوم يوم محرم، وجب عليك مثلاً فيه 12 ألف دولار، فتخرج 1000 دولار لاحقاً، فمعنى ذلك أنه لن تبرأ ذمتك إلا في نهاية ذي الحجة من العام بعد سنة كاملة، هذه مشكلة. لكن احرص أنه إذا جاء محرم في سنة من السنين مثلاً وأنت تخرجها مقسطة، أن تكون الأقساط الـ 12 السابقة خلاص أكملت؛ فإذا وجب عليك 12 ألف دولار تكون قد أخرجتها أنت سابقاً، وهكذا. فلذلك من كان عنده تقسيط للزكاة نقول هذه فكرة طيبة، ولكن خططها قبلياً وليس بعدياً. من كان عنده قضية البحث عن المستحقين ابحث عنهم قبل، دائماً احرص أنه لا يأتي يوم الواجب إلا وذمتك بريئة، قد أديت الواجب الذي عليك؛ لأن بقاء الزكاة في مالك يمحق هذا المال والعياذ بالله. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿سَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133]. الإنسان يسعى ويسابق ويحرص على إبراء ذمته من هذا الواجب الذي فرضه الله سبحانه وتعالى عليه.
طيب، هنا مسألة: ما حكم تعجيل الزكاة؟ ما دام أننا نرشد نحن إلى تعجيل الزكاة، نقول: يجوز تعجيل الزكاة، ونحن قد ذكرنا في زكاة الفطر أنه يجوز تعجيلها قبل وقتها الواجب بيوم أو يومين، كذلك هنا في زكاة المال يصح تعجيلها قبل وقتها بسنة أو سنتين، والسنتين واردة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم تعجل من عمه العباس صدقة عامين لاحقة، أخذها مقدماً صلوات الله وسلامه عليه، وهذا وارد في السنن. أكثر من سنتين حقيقة لم يرد في السنة، فلذلك كون التاجر أو مخرج الزكاة يقتصر على سنتين هذا طيب.
يقول: كيف أخرجها؟ نقول: ادفعها أنت بنية الزكاة عن المال اللاحق. طيب إذا جاء لاحقاً، نفترض أنك سوف تخرجها مقسطة في عام، في محرم وفي صفر، تخرج كل شهر 1000 دولار؛ إذا جاء في نهاية السنة تكون قد أخرجت 12 ألف دولار، احسب ثروتك في نهاية السنة كم الواجب عليك؟ فرضاً أن الواجب عليك مثلاً 12 ألف دولار، إذاً نقول خرجت مساوية، الحمد لله رب العالمين. طيب الواجب عليك 11 ألف دولار؟ إذاً فأنت عندك 1000 مبكرة للسنة التي تليها، لاحظتم؟ إذاً كأنه الآن السنة تخصم الـ 1000 دولار هذه من زكاة السنة التي تليها. طيب خرجت الزكاة حسبناها، فلما حسبناها طلعت 13 ألف دولار؟ نقول إذاً أنت باقٍ في ذمتك 1000 دولار.
إذاً لو أردنا أن نقول عن هذا التعجيل قبل الوقت، هو في واقع الأمر كأنه ما يسميه المعاصرون اليوم يسمونه دفعة تحت الحساب؛ يعني هو ليس من أخرج زكاته في محرم تعجيلاً لزكاة قبل وقتها، هو لا يحسب الزكاة في محرم، من أخرج في صفر لا يحسب الزكاة في صفر، إنما كأنها دفعة تحت الحساب إلى أن يأتي اليوم الذي يحسب فيه زكاته الواجبة عليه شرعاً، يقول: إذاً هذه الدفعات التي قبل الحساب على الحساب هذه نحسبها كم عليّ الواجب ويعمل مقاصة؛ فإن كان باقي عليه يخرجه، إن كان باقي له يؤجلها للسنة التي تليها، إن كان طلعت مساوية فالحمد لله رب العالمين، طلع تقديره سليم وصحيح. واضحة هذه الفكرة؟ إذاً ليس معنى إخراجها قبل أنه يحسب ثروته في ذلك اليوم الذي أخرجها قبل، لا، وإنما الزكاة واجبة عليه في يوم محدد وكأنه يدفع دفعة تحت الحساب تعجيلاً قبل وقتها إلى أن يأتي يوم المقاصة الذي يحسب فيه زكاته.
طيب هنا مسألة: نفترض أن ثمة دولة تجبي الزكاة وهي في نفس الأمر تجبي فوائد ربوية أو ضرائب محرمة، نقول: لا يجوز للإنسان أن يحتسب هذه الفوائد الربوية أو الضرائب المحرمة أن يحسبها من الزكاة، لا؛ الزكاة لها مصارفها، ويجب أن تخرج بنية الزكاة، وأن تخرج باسم الزكاة، يعني أنها خارجة كأنها زكاة، ولا يجوز أن تخرج على أنها ضريبة أو فوائد ربوية أو غيرها، أو يدفع الإنسان عن نفسه شيئاً من هذه الأموال، وإن كانت هذه الأموال يحرم جبايتها؛ الفوائد الربوية والضرائب المحرمة تحرم جبايتها، ولكن نحن نقول لا يجوز للإنسان أن يحمي ماله بمال الزكاة.
بقي عندنا مسألة: من مات وعليه زكاة لم يؤدها، كيف صورة المسألة؟ إنسان وجب عليه إخراج الزكاة نفترض في 15 محرم تم الحول، وجب عليه إخراج الزكاة، فمات في اليوم السادس عشر من محرم فما بعد، لم يتمكن من إخراجها. نقول: هذا تجب الزكاة وتكون ديناً عليه، يقضيه ورثته قبل أن يقتسموا التركة. إذاً ياخذون التركة، هذه الواجب على الورثة دائماً أن يسددوا الديون التي على مورثهم، ديون الناس وديون الله سبحانه وتعالى؛ ديون الله سبحانه وتعالى تسدد، والزكاة وديون الناس هي البياعات المؤجلة والقروض والسلف التي أخذها هذا الميت، فيجب أنها تسدد قبل أن يقتسموا التركة، ولا يجوز لهم أن يأخذوا مواريثهم قبل أن يسددوا الدين الذي عليه، لذلك الله سبحانه وتعالى قال في الميراث: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11]. الدين أولاً يؤخذ من التركة، ثم تنفذ وصيته إلى ثلث المال، ثم بعد ذلك يقتسمون الإرث الباقي. إذاً الزكاة تعامل كدين من الديون، ولا يجوز للورثة أن يأخذوا من أموالهم شيئاً قبل أن يسدوا الدين الذي على مورثهم.
طيب لو مات، إحنا قلنا إنه يتم الحول وتجب عليه الزكاة في المثال السابق في 15 محرم، لو مات قبل تمام الحول؟ مات في 10 محرم مثلاً أو في 1 محرم، فهل نجنب من تركته زكاة؟ نقول: هذا لا تجب عليه زكاة، لاحظتم؟ لا تجب عليه زكاة، وإنما تجب الزكاة على الورثة بعد أن يأخذوا هذا المال؛ هذا المال في حقهم يسمى مالاً مستفاداً، يستأنف به حولاً ثم يزكون. هل الميت هذا تجب عليه زكاة؟ نقول لا، لا تجب عليه زكاة لأنه قد مات قبل الحول. إن كان قد دفع زكاة معجلة قبل ذلك لا يجوز لهم أن يرجعوا فيها، خلاص هذه خرجت، وإنما نقول لا يجب عليهم أن يخرجوا زكاة جديدة.
هنا مسألة: هل تخرج الزكاة من مال الصغير الصبي أم أنها لا تجب الزكاة إلا على المكلف البالغ؟ نقول الظاهر والله تعالى أعلم أن الزكاة يغلب فيها جانب الحق المالي وهي كدين من الديون، لذلك تجب في مال الصبي والصغير، وقد جاء في هذا بعض الآثار، مثلاً: «اتجروا في مال اليتامى لا تأكلها الصدقة»، أن أموال اليتامى إذا تركت بدون إتجار فإنها تأكلها الصدقة شيئاً فشيئاً، لذلك الظاهر والله تعالى أعلم أنه يجب إخراج الزكاة في مال الصبي والصغير ولو لم يبلغ، يخرجها وليه ويتجر في ماله حتى ينمي هذا المال له، فيخرج زكاته لاحقاً. وهناك قول آخر أن لا تجب الزكاة في مال الصبي والصغير، وهو كذلك حقيقة قول له وجه من النظر باعتبار أن الزكاة عبادة من العبادات وهي قرينة الصلاة في كتاب الله سبحانه وتعالى، لكن حقيقة الأحوط للإنسان أن يخرج مال الصبي والصغير الذي تحت يده أو تحت رعايته.
بهذه المسألة نكون قد ختمنا كتاب الزكاة، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا في هذه العلوم التي درسناها والتي أخذناها بفضل الله سبحانه وتعالى. نحن الآن في منهج الفقه أتممنا درس كتاب الطهارة، وكتاب الصلاة، وكتاب الزكاة، هاتان الشعيرتان الصلاة والزكاة هما قرينان في كتاب الله.
هما ركنا الإسلام الأعظم، لذلك نحمد الله سبحانه وتعالى الذي علمنا هذه المعالم لدينه، كذلك نحمد الله سبحانه وتعالى أن أتمم لنا هذا الفصل الدراسي الثاني على خير وبركة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يترقى في مدارج العلم شيئاً فشيئاً، وأنا حقيقة أوصي إخواني وأخواتي ألا يقولوا حصلنا العلم وانتهينا.
الإنسان لا يزال، ولن يزال إن شاء الله تعالى طالباً للعلم حتى وفاته، لذلك الإمام أحمد رحمه الله تعالى قبل وفاته سمع حديثاً بإسناد، فأشار إلى ولده أن يأتيه بالمحبرة ليكتب، فقيل له يا إمام تكتب الحديث الآن؟ فقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى كلمة صارت مثلاً مشهوراً: «مع المحبرة إلى المقبرة».
الإنسان لا يقول والله أنا أتممت الآن هذا الفصل الدراسي ويتقاعس عن إكمال الفصول الدراسية القادمة، لا، الإنسان ينبغي أن يظل طالباً للعلم. ما هي علامة الجهل؟ أن يقول الإنسان أنا أصبحت عالماً الآن وأكتفي بالعلم، هذه علامة الجهل وبداية النزول، لكن طالما الإنسان يستمر في طلب العلم مرحلة بعد مرحلة فإنه إن شاء الله تعالى يترقى في مدارج العلم وفي مسالك العلم.
في الحقيقة أن إتمام هذا الفصل الدراسي الثاني إخواني وأخواتي يعد من نعم الله سبحانه وتعالى علينا، يعد من نعم الله سبحانه وتعالى علينا أن درسنا هذه الدروس العلمية التي يجب علينا أن نقوم بشكرها ونشكر الله سبحانه وتعالى عليها، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على شكر هذه النعمة. اللهم إنا نشكرك، اللهم إنا نحمدك، اللهم إنا نثني عليك، اللهم إنا نشكرك، إنا نشكرك أن أعنت على تمام هذا الفصل الدراسي الثاني، ونسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى كما منَّ علينا بإتمام هذا الفصل الدراسي الثاني أن يمنَّ علينا بفضله وكرمه سبحانه وتعالى أن يعيننا على إكمال الفصول الدراسية القادمة، وأن يعيننا على طلب العلم والعمل به وتعليمه حتى مماتنا يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألك يا كريم يا رحمن يا رحيم أن توفقنا للعلم النافع، وأن تنفعنا بما علمتنا، وأن تزيدنا علماً. إخواني وأخواتي نختم معكم هذا الفصل الدراسي الثاني، وإلى لقاء في الفصل الدراسي الثالث، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً نيله ميسراً، يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد زاد أكاديمية، ينبوعها صاف صاف، ليروي غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملاً، بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا زاد أكاديمية، للعلم كالأزهار في البستان.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي