الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا. إخواني وأخواتي في هذه الأكاديمية المباركة، ها نحن اليوم سوف نأخذ إن شاء الله تعالى درسنا الرابع من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثاني في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه الدروس نافعة لقائلها ومستمعيها، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك فيها وأن يكثر ويعمم نفعها.
إخواني وأخواتي، كنا قد ابتدأنا الحديث في ثلاثة دروس سابقة عن صلاة التطوع؛ تحدثنا في الدرس الأول منها عن فضيلة صلاة التطوع وعن عموم أنواعها، ثم تحدثنا في الدرس الثاني منها عن التطوعات المرتبطة بالفروض الخمس، وقلنا إن بعضها راتب وبعضها غير راتب، وتكلمنا عن أنواع السنن الرواتب وأنواع السنن غير الراتبة، ثم انتقلنا بعد ذلك إلى صلوات التطوع المرتبطة بوقت وزمن، وقلنا إنهما نوعان: صلاة الوتر وقيام الليل هذا النوع الأول، وصلاة الضحى هذا النوع الثاني.
اليوم نريد أن نتحدث إن شاء الله تعالى في هذا الدرس الرابع عن نوع آخر من أنواع التطوعات مرتبطة ومؤقتة بأسباب، ليست مرتبطة بزمن مثل الضحى والوتر، وليست مرتبطة بالصلوات الخمس مثل السنن الرواتب والسنن المرتبطة بالصلاة غير الراتبة، لا، وإنما اليوم سوف نتحدث عن صلوات مؤقتة بأسباب. إذا حصلت هذه الأسباب فإنها تؤدى. ومن أبرز وأهم الصلوات التي تندرج في هذا النوع: صلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء.
صلاة الكسوف إذا قلنا صلاة الكسوف، فهذه الصلاة مضافة إلى سببين؛ فما سبب هذه الصلاة؟ الكسوف أو الخسوف. الكسوف هو الخسوف؛ بعض الناس يسمي الكسوف للشمس والخسوف للقمر، وبعض الناس يعتبرهما واحدا، الكسوف والخسوف كلها بمعنى واحد، يطلق الكسوف على حجاب ضوء الشمس والقمر أو الخسوف عليهما، فلا مشاحة في الاصطلاح. هذا النوع الأول منها، والنوع الثاني صلاة الاستسقاء وهي التي تكون عند الجدب والقحط.
إن شاء الله تعالى سوف نتحدث عن صلاة الكسوف مبينين بإذن الله تعالى أولا حكمها ومشروعيتها، ثم ننتقل بعد ذلك إن شاء الله تعالى إلى بيان صفتها وهيئتها. وكذلك في صلاة الاستسقاء إن شاء الله تعالى سوف نبين حكمها ومشروعيتها ثم نبين إن شاء الله تعالى صفتها وهيئتها. فلنبدأ أولا بصلاة الكسوف.
أول شيء نبدأ به هو حكمها، فنقول إن حكمها أنها سنة مؤكدة؛ فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بها، فقد كسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى النبي صلى الله عليه وسلم، وجمع الناس للصلاة وقال: «الصلاة جامعة». ثم إنه صلى الصلاة بهيئة سوف نذكرها إن شاء الله تعالى في صفة صلاة الكسوف، ثم إنه قال صلوات الله وسلامه عليه بعد انقضاء هذه الصلاة: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي».
في واقع الأمر في هذا الحديث بيان مشروعية صلاة الكسوف، وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان ولا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته. والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال هذا لأن ذلك الكسوف كان قريبا من موت إبراهيم ولد النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الكسوف لا علاقة له بموت ولده إبراهيم، وإنما هو آية من آيات الله التي يخوف الله بها عباده.
ما أحرى المسلم إذا رأى هذا التغير الكوني العظيم في السماء أن يخاف؛ لأنه يتذكر قدرة الله سبحانه وتعالى التي أحدثت هذا التغير في هذا الكون، ويتذكر كذلك يوم القيامة الذي يخسف فيه بالشمس والقمر ويجمع فيه الشمس والقمر. لا شك أن المسلم إذا تذكر هذه التغيرات الكونية العظيمة التي تحصل يوم القيامة؛ لا شك أن هذه عبرة. هذا التغير الكوني البسيط الذي يشاهده الإنسان كسوف أو خسوف مدته دقائق أو ساعات أو نصف ساعة أو غير ذلك، يتذكر التغيرات الكونية العظيمة التي تحصل؛ فالتمهيد ليوم القيامة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾، والبحار تسجر، والجبال تدكدك، لا شك أنها تغيرات كونية عظيمة تخيف المسلم.
يتذكر المسلم كذلك قدرة الله سبحانه وتعالى الذي بقدرته سبحانه وتعالى قدر مسار الشمس والقمر، والذي تحت سلطانه مسارهما، وتحت سلطانه سبحانه وتعالى إضاءتهما وإطفاء ضوئهما، كما سيحصل يوم القيامة كما أخبر الله سبحانه وتعالى. بعض الناس قد يقول إن الكسوف والخسوف اليوم صارا يحسبان حسابيا وتعرف مواعيدهما، نقول: لا بأس إذا صارا يحسبان حسابيا وتعرف مواعيدهما، لكن هذا لا ينفي كونهما آية من آيات الله التي تدل على عظمته وقدرته وقوته سبحانه وتعالى. إذا عرفنا الموعد أو لم نعرف الموعد لم يؤثر هذا شيئا.
كنا نعرف الموعد، أو أننا نعرف مثلا لو جاء إنسان وقال: والله نحن الآن صرنا نعرف كيف طريقة تخليق الجنين في الرحم؟ نقول: إذا عرفنا فالحمد لله رب العالمين، سواء عرفنا أو لم نعرف فإن تخليق الجنين في رحم أمه لا شك أنه من آيات الله الباهرة العظيمة التي تبهر الألباب. كنا نعرف مثلا طريقة نزول المطر وأنه مثلا من خلال تكثف بخار الماء ثم نزوله، فهذا لا ينفي كون هذا المطر رحمة من الله سبحانه وتعالى يرحم بها عباده، أو عقوبة من الله سبحانه وتعالى يعاقب بها عباده، لا ينفي الابتلاء والاختبار بهذه الأمطار والغيث.
فقط لأننا عرفنا كيف تتم؛ ولكن ينبغي للمسلم دائما أن يقف عند السؤال: لماذا؟ وليس كيف؟ بيان ذلك: بعض الناس ربما اهتم بطريقة الكسوف والخسوف، كيف يتم الكسوف والخسوف؟ يتم لأن الأرض والشمس والقمر تكون على مسار واحد، فإذا كانت الأرض والشمس والقمر على مسار واحد قد ينحجب ضوء الشمس أو ضوء القمر بسبب اعتراض شيء في مساره. الآن هذا الاعتراض الذي يحجب ضوءه، لا شك أن هذا عظة من الله سبحانه وتعالى وعبرة من الله سبحانه وتعالى لعباده، سواء هم عرفوا موعدها من قبل أو لم يعرفوا موعدها من قبل.
لا شك أنها عظة من الله سبحانه وتعالى لعباده الذي يسير هذا الكون، يقدر مسارات الشمس والقمر، الذي أراد لها أن تسير وفق مسار معين، أراد لها أن تضيء في وقت معين، أراد أن يطفئ ضوئها ويحجبها في وقت أراده الله سبحانه وتعالى، ولا راد لقضائه ولا راد لقدرته سبحانه وتعالى. إذا ينبغي لنا دائما أن نسأل أنفسنا: لم هذا الأمر؟ ولا نتساءل ونشغل أنفسنا بدقائق التفاصيل كيف حصل هذا الأمر؟ لا. الإنسان قد يشغل نفسه كيف يكبر الهلال ثم يصغر، وهذا السؤال بالمناسبة سأله الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾، أخبر الله سبحانه وتعالى بجواب ولكن ليس جوابا مطابقا لسؤالهم، هم سألوا كيف يكبر الهلال ثم يصغر شيئا فشيئا خلال الشهر، أرشدهم الله سبحانه وتعالى إلى القضية المفيدة المهمة لهم: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾.
إذا أهمل الله سبحانه وتعالى الجواب عن سؤالهم الذي لم يكن مفيدا لهم في الناحية الشرعية الدينية، وأجابهم عن الشيء الذي يفيدهم في دينهم وفي شرعهم، أنها مواقيت للناس والحج. قبل أن نسأل أنفسنا: والله متى هو وقت الكسوف والخسوف أو كيف يتم أو غير ذلك؟ نسأل أنفسنا: ما هي العبرة والعظة منه؟ كيف قدره الله سبحانه وتعالى بهذا الشكل الذي يخيف ابن آدم؟ ليعلم أن كل شيء تحت قدرة الله. قبل أن نشغل أنفسنا بتفاصيل تكثف البخار ونزول المطر، نسأل أنفسنا لماذا أصلا تكثف البخار ونزل المطر في هذا المكان دون هذا المكان؟ لماذا نزل هنا ولم ينزل هناك؟ لماذا نزل اليوم ولم ينزل غدا أو بعد غد؟
لا شك أن هذه أسئلة تعيد المسلم للتفكر والاتعاظ والاعتبار، أسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون من المتعظين والمعتبرين.
نواصل حديثنا ولكن بعد هذا الفاصل القصير.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا عن صلاة الكسوف، وكنا قد بينا مشروعيتها والدليل الوارد فيها، وكنا قد بينا كذلك أن هذه المشروعية لا تتأثر ولا يتأثر المسلم ولا اتعاظه ولا اعتباره لكونه والله قد علم موعد الكسوف من قبل أو لم يعلم. انظر في هذا التغير الكوني وما فيه من دلالات بغض النظر هل أنت تعلمه من قبل أو لم تعلمه؟ عنصر المفاجأة أو العلم السابق في واقع الأمر لا يقدم ولا يؤخر؛ لأن هذا التغير الكوني حاصل بقدر الله سبحانه وتعالى وبقدرة الله سبحانه وتعالى. علم العباد قبل ذلك لا يستطيعون أن يردوا هذا التغير الكوني، لا شك كنا نعلم من قبل بموعده ولا نستطيع أن نعمل له شيئا ولا أن نقدم ولا أن نؤخر، لا شك أنه أبلغ في بيان عجزنا وضعفنا، وأبلغ في بيان قدرة الله وقوته وقهره وسلطانه سبحانه وتعالى.
طيب، نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى صفة صلاة الكسوف. النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى هذا الكسوف نادى: «الصلاة جامعة». لا شك أن هذا النداء للصلاة لأنه كان مفاجأة للناس لم يعلموا به، فناداهم النبي صلى الله عليه وسلم، بمعنى أن صلاة الكسوف مرتبطة بسبب وليست مؤقتة بزمن محدد؛ لأننا سابقا النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم متى يحصل كسوف، لم يكن عند الناس، والعرب كانوا أمة أمية لا تحسب، فلم يكن عندهم علم سابق بموعده وأنه سوف يحصل من وقت كذا إلى وقت كذا، لا، وإنما نحن في الشريعة مرتبطة صلاة الكسوف بمشاهدته والنظر إليه، فإذا حصل الكسوف فإنه يدعى الناس إلى الصلاة.
فناداهم النبي صلى الله عليه وسلم: «الصلاة جامعة»، اجتمع الناس لهذه الصلاة وصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم صلاة خالف فيها مقتضى الصلاة المعتادة وترتيب الصلاة المعتادة. هذه الصلاة كانت صلاة ركعتين، ولكنها مشتملة على ركوعين في كل ركعة، مشتملة على ركوع وسجودين، الصلوات المعتادة كل ركعة تشتمل على ركوع واحد وسجودين، لكن هذه الصلاة التي صلاها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وهي صلاة الكسوف، صلاها على الصفة الآتية: بعد أن كبر وقرأ الفاتحة وقرأ بعدها سورة، ركع صلوات الله وسلامه عليه ركوعا طويلا، ثم رفع صلى الله عليه وسلم من هذا الركوع فقرأ الفاتحة وقرأ بعدها سورة، ثم ركع صلوات الله وسلامه عليه ركوعا أقل من ركوعه الأول، ثم رفع صلوات الله وسلامه عليه من ركوعه الثاني.
الآن لاحظوا أن هذه ركوعين متتابعة، وهذا ليس على سنن الصلوات المعتادة في الفرائض الخمس أو في النوافل أو غيرها، إذا صلاة الكسوف لها هيئة وصفة تخصها. فبعد أن رفع صلوات الله وسلامه عليه من الركوع الثاني كبر وسجد صلوات الله وسلامه عليه، رفع من سجوده ثم سجد السجدة الثانية، ثم قام صلوات الله وسلامه عليه إلى الركعة الثانية، وصلى الركعة الثانية كما صلى الركعة الأولى صلوات الله وسلامه عليه، ولكنها كانت أخف من الركعة الأولى.
إذا هنا في تخفيف النبي صلى الله عليه وسلم هناك نوعان من التخفيف: التخفيف الأول أن الركوع الثاني أخف من الركوع الأول، وأن القيام الثاني أخف من القيام الأول، هذا الجانب الأول في التخفيف. الجانب الثاني في التخفيف أن الركعة الثانية بتمامها وكمالها وركوعها وسجودها وقياماتها كانت أخف من قيامه وركوعه وسجوده صلوات الله وسلامه عليه في الركعة الأولى. إذا هذه هي صفة صلاة الكسوف. ثم إنه صلى الله عليه وسلم خطب الناس بعد الصلاة فقال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي». إذا هذا فيه بيان من النبي صلى الله عليه وسلم للعظة والعبرة التي يأخذها المسلم من هذه الآية العظيمة.
متى شاء الله سبحانه وتعالى أن يحجب ضوءهما فعل، ولا راد لقضائه، ومتى شاء الله سبحانه وتعالى أن يظهر نوره ما فعل، ولا راد لقضائه سبحانه وتعالى. وبين النبي صلى الله عليه وسلم كذلك في هذه الخطبة الموجزة القصيرة أشياء، منها: عدم ارتباط الكسوف والخسوف بهذه الأحداث الأرضية، موت فلان أو حياة فلان، وإنما هما آية من آيات الله يخوف الله سبحانه وتعالى بهما عباده، يعظهم ويذكرهم سبحانه وتعالى.
كذلك بين النبي صلى الله عليه وسلم توقيت صلاة الكسوف فقال: «ادعوا الله وصلوا حتى ينجلي». إذاً تشرع الصلاة والدعاء حتى ينجلي ويرتفع الكسوف أو الخسوف، سواء سمينا كسوف الشمس أو خسوف القمر أو غير ذلك.
إذاً متى تبتدئ صلاة الكسوف؟ تبتدئ بابتداء مشاهدة الكسوف، ومتى تنتهي؟ تنتهي بانجلاء الكسوف، فإذا كان يصلي وقد انجلى الكسوف فإنه يخفف الصلاة بعد ذلك حتى يسلم من صلاته. ويشرع كذلك للإمام الذي صلى الكسوف أو الخسوف بجماعة المسلمين أن يعظ الناس وأن يذكرهم، مستغلاً هذا الحدث الخطير العظيم الرهيب في هذا الكون، مستغلاً هذا التغير الكوني العظيم في تذكير الناس وعظتهم وعبرتهم، كما فعل النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
كذلك من الأشياء التي يجدر التنبيه إليها في صفة صلاة الكسوف، أن هذه الصلاة خالفت سنن صلوات التطوع المعتادة في عدد من الأمور؛ منها أنها اشتملت في الركعة الواحدة على ركوعين وسجودين، وهذه قضية ظاهرة خالفت فيها سنن صلوات التطوع والصلوات المفروضة الخمس. الأمر الثاني أنه نودي لها "الصلاة جامعة"، وهذا النداء لما لم يؤذن لها؟ لأن الأذان للصلوات المفروضة وليس لصلاة... لذلك لا يؤذن لصلاة الكسوف، ولا يؤذن لصلاة الاستسقاء، ولا يؤذن لصلاة العيد، وإنما نادى لها النبي صلى الله عليه وسلم: «الصلاة جامعة».
وهذا النداء مبني على أمر ثالث، وهو أن هذه الصلاة تشرع لها الجماعة، وهذا خالفت فيه سنن صلوات التطوع؛ الأصل في صلوات التطوع أنها تصلى فردية، وأفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم. إذاً صلاة التطوع دائماً الأفضل فيها أن تكون فردية وأن تكون في البيت. لكن هذه صارت جماعة، صلي لها جماعة. الأمر الرابع الذي خالفت فيه سنة من صلوات التطوع أنها جماعة في المسجد، هدي لها في المسجد واجتمع لها الناس، إذاً هي صلاة جماعة في المسجد، ونودي لها "الصلاة جامعة"، وخالفت هيئة الصلاة من حيث الركوع والسجود.
وخطب النبي صلى الله عليه وسلم بعدها خطبة لتذكير الناس وعظتهم وعبرتهم، سواء خطب الإنسان أو لم يخطب لأن الأمر في هذا واسع إن شاء الله تعالى، ولكن نحن نحث دائماً الإمام الذي يصلي في حيه وفي مسجده أن يستغل دائماً هذه الأحداث الكونية لتذكير الناس بالله سبحانه وتعالى، وتذكيرهم بيوم القيامة الذي تحصل فيه هذه التغيرات الكونية العظيمة.
بقي أن يقال إن من تأمل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله»، لاحظوا أن هذا التعليل علله النبي صلى الله عليه وسلم بأنهما آية من آيات الله، وهذا أخذ منه بعض أهل العلم مثل ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين الصلاة عند الآيات. فلذلك أثر عنهما رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما أنهما تصلى الصلاة عند وقوع الزلزلة. إذا حصلت زلزلة لا شك أن هذا تغير كوني يستدعي الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، ويستدعي الصلاة، وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.
لذلك نحن نقول إن هذه الصلاة تشرع عند هذه الآيات العظيمة التي تحصل في هذا الكون العظيم، سواء كانت هذه الآيات كسوفاً للشمس أو للقمر، أو زلزلة، أو ربما فيضانات عظيمة، أو ربما أمطار تغرق الناس. لا شك أن هذه من الآيات العظيمة التي تستدعي من الناس أن يرجعوا إلى الله سبحانه وتعالى، وأن يصلوا الصلاة لله سبحانه وتعالى، ويطلبوا منه أن يكشف عنهم الضر، وأن يكشف عنهم البلاء، ويتوبوا إلى الله سبحانه وتعالى، ويتذكروا يوم القيامة وما يحصل فيه من التغيرات الكونية العظيمة. لو جاء مثلاً خبر عن تسونامي مثلاً هائل جداً سوف يجتاح بلداً من البلدان، يشرع لذلك البلد ولأهل تلك المنطقة أن يسألوا الله سبحانه وتعالى كذلك أن يكشف عنهم هذا البلاء والضر.
إذاً هذه الصلاة داخلة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "آيتان من آيات الله" هذه الصلوات. لذلك يسميها بعض أهل العلم، وهذا اسم حسن لهاتين الصلاتين، يسمونها "صلاة الآيات". ما معنى صلاة الآيات؟ معناها صلاة الكسوف والخسوف؛ لأن الكسوف والخسوف آيتان من آيات الله.
سوف نتحدث إن شاء الله تعالى عن صلاة الاستسقاء ولكن بعد هذا الفاصل القصير.
الحمد لله الذي خلق الخلق للطاعة والعبادة، أحمده سبحانه وأشكره يسر أسباب السعادة، وأشهد أن لا إله إلا الله، وعد المؤمنين بالحسنى والزيادة، وأشهد أن نبينا محمداً حث على كل خير وحذر من الضلال والغواية، صلى الله عليه صلاة دائمة إلى يوم القيامة. وبعد، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108].
متى ترضى على نفسك وأنت لا تقنع؟ لها ذل لا ينقطع، وظمأ لا يروى، إذا لم تسعد هذه اللحظة فلا تتوقع أن تسعد غداً أو بعد غد. استثمر مواهب الله عليك، وافرح بما عندك، وتلذذ بالرغيف الحار، وأنا أضمن لك أن تكون أسعد من تجار البورصة وأثرياء سويسرا. لا تعش أوهاماً وخيالات تطير بك في سماء التيه؛ فإن لم ترض بما في يدك، ألن ترضى إذا سيقت الدنيا إليك؟ والقناعة كنز لا يفنى، فاقنع بما عندك وتلذذ بعبادتك لربك لتسعد وتسعد من حولك. اللهم اجعلنا من السعداء في الدنيا والآخرة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونود الحديث عن صلاة الاستسقاء. وقبل أن نتحدث عن صلاة الاستسقاء، قد يسأل سائل فيقول: كيف يقضي المسبوق صلاة الكسوف؟ هل المعتبر الركوع الأول أم الركوع الثاني؟ بمعنى إذا أدرك الإنسان الركوع الثاني، هل فاته الركوعان؟ فلا شك أنه يقضي ركعة، هذا لا إشكال. إذا أدرك الركوعين لا شك أنه أدرك الركعة. طيب، يبقى السؤال: إذا أدرك الركوع الثاني وقد فاته الركوع الأول، هل هو مدرك لهذه الركعة أم لا؟ أين هو الركوع الأصلي وأين هو الركوع الزائد؟ نقول إن إدراك الركعة يكون بإدراك الركوع الأول، فمن فاته الركوع الأول فقد فاتته الركعة، وإن أدرك الإمام قائماً وركع معه الركوع الثاني.
ننتقل بعد ذلك للحديث عن صلاة الاستسقاء. ما معنى الاستسقاء؟ الاستسقاء هو طلب السقيا من الله سبحانه وتعالى. الاستسقاء قد يكون على هيئة دعاء، كأن أقول: اللهم اسقنا، يدعو الإنسان مثلاً في صلاته، في خطبة الجمعة، في سجوده، هذا استسقاء بالدعاء. وقد يكون الاستسقاء في هيئة الصلاة، وهي صلاة الاستسقاء؛ أي الصلاة التي شرعت طلباً للسقيا من الله سبحانه وتعالى.
متى تشرع صلاة الاستسقاء؟ تشرع صلاة الاستسقاء إذا وقع بالناس الجدب والقحط، فإنه يشرع للناس أن يتنادوا إلى صلاة الاستسقاء أن يرجعوا. لماذا يرجع الناس إلى صلاة الاستسقاء؟ لأنه لا شك أيها الإخوة هذا فيه تنبيه، أن هذه المصيبة ما نزلت بالناس، هذا الجدب وهذا القحط، إلا بسبب ذنوب العباد. فصلاة الاستسقاء هي نوع من التوبة والاستغفار وطلب السقيا والدعاء والإلحاح على الله سبحانه وتعالى أن ينزل عليهم الغيث، وأن يسقيهم سبحانه وتعالى.
وهذا في الحقيقة راجع إلى قول الله سبحانه وتعالى على لسان نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ [نوح: 10-11]. بين الله لنا أن هذا الجدب وهذا القحط الذي يصيب العباد لا شك أنه عقوبة من الله سبحانه وتعالى بسبب ذنوب العباد ومعاصيهم، وأنهم متى رجعوا وتابوا إلى الله سبحانه وتعالى فإن الله سبحانه وتعالى يسقيهم. ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾. ما حكم صلاة الاستسقاء؟ نقول إن حكم صلاة الاستسقاء من السنن المؤكدة التي فعلها النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
الفقرة الثالثة في صلاة الاستسقاء، ما هي صفة صلاة الاستسقاء؟ صلاة الاستسقاء جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها تصلى كصلاة العيد. ما هي صفة صلاة العيد؟ يكبر الإمام في البدء ست تكبيرات وتكبيرة الإحرام، ثم يقرأ الفاتحة ويصلي ركعة معتادة، ثم يقوم الإمام بعد ذلك ويكبر خمس تكبيرات وتكبيرة القيام ويصلي الركعة المعتادة. إذاً صلاة الاستسقاء يفهم من كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه لما قال إنها تصلى كهيئة صلاة العيد أن هذه التكبيرات التي تكون في صلاة العيد أنها تنتقل إليها.
ولكن هناك شيء مهم في صفة صلاة الاستسقاء تتميز به عن صلاة العيد، ألا وهو أنه يشرع للمصلين أن يحولوا أرديتهم. ما معنى أن يحولوا أرديتهم؟ أي أن يحول رداءه، مثلاً إذا كان يلبس أن يقلبه مثلاً؛ فمثلاً إذا كان عنده هذا الشماغ يلبس هذا الشماغ أن يقلب هذا الشماغ مثلاً، إذا كان يلبس مثلاً شيئاً آخر اليمين يقلب اليمين يجعله على اليسار في ملابسه، لماذا؟ نوع من التفاؤل، وهذا قد فعله النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، نوع من التفاؤل بأن يغير الله سبحانه وتعالى حالهم من الجدب والقحط إلى حال المطر، لذلك هذا التفاؤل مما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الفأل.
كذلك مما يشرع في صلاة الاستسقاء الخروج إلى صلاة الاستسقاء بذلة وانكسار واستغفار، هذه قضية مهمة. لذلك في خطبة الاستسقاء يشرع دائماً التذكير، التذكير بالاستغفار. خطبة الاستسقاء تكون بعد صلاة هاتين الركعتين، يخطب الإمام في الناس خطبة يبين لهم أن هذا القحط والجدب إنما هو من عند أنفسنا، وضرورة الاستغفار والتوبة إلى الله سبحانه وتعالى، والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن الاستغفار كما جاء في القرآن الكريم هو سبب إرسال السماء كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مِّدْرَارًا﴾.
يبقى عندنا مسألة ألا وهي كيف يقضي المسبوق صلاة الاستسقاء؟ نقول إذا أدرك الإمام وهو يكبر، فإنه يكبر تكبيرة الإحرام ويدخل ويتابع معه التكبير، فإن فاتته ركعة فإنه يدخل مع الإمام يصلي ركعة ثم يقضي الركعة التي فاتته على هيئة التكبيرات التي جاءت في الركعة الثانية، فيكبر الست تكبيرات كما ذكرنا. هذه هيئة صلاة الاستسقاء وهيئة قضائها.
بقي أن نقول وننبه إلى أن صلاة الاستسقاء هي من جنس صلوات الدعاء والطلب والإلحاح على الله سبحانه وتعالى. ذكرنا أن صلاة الكسوف والخسوف هي صلاة من جنس ماذا؟ من جنس الخوف من الله سبحانه وتعالى والتذلل والانكسار والاتعاظ والاعتبار، لذلك تشرع في الكسوف والخسوف وعند حصول الآيات كما ذكرنا. صلاة الاستسقاء هي من نوع الدعاء والطلب والإلحاح، فشرعت لأجل الإلحاح على الله سبحانه وتعالى بهذه الصلاة أن يسقي الله سبحانه وتعالى العباد.
مثلاً من جنس الصلوات التي تكون من جنس الدعاء والإلحاح: صلاة الاستخارة. ما هي صلاة الاستخارة؟ هي صلاة ركعتين يلح المسلم ويطلب المسلم فيها من الله سبحانه وتعالى، يدعو الله سبحانه وتعالى فيه أن يختار له الخير من أمر معين، لذلك إذا هم أحدكم بالأمر فإنه يستخير، أي يصلي الركعتين ثم يدعو دعاء الاستخارة: «اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب»، إلى أن ثم يذكر حاجته ويطلب من الله سبحانه وتعالى أن يختار له الخير من أمره. فهذه صلاة الاستخارة هي صلاة شرعت لأجل طلب الله سبحانه وتعالى ودعائه وسؤاله والإلحاح عليه في قضاء حاجة من الحاجات.
أما أن يختار الله سبحانه وتعالى لعبده الخير، وهذا في الحقيقة يدلنا على قضية مهمة ينبغي لنا أن نتنبه لها، وهي أن الصلاة صلة المسلم واتصاله بالله. والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه شيء فزع إلى الصلاة، وإذا ألح على الله سبحانه وتعالى وطلب منه يفزع إلى الصلاة، ويقوم إلى الصلاة صلوات الله وسلامه عليه. كذلك عند شكر الله سبحانه وتعالى، النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح صلى ثماني ركعات في وقت الضحى شكراً لله سبحانه وتعالى على نعمة الفتح. كذلك تشرع الصلاة عند الاستغفار والتوبة، إذا أذنب المسلم فإنه يتوضأ ويصلي ركعتين يستغفر الله سبحانه وتعالى ويتوب إليه.
إذاً هذا يدلنا على ماذا أيها الإخوة؟ يدلنا على أن الصلاة تشرع عند اتصال المسلم بالله، عند شكره لله، عند دعائه لله، استخارته لله، عند خوفه من الله واتعاظه واعتباره من آيات الله؛ يفزع المسلم دائماً إلى الصلاة، وهكذا تكون حياة المسلم في صلة بالله سبحانه وتعالى في جميع أحواله وفي جميع الظروف. ولأجل هذا شرع الله سبحانه وتعالى هذه الصلوات التي ذكرنا أسبابها وأحوالها. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من عباده المصلين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي