تسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك أن تتقبل منا صالح أعمالنا، وأن تعيننا على العمل الصالح فيما بقي من أعمالنا. اللهم إنا نسألك يا كريم أن تعلمنا العلم النافع، وأن تنفعنا بهذا العلم الذي علمتنا، وأن تزيدنا علماً. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً ونعوذ بك من علم لا ينفع.

إخواني وأخواتي، ها نحن نستقبل هذا الفصل الدراسي الثاني في مادة الفقه في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، وأن يبارك في القائمين عليها، وأن يبارك في مدرسيها، وأن يبارك في طلابها، وأن يبارك في المشرفين، وأن يبارك في كل من ساهم فيها مساهمة طيبة.

إخواني، في هذا الفصل الدراسي الثاني بعد إتمامنا للفصل الدراسي الأول السابق، يتساءل طالب العلم وطالبة العلم عن هذا العلم الذي حصله، وعن العلم الذي سيأخذه، ما هو منهجه، وما الواجب عليه تجاه هذه العلوم التي تعلمها، وكيف يستعد لطلب هذه العلوم والمسائل الجديدة التي سوف يدرسها في هذا الفصل؟ والمسلم وبالأخص طالب العلم وطالبة العلم عليه دوماً أن يحاسب نفسه في كل مرحلة من مراحل طلبه للعلم وفي كل مرحلة من مراحل عمره؛ لذلك انقضاء الأعمار أيها الإخوة والأخوات فرصة لمحاسبة النفس.

يحاسب الإنسان نفسه عن هذه العلوم التي تعلمها؛ لقد تعلمنا في الفصل الدراسي السابق عدداً من العلوم المتعلقة بكتاب الطهارة، فدرسنا فيه ما يتعلق بباب المياه، ما يتعلق بالوضوء، ما يتعلق بالأواني، ودرسنا فيه ما يتعلق بكيفية تطهير النجاسة وإزالتها. درسنا فيه ما يتعلق برفع الحدث سواء كان على صفة الوضوء أو صفة الغسل أو صفة التيمم، ودرسنا فيه ما يندرج في الوضوء من مسح على الخفين أو مسح على الجبيرة والعمامة، ودرسنا فيه ما يتعلق بأحكام الحيض والنفاس، هذا كله كان مندرجاً في كتاب الطهارة.

ثم بعد ذلك شرعنا وبدأنا في كتاب الصلاة، وتحدثنا عن حكم الصلاة، وعن شروط الصلاة، ثم تحدثنا بعد ذلك عن أوقات الصلوات المفروضة الخمس، ثم تحدثنا بعد ذلك عن شروط الصلاة وأركانها ومستحباتها، وتحدثنا عن صفة الصلاة جملة وتفصيلاً. كانت هذه موضوعات في الحقيقة مهمة، إلا أننا لم ننتهي من كتاب الصلاة لطوله ولكثافة صلوات التطوع، ومنها صلاة الكسوف والاستسقاء والسنن الرواتب. وسوف ندرس فيه إن شاء الله تعالى كذلك صلاة الجمعة والجماعة وصلاة العيدين، وسوف ندرس فيه إن شاء الله تعالى كذلك أنواع سجود السهو وسجود التلاوة وسجود الشكر، كما سوف ندرس إن شاء الله تعالى بعض الأحكام المتعلقة بالجنائز وصلاة الجنازة.

كما سندرس إن شاء الله تعالى وننتقل بعد هذا كله إلى كتاب جديد، ألا وهو كتاب الزكاة، الركن الثالث من أركان الإسلام، قرينة الصلاة في كتاب الله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43]. وبتمام هذا الفصل إن شاء الله تعالى نكون قد أتممنا ركنين عظيمين من أركان الإسلام دراسةً وفقهاً: ركن الصلاة ومقدماتها أي الطهارة وما يتعلق بها، وركن الزكاة. هذان الركنان العظيمان يستحقان من طالب العلم وطالبة العلم عناية جليلة وتركيزاً دقيقاً؛ حتى يتعلم المسلم ما يهمه في هذين الركنين العظيمين.

لماذا كان هذان الركنان مطولين في كتب الفقه؟ لأنهما يهمان كل مسلم ولكثرة ما نصليها كل يوم؛ فالواجب خمسة فروض بالإضافة إلى صلوات التطوع، والزكاة نحتاج إلى أن نزكي غالباً في كل سنة، فلذلك هذه المسائل تمر على كل مسلم ومسلمة، فاحتاج طالب العلم وطالبة العلم إلى العناية بهما أشد العناية. كانت هذه موضوعات إن شاء الله تعالى التي سوف نأخذها في هذا الفصل الدراسي الثاني، ولعلنا نستفتح إن شاء الله تعالى بالحديث عن باب صلاة التطوع.

كنا قد تحدثنا في الفصل الدراسي الأول حديثاً عن أوقات الصلوات الخمس المكتوبة، وتحدثنا عن وجوب الصلاة أي وجوب الصلوات الخمس المفروضة، وتحدثنا عن صفة هذه الصلاة وأركانها. نريد أن نتحدث بعد حديثنا عن الصلوات المفروضة عن صلاة التطوع. ما هو التطوع؟ ماذا تعني كلمة التطوع؟ التطوع تأتي من لفظ تطوع، وتطوع أي تبرع؛ فالتطوع حديث عن المندوبات والسنن والمستحبات، أي أنه أمر زائد على القدر الواجب.

ما الفرق بين الواجب وبين المستحب أو المندوب؟ الواجب هو المطلوب من العبد طلباً جازماً، وهذا الطلب الجازم يقتضي أن يفعله فعلاً لازماً، بحيث إنه إذا فعله يؤجر عليه، ويأثم ويوزر بالترك. هذا حد الواجب، أي إنه لازم، والوجوب كما قد ذكرنا سابقاً ونؤكد عليه الآن يتفاوت؛ فهناك درجات في الوجوب. وتذكرون أننا حين حديثنا عن شرط الوقت قلنا إن أداء الصلاة من الفرائض الواجبة، بل هو أهم الفرائض الواجبة وهو ركن الإسلام؛ أداؤها في الوقت واجب وفرض، أداؤها جماعة واجب، وهو أقل وجوباً من هذا الأمر، أداؤها جماعة في المسجد وجوب أقل، والجماعة في المسجد هذه وجوب على الرجال لا يدخل فيه النساء؛ لاحظوا أن هذه مراتب الوجوب.

أداء الصلاة، أداؤها في الوقت، أداؤها في الوقت جماعة، أداؤها في الوقت جماعة في المسجد؛ هذه كلها نقول واجب، ولكن مراتب الوجوب تتفاوت. وهذا كيف نعرف مراتب الوجوب؟ نعرفها من خلال تلمس ألفاظ الشارع، من خلال إدراك والاطلاع على الأحاديث النبوية التي ذكرت هذه الواجبات؛ كيف ذكرتها؟ بأي صيغة؟ ما هي العقوبات التي ترتبت على الترك؟ وهكذا حتى يدرك الإنسان رتب الوجوب.

الجهة الأخرى هي جهة المندوبات أو المستحبات. ما هي المندوبات أو المستحبات؟ هي العبادات التي طلبها الشارع من العبد، ولكن هذا الطلب غير جازم، أي أن العبد مأمور بها ولكن أمراً غير جازم. ما معنى قولنا غير جازم؟ بمعنى أنه إذا لم يفعله فإنه لا يأثم ولا يعاقب، وإن فعله فهو مأجور ويرتفع رتبة ودرجة. قد يقول قائل: لم لم تكن العبادات الشرعية كلها على سبيل الوجوب؟ نقول إن الناس تتفاوت، ولكن هناك قدر من العبادات قدر واجب يجب على كل مسلم تحت اسم الإسلام أن يأتي به، ثم بعد ذلك هناك قدر مستحب يتفاضل فيه الناس: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26]. يتسابقون: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: 10-11].

وهناك بعض الناس المتكاسلين، ولا شك أن شرعية المندوبات هذه من رحمة الله سبحانه وتعالى بنا؛ لو كانت هذه كلها واجبات لكان الناس في تقصير عظيم وتفريط عظيم، ربما استحقوا به النار، ولكن الله سبحانه وتعالى فرض قدراً معيناً من العبادات، هذا واجب، وجعل بعد ذلك قدراً من العبادات، هذا مستحب يتسابق فيه الناس؛ فمن الناس من يأخذ في هذه المستحبات والمندوبات بحظ وافر ويلحق بركب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وركب صحابته الكرام رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ومن الناس من هو دون ذلك، ومن الناس من هو أقل من ذلك، ومن الناس من يقتصر على الواجبات. ولا شك أن هذا فرط في خير عظيم. ولعلنا إن شاء الله تعالى إذا تحدثنا عن فضل هذه النوافل والمندوبات تبين لنا كيف يفوت هذا الشخص المقتصر على الواجبات كيف يفوته خير عظيم وأجر جزيل من الله سبحانه وتعالى، ولكن سوف نبين هذا إن شاء الله تعالى كله بعد فاصل قصير.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونواصل حديثنا عن النوع الثاني من أنواع العبادات. النوع الأول هو الواجبات والفرائض، وقلنا إنها رتب في الوجوب. النوع الثاني هو المستحبات والمندوبات، وهي كذلك رتب في الندب والاستحباب، وسوف نتكلم إن شاء الله تعالى عن رتبها بإذن الله تعالى بتفصيل في حديثنا عن صلاة التطوع. وعند حديثنا أصلاً عن صلاة التطوع سوف تتبين لنا رتب المندوبات تبيناً تطبيقياً؛ لأن صلوات التطوع ليست على وزان واحد في الأمر والاستحباب، لا، وإنما هي على درجات، فبعضها آكد من بعض كما سيتبين معنا إن شاء الله تعالى.

قبل ذلك نريد أن نتحدث عن المندوبات؛ يطلق بعض العلماء المندوب، بعضهم يقول المستحب، بعضهم يقول السنة. ما الفرق بين هذه الألفاظ؟ هل هي أو التطوع هل كلها بمعنى واحد؟ نقول هذه كلها متقاربة، فإذا قلنا التطوع، النافلة، المستحب، المندوب، السنة؛ في الاصطلاح الفقهي هذه كلها متقاربة بمعنى أنها مطلوبة من العبد طلباً غير جازم، إذا أتى به فهو مأجور وينال رتبة عالية، وإن لم يأت به فلا يأثم ولا يؤاخذ عليه؛ لأن هذا مندوب.

هل هناك فروق بين هذه المصطلحات؟ بعض العلماء يستخدم هذه الاصطلاحات بنفس المعنى باعتبارها معنى واحداً، وبعض أهل العلم في الحقيقة يفرق بينها بتفريق دقيق، فيقول مثلاً إن السنة في الاصطلاح الفقهي تطلق على المندوبات أو المستحبات التي ثبتت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان استحبابها ثابتاً بطريق القياس مثلاً، فإننا لا نطلق عليها سنة وإنما نطلق عليها الألفاظ الأخرى: مستحب ومندوب وغير ذلك. هذا مثال؛ إذاً يقصر السنة فقط على الأشياء المستحبة الثابتة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، لماذا؟ لأن السنة معناها أنها مأثورة؛ السنة هي الطريقة، فمعنى السنة أنها مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

فمثلاً يقول قائل إن صلاة الكسوف سنة، وصلاة الخسوف سنة. طيب أرأيتم صلاة الزلزلة؟ صلاة الكسوف والخسوف هي سنة، فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وشرعت هاتان الصلاتان لأن الكسوف والخسوف آيتان من آيات الله سبحانه وتعالى. طيب، من آيات الله سبحانه وتعالى التي تقع في الأرض كذلك الزلازل وربما البراكين أو غيرها؛ فإذا وقعت هل يشرع للإنسان أن يصلي؟ قال كثير من أهل العلم إنه يشرع للإنسان أن يصلي، وهذا لأن هذه الصلاة مثل صلاة الكسوف والخسوف، آية من الآيات وقعت يخوف الله بها عباده، فيفزع إلى الصلاة؛ والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، فيفزع إلى الصلاة. طيب، هل هذا القيام لهذه الصلاة هل نقول إنه سنة؟ نقول إنه مستحب؛ لماذا؟ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو بالأصح لم تقع زلزلة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

إذاً هذا لاحظوه، هذا طريقة الاستحباب؛ الاستحباب حكم شرعي يثبت بالكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس بالأدلة الشرعية؛ فإن كان ثابتاً عن طريق فعل النبي صلى الله عليه وسلم صار مستحباً وسنة، وإن كان ثابتاً بطريق مثلاً القياس فإنه يقتصر به على لفظ المستحب. هذا اصطلاح عند بعض أهل العلم. من المهم لنا أيها الإخوة والأخوات حين قراءتنا لكتب أهل العلم أن نعرف اصطلاحاتهم، هذا جانب. الجانب الثاني: ألا نحمل كلام أهل العلم على اصطلاحات نحن، وإنما نفهم مصطلحه هو المتحدث؛ فإذا جئت أقرأ في كتاب مثلاً حنبلي لا بد أني أعرف مصطلحات الحنابلة، وإذا أردت أن أقرأ في كتاب مالكي فلا بد أن أعرف مصطلحات المالكية، وإذا قرأت في كتاب شافعي أو حنفي فلا بد أن أعرف مصطلحات هؤلاء الأئمة والعلماء حتى أفهم كلامهم، ومن الخطأ أن أفهم كلامهم بتعريف أنا الخاص لمصطلحات أنا، هذا سيؤدي بي إلى فهم خاطئ لكلام أهل العلم؛ لذلك لا بد أن نفهم مصطلحاتهم على وفق كلامهم هم.

إذاً هذا الآن ذكرنا أن بعض أهل العلم يستخدم لفظ المندوب، المستحب، السنة، التطوع، النافلة بمعنى واحد، وبعض أهل العلم ربما يفرق بينها فروقات ينبغي لطالب العلم أن يتنبه إلى هذه الفروقات. طيب، نريد أن نتحدث بعد ذلك عن فضل صلاة التطوع وأهميتها؛ في واقع الأمر إن الصلاة خير ما يعمل العبد، وقد جاء في حديث.

ربيعة بن كعب الأسلمي الذي كان يخدم النبي ﷺ، أنه جاء النبي ﷺ يوماً بوضوئه وحاجته، فقال له النبي ﷺ: «يا ربيعة، سل». فقال ربيعة الشاب النبي الفطن العابد التقي رضي الله تعالى عنه وأرضاه: يا رسول الله، أسألك مرافقتك في الجنة. علو همة كان عند هذا الشاب الذي خدم النبي ﷺ، لم يسأله مالاً ولا دنيا ولا غير ذلك، استغل هذه اللحظة التي عرض فيها النبي ﷺ عليه أن يسأله حاجته، فقال: أسألك مرافقتك في الجنة. فقال له النبي الكريم ﷺ: «أو غير ذلك؟»، فقال ربيعة: هو ذاك يا رسول الله. فقال النبي ﷺ: «فأعني على نفسك بكثرة السجود». وهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم.

لاحظوا في هذا الحديث كيف رسم النبي ﷺ لربيعة بن كعب طريق الجنة؛ قال: «أعني على نفسك بكثرة السجود». إذاً هذا حديث مهم بين فيه النبي ﷺ لخادمه ربيعة كيف يصل إلى الجنة. هذا يدلنا على ماذا أيها الإخوة والأخوات؟ يدلنا على فضل صلاة التطوع، وأن فضيلتها عظيمة وموصلة إلى الجنة.

من خطأ بعض الناس أيها الإخوة أنه يقتصر على الفرائض ولا يأتي بالنوافل، فتجده يصلي الصلوات المكتوبات، نحن نقول هذا أتى بالواجبات وهو إن شاء الله تعالى غير آثم، ولكن فيه تفريط وفيه قصور. ما هو هذا التفريط وهذا القصور؟ أنه حرم نفسه من خير عظيم، فقد جاء في الحديث القدسي الذي رواه لنا أبو هريرة عن النبي ﷺ عن الله جل جلاله أن الله سبحانه وتعالى يقول: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه».

هذه القاعدة الأولى مهمة، وهي أن دائماً الفرائض مقدمة في حياة المسلم. الله سبحانه وتعالى فرض هذه الفرائض على المسلم لأنها أعظم شيء يحبه، لما فرضت هذه الصلوات الخمس لأنها أحب شيء إلى الله سبحانه وتعالى. النوافل لا شك أنها محبوبة لله سبحانه وتعالى ولكن أقل من محبته سبحانه وتعالى لهذه الفرائض، لذلك فرض هذه الفرائض. ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، هذه الرتبة الأولى.

ثم يقول الجبار جل جلاله: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». إذاً رسم لنا هذا الحديث طريق الحصول على محبة الله سبحانه وتعالى، وكفى بالحصول على محبة الله سبحانه وتعالى شرفاً للعبد. تخيل معي هذا الحديث، من أنا ومن أنت أيها الأخ وأيتها الأخت؟ من نحن حتى يحبنا الله العظيم الكبير الكريم العلي؟ من نحن حتى يحبنا الله سبحانه وتعالى؟ كيف نحصل على هذه المحبة؟ نحصل على هذه المحبة بالتقرب إلى الله دوماً، فلا يزال العبد يتقرب إلى الله، يترقى، يزداد في محبة الله سبحانه وتعالى شيئاً فشيئاً. كلما عمل من النوافل أكثر أحبه الله أكثر، وإذا تقرب العبد إلى الله سبحانه وتعالى شبراً تقرب الله إليه ذراعاً، وإذا تقرب العبد من الله ذراعاً تقرب الله إليه باعاً، وهكذا فالله سبحانه وتعالى يحب عبده ويقرب منه أكثر وأعظم مما يقرب العبد من ربه سبحانه وتعالى. إذاً هذا الحديث رسم لنا طريق الحصول على محبة الله سبحانه وتعالى، وهذا دل على شيء فإنما يدل على فضيلة هذه التطوعات وأهميتها في حياة المسلم.

حرص الإسلام على زرع المحبة والود بين المسلمين، وعلى اقتلاع أسباب التباغض والشحناء من بينهم. ومن المعاملات التي تورث التباغض بين المسلمين: بيع المسلم على بيع أخيه أو شراؤه على شراء أخيه، لذلك نهى عنها الرسول ﷺ فقال: «لا يبع بعضكم على بيع أخيه». والشراء مثل البيع، فيحرم شراء المسلم على شراء أخيه. ومثال البيع على البيع: اشترى زيد من عمر سيارة بعشرة آلاف، فذهب رجل إلى زيد وقال له: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو أعطيك أحسن منها بعشرة، أو أبيعك مثلها بعشرة، فهذا بيع على بيع المسلم لا يحل. ومثال الشراء على الشراء: باع زيد لعمر سلعة بتسعة، فجاء آخر وقال للبائع: بعتها على فلان بتسعة؟ قال: نعم. قال: أنا أعطيك فيها عشرة، أو بعها لي أنا بتسعة ودعك منه. والراجح أن البيع على البيع حرام سواء كان ذلك في الخيار أو بعد تمام البيع؛ لأنه مما يورث الشحناء والبغضاء بين المسلمين.

نواصل حديثنا عن صلوات التطوع؛ جاء رجل إلى الصحابي الجليل ثوبان رضي الله تعالى عنه فسأله عن أحب الأعمال إلى الله، فقال: لقد سألت عن هذا رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «عليك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة». هذا الثواب العظيم والحث الكريم من النبي ﷺ يدلنا على ماذا أيها الإخوة والأخوات؟ إنما يدلنا على فضيلة صلاة التطوع وأهمية التطوع لله سبحانه وتعالى. يدلنا على أهمية الرواتب، أهمية الضحى، أهمية قيام الليل، أهمية الوتر، أهمية هذه الصلوات أن الإنسان يقرب من الله أكثر فأكثر، يرتقي في سلم محبة الله سبحانه وتعالى شيئاً فشيئاً حتى ينال هذه الرتبة العالية العظيمة أن الله سبحانه وتعالى يحبه.

يقول الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي الذي ذكرناه: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها». لاحظوا، يصبح هذا العبد معصوماً في أفعاله لأن الله سبحانه وتعالى أحبه، لأنه صار من العباد المخلصين، كما قال الله سبحانه وتعالى عن يوسف عليه السلام: ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24].

لذلك الذي يقع في المعصية، هذا دلالة على أنه قد هان على الله سبحانه وتعالى حتى إنه رفع عنه سبحانه وتعالى العصمة التي جعلها لعباده الذين يحبهم. فهذه المعصية لا شك أنها دلالة على أن العبد لم يصل في رتب محبة الله له رتباً عالية، وإنما لازال يحتاج إلى ترقية ويحتاج إلى صعود في سلم محبة الله شيئاً فشيئاً. من أعظم الأشياء التي تقرب المسلم إلى محبة الله سبحانه وتعالى وتجعله يترقى في سلم المحبة: صلوات التطوع.

نود أن نتحدث إن شاء الله تعالى عن أنواع صلوات التطوع. صلوات التطوع لها أنواع عديدة، وهذا في الحقيقة يدلنا على أهمية الصلاة وعظم شأنها في الإسلام. تعددت أنواعها واختلفت أشكالها؛ لماذا؟ لأنها محبوبة لله سبحانه وتعالى. فمن صلوات التطوع مثلاً منها ما يقام جماعة ومنها ما يكون فردياً. فمن صلوات التطوع التي تقام جماعة: صلاة الكسوف مثلاً، وصلاة الاستسقاء، وصلاة التراويح. ومن الصلوات التي تقام بشكل فردي: السنن الرواتب، صلاة الضحى، الوتر، قيام الليل؛ هذه كلها من الصلوات التي تقام بشكل فردي. هذا تقسيم باعتبار الجماعة وعدمها.

هناك تقسيم آخر باعتبار الأكدية: هناك الأكد والأهم، أكد صلوات التطوع مثلاً صلاة الوتر، ثم السنن الرواتب. هناك تقسيم وتنويع آخر: فمثلاً تنويعها بحسب أسباب ورودها، فهناك تطوعات مؤقتة بمعنى أنها محددة بزمان أو بمكان أو بسبب، وهناك تطوعات مطلقة مرسلة. فمن التطوعات المطلقة المرسلة مثلاً أن الإنسان يصلي ركعتين قبل صلاته للعصر، أو أن الإنسان يصلي قبل دخول وقت العصر ركعات لله سبحانه وتعالى، هذا تطوع مطلق ومرسل.

وهناك تطوعات مؤقتة محددة؛ هذا التحديد قد يكون زمانياً مثل صلاة الوتر محدودة بزمان معين من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الصادق. صلاة الضحى محددة بزمن وهو من بعد طلوع الشمس قدر رمح إلى ما قبيل الزوال فهي محدودة بوقتي نهي كما سيأتينا إن شاء الله تعالى. هناك تاقيت بأحوال وأسباب؛ مثلاً إذا حصل الكسوف شرعت الصلاة، إذا حصل الخسوف، إذا حصل الجدب والقحط فإنه يشرع للمسلمين الخروج لصلاة الاستسقاء.

مثال آخر للصلوات المؤقتة بسبب: دخول المسجد؛ هذه يسميها أهل العلم تحية المسجد، أن المسلم إذا دخل المسجد يصلي ركعتين، هذه مؤقتة بسبب أي عند إرادته لدخول المسجد. وهكذا صلاة ركعتي الطواف بعد الطواف، هذه مؤقتة بسبب ومكان؛ ما هو السبب؟ حصول الطواف، ما هو المكان؟ خلف مقام إبراهيم كما فسره النبي ﷺ بفعله، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] وفسره النبي ﷺ بفعله صلاة ركعتين خلف المقام، هذا تاقيت مكاني وسببي.

يعني ما معنى كلمة التاقيت؟ التاقيت معناها التحديد، أي أنها ليست مرسلة، فمثلاً وجود حدود للشيء إما حدود زمانية أو مكانية أو أحوال يفعل عندها هذا نوع من التاقيت. إذاً نلاحظ هنا أن التطوعات قد تكون مرسلة، الإنسان مثلاً يريد أن يصلي ركعتين بعد صلاة المغرب، نقول هذا تطوع مرسل. أو مؤقتة كأن يقول: هذه راتبة المغرب، هذه مؤقتة بصلاة المغرب أن يصلي بعدها ركعتين. انتهى من راتبة المغرب ووجد في نفسه نشاطاً للعبادة فقال: أريد أن أصلي لله سبحانه وتعالى ركعتين أو أربع ركعات أو ست ركعات، نقول هذا تطوع مرسل يصليه الإنسان في أي وقت شاء.

نضرب مثالاً آخر للتقريب: التسبيح؛ منه تسبيح مؤقت ومنه تسبيح مرسل. فمن التسبيح المرسل أن الإنسان أراد أن يسبح لله مئة تسبيحة أو ألف تسبيحة، نقول: هذا إن شاء الله تعالى لا تسبح تسبيحة إلا غرس لك نخلة في الجنة، إلا رفعت بها درجة، إلا كتب لك بها حسنة، إلا محيت عنك بها خطيئة لأنها من الأذكار الشرعية. وهناك تسبيح مؤقت، كأن يقول بعد الصلاة: سبحان الله 33 والحمد لله 33 ويكبر 33 ثم في تمام المئة لا إله إلا الله. هناك تسبيح مؤقت مثلاً في الصباح أن يقول: سبحان الله وبحمده 100 مرة.

إذاً التطوعات قد تكون مؤقتة إما بزمان، أو بمكان، أو بسبب. حري بنا أيها الإخوة والأخوات أن ندرس هذه الأنواع، لا ندرسها دراسة فكرية من باب الترف الفكري، لا، وإنما ندرسها ابتغاء تطبيقها والقرب من الله سبحانه وتعالى. أسأل الله سبحانه وتعالى الكريم، أسأل الله سبحانه وتعالى العظيم، أسأل الله سبحانه وتعالى الرحمن الرحيم، أن يمن علينا وأن يجعلنا من عباده المصلين المتقربين إليه بالنوافل المحبين له المحبوبين منه، يا كريم يا أرحم الراحمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.