تسجيل الدخول

المحاضرة 2 - السنن الرواتب وغير الرواتب

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.

إخواني وأخواتي، سوف نأخذ إن شاء الله تعالى في هذا الدرس الثاني من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في الفصل الدراسي الثاني، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، وأن يبارك في هذه العلوم التي نقولها والتي نسمعها في هذه الأكاديمية. سوف نأخذ في هذا الدرس الثاني الحديث عن السنن الرواتب، والحديث عن السنن الرواتب فيه حديث إن شاء الله تعالى عن تعريف هذه السنن، وعن بيان عدد هذه السنن ومواقعها، ثم حديث عن فضل هذه السنن الرواتب، ثم حديث إن شاء الله تعالى عن السنن الأخرى المرتبطة بالصلاة ولكنها لا تندرج في السنن الرواتب. إذا عندنا إن شاء الله تعالى أربع فقرات سوف نتحدث عنها في هذا الدرس.

نستفتح الفقرة الأولى وهي عن تعريف السنن الرواتب. ما معنى كلمة الراتبة؟ قد شرحنا من قبل معنى كلمة السنة؛ السنة هي الأمر المندوب المطلوب من العبد المسلم، ولكن هذا الطلب طلب غير جازم، بمعنى أنه لا يأثم بتركه وإن كان فاعله يستحق أجرا عظيما، ولكن إذا تركه فإنه لا يأثم. هذا معنى السنة، وبالمناسبة هذا التعريف للسنة هو تعريف السنة عند الفقهاء بمعنى في الاصطلاح الفقهي؛ إذا سمعنا نحن في كتب الفقهاء في درس الفقه: هذا الأمر سنة، فهذا المراد به. وهذا الاصطلاح غير اصطلاح ومعنى السنة عند المحدثين، وهذا في الحقيقة يقودنا إلى موضوع مهم وهو: طالب العلم عندما يقرأ كتب أهل العلم وعندما يتحدث في مسائل العلم، ينبغي له أن يراعي اصطلاحات كل فن من الفنون.

فمثلا السنة عند المحدثين هي ما رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كان من قوله أو فعله أو تقريره أو صفته الخلقية أو الخلقية، صلوات الله وسلامه على النبي الكريم. كل ما ينسب إلى النبي الكريم يسميه المحدثون سنة، وإن كان هذا المنسوب إلى النبي الكريم قد يكون من المستحبات وقد يكون من الواجبات، ولكن طالما أنه نسب إلى النبي الكريم فيسمى سنة صلوات الله وسلامه عليه. فإن نسب إلى الصحابة سموه حديثا موقوفا، وإن نسب إلى من بعدهم سموه مقطوعا، كما ستدرسونه إن شاء الله تعالى في فن المصطلح. ولكن السنة في اصطلاح أهل الفقه، الفقهاء الذين يتحدثون في مسائل العلم، لا يريدون به هذا المعنى، وإنما يريدون به معنى آخر وهو ما طلبه الشارع طلبا غير جازم، بحيث إن فاعله يستحق الثواب وتاركه لا يستحق العقاب. هذا مراد الفقهاء باصطلاحهم إذا قالوا كلمة سنة.

إذا نحن لما نتحدث عن السنن الرواتب فهي أمور طلبها الشارع طلبا غير جازم. ولكن هل معنى غير جازم أن المسلم لا يفعلها؟ لا، لكن نحن نقول لا نؤثم من تركها، ولكن المسلم ينبغي له أن يكون حريصا عليها. طيب ما معنى كلمة الرواتب؟ الرواتب جمع راتب أو راتبة، سنة راتبة. ما معنى كلمة الرواتب؟ أي الدائمة، الراتبة أي الدائمة تفعل باستمرار. سميت السنن الرواتب لاستمرار النبي صلى الله عليه وسلم على أدائها وفعلها، سميت سنن الرواتب لأنها مطلوبة من المسلم طلبا دائما، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يفعلها باستمرار، حفظها عنه أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم ورووها لنا ونقلوها لنا وحثوا عليها، فهي سنن راتبة.

هذا الجانب الأول في تعريفها، الجانب الثاني أن هذه السنن الرواتب مرتبطة بالصلوات الخمس. ذكرنا من قبل أن صلوات السنن مؤقته بزمان أو بمكان أو بسبب. فمثلا من المؤقت بزمان صلاة الوتر مثلا، السنن الرواتب هنا مؤقته بماذا؟ مؤقته بالصلوات الخمس، أما قبل الصلاة وإما بعد الصلاة، فهي مرتبطة بالصلوات الخمس بخلاف غيرها من السنن. الكسوف ليس مرتبطا بالصلوات الخمس وإنما مرتبط بحالة كسوف الشمس، صلاة الاستسقاء هل هي مرتبطة بالصلوات الخمس؟ نقول لا، كذلك مرتبطة بحالة الجدب والقحط. صلاة الوتر مرتبطة بالصلوات الخمس؟ نقول لا، مرتبطة بوقت معين من بعد صلاة العشاء إلى الفجر. صلاة الضحى ليست مرتبطة بالصلوات الخمس، تصلى مثلا في وقت الضحى، وهكذا صلاة تحية المسجد ليست مرتبطة بالصلوات الخمس وإنما هي إذا دخل المسلم إلى المسجد.

سنن الرواتب قلنا راتبة أي دائمة، ثانيا مرتبطة بالصلوات الخمس. ما وجه ارتباطها بالصلوات الخمس؟ نقول كل هذه السنن الرواتب إما قبل صلاة من الصلوات الخمس وإما بعد صلاة من الصلوات الخمس، كما سيأتينا تفصيله وبيانه إن شاء الله. وهذه السنن الرواتب في الحقيقة، وهو الأمر الثالث، تكتسب أهمية؛ لماذا؟ لأن دائما التطوعات عموما والسنن الرواتب خصوصا تجبر النقص الذي يحصل في صلاة العبد. أيها الإخوة والأخوات، ما منا شخص يصلي الصلاة المكتوبة إلا ويحصل فيها خلل ونقص، ما الذي تسلم صلاته من أن الإنسان مثلا يسرح ذهنه أو أن الإنسان مثلا يسهو أو غير ذلك؟ هذا في واقع الأمر طبيعتنا نحن المقصرين البعيدين عن الخشوع في الصلاة، للأسف هذا واقع كثير من الناس اليوم ولا أستثني نفسي منهم ولا أستثني إخواني ولا غيرهم. كلنا يجب أن نراجع صلاتنا ونراجع خشوعنا ونجبر النقص الذي يحصل في هذه الصلاة بماذا؟ بالسنن الرواتب بنوافل الصلوات.

لأنه قد جاء في الحديث أن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن لم تكن تامة يقول الله سبحانه وتعالى: انظروا هل لعبدي من تطوع. ما فائدة التطوعات؟ من أعظم فوائدها أنها تجبر النقص الذي يحصل في الصلاة، وذكرنا أن هذا الجبر يحصل بصلوات التطوع عموما وبالسنن الرواتب خصوصا؛ لأنها شرعت قبلية وبعدية مرتبطة بالصلاة، فالقبلية تمهيدية للصلاة، والبعدية جابرة لما يحصل فيها من نقص أو خلل. هذا الارتباط بالصلاة والصلوات التطوع عموما هي جابرة لما يحصل من خلل في صلوات الإنسان، ومن الذي يسلم من هذا؟ والله المستعان. إذا هذا تعريف عن السنن الرواتب، نريد أن ننتقل إلى الفقرة الثانية ألا وهو كم عدد هذه السنن الرواتب وما هو بيانها. بادئ ذي بدء نقول في حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى لله سبحانه وتعالى في كل يوم اثنتي عشرة ركعة بنى الله سبحانه وتعالى له بيتا في الجنة». ما من عبد مسلم يصلي لله سبحانه وتعالى في يوم اثنتي عشرة ركعة إلا بنى الله له بيتا في الجنة، انظروا هذه الفضيلة العظيمة لثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة، جاء تفصيلها في الحديث ألا وهي السنن الرواتب، حفظها لنا أصحاب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، نعود لتفصيلها إن شاء الله تعالى بعد هذا الفاصل القصير.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل، وكنا قد وصلنا إلى الفقرة الثانية من درسنا لهذا اليوم وهي عن بيان السنن الرواتب، بعد أن ذكرنا في الفقرة الأولى تعريفها وفضلها، وذكرنا أنها اثنتا عشرة ركعة كما جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى في يوم وليلة اثنتي عشرة ركعة إلا بنى الله له بيتا في الجنة». هذا الفضل العظيم أن الله سبحانه وتعالى يبني لعبده المسلم بيتا في الجنة في هذا العمل إذا حافظ عليه المسلم، لا شك أن هذا فضل عظيم، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل هذا الفضل.

ما هو توزيع هذه الاثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة؟ ركعتان قبل صلاة الفجر وتسمى رغيبة الفجر وراتبة الفجر، وأربع ركعات قبل الظهر، هذه ركعتان قبل الفجر وأربع ركعات قبل الظهر، وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، هذه اثنتا عشرة ركعة. نعيدها: ركعتان قبل صلاة الفجر، أربع ركعات قبل الظهر، وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء. هذه هي السنن الراتبة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يداوم عليها وحفظها عنه أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم، حفظها لنا أمهات المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وحفصه رضي الله تعالى عنها وابن عمر رضي الله تعالى عنه، حفظوا لنا هذه السنن الرواتب ونقلوها للأمة ونقلوا للأمة مداومة النبي الكريم عليها اللهم صل وسلم على نبينا محمد. وذكر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث القولي الأمر والحث على قضية المداومة عليها: «ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى في يوم وليلة اثنتي عشرة ركعة إلا بنى الله له بيتا في الجنة».

طيب هذا تفصيل هذه السنن الرواتب، نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى الفقرة الثالثة، ألا وهي آكد هذه السنن الرواتب. حتى هذه السنن الرواتب المرتبطة بالصلوات تتفاضل في الآكدية، فأكدها وأهمها صلاة ركعتي الفجر، إذا قلنا ركعتي الفجر أي ركعتي الفجر راتبة الفجر التي قبل الفريضة، راتبة الفجر أو رغيبة الفجر، فقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن هاتين الركعتين: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها». الله أكبر! ما هذه الفضيلة العظيمة لهاتين الركعتين قبل صلاة الفجر، كيف إذا بصلاة الفجر؟ كم يخسر كثير من الناس حين يصلون فريضة الفجر دون أن يصلوا راتبة الفجر، والنبي الكريم قد وصفها بأنها خير من الدنيا وما فيها.

ومما يدل على آكدية هاتين الركعتين على غيرها من صلوات التطوع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يترك راتبة الفجر حضرا ولا سفرا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قضاها حين فاتت عليه. لاحظوا لماذا قضى النبي صلى الله عليه وسلم هذه النافلة؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان من هديه أنه إذا عمل عملا أثبته، أي يداوم عليه، ومقتضى هذه المداومة أنه إذا انشغل عنه لعارض أو لسبب من الأسباب أن يقضيه بعد أن يزول هذا السبب أو العارض. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان في السنن الرواتب يقضيها، هذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يداوم عليها. لذلك أم سلمة رضي الله تعالى عنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم مرة يصلي في حجرتها، كما جاء في صحيح مسلم، يصلي في حجرتها ركعتين بعد العصر، فأرسلت له الجارية حتى تنبهه إلى أن الركعتين قد نهى عنهما النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وقالت أم سلمة للجارية: إن رأيتيه قد أشار إليك بيده فاذهبي عنه، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إليها بيده حتى تنصرف، فانصرفت. ثم إن أم سلمة سألته بعد أن قضى صلاته، فقال: «إنه قد جاءني وفد بعد الظهر فشغلت عن ركعتي الظهر»، فقضاها النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلاة العصر.

إذا هذا القضاء يدل على أن هذه الرواتب من حافظ عليها فإنه يقضيها إذا فاتت، لأن هذا مقتضى كونها دائمة، أن الإنسان يقضيها إذا فاتت. طيب بما أكدنا راتبة الفجر؟ بامرين: ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها كما نص على ذلك النبي الكريم، وبأن النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه لم يكن يتركها حضرا ولا سفرا، بخلاف السنن الرواتب الأخرى فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يداوم عليها حضرا ويتركها سفرا. السنن الرواتب التي هي سنة قبلية الظهر وبعدية الظهر وبعدية المغرب وبعدية العشاء، هذه كان النبي صلى الله عليه وسلم يتركها في السفر، ولكن كان يداوم عليها في الحضر، أما راتبة الفجر فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها حضرا وسفرا. ما هو التطوع؟

الآخر الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليه حضراً وسفراً، كذلك بالإضافة إلى راتبة الفجر، صلاة الوتر؛ هذه ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتركها أبداً لا في حضر ولا في سفر. هذا يدل على أكدية هاتين الصلاتين.

نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى الفقرة الرابعة في حديثنا عن هذه السنن الرواتب، ألا وهي السنن غير الرواتب ولكنها مرتبطة بالصلاة. لاحظوا أن هذه السنن فيها شبه من السنن الرواتب لأنها مرتبطة بالصلوات، ولكنها ليست سنناً راتبة بمعنى أنها في الأكدية تأتي في مرحلة بعد السنن الرواتب. ما هي هذه السنن المرتبطة بالصلاة غير الراتبة؟ السنن غير الراتبة ولكنها مرتبطة بالصلاة هي أربعة أنواع من السنن.

النوع الأول منها صلاة أربع قبل الظهر وأربع بعدها. ما الفرق بين هذه السنة وبين الرواتب؟ السنن الرواتب الإنسان يصلي أربعاً قبل الظهر واثنتين بعدها، أما هذه السنة فهي صلاة أربع قبل الظهر وأربع بعدها، وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى أربعاً قبل الظهر وأربعاً بعدها حرمه الله على النار».

لماذا لم نقل إن هذه السنة راتبة فتكون السنن الرواتب عندنا بدل اثنتي عشرة تصير أربع عشرة؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما داوم على هذه الأربع قبل الظهر وأربع بعدها، لكن تلك أربع قبل الظهر واثنتين بعدها؛ هذه مأثور ومنقول محافظة النبي صلى الله عليه وسلم عليها. إذاً عرفنا الفرق بين السنن الرواتب والسنن غير الراتبة. هذا النوع الأول من أنواع السنن غير الراتبة.

النوع الثاني من أنواع السنن غير الراتبة هي صلاة أربع قبل العصر، وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً». وهذا الحديث حسنه بعض أهل العلم، منهم الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى رحمة واسعة. هذا النوع الثاني من أنواع السنن غير الراتبة المرتبطة بالصلاة.

نعود إليكم ونواصل حديثنا معكم عن السنن المرتبطة بالصلاة، ولكن هذه السنن ليست من السنن الرواتب، وقلنا أنها أربعة أنواع. النوع الأول منها أربع قبل الظهر وأربع بعدها، وذكرنا فيها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى أربعاً قبل الظهر وأربعاً بعدها حرمه الله على النار». السنة الثانية: أربع قبل العصر، وقد جاء في الحديث: «رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً»، وذكرنا أن الشيخ عبد العزيز بن باز حسن هذا الحديث وقواه رحمه الله.

النوع الثالث من هذه السنن هو الصلاة قبل المغرب، الصلاة قبل المغرب أي بين أذانه وإقامته، وفيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بهذه الصلاة، قال: «صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب» قال في الثالثة: «لمن شاء». قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لمن شاء» دل على أن هذا الطلب طلب على وجه الاستحباب لا على وجه الوجوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمر فأمره للوجوب، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]. ولكن قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في الثالثة: «لمن شاء»، هذا قيد يصرف الأمر الوارد في الحديث من الوجوب إلى الاستحباب.

هذا مثال تطبيقي لقاعدتين: القاعدة الأولى أن الأمر يقتضي الوجوب، والقاعدة الثانية أن ثمة صوارف وقرائن تصرف الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب. ومن هذه القرائن تعليق الأمر بمشيئة السامع؛ فإذا قلت: اكتبوا إن شئتم، إذا علقت بمشيئة السامع فهذا قرينة تصرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب. إذاً هذا النوع الثالث وهو الصلاة قبل المغرب التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها أمراً ثم بعد ذلك قال: «لمن شاء».

النوع الرابع من أنواع السنن غير الراتبة المرتبطة بالصلوات الخمس هي الصلاة بين الأذان والإقامة مطلقاً. فقد جاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة». ما المراد بالأذانين؟ المراد بالأذانين الأذان والإقامة، والإقامة قد تسمى أذاناً تجوزاً. العرب عندهم طريقة في التثنية أنهم أحياناً يغلبون أحد الشيئين، فيقولون عن مثلاً التمر والماء يقولون الأسودان باعتبار أن التمر أسود، فإذا ثنوا يطلقون على التمر والماء يطلقون عليهما الأسودان، وهكذا، فيقولون الأذانين. وما المراد بالأذانين؟ الأذان وهو الأذان المعروف، والإقامة الإقامة المعروفة، فيطلقون تجوزاً الأذانين. أحياناً يقول العشاءين، ما المراد بالعشاءين؟ الصلاة المعروفة صلاة العشاء وصلاة المغرب. حتى لا يقولوا، وهذا من التجوز في اللفظ، بدل أن يقول بين الأذان والإقامة، أو يقول كان يأكل التمر ويشرب الماء، أو يقول مثلاً بين المغرب والعشاء، يقول خلاص بين العشاءين؛ هذا أسهل في اللفظ دائماً التجوز في اللفظ.

فإذا أرادوا أن يثنوا تجوزوا في اللفظ فأطلقوا على الشيئين اسم أحدهما، هذا من باب التجوز في اللفظ؛ أو يقول الناس مثلاً عن أبي بكر وعمر يقولون العُمران أو العُمرين، وهكذا أشياء كثيرة في لغة العرب يطلقون فيها التثنية، يستخدمون فيها في التثنية اسم أحد الشيئين ثم يثنون، أو يقولون القمرين، يريدون بها كوكب الشمس والقمر، وهكذا. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بين كل أذانين صلاة» خرج هذا المخرج. ما معنى الأذانين؟ عشان لا يفهمها أحد فهماً خاطئاً ويظن أن الأذانين مثلاً هما أذان الجمعة مثلاً، لا، المراد بها الأذان والإقامة، والإقامة قد يطلق عليها الأذان باعتبار أن فيها نوعاً من النداء والإعلام، والأصوب من هذا أن نقول إنها سميت أذاناً هنا تجوزاً في باب التثنية.

«بين كل أذانين صلاة» يدل على مشروعية التنفل مطلقاً بين الأذان والإقامة، أن الإنسان يتنفل مطلقاً. فإذا أراد الإنسان مثلاً بين الأذان والإقامة أن يصلي ركعتين أو أربع ركعات أو ست ركعات، هل نقول له لا تصلي؟ ليس هناك وقت نهي وهذه سنة، نعم، ولكنها ليست هي من السنن الرواتب، نقول هذه سنن من الأشياء المندوبة إن شاء الله تعالى، والإنسان مأجور عليها وهذا من الأوقات الطيبة الفاضلة. وإن كانت هذه السنة مثلاً بين الأذان والإقامة في صلاة العشاء لا ترقى إلى رتبة السنة الراتبة المؤكدة، وهي الركعتين بعد العشاء. هذا يقودنا الآن إلى أمر آخر وهو بعد أن بينا هذه الأحكام، بقي أن نقول في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بين كل أذانين صلاة» أن العبد دائماً في صلاة ما انتظر الصلاة، فالعبد في صلاة ما انتظر الصلاة؛ فالإنسان كونه ينتظر الصلاة يبكر إلى المسجد، كونه يذكر الله سبحانه وتعالى هو في صلاة، فإذا قام إلى الصلاة فلا شك أن هذه فضيلة تزيد على الفضيلة التي هو فيها.

نريد أن نلخص السنن المرتبطة بالصلاة. ذكرنا من قبل أن هناك سنناً ليست مرتبطة بالصلوات الخمس مثل صلاة الكسوف والخسوف، تحية المسجد، صلاة الاستسقاء، هذه غير مرتبطة بالصلوات الخمس. نريد أن نلخص صلاة التطوع المرتبطة بالصلوات الخمس، فيمكننا أن نلخصها فنقول هي على ثلاث رتب في الأكدية.

المرتبة الأولى وهي أعلاها وأكدها وأهمها ركعتا الفجر، وتسمى راتبة الفجر وتسمى رغيبة الفجر، «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها». هذه أول رتبة. الرتبة التي تليها أربع ركعات قبل الظهر، وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء؛ هذه الرتبة الثانية في الأكدية. الرتبة الثالثة هي الأنواع الأربع التي سنلخصها الآن. الرتبة الأولى والثانية هذه هي السنن الرواتب، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من حافظ عليها بنى الله له بيتاً في الجنة.

الرتبة الثالثة هي كذلك مستحبة، ويندب للمسلم أن يقوم بها، ولكن ليست المحافظة عليها والمداومة عليها مثل المداومة على السنن الرواتب؛ لأن تلك السنن الرواتب كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعاهدها تعاهداً تاماً وكان يقضيها إذا فاتته، صلوات الله وسلامه عليه. ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد تعاهداً منه لركعتي الفجر، كما جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. إذاً هذا يدل على تعاهد النبي صلى الله عليه وسلم لهذه السنن الرواتب. يبقى عندنا السنن غير الرواتب، وقلنا أنها أربعة أنواع: أولاً أربع قبل الظهر وأربع بعدها، ثانياً أربع قبل العصر، ثالثاً «صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب» لمن شاء، السنة الرابعة وهي «بين كل أذانين صلاة».

هذا كله متعلق برتب وأكدية السنن المرتبطة بالصلاة، فواقع الأمر حقيقة ينبغي لطالب العلم ولطالبة العلم أن تكون هذه المعلومات في حقهم من العلم النافع، ما العلم النافع؟ هو الذي يقود للعمل، فيعمل الإنسان ويطبق هذه المعلومات التي يسمعها، ولا تكون هذه المعلومات فقط من باب الإثراء الفكري، لا، هذه طريق موصل إلى الله سبحانه وتعالى، موصل إلى جنات الله سبحانه وتعالى. أعن على نفسك بكثرة السجود كما جاء في حديث ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله تعالى عنه، وجاء في حديث ثوبان: «عليك بكثرة السجود».

أيها الإخوة والأخوات، إن الصلاة هي الصراط المستقيم الموصل إلى الله سبحانه وتعالى. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من المصلين، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من المتقربين إليه، أن يجعلنا وإياكم من أهل النوافل الذين يتقربون إليه حتى يحبهم سبحانه وتعالى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.