الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا، اللهم فقهنا في الدين. إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس السادس عشر من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في فصلها الدراسي الثاني. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس، قائلها ومستمعها ومعدها ومن ساهم فيها، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا العلم الذي نقوله والذي نسمعه حجة لنا لا حجة علينا.
إخواني وأخواتي، سوف نأخذ إن شاء الله تعالى في هذا الدرس اليوم ما يتعلق بموضوع صلاة العيدين، وسوف نجعل إن شاء الله تعالى هذا الموضوع على درسين. فأما الدرس الأول وهو درسنا اليوم فسنتحدث فيه عن صلاة العيدين: تعريفهما وفضلهما، ونتحدث فيه إن شاء الله تعالى كذلك عن مكان صلاتهما وعن وقتهما، ونتحدث إن شاء الله تعالى في درسنا اللاحق بعد ذلك عن كيفيتها ومسائل متعلقة بهذا الباب.
أولاً: صلاة العيدين، ينبغي لنا أن ننبه إلى أن للمسلمين عيدين: عيد الفطر وعيد الأضحى. أيها الإخوة والأخوات، لقد جعل هذان العيدان شعاراً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، أمة الإسلام. ولا شك أن كل أمة من الأمم عندها من الشعارات ما تتميز به عن غيرها من الأمم؛ لذلك مثلاً من المعروف أن عيد الكريسماس يختص به النصارى، فلذلك لا نجد غيرهم يحتفل به. وهناك أعياد أخرى مثلاً عند اليهود أو عند الهندوس، وهناك أعياد واحتفالات وطنية عند بعض البلدان والأوطان وغير ذلك. إذاً هذه الأعياد والاحتفالات دائماً كل أمة من الأمم أو طائفة من الطوائف يكون لها شعارات، لها أعياد، لها أيام تقدسها وتعظمها، ولها أماكن تقدسها وتعظمها. هذه الأيام التي تقدسها وتعظمها تسمى الأعياد الزمانية، والأماكن أو المواطن التي تقدسها وتعظمها تسمى الأعياد المكانية، أي أنها تقصد وتعظم.
الأعياد المكانية بمعنى أنها تقصد وتعظم. والأعياد الزمانية بمعنى أنها تتكرر وتعظم هذه الأيام؛ لماذا؟ لأنها عيد يتكرر ويقصد فيه شعار معين لهذه الأمة. إذاً الأعياد إما أن تكون أعياداً زمانية، وإما أن تكون أعياداً مكانية. في أمة الإسلام، عيدنا الزماني الأعظم والأكبر هو عيد الفطر وعيد الأضحى، وعندنا العيد الأسبوعي الذي تحدثنا عنه وهو عيد يوم الجمعة، وذكرنا أن يوم الجمعة فيه شبه من العيدين وهو عيد أصغر؛ لماذا؟ لأنه يتكرر كل أسبوع، وفيه اجتماع أصغر من اجتماع العيدين عيد الفطر وعيد الأضحى، وفيه خطبة، كما أنه أشبه بصلاة العيدين، وذكرنا كذلك أنه يكره صومه كما يحرم صوم العيدين الأكبر والأعظم، فهذه أوجه لهذه الأعياد الزمانية.
هناك أعياد مكانية في أمة الإسلام، الأعياد المكانية في أمة الإسلام هي بيت الله الحرام، والمشاعر المقدسة التي فرض الله سبحانه وتعالى على عباده الحج إليها، ومسجد رسوله الكريم، والمسجد الأقصى، كما جاء في حديث أبي هريرة: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». هذه البقع الثلاثة المساجد هي التي تشد إليها الرحال وتقصد، ولم تجعل القبور عيداً مكانياً لأمة الإسلام، بل نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «لا تتخذوا قبري عيداً».
وفي الأعياد الزمانية، جاء النبي صلى الله عليه وسلم والأنصار يلعبون في بعض الأيام، فقال: «قد أبدلكم الله بهما خيراً منهما: يوم النحر، ويوم الفطر». لاحظوا قول النبي صلى الله عليه وسلم «قد أبدلكم الله بهما»؛ فيه حقيقة عدد من الدلالات. الدلالة الأولى أن أمة الإسلام متميزة. الأمر الثاني أن عيد الفطر وعيد الأضحى جاء على وجه البدلية لا على وجه الزيادة؛ يعني ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لهم العبوا في هذين اليومين، ونحن بنزيد عندنا يومين جديدين وهما عيد الفطر وعيد الأضحى، لا، وإنما جاء على وجه البدلية. وجه البدلية معناه أنه إبطال لتلك الأعياد واستبدال لها بعيد أهل الإسلام الذي يدل على شعارهم. لذلك أيها الإخوة والأخوات، ينبغي لنا التنبه دائماً أن كل أمة لها شعارها الذي تتميز به عن غيرها من الأمم، سواء كانت هذه الأمة مرتبطة بأرض أو بعرق أو بدين أو بغير ذلك، لها شعاراتها التي تتميز بها. أمة الإسلام وأهل الإسلام لهم شعارهم الذي يتميزون به، لذلك نجد المسلمين في شتى أقطار الأرض، مشارقها ومغاربها، يحتفلون في عيد الفطر وعيد الأضحى بهذا العيد الذي ميزهم الله سبحانه وتعالى به، لا يشرك فيه غيره. إذاً هذه قضية مهمة ينبغي لنا أن نتنبه لها، وينبغي لنا كذلك أن نتنبه إلى ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في قضية البدلية. لذلك لا شك أن من ضعف إيمان المسلم أن يحتفل بشعارات وأعياد غيره من الأمم، هذا لا شك أنه من ضعف إيمانه، أو أن ينقص ويضعف احتفاله بعيده وعيد أمته عيد الإسلام، لا شك أن هذا كذلك من ضعف إيمانه وإسلامه.
لما نتحدث في حقيقة الأمر عن عيد الفطر وعيد الأضحى، لاحظوا أن هذين العيدين قد جاءا بعد شعيرتين عظيمتين أو أثناء شعيرتين عظيمتين. عيد الفطر جاء بعد صيام رمضان، شعيرة الصيام، شهر رمضان الذي يتقرب المسلمون فيه إلى الله سبحانه وتعالى بالصيام والصدقة والصلاة وقراءة القرآن، يختمون هذا الشهر الكريم بهذا العيد. لاحظوا أن العيد إذا ارتبط بشعيرة دينية، بركن من أركان الإسلام، وهذا يؤكد ما قررناه، وهو أن أعياد الأمم ترتبط بشعائر وأديان. فعيد الفطر ارتبط بشعيرة الصيام وشعيرة رمضان، لما يصوم المسلمون شهر رمضان ويمسكون عن الطعام، ناسب أن يكون هذا العيد فيه زكاة الفطر التي يسميها العلماء زكاة الرؤوس، ونتحدث عنها إن شاء الله تعالى بتفصيل في أبواب الزكاة، على كل مسلم على الذكر والأنثى والحر والعبد والصغير والكبير أن يخرج صاعاً من طعام. لاحظوا أنها زكاة الرؤوس ليس لها علاقة بالأموال ومقادير الأموال، لا، كل رأس عليه مقدار معين من الزكاة، وجعل هذا المقدار طعاماً ليناسب إمساكهم عن الطعام في شهر رمضان المعظم المكرم. هذه الزكاة والصدقة التي يختم بها المسلم عبادته، ترفع إن شاء الله تعالى عمله، هذا اليوم يوم الجوائز الذي يأتي المسلمون فيه إلى صلاة العيد وقد تقبل الله إن شاء الله تعالى صيامهم وأعطاهم وغفر لهم ذنوبهم.
العيد الثاني عيد الأضحى، هو عيد في شعيرة الحج، يوم الحج الأكبر، يوم النحر، العيد الذي تجتمع فيه هذه الشعائر: شعيرة رمي جمرة العقبة، وحلق الرؤوس، والتحلل من الإحرام، والنحر، نحر الهدي، والطواف طواف الإفاضة، والسعي، والمبيت بمنى، أعمال كثيرة كلها في هذا اليوم الذي يسمى يوم الحج الأكبر. هذه الأعمال التي يقوم بها الحاج كلها بعد فراغه من أعمال اليوم التاسع وهي يوم عرفة، الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة. هذا اليوم كذلك ارتبط بشعيرة عظيمة، هو ختام أيام مباركة كذلك هي أيام عشر ذي الحجة، «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من عشر ذي الحجة» كما جاء عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. ختام هذه العشر آخرها هو عيد الأضحى الذي هو العيد الأكبر أو الحج الأكبر، يوم النحر الذي يحتفل فيه المسلمون بهذه الشعائر. لاحظ إذاً، العيدان كلها ارتبطت بشعيرة الصيام ورمضان وبشعيرة الحج وهذه الأيام الفاضلة المباركة.
لقد نبهنا إلى أن الأعياد من جملة الشرائع والمناهج والمناسك لكل أمة من الأمم، وأن عيد الفطر وعيد الأضحى هما شعار أهل الإسلام. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج: 67]. جعل الله سبحانه وتعالى هذين العيدين مرتبطين بهاتين العبادتين العظيمتين، عبادة الصيام صيام رمضان، وعبادة الحج. إذاً هذا يؤكد ما قررناه وما ذكرناه، وهو أن الأعياد من جملة الشرائع والمناهج، فهما شريعة وهما شعار لكل أمة من الأمم.
هذا العيد الذي جعله الله سبحانه وتعالى في هذا الوقت الفاضل المبارك، آخر الأيام العشر أو بعد انقضاء شهر رمضان يوم الجوائز بعد شهر رمضان، هذا العيد وهذا الفرح وهذا السرور شرع الله سبحانه وتعالى فيه صلاة خاصة به سماها أهل العلم صلاة العيد. لاحظوا على ماذا يدل هذا الأمر؟ يدل على أن فرح المسلم إنما يكون بطاعة الله، وهيئة فرح المسلم تكون بالقيام بطاعة الله سبحانه وتعالى. إذاً هذا العيد شرع بعد تمام هذه العبادة أو في أثنائها وشرع فيه هذه الصلاة. لاحظتم أيها الإخوة والأخوات، إذاً صلاة العيد حقيقة فيها دلالة ينبغي لنا أن نقف عندها، وهو أن المسلم حال فرحه وسروره ينبغي أن يكون مرتبطاً بالله سبحانه وتعالى، وأن يكون قريباً من الله، أن يكون حامداً لله شاكراً لله مثنياً على الله مكبراً لله سبحانه وتعالى.
كذلك المسلم في حال خوفه يكون قريباً من الله، لذلك شرعت صلاة الآيات أو ما يسميه بعض أهل العلم صلاة الكسوف أو صلاة الخسوف. صلاة الآيات لماذا؟ لأنها تحصل عند آية يخوف الله بها عباده فيفزع المسلم إلى الصلاة، النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر وأهمه أمر فزع إلى الصلاة. إذاً هذا كذلك نوع آخر من أنواع الارتباط. كذلك إذا جاءه أمر يفرحه يسجد شكراً لله سبحانه وتعالى، إذاً المسلم في علاقاته وفي أحواله النفسية، فرحه سروره خوفه حزنه كله مرتبط بالله سبحانه وتعالى في صلاة مع الله سبحانه وتعالى. أما صلاة العيد، أما صلاة الخوف، أما صلاة الآيات، أما سجود الشكر، كل هذه ارتباط بالله سبحانه وتعالى في هذه الأحوال التي يتقلب فيها العبد ما بين فرح وسرور وحزن وغيرها.
صلاة العيد من هذا الجنس، في هذا العيد الذي يفرح فيه المسلمون بنعمة الله سبحانه وتعالى، شرع الله لهم سبحانه وتعالى هذه الصلاة، وشرع لهم مع هذه الصلاة عبادات أخرى، فمثلاً في يوم الفطر شرع لهم الزكاة التي يخرجونها، وهذه الزكاة زكاة الفطر كما ذكرنا، نتكلم عنها إن شاء الله تعالى في أبواب الزكاة، مناسبة للصيام، وشرع مع عيد الأضحى النحر، نحر الهدي لله سبحانه وتعالى، هذا الحاج أو أضحية لغير الحاج، الذبح يذبح الإنسان بهيمة الأنعام، يذكر اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، شرعها الله سبحانه وتعالى. إذا اقترنت هذه العبادة بـ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]، هذه تصدق على عيد الفطر بشكل دقيق.
كذلك شرع الله سبحانه وتعالى زكاة الفطر في عيد الفطر مع الصلاة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 14-15]. هذه قال بعض أهل العلم: تزكى أي زكى زكاة الفطر هذه، بعض الأقوال في بعض الآيات، هذه الآية أنسب لزكاة الفطر، وهذه الآية أنسب لعيد الأضحى. شرع الله سبحانه وتعالى هاتين الصلاتين على صفة مخصوصة وعلى هيئة مخصوصة سوف نتعرض لها إن شاء الله تعالى. مما يدل على أهمية هاتين الصلاتين أن النبي صلى الله عليه وسلم حث الناس على الخروج إليها وأمرهم بالخروج إليها. تقول أم عطية رضي الله تعالى عنها إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يخرجوا العواتق والحيض وذوات الخدور. العواتق الأبكار البالغات أو اللاتي شارفن على البلوغ، والحيض وذوات الخدور، أمرهن أن يخرجن إلى المصلى ليشهدن صلاة العيد. لاحظوا أن المرأة لم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج لصلاة الجمعة ولا لصلاة الجماعة، ولكن المرأة أمرت بالخروج لصلاة العيد، فهذا يدل حقيقة على أهمية هذه الصلاة، وأنها شعار لأهل الإسلام، وأنها ارتبطت بأركان وعبادات الإسلام، هذا كله يدلنا على أهميتها وفضلها وعظيم شأنها.
لذلك في واقع الأمر الحقيقة، ينبغي على المسلمين جميعاً أن يستعدوا لهذه الصلاة وألا يهملوها أو يقللوا من شأنها، ينبغي على الأب على الأم أن يغرسوا حب هذه الصلاة في أبنائهم وبناتهم، أن يهيئوا في ذلك اليوم ويخرجوا بهم إلى الصلاة، وسياتي إن شاء الله تعالى أن السنة في صلاة العيد أن تكون في المصلى لا أن تكون في الجامع أو المسجد، ما الفرق بين المصلى والجامع؟ سوف
نتطرق له إن شاء الله تعالى بعد قليل. إذاً، حتى المرأة التي لا تجب عليها الجماعة، فإنها تخرج إلى صلاة العيد، وهذا جعل بعض أهل العلم يقول: إن صلاة العيد فرض عين على كل مسلم، والصحيح والله تعالى أعلم أنها فرض كفاية؛ لأنها من شعائر الإسلام وسننه الظاهرة، إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين. والأمر الذي جاء في حديث أم عطية لا يرتقي إلى الوجوب لكل واحدة منهن، بدلالة أنه أمر أن تخرج العواتق، والعواتق هن اللائي لم يبلغن، فلذلك هذا الأمر والله تعالى أعلم أمر تأكيدي لإظهار هذه الشعيرة وإظهار هذه السنة.
تؤمر الحائض بالخروج وهي أصلاً لا تصلي؛ تقول أم عطية: «يشهدن الخير ودعوة المسلمين»، وتقول: «يعتزلن المصلى»، بمعنى أنه لا يحضرن إلى الصلاة ويكن خلف النساء، لا يحضرن مكان الصلاة ولا يصلين، ولكن يشهدن الخير ودعوة المسلمين. خروجهن يؤكد على هذه الشعيرة ويعزز هذا الشعار لأمة الإسلام، هذا التجمهر العظيم لهذه الأمة. كذلك يشهدن الخير؛ لأن هذا اليوم كما ذكرنا يوم الفطر ويوم الأضحى يوم عظيم، ويوم الفطر يسمى يوم الجوائز فيه توزيع جوائز رمضان، مغفرة الذنوب والرحمة ورفع الأعمال، فكونهن يشهدن هذا خير ودعوة المسلمين ويحضرن هذا المنظر البهيج وهذا الاجتماع البهيج، لا شك أنه من فضائل الأعمال؛ لذلك حتى الحُيّض يخرجن مع أنهن غير مأمورات بالصلاة، ويعتزلن المصلى كما قالت أم عطية رضي الله تعالى عنها.
هنا بعض الأمور التي نود أن ننبه لها، وهي ما يتعلق بصلاة العيد. كنا قد تحدثنا في درس سابق عن الجمعة، وتحدثنا مثلاً عن عدد الجمعة وأنه أقل عدد لها هو أقل الجماعة، كذلك العيد؛ لا ينبغي تكثير مصليات العيد في المدينة الواحدة، بل كلما قللت المصليات واجتمع الناس وعظم اجتماعهم كلما كان هذا أفضل. لذلك لاحظوا أن مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ما كان فيها إلا المصلى الذي يجتمع فيه جميع المسلمين. كذلك مدن الإسلام لما كانت صغيرة كان يجتمع فيها المسلمون في مكان واحد، طبعاً الآن المدن اتسعت، خصوصاً عواصم هذه البلدان العربية والإسلامية، اتسعت اتساعاً كبيراً جداً، ربما لا يكفيها مصلى واحد، بل أكيد أنه لا يكفيها مصلى واحد إلا بعض المدن الصغيرة، فلا مانع أن تتعدد المصليات، ولكن كلما قللت المصليات بحيث يكون اجتماع الناس بشكل أظهر وإظهار هذه الشريعة بشكل أعظم، فلا شك أن هذا أفضل. ونحن قد ذكرنا أن الجمعة لا تشرع في كل مسجد بل في المساجد الكبيرة التي اصطلح الناس على تسميتها بالجوامع، كذلك العيد لا يشرع في الجوامع، وإنما يشرع في المصليات العظيمة الضخمة التي تجمع الناس، وغالباً تكون في مناطق مفتوحة لا تكون ضمن بنيان، ولا مانع أنها تكون ضمن بنيان ولكن السنة كما سنذكره إن شاء الله تعالى أنها تكون في المصليات المفتوحة.
أمانة عظيمة ومسؤولية كبيرة؛ إنها تربية الأهل والأولاد. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. قال علي بن أبي طالب: أدبوهم وعلموهم. فنعلم العقيدة الصحيحة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك». ونعلمهم حب النبي صلى الله عليه وسلم وحب أصحابه، فقد كان السلف يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمون السورة من القرآن. ونعلمهم الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر». ونعلمهم مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، قال صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة: «يا غلام، سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». ونعلمهم شيئاً من القرآن بأنفسنا أو نلحقهم بحلقات التحفيظ، ونعلمهم الحلال والحرام بالتدريج، ونعلمهم لغة القرآن قبل أن نعلمهم اللغات الأخرى، قال نافع: كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن، فاحرص على تعليم أهلك واعلم أن غذاء الروح أهم من غذاء البدن، قال صلى الله عليه وسلم: «والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عنهم».
هيئة صلاة العيد سنتطرق لها إن شاء الله تعالى بتفصيل، ولكن لعلنا نذكر هنا بعض الأحكام المتعلقة بصلاة العيد. صلاة العيد ذكرنا أنها فرض كفاية، ويشرع الخروج لها من جميع الناس حتى النساء والأطفال وغيرهم. هنا تنبيه وهو أن المسافر لا يكون عليه صلاة عيد، المسافر لا يجب عليه صلاة العيد، إن شاء أن يصليها فهذا حسن، وإن لم يصلها فلا إشكال. والنبي صلى الله عليه وسلم قد كان مسافراً في حجة الوداع ولم يؤثر عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى العيد في تلك الحجة. النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحج الأكبر، اليوم العاشر اللي هو يوم العيد، قبل أن تشرق الشمس كان بمزدلفة صلوات الله وسلامه عليه، صلى بها الفجر ثم وقف يذكر الله سبحانه وتعالى عند المشعر الحرام حتى قاربت الشمس على الشروق، ثم أفاض من مزدلفة صلوات الله وسلامه عليه وذهب إلى منى فرمى جمرة العقبة، ثم بعد ذلك نحر هديه صلى الله عليه وسلم، ثم حلق رأسه ثم ذهب ليطوف بالبيت؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ العيد، وهذا لم يحكِ أحد عنه صلاة العيد، وهذا يكاد يكون اتفاق بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين رووا حجة النبي صلى الله عليه وسلم. إذاً لا يشرع في حق الحاج ولا في حق المسافر أن يصلي صلاة العيد، هذا من الناس الذين تسقط عنهم.
طيب لو كان أناس في قرية صغيرة، بيوتات صغيرة، كان عددهم نفترض 10 أو 20 هل يشرع في حقهم الصلاة؟ نقول: نعم، يشرع في حق أي جماعة، ولكن إذا كان بقربهم مصلى قريب، فالأولى أن ينضموا إليه، وإلا يفتح كل قوم جماعة لهم خاصة وصغيرة، لا، وإنما يجتمع المسلمون في مصليات. لكن نفترض أن هؤلاء القوم مثلاً كانوا قليل وليس بجوارهم مصلى، فلا مانع أن يصلوا ولو كانوا خمسة أو 10 أو 20 أو غير ذلك. هل يصلي العيد منفرداً؟ لا يصلي العيد منفرداً؛ صلاة العيد هي صلاة اجتماع، وقلنا إن في شبه بين العيد والجمعة، ونحن قد ذكرنا في الجمعة أنها إذا فاتت لا تقضى جمعة وإنما تصلى ظهراً؛ لأن الجمعة بدل عن الظهر، لكن العيد ليس بدلاً عن شيء، فلذلك إذا فات فإنه يسقط ولا يصليه الإنسان منفرداً.
مسألة ثالثة نود الحديث عنها، وهي أين تصلى صلاة العيد أو مكان صلاة العيد. تصلى صلاة العيد، جاء في حديث جابر رضي الله تعالى عنه وفي حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج في الفطر والأضحى إلى المصلى. ما هو المصلى؟ المصلى مكان خارج المدينة النبوية، منطقة مفتوحة يصلي فيها الناس، اصطلحوا على تسميتها بالمصلى، أي أنها مصلى للعيد عيد الفطر وعيد الأضحى، يصلى فيها؛ لم تسمى طبعاً مسجداً لأنها ليست بناء، وإنما هي منطقة أشبه خلينا نقول بمنطقة في الصحراء أو في البر، فاصطلح الناس أن هذا المكان مصلى. لما لا يسمى مسجداً؟ لأنه ما تقام فيه الصلوات الخمس وليس فيه بناء، وإنما هو منطقة مفتوحة فلذلك يقول المصلى؛ هذا هو المصلى. النبي صلى الله عليه وسلم كان من سنته أن يصلي العيدين في المصلى، ما يصليها في مسجده صلى الله عليه وسلم، مع أن الصلاة في مسجد الصلاة فاضلة، ولكن كون النبي صلى الله عليه وسلم يخرج إلى المصلى دليل على أن الصلاة في المصلى أفضل من الصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم، وهو القائل: «صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام». إذاً هذا يدل على أن صلاة العيدين في المصلى هي السنة، وأن صلاتها في الجوامع أنها لم تكن سنة النبي صلى الله عليه وسلم. هل يجوز الصلاة في الجوامع؟ نقول: نعم، جائزة الصلاة في الجوامع، جائزة إن شاء الله تعالى لا إشكال، ولكن نحن نقول الأفضل أن يخرج الإنسان إليها.
طيب لو كانت الصلاة في الجامع كيف يفعل النساء؟ نقول: يصلين في الجامع. الحُيّض كيف يفعلن؟ نقول: يكن خارج الجامع، لا يجوز للحائض أنها تدخل إلى الجامع أو إلى المسجد، كذلك في المصلى، يعتزلن المصلى، لا يدخلن يكن في وسط النساء المصليات اللاتي يصلين في هذا المصلى، الحائض لا، وإنما يعتزلن موضع الصلاة ويشهدن فقط الخير والخطبة ويسمعن دعوة المسلمين يؤمّنّ عليها، ولكن لا يكن في وسط النساء المصلّيات التي يصلين في هذا المصلى.
من الأعذار التي ربما تكون عند بعض الناس لأجل صلاتها في الجامع، لو كان ذلك اليوم يوم مطر أو يوم مثلاً الريح شديدة والمنطقة مفتوحة، فقد يقال إن الأيسر للناس في هذه الحالة أن يصلوا في جوامع. استثنى بعض الناس من الصلاة في الجوامع الصلاة في المسجد الحرام، وهذه قضية ينبغي لنا أن ننبه القاعدة التي ترجع إليها. لاحظوا، قد يقول قائل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ صلاة العيد في مسجده وهو مسجد فاضل؟ فلماذا سُنّت وشرعت الصلاة في المسجد الحرام مع أن المفترض أن كلاهما مسجد فاضل، والنبي صلى الله عليه وسلم قد ترك مسجده وانتقل إلى المصلى، فكذلك ينبغي للناس أن ينتقلوا من المسجد الحرام فيصلوا في المصلى؟ نقول: في واقع الأمر أن هذا يسميه أهل العلم قياس الأعلى على الأدنى؛ لأن المسجد الحرام أفضل، فلا يصلح أن نقيس الأعلى على الأدنى. مسجد النبي صلى الله عليه وسلم نعم مسجد فاضل، ولكن لا يبلغ في فضيلته فضيلة المسجد الحرام، لكن يمكن أن نستدل بقياس الأدنى على الأعلى، فنقول مثلاً في المسجد الأقصى إنه والله تكون صلاة العيد في المصلى مثلاً؛ لأنه أدنى من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم خرج فيه إلى المصلى، لكن هل نعكس هذا على الأعلى؟ نقول: لا، هذا يحتاج إلى دليل أو اجتهاد أو قياس آخر. لذلك قال أهل العلم: إن الصلاة في المصلى هي السنة إلا في المسجد الحرام. ولو أن الله أعلم هل كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخلفاء الراشدين هل كانت صلاة العيد تقام في المسجد الحرام أم خارج المسجد الحرام؟ هذا حقيقة يحتاج إلى استقراء تاريخي، لعل أحدنا أو أحد المستمعين أو المستمعات يقوم به ويفيدنا إن شاء الله تعالى به من خلال موقع هذه الأكاديمية.
متى هو وقت صلاة العيد؟ وقت صلاة العيد هو وقت صلاة الضحى. ما هو وقت الضحى؟ وقت الضحى من ارتفاع الشمس بعد طلوعها قيد رمح، الرمح تقريباً متر أو أعلى من ذلك، يقدره أهل العلم تقريباً بعشر إلى ربع ساعة، عشر دقائق إلى ربع ساعة تقريباً هذا الوقت، إلى ما قبل الزوال، إلى وقت النهي الذي يكون مقارناً للزوال، هذا هو وقت الضحى، إذاً هذا كله وقت لصلاة العيد. من التنبيهات التي يحسن التنبيه إليها وهو أنه من الأفضل أن تؤخر صلاة عيد الفطر قليلاً؛ لماذا؟ لأنه يشرع للمسلمين إخراج زكاة الفطر قبل الصلاة، فإذا صلى المسلمون صلاة العيد انتهى وقت زكاة الفطر، فلذلك لو أن الإمام وسّع على الناس قليلاً وجعل لهم فسحة من الوقت، مثلاً شرع بدأ في صلاة العيد، مثلاً أنا نقول بعد ربع ساعة من طلوع الشمس، بعد نصف ساعة أو أكثر من ذلك، بحيث أنه يعطيهم فرصة لمن لم يخرج زكاة الفطر أن يخرجها قبل الصلاة؛ لأنها بعد الصلاة تكون صدقة من الصدقات وتكون زكاة الفطر قد فات مكانها. كذلك من المستحسن أن يُبَكِّر في صلاة عيد الأضحى حتى يوسّع على الناس وقت نحر أضحيتهم، نحر الأضاحي الذي يكون بعد الصلاة، ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]. إذاً كونهم يبكّرون في صلاة الأضحى ليوسعوا على الناس ذبح أضاحيهم؛ لأن ذبح الأضحية يكون بعد الصلاة، ويؤخّرون صلاة الفطر قليلاً ليوسعوا على الناس وقت إخراج فطرتهم، هذا هو ما يتعلق بمكان صلاة العيدين وما يتعلق بوقتهما.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيد علينا هذه الأعياد، أعياد أمة الإسلام، وأنتم ونحن في أتم صحة وعافية، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي