يا راغبا في كل علم نافع، متطلعا لزيادة الإيمان، وتريده سهل النوال ميسرا، يأتيك ميسورا بأي مكان؛ زاد أكاديمية ينبوعها صاف ليروي غلة الظمآن. وتعلم الفقه الميسر عاملا بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.
إخواني وأخواتي في أكاديمية زاد، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية. ها نحن قد وصلنا إلى الدرس الخامس عشر من سلسلة دروس الفقه في هذه الأكاديمية في فصلها الدراسي الثاني، أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بهذه الدروس قائلها وسامعها ومن أعدها ومن نشرها.
سوف نواصل حديثنا إن شاء الله تعالى في هذا الدرس عن صلاة أهل الأعذار. وكنا قد تكلمنا في الدرس السابق وبينا أن ثمة أنواعا من التخفيفات في شأن الصلاة؛ منها تخفيف يتعلق بالوقت كالجمع بين الصلاتين، ومنها تخفيف يتعلق بالعدد كالقصر، ومنها تخفيف يتعلق بالقيام والقعود والهيئة، ومنها تخفيف يتعلق بالقبلة، ومنها تخفيف يتعلق بالصلاة على الراحلة، ومنها تخفيف مثلا يتعلق بالصلاة على أي حال حين التحام الصفين، ومنها تخفيفات تتعلق بشروط الصلاة كالطهارة أو استقبال القبلة أو غير ذلك.
وهذه التخفيفات قلنا إنها تختص ببعض الأشخاص وبعض الأحوال، كالمريض والمسافر، وكل حال من هذه الأحوال له أشخاص، وكل شخص من هؤلاء الأشخاص له أحوال التخفيفات المناسبة له. وذكرنا أن على طالب العلم وطالبة العلم أن يتوسطا توسط الشريعة؛ فلا يبالغا في التخفيف حتى يصبح من يعمل بهذا الرأي متبعا لهواه لا متبعا لدين الله، وأن يحذرا كذلك من التشديد الذي توصف فيه الشريعة بالحرج والمشقة والعياذ بالله.
والله سبحانه وتعالى قال: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]. فالشريعة اعتدال، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
وذكرنا التخفيف عن المسافر وعن المريض، وقلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث عمران بن الحسين: «صلِّ قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب». وذكرنا أنه إذا لم يستطع على جنب كذلك فإنه يصلي مستلقيا على ظهره.
قد يسأل سائل فيقول: ما صفة الصلاة قاعدا؟ قلنا على أي صفة تكون مريحة له، ولو صلى متربعا لكان هذا أجود لما ذكرنا من دليل أثري ونظري؛ أما الأثري فلما روته عائشة رضي الله تعالى عنها، وأما النظري فلأجل التمييز بين هذه الجلسة وجلسة ما بين السجدتين. كيف يصلي على جنب أو مستلقيا على ظهره؟ قلنا بحيث إنه لو قام، قام مستقبل القبلة.
يبقى عندنا سؤال: إن لم يستطع أن يصلي قائما ولا على جنب ولا قاعدا، ولا استطاع أن يومئ إيماء، نفترض -أجارنا الله وإياكم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يسلم كل مسلم من هذا البلاء- مثلا إنسان شل شللا تاما وكاملا وأصبح لا يستطيع حراكا ولا إيماء ولا حركة في كل أعضائه وجوارحه. نقول هنا الأظهر والله تعالى أعلم أنه يصلي بقلبه. وبعض أهل العلم قال إنه يشير بطرفه، يعني بعينه؛ فمثلا يغمض عينه حال السجود ويفتحها حال القيام ويغمض عينه إغماضا خفيفا في حال الركوع مثلا، فهذا يصلي بطرفه. إن شاء أن يصلي بطرفه فهذا قول بعض أهل العلم، والأظهر والله تعالى أعلم -لأنه ما جاء هذا حقيقة في نص نبوي مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم- فلو قيل إنه يصلي بقلبه وأن هذا هو الذي يستطيع لكان هذا كذلك أولى وأظهر.
كيف يصلي بقلبه؟ بمعنى أنه يكبر بقلبه فيقول الله أكبر، ويكون على نفس الهيئة فيقرأ الفاتحة ثم يقرأ بعدها سورة، ثم يكبر وينوي أنه الآن راكع ويقول: «سبحان ربي العظيم» وهو على نفس الهيئة، ثم يقول: «سمع الله لمن حمده»، «اللهم ربنا لك الحمد»، ثم يقول: «الله أكبر»، ثم يقول: «سبحان ربي الأعلى» وهكذا حتى يتم صلاته. إذا لاحظوا أن هذا الشخص بهذه الحال سقطت عنه الأفعال وأصبح في حقه الواجب هو الأقوال، يكبر ويحمد الله سبحانه وتعالى ويسبح ويقرأ الفاتحة، وهكذا في حقه الأقوال فقط دون الأفعال. وهذا حقيقة موافق لقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، هذا الذي يقدر عليه هذا الإنسان.
ننتقل بعد ذلك إلى حال المسافر. المسافر جاء في حقه عدد من التخفيفات؛ من التخفيفات التي في حقه القصر. وهنا تنبيه وهو أن القصر خاص بالصلاة الرباعية، بمعنى أن تصلى الأربع ركعتين، أما المغرب الثلاثية فهذه تصلى كما هي، والفجر الثنائية تصلى كما هي. كذلك من التخفيفات في حق المسافر غير القصر الجمع بين الصلاتين، وسوف نتحدث عنه إن شاء الله تعالى. كذلك من التخفيفات في حق المسافر أن يصلي النافلة على راحلته يومئ إيماء حيث توجهت به راحلته ويسقط عنه استقبال القبلة. إذا لاحظوا النافلة أبيح للمسافر أن يصلي على راحلته دون أن يستقبل القبلة ولو توجهت به يمنة أو يسرة، ويومئ إيماء فلا يحتاج أن يركع أو يسجد أو يقوم.
إذا هذا تخفيف ثالث في حق المسافر. لاحظوا التخفيف الثالث هذا لا يدخل في الفريضة، التخفيفان الأولان في الفريضة القصر والجمع، التخفيف الثالث هذا في النافلة أن يصلي حيث توجهت به راحلته. هذه ثلاث تخفيفات للمسافر، بينها فروق نود أن ننبه لها؛ لاحظوا أن القصر يختص به المسافر، لا يقصر الصلاة غير المسافر، حتى لو كان هناك حال حرب تصلى الصلاة رباعية؛ إلا لو كان حال حرب ومسافر فيصليها مقصورة، أما إذا كان حال حرب في مدينته فيصليها رباعية. لو كان مريضا نقول صلها رباعية؛ يباح لك مثلا الجمع، يباح لك أنك تصلي في بيتك، يباح لك أنك تصلي قاعدا، ولكن ليس من حقك القصر، القصر يختص به المسافر.
الجمع لا يختص به المسافر فقط، وإنما يشرك المسافر غيره، فيشترك فيه مثلا المريض، يشترك فيه من احتاج إلى الجمع لعذر، مثلا لمرض، لمطر شديد، لرياح شديدة، يباح له الجمع بين الصلاتين. إذا هناك فرق بين الجمع وبين القصر في حق المسافر؛ نقول المسافر يختص بالقصر فلا يقصر الصلاة غير المسافر، والجمع يجمع المسافر وغيره بين الصلاتين، ولعلنا نفصل هذا إن شاء الله تعالى ولكن بعد هذا الفاصل القصير.
نواصل معكم بعد هذا الفاصل ونتحدث عن القصر للمسافر، وقلنا إن هذا القصر يختص بالمسافر، دليله قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: 101]. وهذه الآية أباحت القصر، وظاهر هذه الآية قد يفهم منه أن هذا القصر يختص بحال الضرب في الأرض إذا خاف المسلمون أن يفتنهم الذين كفروا. وقد استشكل هذا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وسأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي: «إنها صدقة من الله فتصدق بها عليكم، فاقبلوا صدقته». إذا دلنا النبي صلى الله عليه وسلم على أن القصر في الضرب في الأرض ولو لم تخف فتنة الذين كفروا. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف عنه أنه أتم في سفره، بل سافر أسفارا كثيرة سواء كان في غزو أو سواء كان للحج، مثل حجة الوداع، النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر فيها الصلاة مع أنه لم يخف من الذين كفروا، إذا هذا دليل على أن هذا القيد إنما هو قيد أغلبي وليس قيدا يخرج ما عداه.
إذا القصر يباح لكل مسافر، وذكرنا أن القصر يكون في الرباعية. من الأحاديث التي جاءت في القصر ما جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. وقد قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]. لاحظوا كيف أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما روى لنا هدي النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وهدي خلفائه، وأنهم لم يزيدوا في السفر على ركعتين. لذلك يقول أهل العلم إن القصر في السفر سنة مؤكدة، وأن الإتمام في السفر إما جائز أو ترك للأولى أو مكروه. وقال بعض أهل العلم -وإن كان هذا القول ضعيفا- قال بعض أهل العلم إن القصر واجب وأن الإتمام محرم، وإن كان هذا القول قولا ضعيفا، يعني لا يقول به إلا قلة من أهل العلم، لكن الصحيح أن نقول إن القصر سنة مؤكدة عن النبي صلى الله عليه وسلم حافظ عليها وداوم عليها في أسفاره صلى الله عليه وسلم.
من الأشياء التي نود التنبيه إليها في هذه المسألة كذلك أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرة سئل بعد أن قصر الصلاة، قيل له: ألا تسبح بعد الصلاة؟ يعني ألا تصلي السنة الراتبة بعد الصلاة؟ لعلها كانت صلاة المغرب أو صلاة العشاء، بعدها سنة راتبة، فقيل له: ألا تسبح بعد الصلاة؟ فقال -لا تكون صلاة المغرب وإنما لا بد أنها تكون العشاء لأن المغرب لا تقصر وإنما العشاء- فقيل له: ألا تسبح؟ فقال: «لو كنت مسبحا لأتممت». يعني أنه لما سقطت الركعتان من الفريضة أولى أن تسقط السنة الراتبة. لذلك لم يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي السنن الرواتب في سفره، ولم يكن يحافظ في سفره إلا على راتبة الفجر والوتر، رواتب الفجر وصلاة الليل يختمها بالوتر صلى الله عليه وسلم، وأما الرواتب الأخرى التي تكون بعد المغرب أو بعد العشاء فلم يكن يصليها النبي صلى الله عليه وسلم. لذلك قال ابن عمر: «لو كنت مسبحا لأتممت»، يعني لو كنت متسننا هذه الركعتين التي بعد العشاء أو ربما كانت بعد الظهر أو قبل الظهر أولى منها أن يتم الصلاة الفريضة، أولى من أن أصلي النافلة، أن يتم الفريضة. ولكن لما خفف الله سبحانه وتعالى الفريضة هذا دليل على أن تخفيف النافلة يكون بباب أولى، إلا ما ذكرنا من ركعتي الفجر التي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيها: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها»، والوتر كذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدع سفرا ولا حضرا.
إذا هذا ما يتعلق بالقصر. هناك حقيقة مسائل تتعلق بالقصر: ما هي المدة التي يقصر فيها المسافر؟ وما هي المسافة التي يقصر فيها المسافر؟ نحن نقول إن المسافر يقصر في مدة سفره، وقد جاء في الشريعة تعليق حكم القصر أو الجمع بلفظ السفر، ولم يجئ في الشريعة تحديد السفر بآحاد أو أميال محددة. يعني ما جاءت الشريعة وقالت: من سافر مثلا أربعة فراسخ أو ستة عشر فرسخا، أو من سافر ميلين أو سافر يومين أو من سافر سبعين ميلا أو غير ذلك، لم تأت الشريعة بهذه التحديدات، فدلنا هذا على أن السفر يرجع في تحديده إلى العرف.
وهنا قاعدة ينبغي لطالب العلم أن يستفيد منها وأن يطبقها، وهي أن التحديدات إما أن تكون شرعية، فإن لم تكن شرعية فإنها تكون عرفية. مثال التحديدات الشرعية مثلا، هناك عدد من التحديدات الشرعية، مثلا غسل اليدين والقدمين في الوضوء ثلاثا والوجه ثلاثا ومسح الرأس واحدة، هذه تحديدات شرعية توقيفية. أن تكون مثلا التسبيحات ثلاثا أو عشرا، أن يصلي المغرب ثلاثا وأن يصلي العشاء أربعا، هذه تحديدات شرعية توقيفية معينة لا يتجاوزها، مثلا تحديد الصيام بأنه من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، وأن الواجب هو شهر رمضان، وأن شهر رمضان يكون برؤية الهلال، هذه كلها تحديدات شرعية.
أما ما لم يجئ في الشرع محددا، مثلا علق بلفظ السفر، السفر لم يجئ تحديده في الشرع بأنه كذا من كذا إلى كذا، وأنه إذا قطع مسافة كذا فهو مسافر، وإن لم يقطع مسافة كذا فهو غير مسافر، لا، وإنما.
جاء إطلاق تعليق الحكم به؛ فلذلك نقول ما دام لم يحدد في الشرع فإنه يرجع في تحديده إلى العرف. لاحظتم مثلاً هناك بعض الأشياء لم ترد فيها التحديدات؛ مثلاً يقول أهل العلم إن الحركة الكثيرة تبطل الصلاة. هل جاء في الشريعة أن ثلاث حركات أو أربع حركات أو خمس حركات تبطل الصلاة؟ لا، بحيث أن نقول خمس تبطل وأربع لا تبطل؛ لا، ما جاء هذا التحديد لحد الحركة المبطلة للصلاة، إذاً يرجع فيها للعرف. فإذا كان هذا المتحرك بشكل من رآه قال هذا صاحب حركة كثيرة جداً في الصلاة، كثيرة حتى إن ربما من رآه قال: إيش هذا؟ غير مصلي، نقول هذا إذاً حركة مبطلة للصلاة كثيرة عرفاً. أما إذا كانت يسيرة عرفاً بحيث إنه والله الحركة المعتادة التي لا يطرأ بذهن الناظر من نظر إليه إلا أنه في صلاته، ولكن هذه حركة معتادة، فنقول هذه يسيرة عرفاً.
كذلك الموالاة مثلاً في الوضوء؛ لو أن إنساناً يتوضأ مثلاً فبعد أن غسل يديه مثلاً جاءته مكالمة جوال، فرفع الجوال ورد عليه وكلمه مثلاً ورد عليه سؤاله، ثم أغلق الجوال وأكمل وضوءه، نقول هذا فاصل يسير عرفاً. لكن فرض أنه جاء الجوال وخرج من مكانه وجلس يكلم فترة طويلة ثم رجع، إذا رجع هل يكمل وضوءه؟ نقول لا، أعد وضوءك من جديد، خلاص انقطع الوضوء وصار الناظر إليك لا يتخيل الآن أنك تكمل العبادة التي كنت فيها، وإنما كأنك قطعتها وانصرفت عنها ثم جئت بشيء جديد.
لذلك هناك أمور في الشريعة ردتها إلى العرف لم تحددها، مثلاً مثل النفقة؛ هل جاء في الشريعة مثلاً في نفقة الزوج على زوجته أن ينفق عليها كل يوم مبلغاً معيناً من الدولارات أو الريالات أو الدنانير، أو مبلغاً أو قدراً معيناً من الأكل أو الطعام، صاعاً من طعام؟ لا، ما جاء تحديدها في الشريعة؛ فلذلك تحديدها يكون بالعرف الذي هو مقدار نفقة. فلذلك يلزم الرجل بأن ينفق على زوجته المقدار المعروف الذي يكفي طبعاً في كل زمن وفي كل بلد، وفي كل بيت بما يناسبه، الحال الذي يناسب البيت الذي فيه أطفال وفيه زوجة غير البيت الذي فيه زوجة بدون أطفال وهكذا. إذاً هذه الأمور مردها إلى العرف، وهذه قاعدة أنه ما لم يجيء في الشريعة تحديده فإنه يرجع فيه إلى العرف.
وكذلك لفظ السفر، إذا تأملنا لفظ السفر فإننا لم نجد في الشريعة تحديداً له، لا من حيث المسافة فلا يقال مثلاً من قطع سبعين كيلو إنه مسافر ومن دونها فليس بمسافر، ولا من حيث المدة. فمثلاً إذا سافر الإنسان إلى مدينة أخرى ما دام أن هذه مدينة وهذه مدينة فإذا انتقل إليها يعد مسافراً، لكن لو خرج لها مثلاً صباحاً ورجع بعد ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات، هذا لا يعد مسافراً. لاحظوا مع أن المسافة واحدة في حال من الأحوال اعتبرناها سفراً، لماذا؟ لأنه ذهب إليها وأقام فيها أربعة أيام خمسة أيام وسكن في فندق أو ستة أيام ثم رجع، هذا اعتبرناه مسافراً. لكن نفس المسافة قطعها هذا الرجل وجاء بعد ساعة فإنه لا يعد مسافراً، لاحظتم الآن؟ إذاً العرف له عدة معايير منها من معاييره المسافة، ومن المعايير التي تضبط هذا العرف كذلك المدة؛ يعني هل يتزود لها هذا الشخص أو لا يتزود لها؟
لذلك لو أن إنساناً ذهب إلى مسافة قصيرة ولكن المدة طويلة لقلنا هو مسافر، لو أن إنساناً ذهب إلى مكان بعيد والمدة قصيرة لقلنا مسافر. لكن لو أن إنساناً ذهب إلى مكان قريب مسافة قصيرة والمدة قصيرة رجع مباشرة، نقول هذا غير مسافر، وإن كان هذه المدة لو قضاها في مكان سافر إلى مكان بعيد اعتبرناه مسافراً، أو أن هذا المكان ذهب إليه وأقام فيه مدة طويلة اعتبرناه مسافراً. لكن لما اقترن قصر المدة مع قصر المسافة اعتبرناه غير مسافر، وإنما اعتبرناه في نزهة وراجع بعد نزهته. لاحظتم؟ إذاً هذه قضية محددات للعرف، هذا معنى تحديد العرف.
لعلنا نأخذ الآن فاصلاً قصيراً ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد هذا.
يحرص كثير من الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم شتى العلوم، ويبذلون في ذلك الغالي والنفيس من أوقاتهم وأموالهم، وهذا مما يؤجرون عليه من الله تعالى، ولكن هل اعتنوا مع ذلك بتعليمهم أدب العلم وسمته؟ فهو الذي يهذب أخلاقهم ويحسن طباعهم، فحاجة الأطفال إلى الأدب وحسن الخلق أشد من حاجتهم إلى كثير من العلم، لهذا كان السلف يحرصون على تعليم أبنائهم الأدب قبل العلم. قال سفيان الثوري: كانوا لا يخرجون أبناءهم لطلب العلم حتى يتأدبوا، وقال عبد الله بن المبارك: طلبت الأدب ثلاثين سنة وطلبت العلم عشرين سنة. وهذا ما جعل الآباء والأمهات قديماً يدفعون بأولادهم إلى المؤدبين والعلماء حتى يقتبسوا من أخلاقهم وآدابهم قبل علومهم.
قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى: كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه. وذلك أن العلم لا ينتفع به إلا بطهارة القلب عن مساوئ الأخلاق، ولعل هذا الأمر هو ما دفع العلماء إلى اشتراط أن يتتلمذ طالب العلم للعلماء لا للكتب فحسب؛ وذلك حتى يتأكد من تخلقه بأخلاق العلماء وتحليه بآدابهم، ويظهر عليه سمت العلم وأدبه ونوره. قال عبد الله بن وهب: ما تعلمناه من أدب مالك أكثر مما تعلمناه من علمه. ومما يدلك على منزلة الأدب والأخلاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين العلم والأخلاق والأدب، ولما أثنى عليه ربه سبحانه وتعالى أثنى عليه بالأخلاق والأدب، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونواصل حديثنا عن القصر والجمع للمسافر، فنقول متى يبدأ المسافر قصره؟ نقول يبدأ المسافر قصره من بدء سفره، وهذا السفر يكون بعد خروجه من عامر قريته، ولا يبدأ الترخص برخص السفر وهو في بيته؛ بعض الناس يخطئ يقول: خلاص أنا سوف أسافر اليوم، فيبدأ يترخص رخص السفر في بيته، نقول: لا، حتى تخرج من قريتك وتشرع في سفرك وتفارق عامر قريتك.
هناك عدد من المسائل حقيقة تشتبك فيها صلاة السفر بصلاة الإتمام، القصر بالإتمام؛ مثلاً لو ائتم مسافر بمقيم ماذا يفعل؟ نقول: أتم الصلاة معه، لا يجوز لك أنك تصلي ركعتين وهو يصلي أربعاً، فتجلس بعد الركعتين أو تنفل من الصلاة وتترك المتابعة وأنت يمكنك المتابعة؛ لماذا؟ لأنك تترك الأمر الواجب لأجل سنة. لكن لو أدرك من الصلاة ركعتين فقط وسلم معه نقول لا بأس، لاحظتم الفرق؟ لو أدرك من الصلاة ركعة وسلم، قضى ركعة ثم سلم لا بأس، لو أدرك من الصلاة ثلاث ركعات نقول لا تسلم بعد الركعتين، وإنما صلِّ مع الإمام ثلاث ركعات ثم بعد ذلك ائتِ بركعة وسلم. إذاً ينبغي متابعة الإمام بحيث إنه لا يخل بمتابعة الإمام لأجل أن يحقق سنة القصر.
هناك مسائل أخرى متعلقة بالقصر والتمام، مثلاً لو أن إنساناً تذكر وهو مسافر صلاة قد فاتته وهو مقيم، أو تذكر وهو مقيم صلاة قد فاتته وهو مسافر، الأظهر أنه يصلي في جميع الحالتين صلاة متم. كذلك لو أن إنساناً مثلاً شرع في الصلاة مقيماً ثم انطلق مثلاً الباص أو الطائرة فصار مسافراً، أو شرع في الصلاة مسافراً ثم وصل الباص أو الطائرة فصار مقيماً. لو أن إنساناً مثلاً صلى وهو مقيم ثم تذكر وهو مسافر أن صلاته فاسدة، فيعيد الصلاة، لاحظ أن ما يقضي وإنما يعيد الفاسد، هناك فرق بين قضاء المنسي وإعادة الفاسد. أو أن إنساناً كان مسافراً فتذكر وهو مسافر أنه قد صلى صلاة وهو مقيم وفسدت الصلاة، أما لأنه تذكر أنه محدث أو غير ذلك فصلاها وهو مسافر، إذاً هذا مثال آخر. لو أن إنساناً لزمته الصلاة في سفره ثم أقام، أو لزمته في إقامته ثم سافر، يعني ابتدأ الوقت وهو مقيم ثم سافر أو ابتدأ الوقت وهو مسافر ثم أقام وهكذا، فأحياناً تشتبك هذه الأمور. الأولى في مثل هذه الأحوال أن يتم الإنسان صلاته، وإن كان في كل منها تفصيل، لعلي أحيل فيه إن شاء الله تعالى إلى كتب أهل الفقه.
والتفصيل فيها مثلاً الإنسان أعاد الصلاة الفاسدة، أعاد الصلاة التي كانت فاسدة فسدت صلاته وهو مسافر أعاد وهو مقيم، فسدت وهو مقيم أعاد وهو مسافر، العكس قضى الصلاة التي نسيها، نسيها وهو مسافر قضاها وهو مقيم، أو نسيها وهو مقيم قضاها وهو مسافر، مثلاً ابتدأ الصلاة وهو مسافر ثم أقام، ابتدأ الصلاة وهو مقيم ثم سافر، مثلاً ابتدأ الوقت وهو مسافر ثم أقام، ابتدأ الوقت وهو مقيم ثم وهكذا، أحياناً تشتبك هذه الأمور وفيها تفصيل حقيقة طويل، لكن أنا أقول الأحوط عموماً يتم الإنسان إذا شك هل يقصر أم يتم؛ الأحوط أن يتم دائماً، وما يتعلق بالتفصيل فيها والخلاف وكذا لعلنا نحيل فيه إلى كتب الفقه.
ننتقل إلى قضية مسألة الجمع بين الصلاتين؛ الجمع بين الصلاتين الحقيقة يشترك فيه المسافر وغير المسافر، مثلاً جاء في السنة حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في المدينة وهو غير مسافر، وهذا والله تعالى أعلم إنما كان للمطر أو كان لأجل الخوف أو كان لأجل المرض والله تعالى أعلم. طيب، إذاً الجمع لا يختص بالسفر كما قد فهمه بعض أهل العلم، ويرد على هذا الفهم ما ذكرنا من رواية حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في المدينة، فهذا جمع وهو غير مسافر، وذكرنا أن هذا الجمع إما أن العلة المرض أو لعلة الخوف أو لعلة المطر أو غير ذلك.
الجمع يكون في واقع الأمر بين الظهر والعصر فيكون وقتهما وقتاً واحداً، وبين المغرب والعشاء فيكون وقتهما وقتاً واحداً. ما معنى قولنا يكون وقتهما وقتاً واحداً؟ أي أن هذين الوقتين يندمجان ويصبحان وقتاً واحداً. وقت الظهر والعصر يبدأ من زوال الشمس إلى غروب الشمس، إلى نهاية وقت العصر وقت الاختيار ووقت الاضطرار إلى الغروب كما قد بينا في المواقيت، يصبح الوقتان وقتاً واحداً؛ فيمكنه أن يؤدي الظهر والعصر في أول الظهر أو في وسط الظهر أو في بداية العصر أو في آخر العصر. المغرب والعشاء يصبح وقتاهما وقتاً واحداً، وذكرنا أن وقت المغرب يبدأ من غروب الشمس وأن وقت العشاء ينتهي بنصف الليل، إذاً يصبح هذا الوقت كاملاً مساحة لصلاة المغرب والعشاء، يصليهما إن شاء أن يصليهما جمع تقديم أو جمع تأخير. جمع التقديم أن يجمع الصلاتين في وقت الأولى منهما، وجمع التأخير أن يجمع الصلاتين في وقت الأخرى منهما.
هنا عدد من التنبيهات حقيقة التي نود أن ننبه إليها في مسألة الجمع، وهي أنه يشرع الجمع للمسافر حال ضربه في الأرض حال طريقه، ويجوز له إذا وصل وأقام لكن لا يشرع؛ لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان يصلي في منى كل صلاة في وقتها، لكن لما يكون في الطريق يجمع صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع. لكن في إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بمنى وهو مسافر كان يقصر الصلاة في منى مسافر لكن لم يكن يجمع، هذا دلنا على أن الجمع يشرع ويستحب في حال جد السير. وأما إذا أقام في بلده الذي وصل إليه وليس في بلده الذي هو وطنه، إذا أقام في بلده الذي هو وطنه لا يجوز له الجمع، لكن إذا أقام في بلده الذي وصل إليه الإقامة الطارئة أو المؤقتة فإنه يقصر ولا يجمع، هذا التنبيه.
التنبيه الثاني: الأظهر والله تعالى أعلم أنه لا يجمع بين الجمعة والعصر؛ لأن الجمعة ليست ظهراً، الجمعة ليست ظهراً وإنما هي صلاة مخصوصة باجتماع مخصوص في وقت مخصوص، فإذا فاتت الجمعة نحن قد ذكرنا أن الجمعة دائماً إذا فاتت تصلى ظهراً. لو أن المسافر مثلاً صلى الجمعة نقول لا تجمع العصر، لكن لو لم يصلي الجمعة نقول صلِّ الظهر والعصر جمعاً وقصراً وأنت تسقط في حقك الجمعة أصلاً، فصلي الظهر والعصر جمعاً وقصراً.
كذلك من التنبيهات أنه يباح الجمع لأجل المطر؛ المطر سابقاً الشوارع لم تكن مسفلتة ولا فيها بلاط، فكان إذا نزل مطر في الشوارع تصبح طيناً ويشق على الناس، تتسخ ملابسهم وثيابهم وربما كان مطر شديد، فلذلك كانت المشقة حقيقة سابقاً، لكن لا زالت الرخصة باقية إذا كان ثَمَّ مطر شديد يشق على الناس فيه الخروج، أو ريح شديدة يشق على الناس فيه الخروج ورأى إمام المسجد أن يجمع بين الصلاتين فهذا له إن شاء الله تعالى، وإن رأى كذلك أن يأمر الناس بالصلاة في رحالهم فهذا له وقد ثبتت به السنة كذلك إن شاء الله تعالى، إذاً هذين رخصتين في حال المطر والبرد والريح الشديد.
هل تصلى الرواتب في حال الجمع؟ نقول: إذا كان مسافراً لا يصلي الرواتب، أما إذا جمع لأجل المطر أو لأجل المرض فإنه يصلي الرواتب، هل يصليها بعد الصلاتين أو بين الصلاتين؟ الأمر إن شاء الله تعالى في هذا واسع، لأن الصحيح أنه لا تشترط الموالاة.
بين الصلاتين، وإنما يصبح الوقتان وقتاً واحداً؛ يمكنه أن يصلي المغرب ثم بعد ذلك يصلي العشاء، ويمكنه أن يصلي الظهر في أول وقت الظهر، ثم يصلي العصر في آخر وقت الظهر، ولا إشكال في هذا إن شاء الله تعالى.
كذلك من التنبيهات التي نود أن ننبه إليها، وهو أنه إذا قدم العشاء فإنه يجوز له أن يصلي الوتر؛ لأن الوتر يبدأ وقته من بعد صلاة العشاء.
كذلك من التنبيهات التي ننبه إليها، أن الصلاتين المجموعتين تصليان بأذان وإقامة، على ما جاء في حديث جابر في صحيح مسلم، وإن كان هذه المسألة فيها خلاف، فيها حديث ابن عمر وحديث ابن مسعود، لكن مشينا نحن على حديث جابر في صحيح مسلم أنه صلى بأذان واحد وإقامة.
هذه الأحكام المتعلقة بالجمع بين الصلاتين في السفر، وذكرنا أن الجمع لا يختص بالسفر، وإنما يكون للمسافر ولغيره في بعض الأحوال وفي بعض الظروف، ونبهنا إلى أن ثمة مصفوفة يجتمع فيها بعض الأشخاص مع بعض التخفيفات، ويختص بعض الأشخاص ببعض التخفيفات، وتختص بعض التخفيفات ببعض الأشخاص.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا وإياكم العلم النافع، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي