تسجيل الدخول

المحاضرة 14 - صلاة أهل الأعذار

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهل النوال ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان، زاد زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً، وآتنا من لدنك توفيقاً وسداداً وصواباً. ربنا زدنا علماً.

إخواني وأخواتي في هذه الأكاديمية المباركة، ها نحن قد وصلنا إلى الدرس الرابع عشر من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثاني في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، وأن يبارك في معلميها وطلابها والقائمين عليها والمشرفين عليها، وأن يجعلها من منارات نشر العلم النافع.

إخواني وأخواتي، سوف نأخذ إن شاء الله تعالى في هذا الدرس في هذا اليوم صلاة أهل الأعذار، وسوف نجعل هذا الموضوع على درسين إن شاء الله تعالى. صلاة أهل الأعذار من الأبواب المهمة في كتاب الصلاة. ما المقصود بهذا الباب وبهذا الموضوع؟ المقصود بهذا الباب وبهذا الموضوع التخفيفات التي خفف الله سبحانه وتعالى بها على عباده المسلمين لسبب من الأسباب في شأن الصلاة.

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]. والله سبحانه وتعالى من رحمته بعباده خفف عنهم بعض التخفيفات في بعض الأحوال، وسوف نذكر هذه التخفيفات وهذه الأحوال بشكل مجمل.

ما هي هذه التخفيفات وما هي أنواعها؟ أنواع التخفيفات تختلف؛ أحياناً تكون تخفيفاً في عدد الركعات، فبدل أن تُصلى الصلاة أربع ركعات تُصلى ركعتين. أحياناً تكون التخفيفات في هيئة الصلاة، كان يُباح للمصلي أن يصلي قاعداً ما دام أنه لا يستطيع الوقوف، أو يومئ بالركوع والسجود إذا لم يستطع الركوع والسجود، إذاً هذا في الهيئة. كذلك من التخفيفات في الهيئة مثلاً التخفيف في هيئة الجماعة في صلاة الخوف.

التخفيف الثالث من أنواع التخفيفات المتعلقة بشان الصلاة تخفيف في الوقت. الله سبحانه وتعالى جعل الصلاة على عباده كتاباً موقوتاً، مفروضاً مؤقتاً، محدوداً بأوقات، ولكن خفف على عباده في بعض الأحوال، فجمع لهم بين وقتين من الأوقات لتكون وقتاً واحداً، وهو مصطلح أهل العلم على تسميته بالجمع بين الصلاتين.

إذاً هذه أنواع التخفيفات في الصلاة، أما أن يكون تخفيفاً في العدد، أو تخفيفاً في هيئة الصلاة، أو تخفيفاً فيما يتعلق بوقت الصلاة.

من هم أهل الأعذار الذين يخفف عنهم؟ هناك حقيقة عدد من الأعذار يستحق أهلها التخفيف، ومن الجيد ذكره في هذا المقام أنه ليس معنى ذلك أنه من حصل له عذر من الأعذار أن أُبيحت له أي نوع من هذه الأنواع من التخفيفات، لا، وإنما يُباح له التخفيف المناسب له. نضرب لذلك بعض الأمثلة؛ من هم الأشخاص الذين خفف عنهم؟ مثلاً المسافر.

ما هي التخفيفات التي أُبيحت للمسافر؟ أُبيح للمسافر مثلاً القصر والجمع بين الصلاتين، ولكن هل أُبيح له التخفيف في الهيئة كأن يصلي قاعداً؟ لا. كذلك ذكرنا القصر والجمع، لكن هل يخفف عنه في القعود؟ نعم، يخفف عنه في النافلة، أما في الفريضة فلا.

من الأشخاص الذين خفف عنهم كذلك المريض؛ المريض خفف عنه إذا احتاج إلى الجمع؛ كان المرض يشق عليه مشقة، وسوف نذكر ضوابط هذا إن شاء الله تعالى، لكن نحن نتحدث هنا الآن بإجمال، في بعض الأحوال يُباح له الجمع. في بعض الأحوال إذا كان يشق عليه القيام، أو لا يستطيع الركوع، أو لا يستطيع السجود، يخفف عنه فيومئ إيماءً ويصلي جالساً، هذا مثال.

كذلك من الأشخاص الذين خفف عنهم من كان في مكان وفيه مطر ووحل ورياح شديدة أو باردة، فهذا كذلك يخفف عنه؛ إما أن يخفف عنه بالجمع بين الصلاتين، وإما أن يخفف عنه في حضور الجماعة فيُباح له أن يصلي في بيته، فبدل أن يقول المؤذن في هذه الحال: حي على الصلاة، أي هلم إلى الصلاة، يقول: صلوا في رحالكم أو صلوا في بيوتكم، وهذا قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث ابن عمر وغيره رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

إذاً هذا كذلك نوع من أنواع التخفيفات؛ الصلاة في البيوت. هناك نوع خامس من أنواع التخفيفات، وهو الصلاة على الراحلة والتخفيف في عدم استقبال القبلة، وهذا للمسافر الذي يصلي على راحلته.

نحن سوف نستعرض إن شاء الله تعالى اليوم أنواعاً من التخفيفات التي سوف نذكرها، كذلك من التخفيفات تخفيف سادس وهو التخفيف في صلاة الخوف، كما ذكرنا في هيئة الجماعة، وتخفيف سابع وهو أن يصليها على أي حال إذا التحم الصفان. هذا التخفيف السابع في حال التحام الصفين. هيئة الجماعة هذا في حال مواجهة العدو أو مراقبة العدو لكن ليس ثمة التحام، هذا تخفيف، لاحظتم الآن هذه كلها أنواع من التخفيفات لأنواع من الأشخاص.

حقيقة أنا أقترح على إخواني وأخواتي هنا حتى يسهل علينا معرفة هذه التخفيفات وأهلها، فأقترح أن يكون عندنا قائمتين، لعل أحدكم أو إحداكن تقوم بهذا التكليف وتنشره في الموقع إن شاء الله تعالى، وهو أن يكون عندنا قائمتين؛ قائمة بأنواع التخفيفات فيكتب فيها مثلاً: تخفيف في عدد الركعات وهو القصر، الجمع بين الصلاتين، التخفيف في الجماعة، التخفيف في استقبال القبلة، التخفيف في الصلاة على الراحلة، عدم القيام. أنواع التخفيفات تذكر في القائمة الأولى على اليمين.

ثم نكتب قائمة أخرى على اليسار، فنقول كذلك هذه القائمة يكتب فيها الأشخاص الذين خفف عنهم؛ من هم الأشخاص الذين خفف عنهم؟ نكتب المريض مثلاً، المسافر، المحارب، الخائف الذي يعني التحام الصفين، الملتحم في الصف أو المقاتل الذي يباشر القتال، والحالة الأخرى في حال الخوف اللي هو المراقب ليس الذي يباشر القتال، كل واحد له تخفيف، لا شك أن الذي يقاتل ويباشر القتال تخفيفه أعظم. كذلك من الأشخاص الذين ذكرناهم مثلاً من كان في بلد فيها مطر ووحل وبرد شديد.

إذا صنعنا هاتين القائمتين ممكن أن نوصل خطوطاً بينها، فنقول مثلاً إن القصر للمسافر فقط. التخفيف الثاني الجمع، نجعل خطاً للمسافر وخطاً للمريض وخطاً لمن كان أُصيب في بلده ببرد شديد مثلاً. التخفيف في قضية القيام وإباحة الجلوس، نقول هذا للمسافر في النافلة أُبيح له أن يصلي على راحلته دون أن يقوم، وكذلك أُبيح للمريض؛ إن لم تصلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً كما جاء في حديث عمران بن حصين، إذاً هذا التخفيف لاثنين. التخفيف في الوقت مثلاً اللي هو قلنا الجمع، هكذا سوف نجد عندنا شبكة من العلاقات بين هاتين القائمتين. هذا إن شاء الله تعالى، مثل هذا الرسم سوف يساعد طالب العلم وطالبة العلم على تصور أنواع التخفيفات وتصور الأشخاص الذين خفف عنهم هذه التخفيفات. ولعلنا نواصل إن شاء الله تعالى حديثنا بعد هذا الفاصل.

نواصل معكم بعد هذا الفاصل، وكنا قد اقترحنا قبل أن نكتب قائمتين؛ القائمة الأولى لأنواع التخفيفات، والقائمة الثانية للأشخاص الذين يخفف عنهم، ثم نعمل شبكة من العلاقات بين هذه الأنواع وهذه القائمة.

هل يقال مثلاً إن الحائض والنفساء خفف عنهم فأسقطت الصلاة؟ قد يقول قائل إن هذا تخفيف عنهم، وقد يقول قائل لا، إن هذا ليس تخفيفاً بل هذا عزيمة عليهم، فلذلك يحرم عليهم أن يصلوا الصلاة. إذاً هذا ليس في واقع الأمر تخفيفاً، وإنما هو عزيمة. إذا نظر إليه من جانب قد يقول قائل نعم فيه شكل التخفيف، نقول نعم موجود في شكل التخفيف، ولكن يحرم على الحائض والنفساء أن يصلوا الصلاة التي كتب الله سبحانه وتعالى.

مسألة أخرى؛ هناك تخفيفات مرتبطة بأركان الصلاة وشروط الصلاة، مرتبطة بشروط الصلاة مثلاً مثل ما ذكرنا في استقبال القبلة. هل هناك تخفيفات في الطهارة؟ نعم، أليس من لم يجد الماء يتيمم؟ هل هذا التيمم تخفيف أم هو عزيمة؟ نقول في واقع الأمر قد يكون تخفيفاً وقد يكون بمنظار آخر عزيمة. كيف؟ إذا نظرت إليه لا شك أن فيه نوعاً من التخفيف في عدم استعمال الماء، أما عند عدم وجوده، وأما عند عدم القدرة عليه، أو الخوف من استعماله كما ذكرنا سابقاً في باب التيمم، وهو عزيمة في نفس الأمر، فهو إذا لم يتوضأ يجب عليه أن يتيمم، إذاً هو باعتبار تخفيف، وقد يقال إنه إذا لم يجد الماء هذا في حقه عزيمة، لكن إذا كان واجداً للماء ولكن يخشى من استعماله فقد يكون هذا في حقه رخصة.

مثال التخفيفات المتعلقة بشروط الصلاة في الطهارة مثلاً التخفيف الذي هو المسح على الخفين والعمامة كما ذكرناه وبينا في باب المسح على الخفين، هذا رخصة لمن لبس خفيه أن يمسح عليهما، وهذه الرخصة كما ذكرنا أنها يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليها للمسافر. إذاً لاحظوا أن هذا التخفيف للمسافر، إذاً نربط بخط مع المسافر. وهكذا هذه التخفيفات المتعلقة بالصلاة.

طبعاً لا شك أن في الشريعة تخفيفات وتيسيرات إذا وجدت المشقة والحرج، ومن هذه التخفيفات مثلاً المتعلقة في كتاب الصوم مثلاً، ولعلنا سنأتي إن شاء الله تعالى التخفيف عن الحامل والمرضع في عدم صومهما، والمريض والمسافر ألا يصوموا. كذلك من التخفيفات في كتاب الحج هو إسقاط الوجوب عمن لم يجد الزاد والراحلة ولم يستطع الوصول إلى بيت الله الحرام. وكذلك التخفيف للمرأة ولغيرهم ممن يثقل عليه في النفر مثلاً من مزدلفة مبكراً. وهكذا أنواع تخفيفات في الشريعة والدين.

أهل العلم لما نظروا في هذه التخفيفات، ذكروا لها عدداً من القواعد، فقالوا دائماً إن المشقة الخارجة عن العادة تجلب التيسير. لماذا قالوا المشقة الخارجة عن العادة؟ لأن ثمة أحياناً يكون بعض المشقات لكنها معتادة. نضرب لذلك مثلاً، لو كان إنسان مثلاً في وقت برد، لكن ليس برداً شديداً، برد معتاد، فتوضأ، لا شك أن إسباغ الوضوء على المكاره من فضائل الأعمال، والوضوء في هذه الحال واجب، ولا نقول انتقل للتيمم؛ فإن قال يشق عليّ، نقول هذه مشقة معتادة في العبادات ما فيها إشكال.

لكن إذا كان يشق عليك مشقة خارجة عن المعتاد، بمعنى أنك لو توضأت في هذه الحال لمرضت، هنا نقول لا، هذه مشقة خارجة عن المعتاد، والله سبحانه وتعالى لا يأمرك بأمر فيه تهلك نفسك أو تمرض فيه لا، وإنما يجوز لك الانتقال إلى التيمم في هذه الحالة، لاحظتم؟

كذلك مثلاً نضرب مثالاً آخر، لو أن إنساناً مثلاً قال: أنا أستيقظ لصلاة الفجر وأكون متعباً، نقول هذه مشقة معتادة، كثير من الناس إذا استيقظ من نومه يكون متعباً ويكون مرهقاً، وهذه المشقة وهذا النوع من المشقة لا تنظر إليه الشريعة ولا تخفف فيه، بل هذا نوع من الابتلاء للعباد؛ لينظر الله سبحانه وتعالى من يلتزم أمره ومن يفرط في أمره سبحانه وتعالى. إذاً هذه مشقات معتادة، هذا نوع من الابتلاء، هذا نوع من التمحيص، هذا نوع من التمييز بين العبد الصالح الذي يقدم مراضي الله سبحانه وتعالى على شهواته.

لذلك نريد أن نسأل سؤالاً: لِمَ شرعت صلاة الفجر في هذا الوقت من الليل قبل طلوع الشمس؟ أليس من الأيسر للعباد أن تكون شرعية الفجر فيقال لهم متى ما استيقظتم فصلوا ركعتين؟ لا شك أن هذا أيسر للعباد. لِمَ شرع الله سبحانه وتعالى صلاة الفجر في هذه الساعة في آخر الليل قبل طلوع الشمس؟

إلى طلوع الشمس، هذا الوقت الذي يعد آخر لحظات الليل مع بزوغ الفجر وقبل طلوع الشمس، هو وقت جرت العادة أن الناس يتلذذون فيه بالنوم والراحة. فلما لم تكن صلاة الفجر على هذه الهيئة: متى ما استيقظتم من نومكم فصلوا ركعتين؟ لما لا؟ لابتلاء العباد واختبارهم وتمحيصهم، لينظر الله سبحانه وتعالى من من عباده الذي يقوم فيستيقظ في هذه الساعة وينفض عن عينه النوم ويتوضأ لله سبحانه وتعالى ويغسل جوارحه ويخرج من بيته إلى المسجد فيصلي جماعة. هذه الصلاة لا شك أن فيها نوعاً من التمحيص، لذلك كانت صلاة الفجر أثقل الصلاة على المنافقين.

وهذه قضية حقيقة مهمة أنبه إليها نفسي وإخواني وأخواتي من طلاب العلم وطالباته، وهي عدم الاسترسال في قاعدة أن المشقة تجلب التيسير. بعض الناس توسع فصار لأدنى مشقة يفتح عليها أعظم التيسيرات، لا، هذا ليس صحيحاً. وإنما المشقة لها ضوابط، وأنواع التخفيفات لها ضوابط جاءت بها الشريعة يعرفها أهل العلم الربانيون، يعرفون أن يوازنوا ويقارنوا بينها. لماذا نقول هذا الكلام؟ لأن الشريعة جاءت معتدلة متوسطة بين اتجاهين وخطين: الاتجاه الأول اتجاه يعسر على العباد ويشق عليهم. وقد روي في سنن أبي داوود -والله تعالى أعلم بصحته- أن رجلاً شُجَّ، فسأل، فقالوا: عليك الغسل، لأنه كان محتلماً ولم يعفُ من الغسل لأجل هذه الشجة في رأسه، فاغتسل فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قتلوه قتلهم الله». لاحظوا أن هذا النوع الذي لم يأخذ بتخفيف وتيسير الله على عباده، النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليه، قال: «قتلوه قتلهم الله». لماذا؟ لأنهم شددوا هذا التشديد ولم يأخذوا بالرخصة التي تناسب هذا العبد والتي جاءت في دين الله، فأدى هذا إلى مفسدة أعظم. الشريعة حقيقة ليست على هذا الاتجاه، وإنما الشريعة وسط.

وهناك اتجاه آخر للاسف هو اتجاه قد يؤدي إلى التفلت من الشريعة، كيف؟ بزعم أنه والله هذا التخفيف؛ خلاص لا حرج عليك في هذا الأمر ما دام يشق عليك، ما دام أنه هناك إشكال، ما دام أنه يثقل عليك هذا الأمر، خلاص اترك هذا الأمر، اترك هذا الأمر، اترك هذا الأمر، حتى يصبح هذا الشخص عبداً لهواه ليس عبداً لله سبحانه وتعالى. لذلك ينبغي لطالب العلم وطالبة العلم أن يتوسطوا توسط الشريعة، وأن يدركوا توسط الشريعة في هذه التخفيفات وأهلها، وألا يشددوا في موضع التخفيف فيؤدي هذا إلى اتهام الشريعة بالقصور والحرج، والله سبحانه وتعالى قد نفى عن شريعته الحرج، ولا يسهل التيسير الذي يخرج المسلم من أن يكون عبداً لله إلى أن يكون فقط متبعاً لهواه بدعوى التيسير وبدعوى التخفيف. والشريعة وسط بين الغالي والجافي، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل الوسط والاعتدال، فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد هذا الفاصل.

إن أردت النجاح في الدنيا والسعادة في الآخرة فاسلك طريق العلم، لكن الآفات على هذا الطريق كثيرة، منها الرياء بأن يراد بالعلم الشهرة وثناء الناس، قال صلى الله عليه وسلم: «من طلب العلم ليماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء أو ليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار». ومنها الكبر والعجب، قال مجاهد: لا يتعلم العلم مستحيٍ ولا مستكبر. ومنها الحسد، قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: 19]، أي بغى بعضهم على بعض فاختلفوا في الحق تحاسداً وتباغضاً. ومنها الانشغال بالدنيا وملاهيها وأشغالها عن تحصيل العلم النافع. ومنها التعالم والتصدر قبل التأهل، فإن التصدر يمنع من تلقي العلم، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تفقهوا قبل أن تسودوا. ومنها الفتور والكسل، قال صلى الله عليه وسلم: «إن لكل عمل شرة ولكل شرة فترة، فمن كانت شرته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك». فالزم طريق العلم ولا يصدنك عن الطريق، قال تعالى: ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [الزخرف: 62].

نعود إليكم بعد هذا الفاصل، وكنا قد تكلمنا في بداية هذا الدرس عن أنواع التخفيفات وأنواع الأشخاص المخفف عنهم، نبدأ فنتحدث عن المريض. المريض جاء في حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»، وجاء في القرآن: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وهذا الحديث ما هو إلا تفسير لهذه الآية الكريمة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. إذاً الشخص المريض الذي لا يستطيع أن يقوم، إما لكبر في سنه أو ثقل في بدنه أو ضعف في عظمه أو غير ذلك من الأمراض التي تصيب بني آدم، المهم أن لا يستطيع هذا الشخص أن يقوم، إلا ربما لو قام لأشق عليه مشقة شديدة، أو لا يستطيع أن يقوم أصلاً كونه مقعداً مثلاً؛ فهذا دله النبي صلى الله عليه وسلم على أن يصلي قاعداً.

هنا تنبيه، وهو: طيب إذا كان يستطيع أن يقوم معتمداً؟ نقول: صلِّ قائماً، أنت تستطيع أن تقوم. إذا استطاع الإنسان أن يقوم مثلاً معتمداً على عصا فليقم معتمداً على عصا أو أن يتكئ على جدار مثلاً. لكن طبعاً هذا لا يخاطب به الشخص المستطيع للقيام بدون عصا ولا اتكاء، نقول للشخص المستطيع للقيام بدون عصا ولا اتكاء: فقم. إذاً خلونا نقول إن هذه رتبة متوسطة، صار قائماً ولكن قائم بغيره معتمداً، إذاً هذا أفضل من أن يصلي قاعداً. كذلك لو أن شخصاً قد انحنى ظهره من الكبر فنقول كذلك اتكئ على عصا وقم.

فإن لم يستطع القيام لا متكئاً ولا معتمداً على عصا ولا غير ذلك، نقول: صلِّ قاعداً، كما جاء في حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه. طيب كيف صفة الصلاة قاعداً؟ نقول: صلِّ قاعداً بالجلسة التي تريحك، فإن شاء مثلاً أن يفترش مثل هيئة الجلسة بين السجدتين فلا بأس، وإن شاء أن يتربع فلا بأس، وربما يكون التربع أفضل لوجهين؛ الوجه الأول أنه قد روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي متربعاً، وربما كان هذا في آخر عمره صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم في آخر عمره صار يصلي صلاة الليل قاعداً لطول صلاته وكبر سنه، فإذا بقي على ختام ركعته ثلاثون آية أو أربعون آية قام فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم واقفاً ثم ركع. فالشاهد أيها الإخوة والأخوات لما جاء في حديث عائشة قالت: رأيت يصلي متربعاً، ولأجل أمر آخر قياسي عقلي وهو أن يميز بين جلسة التشهد وبين الجلسة التي هي بديلة عن القيام، لذلك يكون متربعاً. لكن لو كان في كلا الجلستين نفس الجلسة لم تتميز بهيئة، فلذلك إذا ميزها الإنسان بالتربع فلا بأس، ولو كان جلسة أخرى أريح له فلا بأس، كذلك أو أراد أن يمد قدميه فلا بأس كذلك إن شاء الله تعالى، المهم أن يصلي قاعداً على الصفة التي تريحه والمناسبة له، وغالباً أن التربع مريح للناس لأنه أريح له في جلوسه.

فإن لم يستطع أن يصلي قاعداً وهذا يكون في بعض الأحوال، مثلاً ربما يكون المريض منوماً بالمستشفى على السرير ولا يستطيع أن يجلس، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعافينا وإياكم جميعاً وأهلنا من هذه الأمراض، فإذا كان الإنسان مثلاً نائماً على السرير ولا يستطيع أن يجلس ولا يقوم، فكما جاء في حديث عمران قال: «فإن لم تستطع فعلى جنب»، يعني على أحد الجنبين. النبي صلى الله عليه وسلم لم يدله فقال على الجنب الأيمن أو على الجنب الأيسر، إذاً هو يصلي على الجنب الذي يعد أيسر له في الصلاة، مثلاً لو كان عنده ألم في جنبه الأيمن فيصلي على الجنب الأيسر، لو كان عنده ألم في الجنب الأيسر فيصلي على الأيمن.

وهكذا كيف يكون استقبال القبلة حينئذ؟ القاعدة أن القاعد يستقبل القبلة كما ذكرنا، تكون أمامه القبلة لا إشكال في هذا. طيب الذي على جنب؟ نقول: استقبل بوجهك القبلة. فإذا كانت القبلة أمامه فإنه ينبغي له أن يكون على جنبه مثلاً الأيمن أو على جنبه الأيسر ويكون وجهه متجهاً للقبلة. إذاً لا تكون القبلة من قبل رجله ولا من قبل رأسه ولا من قبل ظهره، وإنما تكون من قبل وجهه. إذا استلقى إذا كان على جنب فإنه تكون القبلة قبل وجهه، بحيث إننا لو تخيلنا هذا الشخص الذي على جنب قام، وهو على جنب قام حتى لو وقف مستقبلاً للقبلة. إذاً هذه هيئة الذي يصلي على جنب.

فإن لم يستطع أن يصلي على جنب فنقول: صلِّ مستلقياً على ظهرك، وهذه صفة اضطجاع شبيهة بكونه على جنب، وبعض أهل العلم جعل هذه الصفة مع التي قبلها صفة هيئة واحدة، فيقول: إذا لم يستطع قاعداً فيصلي على جنب أو مستلقياً على ظهره، ولا بأس. والأولى أن نقول والأصح أن نقول: إذا لم يستطع أن يصلي قاعداً فإنه يصلي على جنب، فإن لم يستطع على جنب فيصلي مستلقياً على ظهره. كيف يصلي مستلقياً على ظهره؟ كيف يكون اتجاه القبلة حينئذ؟ إذا استلقى على ظهره، هل يجعل القبلة عن يمينه أم عن يساره أم من جهة رأسه أم من قبل قدمه؟ نقول: لا، اجعلها من قبل قدمك، فتجعل قدمك على القبلة وتستلقي على ظهرك، بحيث لو وقف هذا المستلقي على ظهره وقف على قدمه، وقف على القبلة، وقف متجه للقبلة. إذاً هذه صفة الاستلقاء على الظهر. عموماً هذه قاعدة أنه إذا كان على جنب أو مستلقياً على ظهره نقول: سواء كان على جنب أو مستلقياً على ظهره أنه بهيئته إذا وقف عليها ينبغي أن يكون مواجهاً القبلة؛ إذا كان على جنب يقف بهذا الشكل يكون على القبلة، إذا كان على ظهره بهذا الشكل إذا وقف يكون على القبلة، وهكذا. لاحظتم، إذاً الضابط في هذا كيف يكون استقبال القبلة في حالة أن يكون على جنب أو مستلقياً على ظهره، نقول: بحيث إنه لو وقف لوقف مستقبلاً القبلة.

طيب كيف يصنع بالركوع والسجود؟ نقول: إذا استطاع أن يركع ويسجد، بعض الناس ربما لا يقدر على القيام فقط ولكن يستطيع أن يركع ويسجد، نقول: اركع واسجد. طيب إذا كان يستطيع القيام ويستطيع الجلوس ويستطيع ربما الركوع أو بعض الركوع ولكن لا يستطيع السجود؟ وهذا أحياناً بعض الناس الذين مثلاً يعمل لهم عمليات في أعينهم، مثلاً يمنع من الانحناء سواء كان انحناءً بالغاً في الركوع أو انحناءً في السجود، فهذا يركع بقدر بسيط. كيف يسجد؟ نقول: تهيأ للسجود، ضع ركبتيك ويديك على الأرض ولكن لا تحنِ رأسك وجبهتك كأنك تسجد. لاحظوا الضابط عندنا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. إذاً الآن هو استطاع أن يسجد على ستة أعظم، ولكن العظم السابع ما استطاع، جاء في حديث ابن عباس: وأمرت أن أسجد على سبعة أعظم، هو استطاع على ستة، السابع يسقط، طيب ليش؟ لأنه لا يستطيع أن يحني بسبب العملية التي في عينه مثلاً، وهكذا.

طيب لو أن إنساناً مثلاً قال: أنا أستطيع ولكن لا أستطيع أن أجلس؟ بعض الناس ربما عمل عملية في الركبة مثلاً، فيستطيع أن يسجد ولكن لا يستطيع أن يجلس جلسة التشهد، فنقول: اسجد، فإذا حانت جلسة التشهد فإما أن تمد رجليك وإما أن تجلس على كرسي، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. إذاً ليس معنى كونه لا يستطيع أن يأتي بركن من الأركان أن يهمل جميع الأركان، لا، لم تستطع القيام صلِّ قاعداً، لم تستطع السجود أو إيماء وهكذا، إذاً القاعدة عندنا ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يتفقه في دينه وممن يتعلم العلم النافع، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يكفينا هذه الأمراض وأن يبعدها عنا وعن أهلنا وأقاربنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.