الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد؛ إخواني الكرام، أسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وفضله أن يزيدنا علماً وعملاً وإخلاصاً وتقى وهداية، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن لا يجعله ملتبساً علينا فنضل.
أما بعد؛ إخواني وأخواتي الكرام، هذا هو الدرس العاشر من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس قائلها وسامعها وناشرها ومن ساهم فيها، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلها من العلم الذي يكون حجة لنا لا أن يكون حجة علينا. اللهم آمين.
كنا قد بدأنا في الحلقات القليلة الماضية الحديث عن الحج والعمرة، وتكلمنا عن هذا النسك العظيم، نسك الحج ونسك العمرة وزيارة البيت العتيق. تحدثنا عن أول عمل من الأعمال ألا وهو عمل الإحرام، وقلنا إن الإحرام هو إرادة الدخول في النسك مع التلبية، والإهلال يقول: «لبيك اللهم حجاً، لبيك اللهم عمرة»، وأنه تعظيماً للبيت يشرع للمسلم ويجب عليه أن يهل بنسك قبل أن يقدم على البيت بمواقيت حددها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن عليه أن يهل بالحج في ميقاته الزماني، وأما العمرة فلا ميقات زماني لها، وإنما يهل بها في أي وقت وتقبل منه أي ساعة.
وذكرنا أن هذه المواقيت أربعة مواقيت وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزاد عمر رضي الله تعالى عنه، وأجمع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ميقات خامس وميقات ذات عرق. وكان هذا الاجتهاد العمري فاتحة خير وعلم وبركة وتيسير على أهل الإسلام من زمن عمر إلى زماننا هذا، خصوصاً بعد السفر إلى مكة بالطائرات؛ فإن هذا الاجتهاد العمري أتاح للناس أن يحرموا وهم في الطائرة إذا حاذوا مواقيتهم، ولم يلزمهم بالنزول بدنياً إلى هذا الميقات والإحرام منه أو بالرجوع إليه.
وذكرنا كذلك عدداً من المسائل المتعلقة بالإحرام من المواقيت، وتكلمنا عن جدة وهل تعتبر ميقاتاً أم لا تعتبر ميقاتاً للحج والعمرة؟ وقلنا إن أهل جدة يهلون من جدة باعتبارهم دون المواقيت، وأن جدة لا تعتبر ميقاتاً في حق من سافر إليها بالطائرة وقد مر بأحد المواقيت، وإنما تعتبر ميقاتاً لمن أتى إليها من الغرب ولم يمر بأحد المواقيت، فإن له أن ينزل بجدة ويحرم منها. وهنا مسألة يسأل عنها كثير من الزوار إلى جدة؛ يقولون إنهم قدموا لعمل وعمرة، أو قدموا لزيارة قريب لهم أو صديق في جدة ثم يعتمرون، فهل لهم أن يحرموا من جدة أم أنهم لا بد أن يحرموا من المواقيت إذا مروا بها؟
نقول إن هذه المسألة مبنية في المقام الأول على قصد هذا الزائر الذي قدم إلى جدة، فإن كان قصده الأول بمعنى المنشئ لسفره هو زيارة قريبه أو إنجاز عمله ثم سيأخذ عمرة بحكم اقترابه من البيت، فالذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن هذا بعد ما مر بالميقات لا نقول إنه مريد للحج والعمرة ابتداء، وإنما مريد لها تبعاً. فهذا إذا وصل إلى جدة وقضى عمله أو زيارة قريبه فإنه يهل من جدة ويحرم منها إلى مكة.
وأما من أنشأ في سفره إرادة العمرة بمعنى أنه يريد ابتداء الذهاب إلى البيت الحرام والاعتمار، وزيارة قريبه أو إنجاز عمله أو المرور على دكان أو متجر أو أياً كان هي قصد ثانوي، فإن عليه أن يحرم من الميقات؛ باعتبار أن قصده الأول هو الوصول إلى مكة والاعتمار منها، وإن لم يأتِها أولاً، وإن ذهب إلى جدة مثلاً وجلس بها، نقول يجب عليك أن تحرم من الميقات باعتبار ما هو المنشئ لسفرك، ما دمت تريد الحج والعمرة فهذا هو المنشئ لسفرك، فإن عليك أن تحرم من الميقات. أما إذا كان المنشئ لسفرك مثلاً انتداب عمل أو زيارة قريب، وقلت: ما دمت قد وصلت في انتداب إلى جدة مثلاً أو في عملي إلى جدة أو زيارة قريبي أو المتجر، ما دمت قد وصلت إلى جدة فأنا سأذهب إلى مكة وأعتمر.
أكشف لكم الفرق بين هاتين النيتين: هذا الشخص الذي ذهب انتداب عمله إلى جدة ثم أراد العمرة، نعم هو منشئ للعمرة، يريد العمرة من حين بلده الذي سافر منه، ولكن لو أن عمله ألغى هذا الانتداب لما ذهب إلى مكة للعمرة؛ لأن القصد الأول لسفره هو انتداب العمل مثلاً، فإذا أُلغي الانتداب هذا لم يسافر وأجل العمرة إلى حين أن يحصل له زيارة أخرى إلى جدة أو إلى مكة. لاحظتم إذاً ما هو المنشئ الأصلي لسفره؟ لكن الشخص الآخر الذي أنشأ السفر لأجل العمرة ثم سيزور قريباً، لو جاء هذا القريب وقال: يا أخي أنا سافرت ترى من جدة وذهبت، لن يترك نية العمرة، ولو جاء كان قال سوف أمر بمحل ووجد أن المحل هذا مغلق، لن يترك نية العمرة، وإنما هو أصلاً أنشأ السفر يريد العمرة، وزيارة القريب أو الصديق أو العمل الذي سيقوم به في جدة زيارة تابعة لذلك.
نقول من كان قصده الأساس الأول في سفره هو الحج أو العمرة فإن عليه أن يحرم من الميقات الذي يمر به. وأما من كان قصده الأساس هو أداء عمل ما أو زيارة قريب، فلما وصل إلى جدة، وإن كان هو ناوي من بلده أن يزور قريبه، ولكن المنشئ لسفره هو زيارة القريب، ثم بعد ذلك يذهب إلى المسجد الحرام، فنقول ما دام أنه قد سافر لزيارة القريب فهذا مر بالميقات مريداً لزيارة قريبه، فالظاهر والله تعالى أعلم أنه يحرم من جدة. وهذه مسألة يسأل عنها كثير من الزوار إلى أهل جدة ونحن نفرق فيها هذا التفريق، وليس المعتبر أن كل من أراد أو كان عنده نية الحج أو العمرة ولو كانت نية تابعة أن نلزمه بالإحرام من الميقات، لا.
نضرب لذلك مثلاً ثانياً، لو أن مكياً من أهل مكة أراد الحج في عامه، فجاءه انتداب أو عمل أو تجارة سافر فيها إلى الرياض ورجع في ذي القعدة، هو من أهل مكة، سافر مثلاً يوماً أو يومين أو ثلاث أيام إلى الرياض ورجع، فالآن هل نقول له ما دمت قد جئت من الرياض فإن عليك أن تحرم من قرن المنازل باعتبارك قد مررت بالميقات وأنت تريد الحج من عامك ولو كنت من أهل مكة؟ نقول لا، لا نقول له أحرم من الميقات، لماذا؟ لأنه قاصد مكة لأجل أنها بلده لأجل سكناه، وإن كان هو نعم يريد الحج في ذلك العام، فذلك نقول له لا، أنت مكي لا تحرم من قرن وأنت الآن تريد بلدك، تريد أن تسكن بلدك وأن ترجع إلى بلدك. فلما سكن في بلده جاء يوم ثامن ذي الحجة أو تسعة ذي الحجة فأحرم وخرج إلى عرفة، فلا بأس، هذا الواجب عليه، ولا نلزمه بأن يحرم، لا نلزم المكي الذي خرج من مكة لأجل عمل ورجع، وإن كان في أشهر الحج، وإن كان ناوي الحج، لا نلزمه بأن يهل من الميقات في حال رجوعه إلى مكة إلى بلده؛ لأنه راجع إلى بلده راجع إلى سكناه.
فكذلك من قدم إلى جدة يريد زيارة صديق أو قريب أو عمل أو يريد مثلاً تجارة، ثم وهو لما بعده يسافر قبل سفره يقول: ما دمت قد وصلت إلى جدة فأنا سوف أزور إن شاء الله تعالى مكة وأعتمر، نقول الظاهر والله تعالى أعلم بحكم أن نيته الأصل ليست هي العمرة فإنه لا يلزمه أن يحرم من الميقات، وإذا وصل إلى جدة فإنه يحرم من جدة ويسافر إلى مكة لأجل الحج أو العمرة. وهذا يلزمه أن يحرم من جدة، لماذا؟ لأن سفره إلى مكة كان لأجل الحج أو العمرة. هذا الذي يظهر والله تعالى أعلم في حال هؤلاء الأشخاص الذين يأتون لعمل ثم بعد ذلك يذهبون للعمرة.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل، وكنا قد تحدثنا قبل الفاصل عن نموذجين: النموذج الأول نموذج (أ) شخص أتى إلى جدة يريد الحج ابتداء أو العمرة ابتداء، هذا الأصل المنشئ لسفره وسيمر في جدة بقريب أو صديق يجلس عنده يوماً أو يومين ثم يذهب إلى مكة، قلنا هذا يلزمه أن يحرم من الميقات. النموذج الثاني نموذج (ب) شخص أنشأ سفره لأجل انتداب أو لأجل تجارة أو لأجل عمل أو لأجل زيارة قريب أو صديق وقال: ما دمت سأسافر إلى جدة فسأزور البيت. ما دمت أنني قد أنشأت السفر لأجل الزيارة أو لأجل القريب أو لأجل العمل فسوف أزور البيت الحرام، وهو ناوي لهذه النية من بلده، نقول هذا لا يلزمه أن يحرم من الميقات باعتبار أنه مسافر، ليس الآن سفره لأجل إرادة الحج والعمرة، وإنما لإرادة عمل أو زيارة قريب، فإذا قضى عمله أو زيارته سيذهب من ذلك المكان من جدة لزيارة قريبه أو صديقه لأجل الحج، أو لأجل بعد زيارة قريبه أو صديقه سيذهب لأجل الحج أو العمرة.
أيهما أعظم أجراً عند الله سبحانه وتعالى؟ لا شك أيها الإخوة الكرام أن من أنشأ السفر لأجل قصد بيت الله الحرام أنه أعظم أجراً عند الله سبحانه وتعالى. هذا الذي أنشأ السفر وأحرم من الميقات لا شك أن له أجوراً عظيمة، هذا إنسان ترك بيته وأهله لأجل زيارة البيت العتيق. أما نموذج (ب) هذا، فهذا إنسان ترك بيته وأهله لأجل تجارة أو عمل أو زيارة قريب أو صديق، ثم بعد ذلك سافر 60 كيلو أو 70 كيلو لأجل زيارة البيت العتيق.
إذاً هناك فرق، هناك فرق بين من أتى 100 كيلو و1000 كيلو و2000 كيلو لأجل زيارة البيت العتيق، وهناك فرق بين من قال: ما دمت سوف أصل إلى جدة فإنني سوف أحرم من هناك بالعمرة، أو سوف آخذ عمرة من هناك. هذا المنشئ أنشأ سفره لأجل غرض دنيوي أو عمل دنيوي أو صلة رحم أو زيارة قريب أو تعلم شيء، ثم بعد ذلك سفر الحج والعمرة أنشأه من جدة إلى مكة، أنشأ سفر قريب. لا شك أيها الإخوة أن نموذج (أ) أعظم أجراً عند الله سبحانه وتعالى الذي أنشأ سفر بعيد وترك بلده وموطنه وذهب قاصداً للحج والعمرة، ولا يضره وجود القريب هذا وعدم وجوده، إن وجد قريب زاره كان بها، لم يوجد فهو أصلاً قاصد للحج والعمرة. لا شك أن هذا أعظم أجراً عند الله سبحانه وتعالى.
وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في تفسير قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] قال: "أن تأتي بهما من دويرة أهلك"، يعني أن تخرج من دويرة أهلك أياً كانت في شرق الأرض أو غربها، أن تخرج من دويرة أهلك تريد الحج، وأن تخرج من دويرة أهلك تريد العمرة. هذا تمامه، ولا شك أن هذا أكمل وأفضل الأعمال بخلاف من خرج من دويرة أهله لا يريد الحج والعمرة، وإنما يريد عملاً، ثم بعد ذلك أنشأ الحج والعمرة فإنه يؤجر إن شاء الله تعالى بقدر عمله. لذلك أنا أضرب لكم مثلاً يقرب لكم هذه الصورة: هناك فرق بين من خرج من بيته يريد الصلاة، هذا كل خطوة يخطوها إلى المسجد له حسنة، طيب من خرج من بيته يريد أن يشتري من الدكان أو أن يقابل شخصاً ما ثم بعد ذلك يذهب للصلاة، فهذا الآن خرج من بيته يريد التجارة ويريد الدكان، ثم بعد ذلك لما انتهى من قضاء شغله وعمله ذهب إلى المسجد، فهذا إن شاء الله تعالى يكتب له.
الأجر يكتب له من المكان الذي خرج فيه إلى المسجد، لكن الأول كتبت له الأجور من بيته إلى المسجد لأنه خرج في طاعة الله سبحانه وتعالى. لذلك من خرج لأجل بيت الله الحرام فهو مأجور إن شاء الله تعالى في خروجه وفي قصده، يعني إخلاصه النية لله سبحانه وتعالى مأجور عليها إن شاء الله تعالى. كونه يخرج من بيته لا يخرجه إلا قصد زيارة البيت الحرام، لا يخرجه إلا قصد زيارة البيت العتيق، لا شك أن هذا فيه من الأجور والفضائل العظيمة التي لو استشعرنا ولو علمنا ما فيها لما تهاونا في شأنها، ولا ما فرطنا في شأنها، ولا ما فرطنا في شأن هذا السفر العظيم.
إخواني الكرام، نريد أن ندلف الآن إلى موضوع آخر في الإحرام: إذا الإنسان وصل الميقات وأراد الحج، ما الأفضل له؟ أفضل أنساك الحج، الحج له أوجه وله صفات. فمن صفاته يمكن أن نجمل هذه الصفات فنقول إن الحج يأتي على عدد من الهيئات يجمعها هيئتان: هيئة حج مفرد، أن يحج الإنسان مفرداً للحج لا يخالط هذا الحج عمرة، ولا يأتي بعمرة قبله ولا معه، هذا حج مفرد. أو أن يجمع معه العمرة، إذا نقول إن النسك ترجع في الأساس إلى شكلين من الأشكال: إما أن يحج مفرداً للحج، وإما أن يحج ويعتمر، يجمع الحج والعمرة.
جئنا للنسك أو الشكل الثاني، جمع الحج والعمرة، هذا له هيئتان: إما أن يجمعهما على صفة التمتع، وإما أن يجمعهما على صفة القران، إذاً المتمتع والقارن كلاهما جاء بنسك حج وعمرة، وأما المفرد فإنه يرجع بنسك واحد. وكلاهما التمتع والقران، اللي هو الجمع بين الحج والعمرة، كلاهما سُمي في كتاب الله سبحانه وتعالى تمتعاً. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]. ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾، هذه يدخل في هذه الآية المتمتع والقارن. إذاً هذا التفريق بين المتمتع والقارن في واقع الأمر هو على سنة المتأخرين، يعني من الصحابة ومن بعدهم والتابعين ومن بعدهم، وأما في القرآن الكريم فقد أدرجت كلها تحت لفظ التمتع، تحت لفظ التمتع.
إذاً يمكن أن نقول لو أردنا مثلاً اللفظ القرآني لقلنا أن هناك إفراداً، وهناك تمتع. التمتع يدخل فيه الجمع بين الحج والعمرة على جهة القران، ويدخل فيه الجمع بين الحج والعمرة على جهة التمتع. إذاً ما الذي نستنتجه من هذا؟ نستنتج أن الأنساك على ثلاثة أشكال: الشكل الأول: شكل الإفراد وهو أن يُفرد الحج. الشكل الثاني: أن يجمع بين الحج والعمرة على صفة القران. الشكل الثالث: أن يجمع بين الحج والعمرة على صفة التمتع. ما أفضل هذه الأنساك الثلاثة؟ ما أفضل هذه الأنساك الثلاثة؟ هل الأفضل نسك الإفراد أم الأفضل نسك الجمع بين الحج والعمرة تمتعاً أو قراناً؟ يعني خلونا نجعل الآن حج التمتع وحج القران في كفة، ونجعل الإفراد في كفة، فأيهما أفضل؟ هل نقول إن الجمع بين الحج والعمرة أفضل سواء كان على وجه التمتع والقران، أم نقول إن الأفضل للمسلم أن يأتي بالحج مفرداً للحج فقط؟ هذه مسألة حقيقة من كبار مسائل العلم ومن أمهات مسائل العلم، لعلنا نأخذ إيجازاً قصيراً عنها ولكن بعد الفاصل القصير.
لقد شرع الله الدين للناس رجالاً ونساءً، ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قام بواجبه، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. وقد جاء الإسلام فأكرم المرأة، وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له، فقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكاناً رفيعاً بمشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين، ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة وأم المؤمنين عائشة ونسيبة بنت كعب وأم حرام بنت ملحان وحفصة بنت سيرين وفاطمة بنت عبد الملك وزبيدة بنت جعفر وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهم.
ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع، مما أكسبها قيمة واعتباراً واحتراماً لا مثيل له في المجتمعات الأخرى، كما اعترف بذلك المنصفون من الغربيين، وبأنهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الأندلس. يقول المفكر الفرنسي مارسيل بزارد: إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحية أوروبا عبر إسبانيا احترام المرأة. فللمرأة على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية مكانة ومسؤوليات، وقيام المرأة المسلمة بهذا وغيره له أثره الإيجابي في إصلاح المجتمع كله أسراً وأفراداً. وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن مسألة من أمهات مسائل العلم، ألا وهي مسألة: ما هو أفضل نسك يتعبد به المسلم القادم إلى مكة للحج؟ هل الأفضل له أن يُفرد الحج، أم الأفضل له أن يجمع مع حجه عمرة، سواء كان هذا الجمع على وجه التمتع أو على وجه القران؟ والظاهر والله تعالى أعلم من استقراء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن التمتع أو الجمع بين الحج والعمرة -سواء كان على وجه التمتع أو القران- أنه أفضل من الإفراد، والله تعالى أعلم.
دلنا على هذا عدد من الأمور، أولهما أول هذه الأمور سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الفعلية، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بينهما، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحرم، أحرم صلى الله عليه وسلم بنسك الحج والعمرة في نسكه وفي حجة الوداع. إذاً فعله صلى الله عليه وسلم أنه قرن الحج والعمرة. الأمر الثاني أو الدليل الثاني: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتمتع وأمرهم أن يحلوا إحرامهم بعد أن طافوا وسعوا بالبيت، وأن يجعلوها عمرة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولتمتعت معكم» أو قال صلى الله عليه وسلم: «ولا أحللت معكم». إذاً تمنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لو لم يسق الهدي وأنه تمتع مع أصحابه، هذا لا شك أن فيه دلالة أفضلية. الدليل الثالث: دليل عقلي، وهو أن نقول إن العقل دلنا على أن من جاء بنسُكين أفضل ممن جاء بنسُك واحد. الدليل الرابع: أن نقول إن كثرة أعمال التمتع والقران دليل على أفضليته على الإفراد. هذه أبرز وأهم الأدلة التي جعلتنا نجمع الحج مع العمرة ونقول إن جمعهما سواء كان على وجه التمتع أو القران أفضل من إفراد الحج وحده فقط. بعض أهل العلم يقول إن إفراد الحج أفضل، ولا شك أن هذا القول كذلك له وجهه من النظر القوي، وهو يقول مثلاً اعتمد على بعض آراء الصحابة التي ترى أن إفراد كل نسك بسفرة مستقلة أنه أفضل، وهذا لا شك أنه رأي معتبر وقوي وله وجه من النظر.
طيب، تأتينا مسألة أخرى، الرتبة الثانية ما دمنا قد قررنا أن الجمع بين الحج والعمرة أفضل، هل الأفضل أن أجمع بينهما على جهة التمتع أم أجمع بينهما على جهة القران؟ وهذه مسألة كذلك من مسائل العلم الكبار، والظاهر والله تعالى أعلم أن نقول إن من ساق الهدي من الميقات الأفضل له أن يقرن، الأفضل له أن يقرن، بل الصحيح الواجب في حقه ألا يحل من عمرته بعد طوافه وسعيه، بل إن سوقه للهدي يعتبر مانعاً له من الإحلال؛ فلا يمكنه أن يأتي بعمرة يتحلل منها كما يفعل المتمتع، بل لا بد عليه أن يبقى على إحرامه لكونه قد ساق الهدي، وهذا هو ما حصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا يؤيده السنة الفعلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما من لم يسق الهدي كأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الأفضل في حقه أن يتمتع، وهذا يؤيده السنة القولية حيث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يتمتعوا. إذاً نحن نقول الأفضل فيمن ساق الهدي أن يجمع بين الحج والعمرة على صفة القران، والأفضل فيمن لم يسق الهدي أن يجمع بين الحج والعمرة على صفة التمتع. طيب، يبقى عندنا مسألة ثالثة وهي -وهذه مسألة دقيقة جداً-: هل الأفضل أن يسوق الهدي ويقرن، أم الأفضل ألا يسوق الهدي ويتمتع؟ لاحظتم، وفرقنا المسألة، الثانية قلنا من ساق الهدي فأفضل له القران، ومن لم يسق الهدي فالأفضل له التمتع. طيب، لو إنسان سألنا قبل الميقات وقال: هل الأفضل أن أسوق الهدي وأقرن، أم الأفضل ألا أسوقه وأشتريه من مكة وأتمتع؟ وهذه المسألة ناقشها الشيخ ابن القيم رحمه الله تعالى في "زاد المعاد" وأطال النفس فيها، ورجح حقيقة قولاً صحيحاً تسنده الأدلة، وهو أن الأفضل فيمن سألنا هل الأفضل أن أسوق الهدي وأقرن أم الأفضل ألا أسوقه وأتمتع، الظاهر والله تعالى أعلم أن نقول له: إن موافقتك لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الفعل بأن تسوق الهدي وتقرن أفضل من عدم سوق الهدي مع التمتع. لماذا؟ أولاً لأنه هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الفعلي. الأمر الثاني أن سوق الهدي فيه شعيرة وتعظيم للبيت، وفيه تكثير للأجر، كون الإنسان يقدم على البيت وهو قد ساق الهدي لا شك أنه من تعظيم شعائر الله، ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].
طيب، نريد أن نتحدث عن أركان الحج الأساسية. أركان الحج الأساسية هي الإحرام، وهذا حقيقة بعضهم يعتبره ركناً وبعضهم يعتبره شرطاً من شروط الحج، باعتبار أصلاً أنه لا يسمى حاجاً إلا إذا نوى أن يدخل في النسك، إذا أراد الدخول في النسك. إذاً الإحرام هذا شيء أساسي، لكن من وقف بعرفة وهو لا يريد الحج، فرضاً وقف بعرفة يريد التجارة كان يبيع ماء في عرفة، فلما انصرف من عرفة ذهب مع الحجاج إلى مزدلفة يريد أن يبيعهم ماء، فقال له قائل وهو في مزدلفة قال له: يا أخي، أنت الآن قاعد تنتقل مع الحجاج، لما لا تحج؟ قال: خلاص، إذاً أنا نويت أني حاج الآن. نقول لا، ما يجزئك لأنك ما أحرمت قبل وقوف عرفة، لازم تقف بعرفة محرماً. إذاً الإحرام ركن وشرط أساس في الحج، وهو بمثابة النية في الصلاة، بمثابة النية في الصوم في صوم الفرض، بمثابة النية في الزكاة، بمثابة النية وجود الإحرام معناه أنه يتعبد لله سبحانه وتعالى بهذا النسك. إذاً هذا الإحرام.
الركن الثاني هو الوقوف بعرفة، والحج عرفة، وسياتي إن شاء الله تعالى تفصيل الوقوف بعرفة. الركن الثالث من أركان الحج هو طواف الإفاضة، وطواف الإفاضة اتفق أهل العلم على أنه يكون بعد عرفة، وسياتي إن شاء الله تعالى تفصيل طواف الإفاضة وأحكامه وأنواع الأطوفة وأحكامها إن شاء الله تعالى. هذه ثلاثة أركان أساسية للحج، وبعض أهل العلم زاد ركناً رابعاً وهو السعي، قال إنه ركن من أركان الحج، والصحيح والله تعالى أعلم أنه ليس بركن وإنما هو واجب من واجبات الحج. ما الفرق بين الركن والواجب؟ الأركان الثلاثة هذه أركان أساسية لا تسقط عمداً ولا سهواً ولا نسياناً، من لم يأتِ بها فليس بحاج. لكن الواجبات هي أمور واجبة ولازمة، ولكن قد تسقط للعذر أو السهو أو النسيان وتجبر بدم يذبحه الإنسان، يعني يمكن جبرها. أما الأركان فمن لم يأتِ بها لا يمكن أن يجبرها، يعني من لم يقف بعرفة هذا لا يعتبر حاجاً، لو ذبح يعني مائة هدي ما يعتبر حاجاً، فاته الحج. إذاً عندنا الإحرام والوقوف وطواف الإفاضة هذه ثلاثة أركان، وسياتي إن شاء الله تعالى تفصيل واجبات الحج ومستحبات الحج وواجبات العمرة وأركان العمرة.
لكن نحن الآن حديثنا عن الأركان، وبعض أهل العلم قال إن من أركان الحج أضاف لها السعي، ولكن في الحقيقة هذا قول ضعيف، الصحيح والله تعالى أعلم أن السعي من واجبات الحج وليس من أركانه، بمعنى آخر أن السعي يمكن أن يُجبر بدم، ومن لم يسعَ يمكن أن يصح حجه أو تصح عمرته، ولكن من ترك الطواف أو ترك الوقوف أو ترك الإحرام فهذا أصلاً لا يمكن جبره، لا يمكن جبره بدم.
طيب، تحدثنا عن الإحرام وقلنا إن الإحرام أول ركن من أركان الحج، وقلنا إن الإحرام هو نية الدخول في النسك، نية يصاحبها إهلال وتلبية، بمعنى أنه أشبه بمثابة أو هو بمثابة تكبيرة الإحرام للدخول في الصلاة، إذاً هذا هو الإحرام. هناك معنى للإحرام، ما معنى الإحرام؟ ما الفرق بين تحريم الحج، إحرام الحج، وإحرام الصلاة؟ ما هو اللفظ الذي يدخل به في الصلاة أو اللفظ الذي يدخل به في إحرام الحج؟ هذه مسائل تتعلق بالإحرام وسوف نناقش معنى الإحرام وتحريماته يعني محظوراته، سوف نناقشها إن شاء الله تعالى في درسنا القادم.
أقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي