تسجيل الدخول

المحاضرة 21 - الفقه - المستوى الثالث - د.منصور الغامدي - محظورات الإحرام - برنامج أكاديمية زاد

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علمًا.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا، ويجعلنا مباركين حيثما كنا. إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الحادي والعشرون من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس قائلها وسامعها، وأن يجعلها من العلم النافع بحقنا جميعًا، وأن تكون حجة لنا لا حجة علينا.

كنا قد بدأنا حديثًا في حلقتنا الأخيرة عن الإحرام، وقلنا إن الإحرام هو نية الدخول في النسك. الإحرام يعني الدخول في حالة تحريم. إذا الإنسان كبر تسمى هذه التكبيرة تكبيرة الإحرام؛ كبّر للصلاة قال الله أكبر، هذه تكبيرة الإحرام. ما معنى تكبيرة الإحرام؟ معناه أنه يدخل في حالة تحريم، تحريم الكلام، تحريم الأكل، تحريم الشرب، تحريم المحظورات التي تحظر عليه في صلاته. هذا تحريم الصلاة، لذلك تسمى تكبيرة الإحرام. وآخر شيء في الصلاة كما جاء في الحديث الشريف: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم». إذا سلم الإنسان من صلاة، يحل له ويدخل في حالة تحليل، يحل له الأكل والشرب والضحك ويحل له الكلام، لكن في أثناء الصلاة تحريمها التكبير إلى التسليم.

هل إحرام الحج كإحرام الصلاة؟ إذا لبى المسلم في الحج قال: لبيك اللهم لبيك، يدخل في حالة تحريم إلى أن يحل. وما معنى يحل؟ يوم العيد في الحج أو في العمرة يحل بالحلق والتقصير. ما معنى يحل؟ يعني مثل التسليم في الصلاة، يدخل في حالة تحليل، انتهاء التحريم، يحل له مثلًا الطيب وغيره.

ما هي تحريمات الصلاة؟ إذا كبر لا يجوز له الأكل، لا يجوز له الشرب، لا يجوز له الكلام، لا يجوز له الضحك، أو غيرها من الأشياء المتعلقة بالصلاة. لا يجوز له مثلًا أن يكشف عورته، إلى آخره.

ما هي محرمات النسك إذا دخل الإنسان فيها؟ إذا أحرم بالنسك قال: لبيك اللهم حجًا، لبيك اللهم عمرة؛ يقول: أنت دخلت الآن في حالة تحريم ويحظر عليك عدد من المحظورات. من هذه المحظورات التي تحظر عليك: أن تلبس المخيط المعتاد. هذه أول محظورات. ما هو المخيط المعتاد؟ أن يلبس الإنسان مثل هذا الشماغ الذي يلبسه الآن أو الطاقية، أو أن يلبس الثوب هذا الذي ألبسه أو الفنيلة، أو يلبس السراويلات، هذا محظور في الإحرام ممنوع.

إذًا من تحريمات الإهلال بالحج والعمرة أن الإنسان عليه أن يتجرد من هذا المخيط. ماذا يلبس؟ يلبس إزارًا ورداءً. ما هو الإزار والرداء؟ هو قطعة قماش يلفها الإنسان على نصفه الأسفل، وهذا يسمى إزارًا، وقطعة قماش يلفها الإنسان على نصفه الأعلى، وهذا يسمى رداءً. لاحظتم؟ إذًا على الإنسان أن يترك مخيطه المعتاد. لاحظوا هنا، الإحرام في الحج والعمرة له أحكامه الخاصة. معناه أن المسلم يدخل في نوع من التذلل والخضوع لله سبحانه وتعالى، والخشوع والإخبات، والبعد عن الترف والبعد عن التنعم. بدأ الإنسان لا يلبس ملابس فاخرة ومفصلة على جسده ومخصصة له، لا، يخلع جميع ملابسه ويأخذها بمثل هذه المنشفة أو قطعة القماش هذه، يلفها على نصفي الأسفل وقطعة لنصفه الأعلى. هذا فيه نوع من الخروج من تنعم الحياة الدنيا وطيباتها، وفيه نوع من الذلة والخضوع لله سبحانه وتعالى.

بينما ما هو هدي المسلم في صلاة الجمعة أو في صلاة العيد؟ في صلاة الجمعة وصلاة العيد أن يلبس أفضل ثيابه وأن يتطيب، فالجمعة أليس مشروعًا أن الإنسان يخرج بثوب؟ بل النبي صلى الله عليه وسلم حث أن يكون للجمعة ثوب خاص. كذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم على التطيب في صلاة الجمعة. شوف، لاحظ هدي صلاة الجمعة مختلف عن هدي القدوم لبيت الله الحرام. ما هو الاختلاف؟ الاختلاف أن الإنسان يقدم في نسك الحج والعمرة وهو متجرد من ملابسه.

ما هي الملابس التي يحرم على الرجل أن يلبسها؟ نقول: لبس المخيط الذي يحرم على الرجل هو: القميص وهو الثوب أو الفنيلة، العمامة التي تلبس على الرأس، السراويلات التي تلبس في النصف الأسفل من البدن، الخفاف. ما هي الخفاف؟ اصطلح الناس مثلًا على الجزمة الرياضية أو جزمة العمل التي تحيط بالقدم، تحيط بالقدم يعني تلبس من وراء العقب. ما هو الجائز؟ أن يلبس الإنسان نعلًا. ما هو النعل؟ هو الذي لا يحيط بالقدم من ورائه، كعب الإنسان وعقبه. إذا أحاط به شيء هذا يسمى خفًا، لكن إن لم يحيط به شيء كان مفتوحًا من الخلف، يغطي ظهر القدم فقط، هذا نعل وهذا جائز لبسه. إذا النعل يجوز لبسه، أما الخف الذي يحيط بالعقب من ورائه فهذا لا يجوز لبسه، وهذا من محظورات الإحرام. الخفاف محظورات، السراويلات محظورات، القمص، الفنيلة، العمامة، البرانس. ما هي البرانس؟ هي اللباس الذي يشبه المشلح أو العباءة التي يلبسها الرجل أحيانًا يتصل بها قبعة رأس، هذه كذلك من محظورات الإحرام.

لو إنسان قال: أنا سآخذ هذا المشلح وسوف ألفه على جسدي مثل ما ألف الرداء، نقول: لا بأس، لكن ما يجوز لك تلبسه، يعني ما يجوز لك أن تضعه على كتفك، ما يجوز لك أن تدخل يدك في كمه. أما إذا أخذت هذا المشلح أو الثوب أو هذه العمامة وتغطي بها بدنك مثل الرداء أو مثل الإزار بالضبط، فلا بأس. لو إنسان أخذ الثوب وأخذه بالجنب ولف به كالإزار نقول: لا بأس، أنت استعملته كإزار أو استعملته كرداء، هذا لا بأس. لكن لا يجوز لك أن تلبسه. لذلك لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال: «لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف».

هذا بالنسبة للمحرم الرجل الذكر، أما المرأة فتلبس ما شاءت من الثياب، إلا أنه يحرم عليها نوعان من المخيط، هي ممنوعة من نوعين من المخيط. ما هما؟ الأول: مخيط الوجه، ما هو مخيط الوجه؟ هو النقاب، يعني لا يجوز لها أن تلبس النقاب المفصل على الوجه، ولا يجوز لها أن تلبس قفاز اليدين. طيب ماذا تعمل؟ تعمل مثل الرجل أنها تغطي ما شاءت أن تغطيه بغطاء لكن بدون لباس. الرجل يحرم عليه لبس السراويلات هل معنى هذا أنه يمشي بدون شيء؟ لا، معنى هذا أنه يغطيه بالإزار. يحرم عليه لبس الفنيلة، هل معنى هذا أنه يلبس رداءً؟ كذلك المرأة يحرم عليها أنها تلبس نقابًا، لكن ماذا تفعل؟ تغطي وجهها بشيء غير النقاب. كيف تغطي وجهها؟ تغطي وجهها مثلًا بأن تسدل الخمار على رأسها من الأعلى، أو أن تتلثم بالخمار، لا بأس، كلاهما إن شاء الله تعالى جائز ومشروع.

كيف تغطي يديها؟ نقول: لا مانع أنها تمد عباءتها وتغطي يدها، لكن لا يجوز لها أن تلبس القفاز في يدها. إذا كيف تستر المرأة وجهها إذا كان هناك رجال أجانب؟ عليها أن تسدل الخمار على وجهها، تسدله من الأعلى أو أنها تتلثم به، لكن هل يجوز لها أنها تلبس نقابًا مفصلًا؟ نقول: لا، ما يجوز لها أن تلبس النقاب؛ النقاب هذا مثل الفنيلة ومثل القميص ومثل السراويلات. كيف تغطي يدها؟ نقول: تغطي يدها بكمها أو تغطي يدها بشيء تلفه عليها، لا بأس، لكن هل يجوز أنها تلبس قفازًا؟ نقول: لا، القفاز هذا مثل السراويلات في حق الرجل.

إذًا نقول من محظورات الإحرام لبس المخيط، ولبس المخيط المحرم على الرجل أكثر بكثير من لبس المخيط المحرم على المرأة. لبس المخيط المحرم على الرجل هو أي شيء مخيط على بدنه كله، أي شيء مفصل على البدن هذا لا يجوز له أن يلبس أي شيء مفصل أبدًا، إذا ما الذي يستر به بدنه؟ يستر بدنه بقطعة قماش غير مفصلة على البدن. هذا واضح بالنسبة للرجل، ما هو المخيط المحرم على المرأة؟ نوعان: النقاب والقفازات. إذًا هذا المحظور الأول من محظورات الإحرام، وسنأخذ إن شاء الله تعالى محظورات الإحرام الباقية ولكن بعد فاصل قصير.

﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: 78].

من رحمة الله تعالى بعباده أن رخص لهم في المسح على الخفين والجوارب في الوضوء بدلًا من غسل الرجلين، وذلك بالمسح مرة واحدة أعلى الخف الأيمن باليد اليمنى وأعلى الخف الأيسر باليسرى، مفرجًا أصابعه، مبتدئًا من أصابع رجليه إلى بداية ساقيه. يمسح على الخفين معًا أو يبتدئ بالخف الأيمن ثم الأيسر فالأمر في ذلك واسع، بشرط أن يكون الخف طاهرًا من النجاسة، وأن يكون ساترًا للقدم مع الكعبين، وأن يلبسهما على وضوء كامل، ومدته يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، يبدأ احتسابها من أول مسح بعد انتقاض الوضوء. فلو توضأ لصلاة الفجر مثلًا ولبس الخفين ثم انتقض وضوءه الساعة التاسعة صباحًا، وتوضأ في الساعة الثانية عشر ومسح على الخفين، فيبدأ احتساب المدة من الساعة الثانية عشرة لا من الساعة التاسعة. ويكون المسح في الحدث الأصغر، وأما الحدث الأكبر فيجب فيه الاغتسال الكامل. ومن خلع خفيه أو انتهت مدة المسح، فوضوؤه صحيح ما لم ينتقض بناقض آخر، فإن أراد المسح مرة أخرى وجب عليه أن يتوضأ أولًا وضوءًا كاملًا يغسل فيه قدميه ثم يلبس الخف ويراعي الشروط السابقة.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونحن قد تحدثنا عن تحريمات النسك. إذا قال: لبيك اللهم حجًا أو لبيك اللهم عمرة، دخل في أنواع من التحريمات، ذكرنا أول تحريم وهو لبس المخيط. بعض الناس يتوهم أن المخيط هو ما فيه خيوط، لا، حتى القماش الذي أنت أصلاً تتلحف به إزارًا أو رداءً فيه خيوط، لكن ليس هذا هو المراد بالمخيط. بعض الناس يظن أن المخيط معناه أنه مخيط، لا، ما هو معناه مخيط؛ المخيط معناه المحيط، أي محيط بالعضو، محيط باليد، هذا كم مفصل على اليد، بعض الناس يسميه المحيط، بعض الناس يقول المفصل، أو بعضنا نسميه اللبس المخصص، هذه كلها مترادفات. أي شيء فيه كم، أي شيء مفصل على العضو، السراويلات ليش ممنوعة؟ لأنها تدخل فيها الرجلان، ممنوع سواء كان هذا السروال طويلًا أو قصيرًا جدًا، هذا كله ممنوع ما دام مفصلًا على العضو، يعني يلبس لبسة خاصة لهذا العضو فهذا ممنوع.

ما الذي جعل الإزار والرداء جائزًا؟ لأن هذا قماش، قماش مستطيل ليس مفصلًا لعظم الأعضاء. هذا القماش أنت أردت أن تتخذه إزارًا، اتخذه إزارًا، أردت أن تتخذه رداءً، اتخذه رداءً، أردت أن تفرشه وتجلس عليه، أردت أن تتنشف به بعد أن تغتسل، هذا كله قماش ليس مفصلًا لعظم الأعضاء، هذا الجائز. أنت تأخذ القماش هذا وتحيط به نصفك الأسفل ثم تأخذ القماش الثاني وتحيط به نصفك الأعلى، هذا إزار، هذا جائز.

لكن إذا صار مفصلًا، مثلًا مثل الشماغ هذا مفصل للرأس، الطاقية هذه مفصلة للرأس، الفنيلة هذه مفصلة للنصف الأعلى، الثوب هذا مفصل للبدن كاملًا، هذا ما يجوز. النقاب هذا مفصل للوجه، نقول: لا ما يجوز للمرأة. القفاز هذا مفصل لليد، لا يجوز للمرأة. طيب ما حكم الجوارب؟ نقول: الجوارب للرجل لا تجوز، لأن الرجل ممنوع من المخيط كاملًا، جوارب القدم سواء كان في رجله أو في رأسه أو في بدنه أو في سرواله ما يجوز. ومنه القدم، ما يجوز أنه يلبس الخف ولا يجوز أنه يلبس الجوارب.

طيب المرأة؟ نقول: المرأة مسموح لها المخيط كاملًا، يجوز لها تلبس الجوارب، يجوز لها تلبس السراويلات، يجوز لها تلبس القميص، يجوز لها تلبس الفنيلة، يجوز لها تلبس الخمار، يجوز لها تلبس العباءة، كله جائز لها، لكنها ممنوعة فقط من نوعين فقط من المخيط وهو النقاب والقفاز فقط، واضح؟ إذًا الجوارب ما حكمها للمرأة؟ جائز. الجوارب للرجل ما حكمها؟ نقول: لا، غير جائز، لأن الرجل ممنوع من المخيط. واضح الفرق بينهما؟

هذا المحظور الأول من محظورات الإحرام وهو المخيط. المحظور الثاني من محظورات الإحرام تغطية الرأس للرجل؛ الرجل ممنوع أن يغطي رأسه في إحرامه. وفي حديث ابن عباس في الرجل الذي وقصته دابته فمات، لما مات هذا الرجل أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يكفن في ثوبيه، يعني في الإزار والرداء الذي كان يلبسه للإحرام، أن يكفن فيها وألا يمس طيبًا، يعني لا يوجد عليه طيب، وقال: «ولا تخمروا رأسه»، يعني لا تغطوا رأسه؛ ليش؟ لأنه محرم، ولن يزال محرمًا وسيبعث يوم القيامة محرمًا ملبيًا، النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا». يعني أنه سيكون على حال الإحرام؛ هذه استشهد أهل العلم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تخمروا رأسه». إذاً تخمير الرأس وتغطية الرأس هذا محظور من محظورات الإحرام.

قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تمسوه طيبًا»، وفي الرواية الأخرى: «لا تحنطوه»، دليل على أن مس الطيب محظور من محظورات الإحرام، وهو المحظور التالي الذي سوف نذكره؛ إذاً تغطية الرأس محظور، وممنوع على المحرم الرجل الذكر. كيف يتلحف الإنسان لو أراد مثلًا أن يتلحف حال النوم؟ نقول: خذ بطانية مثلًا أو شرشفًا وغطِّ به وجهك لا بأس، تعاطي به بدنك لا بأس، لكن لا تغطي رأسك.

ما حكم أن الإنسان يدخل في غرفة مثلًا والغرفة لها سقف سيظلل رأسه؟ نقول: لا بأس، هذا ليس تغطية للرأس؛ هذا مثل الشمسية، مثل المظلة، مثل السقف، هذا جائز. والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بقبة من شعر وضعت له في نمرة وهو متجه لعرفة، كان محرمًا؛ النبي جلس في هذه القبة ونام فيها صلوات الله وسلامه عليه. إذاً لا تعد هذا من غطاء الرأس، غطاء الرأس المراد به الشيء الذي يلاصق الرأس، مثل الشماغ هذا الذي ألبسه الآن، هذا ملاصق للرأس، هذا في الحقيقة محظور في الإحرام من جهتين: الجهة الأولى أنه مخيط، والجهة الثانية أنه تغطية للرأس، يعني فيه إشكالان. الطاقية نفس الشيء فيها إشكالان أنها مخيط وأنها تغطي الرأس، الثوب هذا فيه إشكال واحد وهو أنه مخيط لكن ما يغطي الرأس، إذاً تغطية الرأس محظور بحد ذاته غير محظور المخيط؛ النبي قال: «ولا تخمروا رأسه».

المحظور الثالث التطيب؛ الرجل والمرأة المحرمان ممنوعان من الطيب، والنبي صلى الله عليه وسلم قال في الرجل الذي وقصته دابته: «ولا تمسوه طيبًا»، وفي الرواية الأخرى قال: «ولا تحنطوه». وفي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسه الزعفران أو الورس». وفي حديث علي بن أمية النبي لما رآه متضمخًا بالطيب قال: «انزع عنك الجبة، واغسل عنك أثر الخلوق، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك». فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بأن يغسل عنه الطيب، ولم يستفصل منه صلوات الله وسلامه عليه هل هذا الطيب وضعه بعد إحرامه أو وضعه قبل إحرامه؛ كذلك أننا نقول إن مس الطيب منافٍ لحال الإحرام، حال الإحرام المسلم مأمور فيها بترك الترفه، مأمور بالتذلل، الطيب فيه تجمل، الطيب مشروع ومستحب في صلاة الجمعة، في صلاة العيدين هذا مستحب، أن الإنسان يلبس أحسن ثيابه، هذا مشروع في الجمعة في العيدين، لكن في الإحرام لا يلبس أحسن ثيابه، بالعكس مأمور أن يتجرد من ثيابه كلها حسنة وسيئًا وأن يبتعد عن الطيب؛ إذاً الإحرام له حال أخرى. هذا دليل على أن الإحرام مقصود به ترك الترفه، ترك التنعم، التطيب، الخضوع، الذلة، الخشوع؛ هذا مقصود الإحرام، فلذلك ينبغي لمن قال: لبيك اللهم لبيك، أن يعرف ما هو المراد منه، وأن يخضع ويخشع ويذل لله سبحانه وتعالى. كذلك لو تطيب الإنسان قبل إحرامه فإن الأفضل له، والله تعالى أعلم، وهذا قال بعض أهل العلم إنه واجب عليه، وما أقرب القول بالوجوب أن عليه أن يغسل أثر الطيب هذا، وألا يبقى عليه بعد إحرامه هذا الأثر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أمية: «اغسل عنك أثر الخلوق»، بدون استفصال، ما استفسر منه هل وضعوه قبل الإحرام أو وضعوه بعد الإحرام؟ هذا الذي يظهره الله تعالى.

نواصل معكم الحديث إن شاء الله تعالى عن محظورات الإحرام ولكن بعد هذا الفاصل القصير.

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]. جعل الله تعالى بلطفه ورحمته الأشهر القمرية تيسيرًا للناس وإعانة لهم على معرفة مواقيت معاملاتهم وعباداتهم من الصيام والزكاة وأوقات الحج ونحوه. والميقات من التوقيت وهو أن يجعل للشيء مكان أو وقت يختص به، فكما أن للحج مواقيت مكانية يحرم منها من مر عليها، فكذلك له مواقيت زمانية لا يحرم بالحج إلا فيها. قال تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197]. وأشهر الحج هي شوال وذو القعدة وذو الحجة أو عشر من ذي الحجة، وهذا يدل على تعظيم شأن الحج؛ حيث أن الله تعالى قد جعل للحج أشهرًا مع أنه لا يستغرق إلا أيامًا معدودة، والحج قبل أشهره لا ينعقد على الصحيح؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197]، أي في أشهر الحج المعلومات، فلم يرتب الله تعالى أحكام الإحرام إلا لمن فرضه في أشهر الحج. ومن عقد النية بالحج في هذه الأشهر وجب عليه إتمامه وإن كان تطوعًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]. فلم يبح الله تعالى الخروج من النسك إلا بالإحصار؛ وهو ما يمنع من إتمام النسك بعد الإحرام من عدو أو مرض أو نحوه.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن محظورات الإحرام؛ قد ذكرنا أن بعض أهل العلم قال في الطيب إنه لا يضر بقاؤه إذا كان قد تطيب قبل الإحرام، ولكن حقيقة الأولى بالمحرم ألا يبقى أثر الطيب عليه، وبعض أهل العلم أوجب هذا الأمر، أوجب أن يغسل أثر الطيب، وهذا الوجوب حقيقة قريب وقول قوي وظاهر، واستدل له بحديث علي بن أمية رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اغسل عنك أثر الخلوق»، أثر الطيب، ولم يستفصل النبي صلى الله عليه وسلم منه هل تطيب قبل الإحرام أم بعد الإحرام؛ وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: «لا تلبسوا من الثياب شيئًا مسه الزعفران والورس»، سواء كان قد مسه قبل الإحرام أو بعد الإحرام، لذلك الأولى حقيقة للمسلم ألا يبقى عليه شيء من أثر الطيب بعد إحرامه.

كذلك من محظورات الإحرام إزالة الشعر أو حلقه أو قصه أو تقصيره؛ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]. إذاً الأصل أنه لا يجوز للإنسان أن يحلق رأسه أو أن يقصره. كذلك من محظورات الإحرام تقليم الأظفار، وهذا نوع من الترفه الممنوع قياسًا على حلق شعر الرأس. كذلك من محظورات الإحرام قتل الصيد واصطياده؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95]. لا يجوز للمسلم أن يصطاد وهو محرم، من حين أن يلبي إلى حين أن يحل لا يجوز له أن يصطاد، ولا يجوز له أن يعين على الصيد، ولا يجوز له أن يشير إلى شخص حلال فيشير إلى صيد فيصيده الحلال؛ إذاً لا يجوز له أن يصطاد ولا أن يباشر ولا أن يعين ولا أن يشير. بل إن هذا الحلال إن كان قد صاد صيدًا بدون إعانة ولا مشاركة ولا إشارة من هذا المحرم، فلا يجوز للمحرم أن يأكله أيضًا، إن كان هذا الحلال قد صاد هذا الصيد لأجله؛ إذا كان هذا الحلال قد صاد هذا الصيد لأجله فلا يجوز له أن يأكله، لكن إن كان هذا الحلال قد صاده لنفسه، طبعًا هذا الكلام إذا كان خارج حد الحرم؛ من داخل حد الحرم لا يجوز أن يصطاد لا الحلال ولا المحرم، لكن إحنا نتكلم الآن خارج حد الحرم، إذا كان شخص حلال وشخص قد لبى، في هذه الحالة صاد صيدًا لنفسه وطبخه، وأضيف عليه هذا الشخص، فلا مانع لأنه قد صاده لنفسه، أما إن كان قد صاده ليطعم به المحرم فهذا لا يجوز.

إذاً هذا فيما يتعلق بالصيد، ولا يدخل في الصيد قتل الحيوانات المستأنسة الأهلية، يعني بهيمة الأنعام؛ الغنم، البقر، الغنم بمعزها وضأنها، أو البقر أو الإبل، هذا ليس بداخل في الصيد، هذا لا يسمى مصيدًا. كذلك لا يدخل في الصيد إذا صاد ما لا يجوز أكله، أو قتل ما لا يجوز أكله كالنمور والفهود؛ هذه لا يجوز أكلها لأنها ذات ناب من السباع، فلا يجوز أكلها فقتلها لا يؤثر، لكن المراد الصيد الذي يؤكل، مثلاً مثل الحمام، مثل الأرانب، مثل الوبران، أو الغزلان، هذه التي تؤكل لا يجوز صيدها.

كذلك آخر محظورات الإحرام وأعظمها خطرًا هو الجماع والمباشرة، وسنتحدث عنها، وهي داخلة في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: 197]، هذه داخلة في الرفث، والرفث الأكبر هو الجماع والرفث الأصغر هو ما دون الجماع؛ بل إن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وغيره من الصحابة جعلوا الكناية عن الجماع رفثًا. كيف الكناية عن الجماع؟ يعني أن يلمح إليه؛ بعض الناس هدانا الله وإياهم يلمح إلى زوجته مثلًا يقول: إذا جاء العيد إن شاء الله تعالى تقابلنا أو حصل كذا، أو إذا قابلتك في العيد صار كذا وكذا؛ لا يجوز للإنسان أن يكني عن الجماع، فلا رفث، لا الجماع ولا المباشرة أو الكناية عنه. الجماع هو أخطر محظورات الإحرام؛ لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى نفاه في الحج: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197]، ونفاه الله سبحانه وتعالى في الحج دليل على خطورته، وأفتى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببطلان حج من جامع قبل التحلل الأول، إذاً هذا حقيقة فيه شأن خطير، بخلاف المحظورات الأخرى فإن الإنسان إذا فعلها إن كان محتاجًا إلى فعلها فإنه يفدي فدية، وسنذكر إن شاء الله تعالى فدية المحظورات، وإن لم يكن محتاجًا إلى فعلها فإنه يأثم ويفدي.

نحن نقول هذه المحظورات الشأن فيها أنها لا تبطل الإحرام، لكن الجماع يبطل الإحرام ويبطل الحج كاملاً. طيب ما هو الواجب في حق من جامع؟ أول شيء الواجب عليه عدد من العقوبات المغلظة، أول هذه العقوبات أنه يفسد حجه ونسكه؛ الأمر الثاني أنه يجب عليه أن يمضي في هذا النسك الفاسد حتى يحل منه مع عدم قبوله منه، لماذا يجب عليه أن يمضي في فاسده؟ تأويلًا لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، أي أتموا صحيحهما وتطوعهما وفاسدهما؛ هذا تأويل طائفة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذاً يفسد عليه حجه ويجب عليه أن يمضي في فاسده، ويجب عليه أن يقضي هذا الحج من قابل، وإذا حج من قابل يفرق بينه وبين امرأته إلى حين الإحلال، إلى حين أن يحلوا، وعليه بدنة؛ إذاً هذه خمس عقوبات مغلظة عليه لكونه جامع قبل التحلل الأول. فإما إن كان بعد التحلل الأول ففيه شاة، شأنه شأن بقية محظورات الإحرام.

الرفث الأصغر هو المباشرة، المباشرة مثل القبلة، اللمس، لمس المرأة بشهوة، أو مثل التعريض بالجماع، هذه لا يكون فيها ما في الجماع. إذاً هذه المحظورات هي محظورات في حال الإحرام، الواجب أن المسلم يجتنبها، وأن يعظم شعيرة الله سبحانه وتعالى. إذا وقع المسلم فيها نحن نقول إن كان الوقوع فيها لأجل حاجة، مثلًا إنسان القمل أتعبه في رأسه ويحتاج أن يحلق رأسه، هذا قد حصل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة بأن عليه فدية أذى، وسنتطرق إن شاء الله تعالى لفدية الأذية ولا إثم عليه إن شاء الله تعالى لأجل حاجته. لكن إن فعلها انتهاكًا، بمعنى أنه متعمد لانتهاك حرمة هذا النسك، فنقول إنه يأثم لتعمده لانتهاك حرمة هذا النسك وعليه فدية كذلك.

ما هي الفدية التي تجب في محظورات الإحرام؟ وقبل أن نتحدث عن الفدية نريد أن نتحدث عن الأحوال، قلنا المحتاج عليه فدية ولا يأثم، لكن غير المحتاج الذي فعلها انتهاكًا للنسك فإنه يأثم وعليه فدية. طيب إذا فعلها الإنسان جاهلًا لا يعلم بأن الطيب ممنوع، لا يعلم مثلًا بأن تغطية الرأس ممنوعة، فهذا الجهل إن شاء الله تعالى لا شيء عليه، لا في الإثم ولا عليه فدية بإذن الله تعالى. كذلك الناسي، لو أن إنسانًا غطى رأسه وهو ناسٍ، أو مثلًا تطيب وهو ناسٍ، الظاهر والله سبحانه وتعالى أنه لا شيء عليه، لا يأثم وليس عليه فدية. كذلك لو فعلها مضطرًا، الظاهر والله سبحانه وتعالى أنه لا شيء عليه؛ عذرًا لو فعلها مكرهًا وليس مضطرًا، المضطر عليه، لو فعلها مكرهًا فلا شيء عليه. ما الفرق بين الإكراه والاضطرار بما أننا تكلمنا عنها.

المضطر هو الذي اضطر إليه لحاجة نفسه، مثل حادثة كعب بن عجرة؛ كان محتاجًا لأن القمل جاءه، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهه، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما كنت أظن الجهد بلغ بك ما أرى». فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم أن يحلق رأسه وأمره بفدية الأذى: أنسك شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، وستأتينا إن شاء الله تعالى فدية الأذى. فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح له لأجل حاجته لأنه مضطر محتاج.

أما المكره فهو الذي أكرهه غيره؛ أي ليس محتاجًا في نفسه، وإنما أكرهه غيره على حلق رأسه، أو أكرهه غيره على الطيب، أو أكرهه غيره على لبس المخيط، فهذا مكره. فالمكره والجاهل والناسي لا إثم عليه ولا فدية إن شاء الله تعالى، لا إثم عليه ولا فدية إن شاء الله تعالى.

الحالة الرابعة: من فعلها محتاجًا فهذا لا إثم عليه وعليه فدية. أما من فعلها منتهكًا لحرمة الإحرام فهذا عليه الإثم وعليه الفدية. إذا هذا التفصيل في الأحوال. ما هي الفدية؟ هذا ما سوف نتطرق له إن شاء الله تعالى في لقائنا القادم تفصيل فدية محظورات الإحرام.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم، وأن يجعلنا وإياكم موفقين ومباركين حيثما كنا، وأن ييسر لنا حج بيته الكريم وعمرة بيته الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.