تسجيل الدخول

المحاضرة 22 - الفقه - المستوى الثالث - د.منصور الغامدي - من محظورات الإحرام (قتل الصيد)

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم وتتقدم تقنياته ومجالاته ومعه تطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان. بشرى لنا ذات أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، ولي المؤمنين الصالحين المتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا رب العالمين علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثاني من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس، قائلها وسامعها وناشرها ومن ساهم في نشرها، ونجعلها في حقنا جميعاً من العلم النافع، ونجعلها في حقنا جميعاً حجة لنا لا حجة علينا.

إخواني وأخواتي، كنا قد تحدثنا في الدرسين الماضيين عن الإحرام بالحج والعمرة، وقلنا إن الإحرام هو الدخول في النسك، ويكون بنية مع إهلال وتلبية؛ يقول: لبيك اللهم حجاً، أو لبيك اللهم عمرة. ومعنى الإحرام الدخول في حالة يحرم على المسلم فيها عدد من الأمور، وذكرنا عدداً من المحرمات التي تحرم على الملبي ومن دخل في نسك الحج والعمرة.

وقارنا كذلك بين تحريم النسك الحج والعمرة وتحريم الصلاة؛ تحريمها التكبير وتحليلها التسليم. وقلنا إن هذه المحظورات هي لبس المخيط، وهو كل ما فصل على أي عضو من أعضاء الجسد في حق الرجل، وأما في حق المرأة فالمنع هو لبس النقاب والقفازين، وأما تغطية الرأس فهو محظور خاص بالرجل. وأما التطيب فهو عام في حق الرجل والمرأة، هذا هو المحظور الذي ذكرناه.

وقلنا كذلك من المحظورات حلق الشعر وتقليم الأظفار، ومن المحظورات الجماع والمباشرة وعقد النكاح. وذكرنا أن مرتكب هذه المحظورات أحد خمسة أحوال: إما أن يكون جاهلاً، أو ناسياً، أو مكرهاً، فهذا لا إثم عليه ولا فدية إن شاء الله تعالى. وإما أن يكون مضطراً محتاجاً، مثل ما جاء في حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه لما كثر القمل على رأسه حتى صار يتساقط على وجهه فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما كنت أظن الجهد يبلغ بك ما أرى، أتجد شاة؟» أو قال له: «انسك شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين».

الحالة الخامسة أن يفعله متعمداً لارتكاب ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه، منتهكاً لحرمة الإحرام وحرمة البيت العتيق، فهذا عليه الإثم وعليه الفدية. إذاً هذه هي الأحوال الخمسة، وفرقنا بين حال المكره وحال المضطر المحتاج؛ فالمضطر المحتاج محتاج لحاجة نفسه، وأما المكره فقد أكرهه غيره، فهو لا يريد أن يرتكب لا لحاجة نفسه ولا لغيره لكن أكرهه غيره على مثلاً التطيب أو لبس المخيط أو تغطية الرأس، فإنه يفعل هذا المحظور ولا إثم عليه ولا فدية إن شاء الله تعالى.

ننتقل بعد ذلك إلى أنواع الفدية. من قررنا أن عليه فدية، وهو المحتاج إلى المحظور لحاجة نفسه، أو من ارتكبه منتهكاً لحرمة البيت العتيق أو لحرمة هذا النسك، فإن عليه الفدية. ما هي الفدية؟ الفدية تتنوع إلى أربعة أنواع؛ المحظورات تنقسم من حيث الفدية الواجبة فيها إلى أربعة أقسام: قسم لا فدية فيه من المحظورات وهو عقد النكاح، وقسم فيه فدية مغلظة سنذكرها إن شاء الله تعالى، وقسم فيه فدية سماها أهل العلم فدية الأذى، وقسم فيه جزاء مثل ما قتل من النعم، وهو الصيد في الحرم أو الصيد حال الإحرام.

أول نوع، المحظور الذي لا فدية فيه هو عقد النكاح، عقد النكاح لا يجوز في حال الإحرام ويبطل ولا يصح إذا عقد في حال الإحرام، فلا فدية فيه، عليه التوبة إلى الله سبحانه وتعالى إن ارتكبه وهو منتهك لحرمة النسك.

النوع الثاني، الجماع؛ الجماع فيه فدية مغلظة ويترتب عليه عدد من الأمور إن كان قبل التحلل الأول: أولاً: يجب فيه بدنة، ثانياً: يفسد به الحج، ثالثاً: يجب أن يمضي في هذا النسك الفاسد لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، في فتوى طائفة من الصحابة أن وجوب الإتمام في صحيحهما وفاسدهما ونفلهما وواجبهما يجب إتمامه. إذاً هذا الحكم الثالث، عليه بدنة، ويفسد حجه، ويمضي في فاسده، ويقضيه من قابل؛ يعني عليه أن يقضي هذه الحجة التي أفسدها في السنة التي تليها، وفي السنة التي تليها يفرق بينه وبين امرأته من الموضع الذي جامعها فيه إلى أن يحل حتى لا يقع منهما المحظور مرة أخرى. هذه خمسة أحكام ترتبت على الجماع قبل التحلل الأول، وأما الجماع بعد التحلل الأول فإن فيه شاة كغيره من المحظورات. ما هو التحلل الأول؟ سياتينا إن شاء الله تعالى في صفة الحج أن التحلل الأول يحصل برمي جمرة العقبة مع الحلق أو التقصير، هذا هو التحلل الأول يوم العيد. إذا جامع امرأته قبل عرفة أو في عرفة أو بعد في مزدلفة ليلة مزدلفة قبل رمي جمرة العقبة، فإنه معرض لهذه الأحكام الخمسة، والله سبحانه وتعالى قد قال: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: 197]، نفى وجود الرفث في الحج.

النوع الثالث من المحظورات، ما فديته جزاء مثل ما قتل من النعم. الله سبحانه وتعالى نهى عن قتل الصيد واصطياده حال الإحرام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: 95]. في هذه الآية الشريفة الكريمة بين الله سبحانه وتعالى تحريم الصيد حال الإحرام، وهذه الآية تنطبق على أمرين: الأمر الأول: تحريم الصيد إذا أهل بالنسك، يعني إذا أهل من ذي الحليفة فهو محرم. الحالة الثانية التي ينطبق عليها هذا الحكم هو تحريم الصيد داخل حد الحرم، داخل حد الحرم سواء كان محرماً أو حلالاً، وسنبين إن شاء الله تعالى تفصيل هذه القضية ولكن بعد هذا الفاصل القصير.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن أنواع المحظورات من حيث الفدية الواجبة فيها. النوع الأول: محظور لا فدية فيه، عقد النكاح. محظور فيه فدية مغلظة وخمسة أحكام وهو الجماع قبل التحلل الأول. الثالث: قتل الصيد. قتل الصيد محرم على من دخل وأهل بالنسك، مثله مثل الجماع ومثل عقد النكاح، لكن الصيد يتميز عن هذه المحظورات الأخرى بأنه يحظر في حالة أخرى وهي حالة وجود الإنسان داخل حدود الحرم. هذه المحظورات محرمة على الإنسان إذا أهل بالنسك، إذا قال لبيك اللهم حجاً أو لبيك اللهم عمرة ودخل في النسك، يدخل في هذه المحظورات كلها التي ذكرناها، لكن الصيد هو محظور في هذه الحالة، لكنه يحرم كذلك في حالة أخرى وهي محظورات وجود الإنسان داخل حدود أعلام الحرم التي تحيط بالحرم، بعضها داخل مكة وبعضها خارج مكة، هذه الأعلام هذه حرم للمسجد الحرام، حرم للبيت العتيق، ولا يجوز للإنسان أن يصطاد فيها.

إذاً هناك عندنا تحريمان في الصيد؛ التحريم الأول: تحريم لمن أهل بالحج أو العمرة، وهذا يبدأ من الميقات إلى أن يحل من إحرامه، فيحرم عليه الصيد تماماً من حين ولو كان هو خارج حدود الحرم، يعني لو كان هو مثلاً في ذي الحليفة، أو في عسفان، أو في الجموم، أو في جدة، لو كان مثلاً قد تجاوز الجحفة بمقدار يسير، يحرم عليه خارج حدود الحرم ما دام قد أهل بالنسك. التحريم الثاني: تحريم متعلق بالبقعة، تحريم متعلق بالمكان، يحرم في هذا المكان أن يصيد شخص صيداً سواء كان مهلاً بالنسك أو كان حلالاً، يحرم عليه أن يصطاد داخل حدود الحرم. لذلك مثلاً الحمام الذي بجوار المسجد الحرام لا يجوز أن يصاد، سواء كان من شخص محرم أو من شخص حلال، أياً كان، سواء كان من زوار مكة أو من أهل مكة، لا يجوز له أن يصيده. لكن الحمام الذي هو خارج حدود الحرم، مثلاً بعد التنعيم، هل يجوز صيده؟ نقول: إذا كان الشخص مهلاً بالنسك محرماً فلا يجوز له أن يصيد، أما إذا كان الشخص حلالاً وهو خارج حدود الحرم فإنه يجوز له أن يصيد. إذاً فهمنا هذين التحريمين، عندنا تحريم متعلق بحال الإحرام، وعندنا تحريم متعلق ببقعة الحرم.

فإذا صاد الإنسان، وهذا يختص به قتل الصيد دون بقية المحظورات؛ بقية المحظورات فقط تحرم على الإنسان المحرم الذي أهل بالنسك، لكنها حلال إذا أحل وصار حلالاً، إلا الصيد ما دام داخل حد الحرم فلا يجوز له أن يصيد.

الآن ما هو الواجب في حق من اصطاد؟ أول شيء عليه التوبة إلى الله سبحانه وتعالى؛ فإن هذا محظور، والله سبحانه وتعالى قال: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: 95]. إذاً على الإنسان أن يعظم شعائر الله سبحانه وتعالى، وأن يعظم حرمات الله سبحانه وتعالى، وألا ينتهك الحرمات والمحارم التي جعلها الله سبحانه وتعالى لبيته ولنسكه. أول شيء في كل هذه المحظورات وفي غيرها على الإنسان أن يبادر إلى التوبة إلى الله سبحانه وتعالى. لماذا يتوب إلى الله سبحانه وتعالى توبة صادقة في حال ارتكابه لأي من هذه المحظورات؟ حتى يدخل في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه». هل تريد الحج المبرور؟ هل تريد الحج السليم الصحيح؟ أول شيء عليك التوبة إلى الله سبحانه وتعالى أن يمحو عنك هذه الخطيئة وهذا الذنب وهذا الإثم حتى تنال مغفرة الذنوب بهذا الحج.

أولاً: عليه التوبة إلى الله سبحانه وتعالى، ثم إن عليه جزاء في قتل الصيد. ما هو جزاء قتل الصيد؟ نقول: إن الصيد هذا إن كان له مثل من بهيمة الأنعام، فإنه يجب أن يذبح لله سبحانه وتعالى مثله من بهيمة الأنعام. قد يقول قائل: ما هو أساس المثلية بين الصيد وبين بهيمة الأنعام؟ يعني لو أن إنساناً صاد حمامة، ما مثلها من بهيمة الأنعام؟ بهيمة الأنعام هي الواردة في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: 143]، وفي الآية التي تلي البقر اثنين والإبل اثنين. هذه الإبل والبقر والضأن والمعز هذه أنواع بهيمة الأنعام. فما هو مثل الحمامة من بهيمة الأنعام؟ لو أن إنساناً اصطاد حمامة في الحرم، ما هو الواجب عليه؟ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]، إذاً عليه أن يذبح لله سبحانه وتعالى هدياً بالغ الكعبة مثل ما قتل من النعم. ما هو مثل الحمامة؟ هل الحمامة تشبه الإبل، أم تشبه البقر، أم تشبه الضأن، أم تشبه المعز؟ هذا لاحظتم هذا هو مثلاً. لو أن إنساناً صاد نعامة، فما هو مثل النعامة من بهيمة الأنعام؟ هل هي تشبه الإبل أو البقر أو الضأن أو المعز أو الشاة عموماً؟ ما هو مثل الأرنب؟ وهكذا ينظر إلى مثله. طيب من الذي يحدد المثلية؟ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: 95]، إذاً يقضي اثنان من العدول الثقات.

العلماء الذين فقهوا عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرادهما، تفقهوا في كتاب الله وفي سنة رسول الله. ﴿وَاحْكُمُوا بِهِ ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: 95]، فإن هذا هو المثل الواجب. ولا شك أن أهم جيل عدله الله سبحانه وتعالى هو جيل الصحابة، لذلك درج أهل الفقه وأهل الحديث وأهل العلم على اعتماد قضاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم في المثلية، فما قضى فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يصار إليه، وما لم يقض فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن من بعدهم يجتهد فيه.

وقد قضى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في النعامة ببدنة، وقضوا في الحمامة بشاة؛ إذاً هذه مثلية ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]. فالآن من اصطاد حمامة فإن عليه شاة، ومثلاً قضوا في اليربوع بعناق، وفي الأرنب بجدي، هذه كلها أقضية لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الصيود.

إذاً هذا الخيار الأول، من قتل حمامة أو اصطاد حمامة فإن عليه أن يذبح شاة. الخيار الثاني: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 95]. ينظر المثل، قيل له الحمامة فيها شاة، فلم يجد شاة؟ نقول إذاً انتقل إلى الكفارة وهي طعام مساكين، عليك أن تطعم مساكين، تطعم لكل مسكين إما نصف صاع من الطعام أو مد من البر. تطعم هؤلاء المساكين بقدر ماذا؟ بقدر قيمة الشاة، مثلاً افترض أن الشاة تساوي مثلاً 1000 ريال أو 100 دولار مثلاً، الشاة المجزئة في الأضحية أو في الهدي أو في غيره، فإنه ينظر قيمتها ويشتري به براً أو تمراً ويقسمه على الفقراء، لكل مسكين قلنا نصف صاع أو مد من البر.

هذه الحالة الثانية أو الخيار الثاني، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صياماً، نقول يعني أن يصوم بعدل هذا. ما هو عدله؟ جاء في الشريعة في عدد من الكفارات، مثلاً في كفارة الظهار، في كفارة الوقاع في نهار رمضان أو في غيرها، أن صوم يوم يعدل إطعام مسكين، هذا موجود في عدد من كفارات الشريعة، وجاء في بعض كفارات الشريعة صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين. أن صوم اليوم يعدل إطعام مسكين، لكن مشى أهل العلم ودرجوا على اعتبار أن صوم اليوم يعدل مسكيناً باعتباره هو الأغلب في كفارة الظهار وكفارة الوقاع في نهار رمضان، صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً، الشهرين المتتابعين يعني 60 يوماً، 60 مسكيناً، يعني أن كل يوم عدل مسكيناً. فنقول هذه الـ 200 دولار كم كانت ستطعم مسكيناً؟ لكل مسكين نصف صاع أو مد كما ذكرنا، مثلاً نفترض أنها كانت ستطعم مثلاً 50 مسكيناً، نقول إذاً عليك أن تصوم 50 يوماً. إذا لم تذبح شاة ولم تطعم مساكين، عليك أن تصوم بعدل الإطعام، لكل مسكين يوم. وقال بعض أهل العلم باعتبار أنه لكل مسكين يوم واحد، باعتبار أن العدل في فدية الأذى قال: صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين. وعلى العموم هذا خلاف بين أهل العلم، أما هذا الرأي أو هذا الرأي كلاهما له قوة وله وجه معتبر، فيصوم بعدل المساكين الذين أطعمهم. إذاً هذا هو الواجب في قتل الصيد، فاصل قصير ونعود إليكم لمواصلة الحديث إن شاء الله تعالى عن أنواع الفدية.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونتابع حديثنا معكم عن الفدية الواجبة في محظورات الإحرام، وقسمنا المحظورات من حيث وجوب الفدية فيها إلى أربعة أقسام: لا فدية فيه، فدية مغلظة، وفيه جزاء الصيد. ذكرنا هذا التفصيل، وهناك تفصيل آخر فيما إذا لم يكن له مثل من النعم. إذا لم يكن له مثل فإننا ننظر إلى قيمة الصيد نفسه فيخرج به طعاماً للمساكين، فإن لم يستطع أن يخرج به طعاماً أو لم يجد مالاً يطعم به المساكين فإنه يصوم بعدله من الأيام لكل مسكين يوم، وعلى القول الآخر أنه لكل مسكين يوم، هذه في عدله صياماً.

وإن كنا حقيقة لا نريد أن نطيل كثيراً في جزاء الصيد باعتبار اليوم أن الطرق مزفلتة إلى المسجد الحرام، وصار قليل من الناس هو الذي يمشي مشياً يمكنه أن يصيد فيه، صارت هذه الطرق الآن مأهولة من مكان الميقات إلى أن تصل إلى مكة، تجد أن الطريق مزفلت ومهيأ للسيارات، وتجد أن هذا الطريق فيه حواجز ومأهول جانبي الطريق، فلذلك لا يكاد يوجد صيد إلا إذا كان إنسان مثلاً يمشي وصل إلى البيت مشياً من الميقات، أو خرج عن طرق السيارات مثلاً، هذا قد يواجه صيداً. لذلك اليوم صارت هذه المسألة من المسائل الحقيقة قليلة الوقوع، إلا أن الذي يكثر وقوعه هو الحمام باعتبار كثرة الحمام في منطقة الحرم، فمن قتل حمامة أو اصطاد حمامة فإن عليه شاة.

كذلك مما يكثر وقوعه ربما يوجد الجراد، الجراد باعتباره من الصيد، والجراد ليس له مثل من بهيمة الأنعام، هو لا يشبه أحد أنواع بهيمة الأنعام، لذلك الواجب فيه قيمته، ما هي قيمة الجرادة؟ الجرادة قيمتها ربما يمكن ريال سعودي أو أقل من ذلك أو أكثر، فكانت لذلك قال بعض الصحابة والتابعين ومن بعدهم في الجرادة: يتصدق بقبضة من طعام، يعني أنها شيء يسير ولكن عليه أن يتصدق به، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صياماً، أو يصوم يوماً، أما أنه يتصدق بقبضة من طعام أو أنه يصوم يوماً، هذه يمكن أبرز شيء موجود في الحرم.

كذلك قد يوجد بعض الأرانب مثلاً، أما غيرها حقيقة من الصيد فبحكم أن ما حول مكة صار مأهولاً وحدود الحرم غالباً صارت مأهولة، صار قليل الصيد فيها، وفي حق المحرمين صاروا غالباً يسلكون طريق السيارات، لذلك حقيقة قليل وقوع هذا المحظور. بفضل الله سبحانه وتعالى ورحمته أن هذا المحظور كان ابتلاءً في حق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتلاءً عظيماً، لأنهم كانوا يسيرون بالإبل وبالخيول ومشياً، فكانت تعترضهم هذه الصيود في طريقهم، الله سبحانه وتعالى قد ابتلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثرة ووفرة هذه الصيود وهم ذاهبون محرمون إلى البيت العتيق. إلا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كفوا أيديهم ونجحوا في هذا الاختبار، خلافاً لبني إسرائيل الذين ابتلاهم الله سبحانه وتعالى بالحيتان في يوم السبت الذي حرم عليهم، فاحتالوا على ما حرم الله سبحانه وتعالى، فاصطاد بعضهم يوم السبت، وبعضهم نصب شباكه يوم الجمعة ورفعها يوم الأحد تحايلاً على ما حرم الله سبحانه وتعالى، فعاقبهم الله سبحانه وتعالى بأن مسخهم قردة وخنازير لأجل ما احتالوا فيه على أمر الله سبحانه وتعالى ونهيه.

أما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد نجحوا في هذا الامتحان الذي ابتلاهم الله سبحانه وتعالى به لما حرم عليهم الصيد في هذه البقعة تعظيماً لنسكه وتعظيماً لبيته، فإنهم كانت هذه الوبران وغيرها من الوعول كانت تمر بهم آمنة مطمئنة، والنبي صلى الله عليه وسلم حمايةً وحفظاً لنهي الله سبحانه وتعالى عن الصيد، حرم الحيلة عليه والذريعة إليه. كيف حرم الله سبحانه وتعالى الصيد؟ وحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم الإعانة عليه أو الإشارة إليه من المحرم، حتى لا يقع أهل الإسلام فيما وقع فيه بنو إسرائيل من التحايل على ما حرم الله. كيف يعني من المحرم؟ على المحرم أن يعين، كيف يعين؟ يناول هذا الشخص حلالاً يناوله مثلاً البندقية أو الساكتون أو غيره أو السهم حتى يرمي بها الصيد، ما يجوز له أن يناوله ولا يجوز له أن يشير؛ يعني يكون شخص حلال غير محرم معه مثلاً البندقية أو الساكتون فيشير إليه يقول: شوف هذاك الصيد اصطده أو ألحقه أدركه، لا يجوز له أن يشير.

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم من تمام حفظه ومن تمام رحمته بأمته صلوات الله وسلامه عليه سد ذريعة أبعد من هذا، قال: «إن ما صاده الحلال» بدون أي إعانة من المحرم وبدون أي إشارة من المحرم، ولكن كون الحلال قد صاده لأجل أن يطعمه المحرم فلا يجوز للمحرم أن يأكله. الحديث الشريف، النبي صلى الله عليه وسلم رد هذا الصيد وقال: «أنا لم نرده عليك إلا أنا حرم». لذلك ما صيد لأجل المحرم فلا يجوز للمحرم أن يأكله، وهذا من تمام سد الذرائع وإبطال الحيل على ما حرم الله سبحانه وتعالى.

ما الفرق بين الحيل والذرائع؟ الحيل أن الإنسان يحتال على محرم الله بالاشارة أو بالإعانة، لكن سد الذريعة معناها أنه هو لم يقم بما حرم الله سبحانه وتعالى، ولكن قد يكون في هذا الأمر ذريعة أو وصول إلى محرم الله. كيف يعني؟ قد يكون الإنسان خلاص، يصير الناس المحرمون مثلاً بالحج أو العمرة يتركون معهم واحداً حلالاً، يأخذون معهم واحداً حلالاً ليش؟ لأجل أن يصيد لهم، هذه ذريعة، كونهم يصيد لأجلهم هذه ذريعة إلى ما حرم الله سبحانه وتعالى، فلذلك قال: «أنا لم نرده عليك إلا أنا حرم». كونه صاده الحلال هذا لأجلهم لا يجوز. إذاً متى يجوز أن يأكل المحرم من الصيد؟ نقول يجوز للمحرم أن يأكل من الصيد في حالة واحدة: إذا صاده الحلال لأجل نفسه، لأجل الحلال، ثم بعد ذلك كان مرور المحرم عرضاً فقال له تفضل فأكل معه، لا بأس. أما إن كان قد صاده لأجله فلا يجوز، وهذا في الحقيقة قد يؤدي إلى ذريعة أن المحرمين يخرجون ثلة محرمين ويأخذون معهم واحداً حلالاً لأجل أن يصيد لهم دون أن يعينوه ولا يشيروا له بشيء، هذا لا يجوز. فكل هذه الذرائع والحيل سدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لا تقع هذه الأمة فيما وقعت فيه أمة أهل الكتاب الذين مسخهم الله قردة وخنازير بسبب تحايلهم على ما حرم الله سبحانه وتعالى.

النوع الرابع من المحظورات هو ما فيه فدية أذى، وهو غيرها من المحظورات، مثلاً لبس المخيط، حلق الرأس. ما هي فدية الأذى؟ أن يذبح شاة أو أن يصوم ثلاثة أيام أو أن يطعم ستة مساكين على التخيير، أن يذبح شاة، يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين. وهنا تنبيه، وهو أن ما وجب من ذبح شاة أو بدنة في هذه المحظورات فإنه يجوز ذبحه في الحرم، ويجوز ذبحه في المحل الذي وقع فيه المحظور. فلو أن إنساناً مثلاً حلق رأسه خارج حد الحرم، مثلاً بعد أن غادر ذا الحليفة حلق رأسه، نقول يجوز لك أن تنسك في ذلك المكان، أن تطعم في ذلك المكان، ويجوز أن تجعل النسك الذي هو الذبح الواجب عليك فدية أو الطعام، يجوز أن تجعله في الحرم، وهذا بخلاف هدي التمتع والقران الذي سيأتينا إن شاء الله تعالى أنه يكون في الحرم. إذاً حيث وجد سببه فإنه يجوز أن ينحر، وأما هدي التمتع والقران فإنه لا يكون إلا داخل حدود الحرم، هذا هو التفصيل في هذه المحظورات من حيث الفدية الواجبة فيها.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على حج بيته الكريم، وأن ييسره لنا، وأن يجنبنا فيه ما حرمه سبحانه وتعالى، وأن يجعلنا ممن يعظم شعائره، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان، ثاني.