تسجيل الدخول

المحاضرة 23 - الفقه - المستوى الثالث - د.منصور الغامدي - ركن الوقوف بعرفة، وأحكامه - أكاديمية زاد

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم الأمين، وعلى آله وعلى أصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ربنا آتنا ويسر الهدى لنا، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. ربنا علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. ربنا لا تجعل هذا العلم حجة علينا، ربنا اجعل هذا العلم قائداً لنا إلى رضوانك وإلى جنات النعيم، اجعله قائداً لنا يوم القيامة، منيراً لنا صراطك المستقيم.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثالث والعشرون من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس، قائلها وسامعها، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلها من العلم الذي يكون حجة لنا لا حجة علينا.

إخواني وأخواتي، كنا قد تكلمنا في عدد من الدروس السابقة عن ركن عظيم من أركان الحج والعمرة، وهو أول هذه الأركان ومبدأها، ألا وهو الإحرام. وذكرنا تعريف الإحرام، وذكرنا صفته وهيئته، ومن أين يكون، وما هي مواقيت الإحرام التي يحرم منها، سواء كانت هذه المواقيت زمانية أو مكانية، يعني من أين يبدأ الإنسان نسكه؟ هل يبدأ من حيث يشتهي أو ثمة مواقيت وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن أراد الإحرام؟ لا، هناك مواقيت وقتها الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس للإنسان أن يبدأ من حيث يشتهي.

وذكرنا أنه من حيث الزمان، فإن للعمرة أن يعتمر متى ما أراد، وأما الحج فإن له أشهراً معلومات؛ ذكرنا مبتدأ الإحرام بالحج وهو هلال شوال، وآخر حد للإحرام بالحج الذي يمكن أن يدرك به النسك. ثم تحدثنا عن محظورات الإحرام، وقارنا بين تحريم الصلاة وتحريم الحج، وعددنا هذه المحظورات، ثم عددنا الواجب من الفدية في هذه المحظورات، وذكرنا الأحوال الخمسة لمرتكب هذه المحظورات: الجاهل، الناسي، والمكره، والمضطر، والعامد المنتهك لحرمة البيت العتيق وحرمة النسك.

بعد حديثنا عن الإحرام، نريد أن نتحدث عن الركن الثاني من أركان الحج. وبالمناسبة، فإن الإحرام يعد ركناً في الحج والعمرة. ما سبق من حديث عن الإحرام، فإننا يجب أن نستصحبه في حديثنا عن العمرة كذلك، لأنه ركن في الحج وفي العمرة. الركن الثاني هو الوقوف بعرفة، والوقوف بعرفة هو ركن في الحج وليس ركناً في العمرة. الوقوف بعرفة من أهم أركان الحج، إن لم يكن أهمها. وقد جاء في الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الحج عرفة».

وفي حديث عروة بن مضرس الطائي؛ جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدركه صلاة الفجر في المشعر الحرام في مزدلفة، فقال: يا رسول الله، جئت من جبل طيء، أتعبت نفسي وأكلت راحلتي، وما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ يبدو -والله تعالى أعلم- أن عروة بن مضرس تأخر، ربما أنه أضاع أو تاه أو ضل الطريق، ولكنه أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح في مزدلفة، وقال: ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، يعني أنه وقف على جبال كثيرة قبل قدومه على مزدلفة.

ماذا قال له النبي الكريم صلى الله عليه وسلم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أدرك صلاتنا هذه، وقد وقف بعرفة قبل ذلك أي ساعة من ليل أو نهار، فقد تم حجه وقضى تفثه». إذاً هذا دلنا على ماذا؟ على أن الوقوف بعرفة لا يمكن أن يجبر بدم أو بشاة أو بغيرها؛ لا، الحج عرفة، لابد. إذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعروة بن مضرس: إن كان عروة قد وقف بعرفة ليلاً فقد تم حجه، وعروة رضي الله تعالى عنه قال: ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، أدرك عرفة ليلاً، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمضى وقوفه بعرفة ليلاً.

هذا الحديث أفادنا عدداً من الفوائد والمسائل المتعلقة بالوقوف بعرفة. أول مسألة وفائدة هي أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج لا يصح الحج بدونه. لذلك سياتينا -إن شاء الله تعالى- في آخر كتاب الحج ومسائل الحج باب يسميه أهل العلم باب الفوات والإحصار، وأن من أصبح عليه الصبح يوم عشرة ولم يكن وقف بعرفة -إما أنه تاه في طريق أحرم بالحج وتاه، أو أصيب بحادث، أو عُطّل عن الطريق، المهم أنه أصبح عليه صبح يوم عشرة وما أدرك عرفة- هذا يسمى في الفقه باب فوات، خلاص، فاته الوقوف بعرفة. سياتينا -إن شاء الله تعالى- حكم الفائت من فاته الحج والمحصور، بتفصيل طويل. الشاهد -أيها الإخوة الكرام- أننا نقول إن أول مسألة نستفيدها من حديث عروة بن مضرس الطائي رضي الله تعالى عنه أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج، بل هو ركن الحج الأعظم، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «الحج عرفة». إذاً من لم يقف بعرفة فلا حج له في ذلك العام، ولا يمكن أن يجبره بشاة أو غيرها، وإنما يذهب إلى البيت العتيق ويتحلل بعمرة؛ فاته الحج.

المسألة الثانية هي وقت الوقوف بعرفة. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وقد وقف بعرفة ليلاً أو نهاراً». النبي صلى الله عليه وسلم فعل الفعل الأكمل والأتم، وهو أنه وقف نهاراً وجمع مع وقوفه نهاراً جزءاً من الليل. وسياتي -إن شاء الله تعالى- في صفة حج رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عرفة بعد زوال الشمس، بعد أن خطب بالناس خطبة عرفة وصلى الظهر والعصر جمع تقديم، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفة بعد الزوال، وبقي في عرفة يدعو الله سبحانه وتعالى ويذكره ويناجيه حتى غربت الشمس، فلما غربت الشمس، وبعد غروب الشمس قليلاً، أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى مزدلفة.

إذاً هذا الفعل الأتم، لكن هل يجب على كل شخص أن يجمع بين الليل والنهار في وقوفه بعرفة كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هناك من أهل العلم من قال إنه إذا وقف نهاراً يجب أن يجمع جزءاً من الليل، وإذا وقف ليلاً فلا شيء عليه، ولا يجب عليه أن يأتي بشيء من النهار. ولكن إن وقف نهاراً فإن عليه أن يجمع شيئاً من الليل؛ هذا قول لبعض أهل العلم. وبعض أهل العلم أخذ بظاهر حديث عروة بن مضرس الطائي رضي الله تعالى عنه؛ وظاهر حديث عروة يفيد أن الوقوف في أحدهما يكفي، قال: «ليلاً أو نهاراً»، فكلمة «أو» تفيد التخيير، وأن الوقوف في أحدهما يكفي. ولا شك أن السنة التي فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي الحال الأتم والأكمل، أنه وقف بعرفة نهاراً وجمع معها جزءاً من الليل.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن الركن الثاني من أركان الحج، الركن الأعظم، ألا وهو ركن الوقوف بعرفة. قد ذكرنا أن الوقوف بعرفة ركن، بل هو الركن الأعظم، استفدناه من حديث عروة بن مضرس، وحديث «الحج عرفة»، وعدد من الأحاديث كذلك. ذكرنا المسألة الثانية وهي وقت الوقوف بعرفة، وقلنا إن ما يفيده حديث عروة بن مضرس الطائي رضي الله تعالى عنه أن من وقف بعرفة ليلاً أو نهاراً فإنه مجزئ له، ولا إشكال ولا شيء عليه. معنى ذلك أن الإنسان إذا وقف بعد زوال الشمس مثلاً إلى العصر، أو بعد العصر ساعة، ثم انصرف، فمفاد حديث عروة أن هذا كافٍ، أو إذا وقف ليلاً -الساعة التاسعة والعاشرة ليلاً- فإن هذا -إن شاء الله تعالى- كافٍ ولا إشكال في هذا.

ولكن من أهل العلم من قال إن حديث عروة يُقيّد بما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف نهاراً وجمع مع وقوفه نهاراً جزءاً من الليل، وقالوا إن تحيّن النبي صلى الله عليه وسلم لغروب الشمس دليل على وجوب هذا الأمر، أن الإنسان يجمع إلى وقوفه نهاراً جزءاً من الليل. قد يقول قائل: أليس فعل النبي صلى الله عليه وسلم المجرد دون قول يدل على السنية فقط؟ نقول: هذا هو الأصل، ولكن هذا الفعل اقترن بشيء آخر غير قضية الفعل المجرد؛ يعني هو أعلى من الفعل المجرد. النبي صلى الله عليه وسلم فعل فعلاً، لكن هذا أعلى من الفعل المجرد، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم «تحيّن»؛ ما معنى تحيّن؟ يعني ترقّب، انتظر، بقي مترقباً.

فالنبي صلى الله عليه وسلم له عدد من التحينات في الحج، الترقب ينبغي لنا أن نتنبه لها وألا نعاملها معاملة الفعل المجرد، بل هي أعلى من الفعل المجرد. فمن هذه التحينات مثلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم ضربت له قبة بنمرة، قبة من شعر، فبقي فيها، تحيّن زوال الشمس ثم دخل عرفة بعد زوال الشمس. هذا فيه إفادة؛ قد نستفيد من هذا، فنقول إن الوقوف بعرفة قبل زوال الشمس غير مجزئ، وإنما وقت الوقوف يبدأ من زوال الشمس، الوقت الذي وقف فيه النبي، تحيّن النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الوقت كان فيه دلالة على بداية وقت الوقوف. لو كان الوقوف جائزاً قبل زوال الشمس لدخل النبي صلى الله عليه وسلم عرفة قبل زوال الشمس. لماذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم من منى عند طلوع الشمس -اللي هو اليوم التاسع-؟ صلى الفجر بمنى، ثم بعد طلوع الشمس انصرف إلى نمرة، بقي فيها إلى أن زالت الشمس، ثم دخل عرفة، صلوات الله وسلامه عليه. إذاً هذا التحيّن كان فيه دلالة على أن وقت الوقوف يبدأ من زوال الشمس؛ هذا قد يُستفاد من هذه المسألة.

وبعض الناس قال إن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا، الأتم والأكمل، لأنه كان يريد صلوات الله وسلامه عليه أن يوقع صلاة الظهر والعصر مثلاً داخل حد الحرم، مثلاً باعتبار أن عرفة هي آخر حد الحرم. هل وادي عرنة من الحرم أو ليس من الحرم؟ هذا فيه خلاف عند أهل العلم؛ هل هو حد للحرم منه أو خارج عنه؟ فمن قال إنه منه، قال إن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يصلي الظهر والعصر داخل حد الحرم، والله تعالى أعلم بهذه المسألة.

فالشاهد -أيها الإخوة- أن النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه تحيّن الدخول بعد الزوال، وتحيّن الانصراف من عرفة بعد غروب الشمس. إذاً كونه ينتظر إلى أن تغرب الشمس ثم لا يبقى قليلاً، هذا فيه دلالة فوق الفعل المجرد. كذلك من تحيّنات النبي صلى الله عليه وسلم في مزدلفة أنه انصرف منها قبل طلوع الشمس، ومن تحيّنات النبي صلى الله عليه وسلم في منى أنه كان يتحيّن الزوال ليرمي؛ فكان ينتظر، إذا زالت الشمس بدأ رمي جمار العقبة، في أيام التشريق الجمار الثلاث: الصغرى والوسطى وجمرة العقبة. فتحيّن النبي صلى الله عليه وسلم لرمي الجمار أن يكون بعد الزوال فيه دلالة، بخلاف مثلاً لو أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى مجرداً -يعني مر بالجمار بعد الزوال- لا، كون الرسول يتحيّن يعني...

ينتظر زوال الشمس، فإذا زالت رمى. هذا فيه دلالة أعلى من دلالة أن نقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم رمى الجمار مثلاً بعد زوال الشمس، أو رمى الجمار بعد أذان الظهر؛ لكونه يتحين إلى أن تزول الشمس ثم يرمي. هذا فيه دلالة أعلى من دلالة الفعل المجرد.

إذاً، هذه التحينات من النبي صلى الله عليه وسلم في الحج حقيقةً هي جديرة بالبحث والدراسة والتأمل، ودلالتها أعلى من دلالة الفعل المجرد. فلذلك قال بعض أهل العلم إن من وقف نهاراً عليه أن يجمع مع وقوفه نهاراً جزءاً من الليل؛ لأجل تحين رسول الله صلى الله عليه وسلم لغروب الشمس، وهذا وارد حقيقة.

ومن أخذ بظاهر حديث عروة بن مضرس، وهو أنه إن وقف نهاراً أجزأه بلا إشكال، ولا يجب عليه أن ينتظر إلى الغروب، وإنما سنة في حقه أن ينتظر إلى الغروب. ومن وقف ليلاً فإنه يكفيه بلا إشكال، وإن كان الوقوف ليلاً هذا ما فيه إشكال عند جميع أهل العلم إن شاء الله تعالى أنه لا يجب عليه شيء، وإنما هم تكلموا فيمن وقف نهاراً: هل يجب أن يجمع معه جزءاً من الليل أم لا؟

إذاً، هذه المسألة الثانية، ألا وهي وقت الوقوف بعرفة. قلنا إن وقت الوقوف -نلخصها- يبدأ من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، طلوع الفجر يوم العيد. من وقف بعرفة من زوال الشمس، أي لحظة من اللحظات من زوال الشمس إلى طلوع الفجر يوم العيد، إذا أذن الصبح يوم العيد طلع الفجر الصادق، بان الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، أذن لصلاة الصبح، هذا معناه انتهى وقت الوقوف. من جاء عرفة بعد هذا الوقت فقد فاته الحج، لا بد أن يكون قبل هذا الوقت ولو لحظة.

إذاً، هذا هو الوقت سواء كان ليلاً أو نهاراً، ومن وقف فيها لحظة في هذا الوقت من الزوال إلى فجر يوم العيد، وقف لحظة واحدة فإن حجه صحيح إن شاء الله تعالى. حتى من قال بوجوب من وقف نهاراً أن يجمع جزءاً من الليل، يقولون هذا واجب لكن حجه صحيح، بمعنى أنه يجبر بدم، ولكن حجه صحيح؛ بما أنه وقف بعرفة نهاراً فإن حجه صحيح. إذاً من وقف في هذا الوقت فقد تم حجه إن شاء الله تعالى، وصح وكمل إن شاء الله تعالى.

طبعاً لا شك أنه ثمة أركان وواجبات أخرى سنأتي لها إن شاء الله تعالى، لكنه أدرك الحج. المراد أنه أدرك الحج، لماذا؟ لأن الأركان الأخرى، مثل ركن الطواف؛ طواف الإفاضة سيأتينا إن شاء الله الحديث عنه، الطواف بالبيت العتيق ركن، ولكن ليس له تأقيت مثل تأقيت عرفة، يعني يأتي به الإنسان يوم 10، يوم 11، 12، 13، أواخر ذي الحجة، بداية المحرم، لا إشكال إن شاء الله تعالى في هذا. بخلاف وقت عرفة، ركن له وقت محدد ينتهي بطلوع الفجر يوم العيد. لذلك من فاته الوقوف بعرفة يقال عنه فاته الحج إذا كان قد أحرم، ويحاول أن يدرك عرفة، لكن فاته عرفة فإن عليه أن يتحلل، فإن عليه أن يتحلل بعمرة.

إذاً، هذا ما يتعلق بوقت الوقوف. نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى مسألة أخرى، وهي أن من وقف بعرفة عالماً بها أو جاهلاً ما دام محرماً، فإن وقوفه صحيح. في حديث عروة بن مضرس قال: ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، كان والله أعلم قد التبست عليه الجبال واشتبهت عليه فلم يعرف عرفة، فوقف بأكثر من جبل. فالشاهد أن من دخل عرفة وإن كان هو لا يعلم أنها عرفة، أو دخل نائماً، أو دخل حتى مغمى عليه، حتى لو دخل مغمى عليه، فإن الظاهر والله تعالى أعلم أن هذا الوقوف صحيح ومجزئ.

سنأتي إن شاء الله تعالى لتفصيل آخر فيما يتعلق بالمستحبات التي تستحب في حق من وقف بعرفة، ولكن بعد فاصل قصير.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل القصير، ونتابع حديثنا معكم عن الركن الثاني من أركان الحج، ألا وهو ركن الوقوف بعرفة. ذكرنا ركنيته، ذكرنا وقته، ذكرنا حال الواقف بعرفة. يصح وقوف العالم أو الجاهل بعرفة، يصح وقوف الناسي، المغمى عليه، النائم. يصح وقوفهم بعرفة.

وفي الحقيقة أنا أستغل هذه الفرصة؛ أوصي إخواني الأطباء والقائمين على مستشفيات مكة المكرمة، أحياناً قد يأتي حاج من الحجاج يصاب بحادث مثلاً ويغمى عليه، أو ينوم بالمستشفى، يكون مريضاً، بعضهم ربما وهذا في بعض الأحوال قد يغمى عليه وينوم في أحد مستشفيات مكة، ما دام هذا الحاج محرماً وقدم للحج، كونوا أغمي عليه بسبب حادث أو بأي سبب من الأسباب أو بسبب مرض، فلا يعني هذا أن نفوته الحج. وإنما الواجب حقيقة علينا نحن سكان مكة الذين بجوارها، الأطباء، إدارة المستشفيات أو غيرها، أنها تأخذ هؤلاء المغمى عليهم في سيارة مثلاً سيارة إسعاف، وتدخل بهم إلى عرفة لحظة، لو لحظة. تدخل بهم إلى عرفة لو لحظة في وقت الوقوف الصحيح، يعني من بعد الزوال إلى طلوع الفجر يوم العيد، هذا كله وقت صحيح مجزئ في الوقوف.

طبعاً وبحكم وجود ازدحام السيارات والباصات في نفرة عرفة وغيرها، فمن الممكن أنه بعد انتهاء هذه الزحمة أو خفة هذه الزحمة؛ لأن عرفة غالباً تكون خالية ليلاً، وإن كان وقتاً مجزئاً في الوقوف، لأن الناس غالباً كلهم يكونون في السيارات في الطريق إلى مزدلفة، فعرفة غالباً تكون خالية ليلاً. فلذلك نوصي إخواننا الذين في المستشفيات أو في إداراتها أو في غيرها أنهم يأخذوا هؤلاء المغمى عليهم أو المرضى، يأخذوهم ليلاً إلى عرفة بحكم خلو عرفة في ذلك الوقت، ويصححوا حجهم، يصححوا حجهم؛ لأنه لو هذا المغمى عليه لم يأخذه هذا الطبيب أو مدير المستشفى أو غيره، لو لم يأخذوه إلى عرفة نهاراً أو ليلاً وأصبح الصبح وهو لم يدخل عرفة، فإنه قد فاته الحج، فإنه قد فاته الحج.

ولا شك أن هذا يمكن أن نقول قد يسبب لدى هذا الشخص المريض أو المغمى عليه إذا أفاق قد يسبب لديه حسرة، أنه جاء وقدم من بلاد بعيدة ثم أغمي عليه بسبب خارج عن إرادته، ثم فاته الحج. لا شك أن هذا قد يسبب لديه حسرة، لذلك حقيقة الواجب علينا في مستشفياتنا حول مكة المكرمة أن نعتني بهذا الأمر، وأن ندخلهم إلى عرفة حتى يصح حجهم بفضل الله سبحانه وتعالى. فإن عدداً من المستشفيات بفضل الله سبحانه وتعالى تقوم بهذا الأمر، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزي كل من فعل هذا الفعل أو ساهم فيه أو أمر به أو حث عليه، أن يجزيه خير الجزاء، وأن يجزيه عن هذا الشخص الحاج الذي قد أغمي عليه أن يجزيه عنه خير الجزاء.

إذاً، نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى مسألة رابعة، ألا وهي مكان الوقوف. مكان الوقوف: الوقوف يجب أن يكون داخل حدود عرفة بالأعلام المعروفة، ولا يجوز الوقوف في بطن عرنة. بطن عرنة هو وادي يفصل بين عرفة وبين حدود الحرم. وقد ذكرنا أن ثمة خلافاً في وادي عرنة، هل هو من الحرم أو ليس من الحرم؟ أياً ما كان، هذا الوادي يفصل بين عرفة وبين مزدلفة، فلا يجوز الوقوف في بطن عرنة، وإنما ينبغي الوقوف أو يجب الوقوف داخل حدود عرفة.

وهنا تنبيه، وهو أن المسجد المسمى بمسجد نمرة، الجامع الكبير الذي يصلي فيه الناس صلاة الظهر والعصر يوم عرفة، يخطب فيه خطيب عرفة، أن هناك جزءاً منه داخل عرنة، داخل حد وادي عرنة، وجزءاً منه داخل حد عرفة. لأن هذا المسجد قد بُني في المقام الذي قام النبي صلى الله عليه وسلم وخطب الناس، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قام وخطب الناس خارج حد عرفة، لكن المسجد وُسّع توسعة كبيرة جداً، فصار منه جزء داخل عرفة.

فبعض الناس ربما وقف فيه وجلس فيه إلى غروب الشمس؛ نقول إن شاء الله تعالى لا بأس في جلوسه ووقوفه في هذا المكان إلى غروب الشمس إذا كان داخل حد عرفة. وأما إذا كان في الجزء من المسجد الأمامي، وهو الذي يعتبر خارجاً عن حد عرفة، فإن هذا لا شك أنه قد فوّت السنة. طيب من جلس طول اليوم والليل، جلس في هذا الجزء الأمامي فقط ولم يمر بالجزء الخلفي الذي هو داخل حد عرفة، هل يصح حجه؟ نقول لا شك أنه قد فوّت السنة، وهي سنة الوقوف بعرفة. ولكن الظاهر والله تعالى أعلم أن حجه صحيح، لماذا؟ ليس لأجل أن الوقوف خارج عرفة مجزئ، لا، لأجل أن هذا المسجد صُمّمت أبوابه لتكون كلها أبواب خلفية من حدود عرفة، لذلك لا يوجد هناك أبواب لهذا المسجد من الجهة الأمامية التي تعتبر في عرنة، وإنما صُمّمت أبوابه جميعاً لتكون من حد عرفة. فلذلك كل من دخل المسجد فمعنى ذلك أنه مر بعرفة لحظة، وكل من خرج من المسجد فمعنى ذلك أنه قد مر بعرفة لحظة، لماذا؟ لأن أبواب المسجد كلها في الجهة الخلفية منه التي هي داخل حد عرفة. وجزى الله خيراً من صمّم الأبواب بهذه الطريقة حتى يصحح للحجاج الذين يجهلون أن هذا الجزء الأمامي خارج عرفة، فربما لو دخل، لو كان هناك أبواب أمامية دخل منها وخرج منها ربما لم يصح حجه؛ لأنه دخل وخرج داخل المسجد في الجزء الذي يعد خارجاً عن عرفة. ولكن بحكم أن الأبواب كلها مصممة في الجهة الخلفية بحيث إن كل من دخل من الأبواب يدخل داخل عرفة، وإن جلس فترة من الفترات أو طول اليوم أو غيره في الجزء الأمامي الذي يعد خارجاً عن عرفة؛ لذلك نحن ننبه إخواننا حتى يطبقوا السنة أن يرجعوا في الجزء الخلفي الذي هو آخر المسجد حتى يكونوا داخل حد عرفة.

كذلك من التنبيهات المتعلقة بالمكان أن يلحظ أن بعض الناس يحرص على الوقوف عند جبل الرحمة أو على جبل الرحمة، وهذا الجبل المسمى جبل الرحمة لم يقف عليه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ولا يشرع الوقوف عنده، ويحرم التبرك بحجارته، أو يحرم التبرك برمله أو غير ذلك، بل إن التبرك بهذه الحجارة وهذه الآثار الموجودة في الجبل أو بالتراب الموجود في الجبل هو من البدع في الدين المحرمة التي ينبغي للحاج أن يحذر منها. الحاج ما قدم إلى بيت الله العتيق، ما قدم إلى هذه المواطن إلا تعبداً لله سبحانه وتعالى، فينبغي له أن يتبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يبتدع في الدين. هذا الحاج قدم ليعبد الله سبحانه وتعالى، فكيف يقوم ويخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتبرك بما لم يشرع الله ولا رسوله التبرك به؟ لا شك أن هذا حقيقةً من البدع، ويؤسفنا حقيقةً أن الحاج قدم يريد الأجر فيرجع بالوزر بسبب ارتكابه لمثل هذه البدع والمآثم.

لذلك نحذر إخواننا الحجاج جميعاً، ونوصي أنفسنا أولاً والله، ثم نوصي إخواننا وأخواتنا جميعاً بأن يتبعوا ولا يبتدعوا، فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. جنبني الله وإياكم هذه البدع.

والضلالات، النبي صلى الله عليه وسلم وقف عندما كان يقال له الصخرات، وهو جنوب جبل الرحمة، واستقبل النبي صلى الله عليه وسلم القبلة يدعو الله سبحانه وتعالى، وقال: «وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف». إذاً النبي صلى الله عليه وسلم دل في هذا الحديث على أن هذا المكان غير مقصود، وقال: «وعرفة كلها موقف». إذاً كون النبي صلى الله عليه وسلم وقف في هذا المكان لا يعني أن هذا الوقوف بهذا المكان مشروع؛ لا، بدلالة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف». إذاً أينما وقف المسلم في عرفة، فإنه قد وقف في المكان الصحيح المشروع المجزئ الموافق إن شاء الله تعالى لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته.

أما حرص الإنسان على أن يقف عند الصخرات التي وقف عندها النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا في الحقيقة غير مشروع بهذا الحديث. وأما حرص الإنسان على الوقوف في جبل الرحمة أو التبرك بذلك المكان الذي لم يقف عنده الرسول صلى الله عليه وسلم أو التبرك عنده، لا شك أنه أشنع وأسوأ وهو من البدع في الدين، فهذا لا شك أنه أقرب إلى الجهل منه إلى العلم، وأقرب إلى البدعة منه إلى السنة. لذلك أحذر إخواني وأخواتي الحجاج من الابتداع في الدين، وأوصي نفسي وأوصيكم جميعاً بالحرص على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا ما يتعلق بأحكام الوقوف بعرفة.

وسنبين المستحبات المشروعة وما هي هيئة الوقوف، نحن الآن نتحدث عن ركن الوقوف؛ مكانه ووقته وحاله، وسيبين إن شاء الله تعالى في صفة الحج حال الواقف بعرفة، وأنه يشرع له الدعاء، وأنه يشرع له التضرع إلى الله سبحانه وتعالى، وإخبار الله سبحانه وتعالى العظيم الجليل أنه ينزل إلى عباده في عشي عرفة، في المساء بعد العصر، ينزل إلى عباده في عشي عرفة ويباهي بهم ملائكته نزولاً يليق بجلاله سبحانه وتعالى وعظمته. ينبغي لنا حقيقة أن نقدر هذا القرب الإلهي من أهل الموقف، وأن نجتهد لله سبحانه وتعالى في الدعاء. سياتينا إن شاء الله تعالى تفصيل ذلك وبيانه في صفة الحج، مرادنا هنا الوقوف فقط على الأركان والواجبات، بيان وحدود هذه الأركان والواجبات، وسنفصل إن شاء الله تفصيلاً لاحقاً. نقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.