تسجيل الدخول

المحاضرة 6 - الفقه- المستوى الثالث- منصور بن عبد الرحمن الغامدي- مسائل في أحكام الصيام- أكاديمية زاد

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علمٍ نافعٍ، ينمو العلم وتتقدم تقنياته ومجالاته ومعه تطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد، أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا ذات أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ربنا علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا، اللهم ألهمنا رشدنا يا رب العالمين، واهدنا ويسر الهدى لنا.

إخواني وأخواتي في أكاديمية زاد المباركة، هذا هو الدرس السادس من دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس لقائلها وسامعها، وأن يجعلها من العلم النافع الذي يكون حجة لنا لا حجة علينا.

كنا قد بدأنا الحديث عن الأعذار المبيحة للفطر، وللتذكير فإننا قد ذكرنا أنها ستة أعذار. هذه الأعذار الستة قسمناها إلى مجموعتين: الحيض والنفاس في مجموعة، وأربعة أعذار أخرى في مجموعة أخرى. تكلمنا عن هذه الأعذار الأربعة، وقلنا إن المسافر والمريض إذا شق عليهما الصوم فإنهما يستحب لهما الفطر، وإن تضررا بالصوم فإنه يجب عليهما الفطر.

وإن لم يشق عليهما، فقد ذكرنا في المريض إذا لم يشق عليه فإنه يجب عليه الصوم. وأما المسافر فإنه إذا لم يشق عليه فإنه يستحب له الصوم ويباح له الفطر، وذكرنا أنه يستحب له الصوم لخمسة أسباب. وأما المريض إذا لم يشق عليه فإنه يجب عليه الصوم لأن العذر ليس عاماً في كل مرض مثل السفر الذي هو عذر عام في كل سفر، وإنما العذر خاص بالأمراض التي فيها مشقة، يشق فيها الصوم مع المرض.

انتقلنا بعد ذلك إلى الحديث عن عذر الحمل والإرضاع، وقلنا إن الحامل والمرضع هما من جنس المريض، وإن كان الحمل والإرضاع لا يعتبر مرضاً، ولكنهما عذران يوهنان البدن كوهن المرض أو أشد، وفيهما مشقة كمشقة المرض أو أشد، ولكن ليس هو اعتلال مرض يداوى ويعالج، لا، ولكن فيهما نفس القدر من المشقة وفيهما نفس القدر من كونهما عارضين. فلذلك قلنا الحمل والإرضاع مبيحان للفطر.

وذكرنا أن الحامل والمرضع عذر إباحة الفطر لهما لأجل أمرين: الأول لأجل الخوف على أنفسهما، والأمر الثاني لأجل الخوف على طفليهما؛ طفل الحامل في جنينها، وطفل المرضع بين يديها. إذاً الحامل والمرضع قد تفطر إذا خافت على نفسها، مثل أن تذهب إلى طبيبة النساء فتقول لها هذه الطبيبة: يجب عليك أن تأخذي هذا الدواء بهذه الفترات المعينة وإلا فإنه قد يتفاقم المرض الذي بك بسبب هذا الحمل أو غيره، لأن هناك أحياناً أمراضاً تصاحب الحمل، مثل أن يرتفع عند بعض النساء السكر بسبب الحمل، أو ينقص عندهن نسبة الحديد، أو غير ذلك من الأعذار الكثيرة.

سبحان الله، الحمل والرضاعة تغيرات في بدن المرأة تحتاج أن تحتاط لها، وتحتاج أن تقوي بدنها لمواجهة مثل هذه التغيرات التي تحصل لها في جسدها. فالشاهد أن الحامل والمرضع عليهما مسؤولية تجاه أنفسهما وتجاه طفليهما، أي الجنين الذي تحمله الحامل، أو رضيعها الذي بين يديها. وذكرنا كذلك أن المسؤولية على الحامل أشد، لأن المرضع ربما أنها تعوض غذاء الطفل من خلال الرضاعة والحليب الصناعي، فيعطيه كنوع من التكميل الغذائي لرضاعتها فلا بأس، لكن الحقيقة أن المسؤولية على الحامل أشد.

لذلك حقيقة أنا أنبه أخواتي وأذكرهن بتقوى الله سبحانه وتعالى والخوف منه، وأذكرهن بالمسؤولية التي عليهن تجاه أجنتهن، الحمل والجنين الذي هو موجود في رحمها. طيب، ما الذي الواجب عليها أن تفعل؟ الواجب عليها أنها تشاور طبيبة، فإن قالت لها هذه الطبيبة: تحتاجين أنت إلى التكميل الغذائي الفلاني، تحتاجين إلى الفيتامينات الفلانية، ويجب أن تأخذيها بصفة دورية، فيجب عليها أن تلتزم بهذا. ومن المعتبر قوله؟ نقول: الطبيبة التي جمعت بين العلم والخبرة، وجمعت معها الموثوقية والأمانة. فإذا كانت ما عندها لا علم ولا خبرة فهذه أصلاً لا يعمل بقولها؛ كيف تقول أفطري في نهار رمضان ويعمل بقولها؟ لا يعمل بقولها. أما إذا كانت موثوقة أمينة وعالمة خبيرة، فـ ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]. القوة المطلوبة هنا هي القوة العلمية في علم الطب، فتقول لها: أنت بدنك يحتاج إلى كذا، إذا لم تأخذيه فإنه يحصل لك كذا أو يحصل لجنينك كذا.

لاحظوا أننا نفس العمل الذي عملناه مع المريض نعمله مع هذه الحامل. إذا الطبيبة قالت إنك إذا لم تأخذي هذا الدواء فإنك تتضررين، فنقول: يجب عليك أن تتداوى ولو أدى هذا التداوي إلى فطرك، يجب عليك أن تفطري. طيب، لو قالت لها: لو لم تأخذي هذا الدواء أو لو لم تأخذي هذا الغذاء بهذا الشكل المعين فإن جنينك يتضرر، نقول: يجب عليك حينئذٍ، بل الوجوب أشد؛ لأنك مستأمنة على هذا الجنين، وأنت في نفسك قد تتحملين المشقة وربما تتحملين بعض الضرر، لكن على هذا الجنين يجب أن تسعي في رعايته.

والنبي صلى الله عليه وسلم قد ذكرنا جميعاً فقال: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». فالأم مسؤولة عن هذا الجنين. وقلنا إن هذا يفرق فيه كذلك بين أول الحمل وآخره، وطول النهار وقصر النهار، هذه كلها أمور عارضة، وكون المرأة هل بنيتها قوية ولا عندها فقر دم، هذه كلها أمور عارضة تحتاج المرأة أن تراعيها حتى تصل إلى هذا الحكم. ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2]. المرأة تسعى لمصلحة جنينها ولمصلحة بدنها، لا شك أن هذا مما شرعه الله سبحانه وتعالى.

هذا فيما يتعلق بالحامل والمرضع. إذا أفطرت الحامل والمرضع خوفاً على نفسها أو خوفاً على جنينها، ما هو الواجب عليها بعد ذلك؟ هذا ما سوف نتعرض له ولكن بعد فاصل قصير.

بشرى لنا ذات أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

من أعظم الأخطار التي تهدد المجتمع وتجعل بناءه هشاً ضعيفاً جهل المرأة بما تحتاج إليه من أمور دينها ودنياها وشؤون حياتها، فهي الساعد الآخر لبناء المجتمع. فالمرأة الجاهلة لا يمكنها القيام بتربية صحيحة أو إعانة أبنائها على التعلم والرقي، بل ربما أنشأتهم على أفكار خاطئة أو معتقدات فاسدة. وبالجهل تتبرج المرأة فتفتن نفسها وغيرها، وبالجهل تضيع المرأة حق زوجها وتنفره من البيت فيتفرق شمل الأسرة، وبالجهل وقعت كثير من النساء في الخرافات والسحر والشعوذة. فالواجب على المرأة أن تحرص على طلب العلم وأن لا يمنعها الحياء من ذلك، فإنه لا حياء في طلب العلم، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين".

بشرى لنا ذات أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل القصير ونتابع حديثنا معكم عن الحامل والمرضع. ذكرنا من قبل أن المسافر والمريض إذا أفطروا فإنهم يجب عليهم القضاء. الحامل والمرضع إذا أفطرتا سواء كان خوفاً على أنفسهما أو خوفاً على الجنين الذي معهما، فما هو الواجب في حقهما؟ ذكرنا من قبل أن عذر الحمل والإرضاع الظاهر والله تعالى أعلم أنه من جنس عذر المرض، وأن الفرق بينه وبين المرض فرق غير مؤثر؛ فكلاهما يوهن البدن ويضعفه ويجعل البدن في حال يشق على البدن فيها الصوم.

معنى هذا أن الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفاً على نفسهما أو خوفاً على أجنتهما أو على رضيعها، فإنه يظهر والله تعالى أعلم أن الواجب عليهما أن تقضيا هذا اليوم فقط، حالهما في ذلك كحال المريض والمسافر. فالخلاصة: أن الحامل إن أفطرت بعض الأيام سواء كانت خائفة على نفسها أو خائفة على جنينها أو خائفة على الأمرين جميعاً على نفسها وعلى جنينها، واعتمدت في هذا قول طبيبة مسلمة موثوقة، فإن الأظهر والله تعالى أعلم أنها إذا أفطرت بناء على هذا أنه يجب عليها قضاء ذلك اليوم فقط. كل يوم تفطر عليه أن تقضي ذلك اليوم. هل يجب عليها مع القضاء إطعام؟ الظاهر والله تعالى أعلم أنه لا يجب عليها، وأن شأنها هو شأن المريض والمسافر، كلهم سواء؛ من أفطر يوماً في رمضان فإنه يقضي، ومن صام في رمضان فإنه لا يقضي.

وهذا هو الفرق في هذه الأعذار الأربعة بين هذه الأعذار الأربعة من جهة، وبين عذري الحيض والنفاس من جهة أخرى. قلنا إن عذر الحيض والنفاس يجب القضاء ويحرم أداء رمضان في نهار رمضان، ولو صامت الحائض والنفساء في نهار رمضان فإنه لا يعتبر منهن ويجب عليهن أن يقضينه بعد رمضان، إذاً لا يعتبر صوماً، بخلاف الأعذار الأربعة هذه التي ذكرناها؛ المرض والسفر والحمل والإرضاع، فإنه يصح منهم الصوم في رمضان لو صاموا، ولو لم يصوموا فإنه يجب عليهم القضاء بعد رمضان.

طيب، نريد ننتقل بعد هذا إلى العذر الخامس والسادس، وهو عذر الحيض والنفاس. الحيض والنفاس كما جاء في الحديث الشريف أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم؟». وسئلت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما بال الحائض تؤمر بقضاء الصوم ولا تؤمر بقضاء الصلاة؟ فقالت لها: "كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة". ردتها عائشة رضي الله تعالى عنها إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن النساء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كن يحضن وينفسن ويؤمرن بقضاء الصوم ولا يؤمرن بقضاء الصلاة. إذاً الحائض والنفساء لا تصلي ولا تصوم، فإذا طهرت من حيضها ومن نفاسها فإنها تقضي صومها ولا تقضي صلاتها كما جاء في حديث عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنها. إلا أننا نضيف على هذا الحكم ونقول إن الحائض والنفساء ليست مثل الأعذار الأربعة الأخرى؛ يحرم عليها الصوم في حال حيضها أو في حال نفاسها.

هنا عدد من المسائل التي نرى بالحديث عنها، مثلاً في مسألة الحائض والنفساء: لو أن امرأة حاضت في أثناء النهار، مثلاً ابتدأت يومها صائمة فحاضت بعد الظهر، هل يصح صومها؟ نقول: لا يصح صومها ذلك اليوم، خلاص لا يصح. طيب هل يلزمها أن تقضيه؟ نقول: نعم يلزمها أن تقضيه، لأن صوم ذلك اليوم قد بطل بحيضها وهي ممن يلزمه قضاء ذلك اليوم، فلذلك اليوم الذي حصل فيه الحيض في أثناء النهار نقول يجب أن تقضيه.

لو أن امرأة قالت إنها اعتادت دائماً مثلاً في الخامس من الشهر الهجري دائماً أنها تحيض، فهل يجوز لها أن تفطر من أول اليوم؟ تقول: خلاص أنا متأكدة تقول العادة دائماً تأتي مثلاً الظهر أو العصر يوم خمسة من الشهر الهجري، فهل يجوز لها الفطر قبل حصول العادة؟ نقول: لا، لا يجوز، ولو كانت أنها معتادة هذه العادة لا يجوز لها أن تفطر أبداً إلا إذا نزل عليها الحيض أو حصل لها النفاس. واضح؟ إذاً هذه الحالة التي يجوز لها الفطر، طبعاً عذر النفاس ذكرنا أنه ما دام أنها حامل فإنه يجوز لها الفطر ما في إشكال، لكن نتكلم عن الحائض.

فإذا كانت تتوقع أن حيضها سيأتيها مثلاً في الظهر، مثلاً حست بالآلام من قبله بيوم أو يومين، نقول: لا تفطرين إلا بعد خروج دم الحيض. طيب إذا خرج دم الحيض عليها أن تقضي ذلك اليوم. طيب لو خرج دم الحيض مثلاً منها قبل الغروب بخمس دقائق، شو رأيكم؟ نقول: كذلك عليها قضاء ذلك اليوم، لأن اليوم الواجب لا يتم الصوم الواجب إلا بالصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. إذا خرج عليها دم الحيض قبل غروب الشمس ولو بدقيقة، عليها أن تقضي ذلك اليوم.

طيب، خلونا نأتي في الطرف الآخر اللي هو في نهاية الحيض. امرأة طهرت بعد الظهر، هل تصوم اليوم الباقي؟ تقول: خلاص يعتبر صيام، نقول: لا، لابد أن يكون الصوم يوم كامل، فبالتالي كونك طهرتِ الظهر ولا طهرتِ العصر لا يعتبر هذا أنك تصومين اليوم الباقي، ونقول هذا خلاص يعتبر صوم، لازم تقضين هذا اليوم، يجب عليك قضاء هذا اليوم.

طيب لو قالت هذه المرأة إنها طهرت مثلاً بعد طلوع الفجر بخمس دقائق، لاحظت أن الدم مثلاً موجود أو انتبهت أنها طهرت مثلاً بعد الفجر بخمس دقائق ولا بعشر دقائق ولا بنصف ساعة، نقول: لا، ما هو معتبر هذا، لازم يكون الطهر مستوعب لليوم كاملاً.

هنا مسألة ثالثة في نهاية اليوم: لاحظت المرأة لما استيقظت لصلاة الفجر، مثلاً رات علامة الطهر قبل صلاة الفجر، لكن ما أمكنها أنها تغتسل إلا بعد طلوع الفجر، إذاً متى طهرت؟ طهرت مثلاً من الليل ورات علامة الطهر قبل صلاة الفجر، قامت هذه المرأة لتوقظ أولادها لصلاة الفجر مثلاً، فرات علامة الطهر قبل صلاة الفجر، لكن ما أمكنها أنها تغتسل، فهل يصح صومها وهي لم تغتسل لكن انقطع الحيض؟ نقول: يصح صومها؛ لأن كون الإنسان لم يتطهر ولم يغتسل هذا مو بشرط في صحة الصوم. أنا أضرب لكم مثالاً آخر شبيهاً بهذا المثال: لو أن إنساناً جامع أهله بالليل، فأذن مؤذن الفجر وهو لم يغتسل، يعني وهو جنب، هل يصح صومه؟ نقول: نعم، يصح صومه، واجب عليه الصوم ويغتسل بعد الفجر.

لا يلزم الإنسان أن يغتسل قبل الفجر، بل نحن نفرق ونقول: الواجب على المرأة أنها تراعي قضية الدم بقضية الغسل. فإذا انقطع الدم ورأت علامة الطهر، مثلاً رأت القصة البيضاء أو رأت الجفاف قبل الفجر من الليل، خلاص يجب عليها صوم ذلك اليوم؛ يجب عليها أنها تنوي وتصوم. لاحظتم؟

طيب، عندنا مسألة، خلونا نضيف مسألة خامسة أو رابعة في الطهر وهي: أن المرأة مثلاً رأت علامة الطهر بعد طلوع الفجر، يعني لما جاءت توقظ أولادها لصلاة الفجر قد أذن الفجر قبل خمس دقائق؛ لاحظتم؟ فرأت علامة الطهر وعرفت أنها من الليل؛ لاحظتم ولا لا؟ فهل هذه يصح صومها ولا ما يصح صومها؟ هذا سؤال أوجهه إليكم وأسمع إجابته منكم بعد هذا الفاصل القصير.

بشرى لنا زاد أكاديمية، للعلم كالأزهار في البستان.

أمانة عظيمة ومسؤولية كبيرة؛ إنها تربية الأهل والأولاد. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. قال علي بن أبي طالب: أدبوهم وعلموهم. فنعلمهم العقيدة الصحيحة؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك». ونعلمهم حب النبي صلى الله عليه وسلم وحب أصحابه، فقد كان السلف يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمون السورة من القرآن. ونعلمهم الصلاة؛ قال صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر». ونعلمهم مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب؛ قال صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة: «يا غلام، سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». ونعلمهم شيئاً من القرآن بأنفسنا أو نلحقهم بحلقات التحفيظ، ونعلمهم الحلال والحرام بالتدريج. ونعلمهم لغة القرآن قبل أن نعلمهم اللغات الأخرى؛ قال نافع: كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن. فاحرص على تعليم أهلك، واعلم أن غذاء الروح أهم من غذاء البدن. قال صلى الله عليه وسلم: «والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عنهم».

بشرى لنا زاد أكاديمية، للعلم كالأزهار في البستان.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل القصير، ونتابع حديثنا معكم عن بعض المسائل المتعلقة بطهر المرأة من الحيض والنفاس وعلاقته بصيامها. وصلنا إلى المسألة الرابعة، وقلنا إن هذه المرأة رأت علامة الطهر بعد الفجر. وش الفرق بين هذه المسألة والمسألة التي قبلها؟ المسألة التي قبلها أنها رأت علامة الطهر قبل الفجر ونوت الصوم، فهذا يصح صومها. طيب هذه ما رأت علامة الطهر، أو بالأصح علامة الطهر حصلت لها من الليل لكن هي ما انتبهت أو ما عرفت، كانت نائمة ما عرفت ولا انتبهت إلا بعد الفجر. فالآن هي طاهر من الفجر إلى الغروب، لكن أين المشكلة؟ تكمل المشكلة أنها ما نوت الصوم.

وإذا تذكرون في درسنا الأول قلنا إن الصوم هو التعبد لله بترك والكف عن الطعام والشراب، وأن الصوم الواجب يجب أن تكون النية مستوعبة فيه من طلوع الفجر من أذان الفجر إلى أذان المغرب؛ يجب أن تكون نية مستوعبة لكامل اليوم. فهذه المرأة الآن كانت نائمة طهرت في الليل ولا زالت نائمة، ما استيقظت إلا بعد طلوع الفجر. نفترض أنها استيقظت بعد طلوع الفجر بعشر دقائق ولا بربع ساعة، فإن تنبهت وجدت أنه علامة الطهر قد خرجت منها في الليل، فالآن هل هذا صيامها صحيح؟ نقول صيامها غير صحيح؛ صيامها غير صحيح لماذا؟ لأنه لم يحصل لها نية الصيام. هو من أجل أنها حائض لم يحصل لها نية الصيام، يجب المرأة أنها تستوعب نية الصيام من أول اليوم إلى آخر اليوم. وهذه المرأة مفرطة، المفترض أنها ما دامت أنها شاكة أن طهرها قد اقترب، فالواجب عليها أنها تنوي نية الصيام.

طيب كيف تنوي نية الصيام وهي لم ترَ الطهر بعد مثلاً قبل نومها؟ نقول في أحوال: الواجب على هذه المرأة أن إذا كانت تعلم أن طهرها قد يحصل لها في الليل فالواجب أنها تستيقظ وتتأكد قبل الفجر، هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: يجوز والله تعالى أعلم ويصح والله تعالى أعلم أن تنوي نية معلقة. كيف تنوي نية معلقة؟ يعني مثلاً لو كانت نامت وهي متعبة وتخشى أنها تستيقظ يعني بعد أذان الفجر وأنها لا تستطيع الاستيقاظ قبله، فتنوي نية معلقة: تقول إن كان قد رأيت الطهر في الليل فأنا صائمة غداً إن شاء الله، وإن لم أرَ الطهر في الليل فلن أصوم، خلاص سوف أبقى على فطري. لاحظتم هذه نية معلقة، نية مترددة.

الإنسان أحياناً متى يحتاج النية المترددة؟ أحياناً الإنسان قد ينام مثلاً يوم 29 في الليل، انتظر إعلان الهلال مثلاً بعد صلاة المغرب بعد صلاة العشاء ما أعلن الهلال، أحياناً يتأخر إعلان الهلال إلى الساعة 10 ليلاً، 11 ليلاً، 12 ليلاً؛ لأن إعلان الهلال يعتمد على ثبوت الرؤية، فإذا ثبتت الرؤية يحتاج أن الرائي هذا يذهب إلى المحكمة الشرعية ويثبت شهادته رؤية الهلال، فإذا ثبتت شهادته برؤية الهلال يحصل اجتماع للمحكمة الشرعية أو لمجلس القضاء، كل بلد من البلدان فيعلن بعد ذلك الهلال، يعلن بعد ذلك شهر رمضان. أحياناً يتأخر الإعلان إلى الساعة التاسعة، العاشرة، أحياناً يتأخر بعد ذلك أحياناً يتأخر الساعة الثانية عشر، على حسب إجراءات ثبوت الهلال.

ما رأيكم لو أن إنساناً كان متعباً ونام بعد العشاء، ونوى في قلبه أن أعلنوا بكرة من رمضان فأنا صائم إن شاء الله تعالى من مع الناس من رمضان، وإن كان بكرة هو المتمم 30 من شعبان فأنا مفطر؛ هل تصح هذه النية؟ الصحيح والله تعالى أعلم أنها تصح، وأن هذا من الشروط الجائزة. وجاء في حديث ضباعة بنت الزبير رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: «حجي واشترطي، فإن لك على ربك ما اشترطتِ». والإنسان يشترط ويقول: إن كان غداً من رمضان فأنا صائم، وإن لم يكن غداً من رمضان فأنا مفطر، فهذا لا بأس به إن شاء الله تعالى وهو صحيح إن شاء الله تعالى، ولا يلزم الإنسان أنه يستيقظ طول الليل حتى يتأكد، لا.

طيب نحن نقول لهذه المرأة: عندك أحد أمرين، إما أنك تستيقظي وإما أن تعلقي النية. كيف تعلق النية؟ تقول، ليس بلفظ اللسان وإنما تنوي في قلبها أنه متى ما طهرت في الليل فإنها صائمة إن شاء الله تعالى غداً وتتسحر لهذا مثلاً وتستعد، فإن رأت الطهر مثلاً إذا استيقظت للفجر رأت الطهر فالحمد لله هي صائمة، وإن لم ترَ الطهر ورأت أن الدم لا يزال موجوداً فإنها حينئذ تستمر في حيضها وتعتبر مفطرة اليوم التالي.

طيب، إذاً هذه مسائل متعلقة بانتهاء حيض المرأة. طيب هناك مسألة متعلقة بانتهاء حمل المرأة. لو أن امرأة أجهضت الجنين قبل تمامه تسعة أشهر، فهل ما يخرج منها من الدم يعتبر دم نفاس؟ في واقع الأمر هذه المسائل كلها قد تدارسناها في باب الحيض والنفاس في أبواب الطهارة، ولكن لا مانع أن نذكر بها شيئاً يسيراً هنا لأجل أحكام الصوم. العمدة أن نقول إن الدماء التي تخرج من المرأة على نوعين أساسيين: الدم الأول: دم الأذى وهو دم الحيض والنفاس، النوع الثاني: هو دم العرق وهو دم الفساد والاستحاضة.

هذا دم عرق، ما الفرق بين دم الحيض والنفاس ودم العرق؟ دم الحيض والنفاس هو الدم المخصوص الذي يخرج للمرأة اللي هو الدم الأسود الذي له رائحة وله ثخونة مميزة له. ما هو دم العرق؟ هو الدم الأحمر السائل، دم العرق اللي هو الذي يعني لو جرح الإنسان نفسه هنا هذا الدم دم عرق، لكن اللهم يشتبه دم الاستحاضة بدم الحيض؛ لماذا؟ لأن العرق الذي انفجر وخرج منه الدم المعتاد هو من قريب من مخرج الحيض وصار يخرج مخرجه، فتشتبه المرأة: هل هذا دم عرق ولا دم حيض أو نفاس؟ وذكرنا هذه المسائل في باب الحيض.

فنحن نقول إذا المرأة أجهضت، أو قبل ذلك إذا المرأة وضعت الوضع الطبيعي، فإن هذا دم نفاس ولا تصوم فيه. طيب إذا وضعت قبل تسعة أشهر، مثلاً وضعت في الشهر الثامن أو السابع، نقول هذا دم نفاس كذلك ولا إشكال في هذا الأمر. طيب إذا وضعت في الشهر الرابع، ما رأيكم؟ نفس الأمر نقول هذا دم نفاس. طيب إن وضعت قبل ذلك قبل تخلق الجنين، الجنين يبدأ يتخلق بعد اليوم الثمانين، قبل تخلق الجنين هل هذا يعتبر دم نفاس أم يعتبر دم حيض أم يعتبر دم عرق دم استحاضة؟ نقول الظاهر والله تعالى أعلم، وهذا قد ذكرناه في باب الحيض والنفاس، نقول إذا كان هذا الدم على صفة دم الحيض والنفاس فهو دم أذى، فإن المرأة تترك لأجله الصوم والصلاة.

تترك لأجله الصوم والصلاة ولكن لن يجاوز هذا الدم 40 يوماً لأنها ليست نفاساً، قد تكون حائضاً إذا خرج هذا الدم على صفة دم الحيض والنفاس؛ يعني لا يهمنا هل هي حائض أو نفاس بقدر ما يهمنا أن هذه الصفة موجودة. فإذا كان دماً أسود مثلاً ثخيناً، لماذا؟ لأن دم الحيض والنفاس له صفة وهيئة، نحن قلنا إن هذا غشاء يتكون في جدار الرحم ينحت منه ويخرج، فلذلك له هيئة معينة تخصه، وذكرنا أن دم الحيض والنفاس هو غشاء واحد وهو دم واحد يخرج مخرجاً واحداً، فلذلك كون بعض الناس قال إن هذا ليس نفاساً نقول لا مانع ليس نفاساً ولكنه حيض، المرأة انقطع حيضها ثم الآن خرج حيضها. أما إن كان الدم الخارج هذا دم أحمر قاني، بمعنى مثلاً نفترض أنها قد وضعت مثلاً شيئاً أو قطعة بعد مثلاً 30 يوماً أو 40 يوماً، فربما يكون الخارج هذا دم عرق وليس دم حيض؛ لماذا يكون دم أحمر له صفات مميزة له؟ إذاً نحن نقول هذا دم عرق إلا إن كان في صفة دم الحيض فإنه يعد حيضاً، هذا هو التفصيل في هذه المسألة.

وأما إن كان بعد ذلك، يعني بعد تخلق الجنين، فهذا إن شاء الله تعالى ظاهر أنه دم نفاس ولا إشكال، لكن دائماً يحصل الإشكال إذا كان في الـ 80 يوماً فما دون. الـ 80 يوماً فما دون نحن نقول هذا دم عرق إلا إن كان فيه صفة دم الحيض فالظاهر والله تعالى من هذا يكون دم حيض وهو دم الأذى. وقد ذكرنا من قبل في باب الحيض والنفاس في كتاب وأبواب الطهارة أن دم الحيض والنفاس جنس واحد إلا أنه اختلف وقت خروجه فقط، فهذا يخرج شهرياً وهذا يخرج بعد الولادة، وإلا هو غشاء واحد ودم واحد يخرج من الرحم من مكان واحد بهيئة واحدة، لذلك المرأة لا يختلط عليها ولا يشتبه عليها دم الحيض بدم النفاس، وإنما تعرف صفته. ولا شك أن النساء أعلم بهذا الأمر وهن أعلم بالدماء التي تخرج منهن.

إذاً هذه هي المسائل المتعلقة بالأعذار المبيحة للفطر. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من الصائمين القائمين، وأن يجعلنا وإياكم ممن يتعلم العلم الشرعي ويكون حجة له لا حجة عليه، ويكون في حقه نافعاً ومباركاً. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.